المقالات في الصحف المحلية 68
13/6/2013
القدس
تهجير مباشر من القدس والاغوار حتى النقب !!
حديث القدس
مفارقة مسكوت عنها...
خيري منصور
حول معركة القصير ... والطائفية
يونس العموري
استراتيجية إسرائيل في مناطق منابع النيل
عاطف الغمري
المطلوب تقييم موضوعي للمرحلة الفلسطينية السابقة!
الدكتور عقل أبو قرع
توماس فريدمان - (نيويورك تايمز)
إسرائيل تعيش قصة يوسف
الاايام
أطراف النهار إسرائيل "الدانونية" ؟
حسن البطل
ومن تداعيات الانقسام، أيضاً ..
بقلم: طلال عوكل
د. فياض واستراحة المحارب
بقلم: د. عبد المجيد سويلم
غياب التمثيل الواسع عن حكومة الحمد الله
بقلم: حمادة فراعنة
الحياة الجديدة
حياتنا - بيت المقدس ودمشق
حافظ البرغوثي
"ماركو" عائد الى يافا!
امتياز دياب
مقالات صحيفة القدس
تهجير مباشر من القدس والاغوار حتى النقب !!
حديث القدس
رغم ان المحاكم لا تزال تواصل النظر في قضيتهم ، الا ان السلطات الاسرائيلية اصدرت اوامر بترحيل عشيرة الكعابنة عن مناطق اقامتهم منذ خمسين عاما ، في منطقة بيت حنينا بالقدس بالقرب من منطقة قلنديا التي اقاموا فيها مواقع استيطانية وصناعية كبيرة ويخططون للمزيد ، وذلك لإطباق الخناق على القدس من ناحيتها الشمالية وتمشيا مع مسار الجدار العنصري الذي يعزل عشرات آلاف الفلسطينيين من ابناء القدس ويعرضهم للعزل عن مدينتهم وذلك لتقليص اعداد الفلسطينيين الى اقصى حد.
وعملية التهجير هذه ليست الاولى من نوعها ولن تكون الاخيرة ، فقد هجّروا عائلات كثيرة في منطقة الاغوار وفي الموقع المحاذي للقدس من الجهة الشرقية وصولا الى مستوطنة معاليه ادوميم وغيرها .
وهم يعملون ايضا على تهجير عشرات العائلات الفلسطينية من اماكن سكناها في النقب داخل الخط الاخضر دون اي مبرر قانوني او اخلاقي سوى الرغبة بالتوسع والسيطرة ومضايقة المواطنين وذلك تحت مظلة مشروع قانون برافر الذي اذا اقرته الكنيست سيؤدي الى تهجير ما بين 30 - 40 ألف بدوي من ابناء النقب البدو وهو الامر الذي يثير قضية كبرى داخل اسرائيل حيث طالب 65 من حاخامات بريطانيا الحكومة الاسرائيلية بوقف تشريد هؤلاء المواطنين لأن لذلك تداعيات اجتماعية وسياسية كبيرة.
ومن المقرر ان يتم اليوم اضراب عام في النقب احتجاجا على مشروع القانون هذا بعد ان اثيرت عاصفة نقاش ساخنة في الكنيست ضده وبادرت الاحزاب العربية الى طلب حجب الثقة عن الحكومة بسببه ادت الى اخراج اربعة من النواب الفلسطينيين من قاعة البرلمان .
بالاضافة الى عمليات التهجير تبدو اسرائيل في سباق عكسي مع اقتراح حل الدولتين فهي تزيد الاستيطان ولا توقفه وتواصل عمليات الحفر بالقدس في اطار تهويدها وتغيير معالمها وطابعها وقد بدأت بالامس حفريات جديدة عن باب المغاربة بالاضافة الى كل الممارسات الاخرى اليومية ويجيء في مقدمتها زعرنات المستوطنين الذين يوالون حرق الاشجار والمزروعات والاقتحامات المتكررة للمسجد الاقصى المبارك تحت حراسة الشرطة .
وسط هذا الزحام من الاعتداءات يواصل البعض الحديث عن حل الدولتين وتكرر بعض الدول الكبرى كلامها المهنريء ان الاستيطان غير شرع وانه يعيق عملية السلام كما لا يتوقف البعض الاخر عن القول بضرورة بذل المساعي والوساطات الدبلوماسية لاستئناف المفاوضات وتحقيق السلام كما يواصل العالم العربي والاسلامي عملية السبات العميق تجاه كل هذه التطورات ويظلون مشغولين بعشرات القضايا الاخرى ولسنا بينها ولا نجد فلسطين وعاصمتها القدس اي مغيث سوى من اهلها الصامدين الصابرين فوق ارضهم والمتمسكين بكل حقوقهم مهما اشتدت التحديات وعظمت التضحيات.
مفارقة مسكوت عنها...
خيري منصور
لم يحدث من قبل أن كان المشهد السياسي في العالم العربي على هذا النحو من التعقيد، فهو لم يعد ثنائياً ينقسم إلى تقدمي ورجعي أو يميني ويساري، فقد دخلت الطوائف والمذاهب إلى عمق المشهد، وبدت التصنيفات السياسية التقليدية من يسار ويمين ووسط كما لو أنها مجرد أسماء مستعارة لشيء آخر تماماً، إذ سرعان من تغلبت الهوية الطائفية على الموقف السياسي، وكان لهذا المشهد مقدمات لكنها قُدِّمت على استحياء خلال العقود الماضية حين سقطت أقنعة اليسار واليمين والليبرالية والراديكالية ليتضح الانتماء الحقيقي .
كانت تضاريس المشهد وخطوط طوله وعرضه أقل تعقيداً وتشابكاً مما هي عليه الآن، لهذا لا نعجب إذا سمعنا خطاباً يزاوج بين متناقضات عدة ليستولد منها مُسوخاً سياسية، فالاختلاف الآن بلغ جدول الضرب وقواعد النحو بحيث لم نعد نعرف الفارق بين المفعول به والمفعول لأجله، والمبتدأ أو الخبر، وقبل هذه المرحلة التي تحول فيها العمى السياسي إلى وباء قومي، كانت الكلمات واضحة في التداول كما هي واضحة في القواميس، وعلى سبيل المثال كانت كلمة احتلال وحدها تكفي ومن دون حاجة إلى قرائن، كي نفهم منها أن الخطاب موجه عن فلسطين وكذلك كلمة تحرير، فلم تكن قد تعددت في دلالاتها بحيث نضطر إلى السؤال مَنْ تَحرَّر مِمَّنْ؟ أو مَنْ احتلَّ مَنْ؟
لهذا لا أرى فرقاً كبيراً بين ما قاله عالم اجتماع ألماني عن التغيّر الذي طرأ على دلالات المفردات بسبب سور برلين، وبين ما أحدثته حروب الخليج . فما كان مدرجاً في قائمة البديهيات تبدّل وكذلك الأولويات، أما الاستراتيجي سواء تعلق بالأمن القومي أو بسيادة الدولة، فقد تراجع ليحل مكانه الإجرائي والعاجل، على طريقة عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة، رغم أن عصفور اليد قد يكون ميتاً أو مهيض الجناحين .
إن ثقافة جديدة سادت خلال الثلاثين سنة الماضية لم تُرْصَدْ بعدُ، ولم يقل لنا علماء الاجتماع والنفس ماذا حل بنا، وإن كان بعض المثقفين مثل د . جلال أمين أصدروا كتباً ذات عناوين مثيرة للفضول من طراز “ما الذي حدث للمصريين؟” .
إن استخدام المناهج والأدوات التقليدية لتشريح هذه الظواهر الطارئة والهجينة لن ينتهي بنا إلا إلى مزيد من الإرباك، ولو شئنا اختصار المسألة كلها لقلنا بلا مواربة أو تردد، إننا نحاور أطروحات ما بعد الحداثة سواء كانت نظريات سياسية أو حروباً بأدوات ما قبل الحداثة، وتلك هي المفارقة المسكوت عنها .
حول معركة القصير ... والطائفية
يونس العموري
ويكون ان يأتي النبأ العظيم بالنصر المؤزر بالقصير بعد ان تحركت جحافل القوات المؤدلجة المؤمنة ايمانا عميقا بالأحقية بالدفاع عن النظام والتنظيم وعن ولاية الفقيه فكان ما كان من من جولات في معارك تقرير المصير لشد أزر النظام العنيد الذي يأبى الا ان يكون الاسد هو الرئيس للأبد ....
ويكون ان يأتي النبأ العظيم بدحر كل التكفيرين وقتالهم في عقر دارهم وهدم تحصيناتهم لتتحول بذلك المعركة الى طائفية مذهبية من الطراز الاول بصرف النظر عن تقاطع المصالح، وكان قد اعلن السيد المعمم بعمامة اشراف آل البيت ان القتال واجب بارض الشام بهدف حماية مراقد ال البيت وتحديدا مقام السيدة زينب، تلك السيدة التي تمثل ايقونة المظلوم ورمز فقراء الظلم والذين عاشوا وعايشوا ويلات الطاغية والديكتاتورية تلك السيدة التي شهدت مقتل أخيها الحسن بعد أن غدرت به زوجته .. ووقفت على اغتيال أخيها الحسين وهو رأسه يُجز ... واقتحمتها مشاهد قتل صغار بيتها لكنها دفنت أحزانها في قلبها ومضت لتحافظ على ما تبقى من أهل بيت الرسول إنها هي المرأة الشامخة .. السيدة زينب ....
السيدة التي اصبح عموم الفقراء يضعون في غدوهم ورواحهم همومهم بين يديها ... السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفاطمة الزهراء وأخت الحسن والحسين .. يناجونها في كروبهم .. ويرسلون إليها بخفقات قلوبهم ويرجون منها المعذرة لأنهم قصروا في حقها .. اعتبروها أمهم جميعاً.. فهم عاجزون بأكثر مما ينبغي وهي طاهرة وعارفة بأحوالهم ، ولذلك فهي أم العواجز التي يهرعون إليها..وعندما يفرحون تجدهم قد توجهوا إلى ضريحها المعروف باسمها لتشاركهم فرحتهم يفعلون ذلك فقط لأنهم يعرفون أن السيدة زينب نفسها كانت رمزاً للبطولة شجاعتها كانت نادرة واجهت جيوش الظلم لم تخضع لها.. ولم تطلب من أحد الرحمة.. فقد كانت تعلم أن الأمر بيد الله وحده ومنه يكون الفرج . ويكون ان يأتي من يمتلك القوة ضد الفقراء بحواري وازقة دمشق وعموم سوريا ليعلن الحرب عليهم لا لشيء الا لكونهم قد طالبوا بالحرية والخلاص من حكم يزيد ومعاوية في العصر الجديد فبشار استورث الحكم من ابيه وقد كان وما زال ابن ابيه ويزيد انتزع الخلافة من ابيه وكان قد حاول انتزاع البيعة من الحسين وكان قد قتل ابن الزبير على اعتاب ستائر الكعبة والسيدة زينب قد شهدت فعل القتل وجز الراس بالسيف وقد يكون ايضا زينب ابنة القصير وحلب وحمص قد شهدت الواقعة مرة اخرى فعن اي حماية لمقام السيدة زينب يكون الحديث الان وهي شاهدة على ممارسة القتل وقطع الرؤوس من جديد ..؟؟ ...
ويأتيك اليوم من يرى بابن الاسد اميرا ممن وجب ويجب الدفاع عنه وفي هذا المقام وبذات السياق لا نشك بالمطلق بفاشية تجار الدين الحنيف ومن يسمون انفسهم الان خط الدفاع الاول عن نصرة سوريا ومن يمتشقون السلاح ضد النظام تحت اسماء ومسميات ليس لها علاقة بالمطلق بفقراء سوريا المقهورين من ويلات فاشية النظام البوليسي وممن يولون انفسهم اولياء الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم بحقيقة الامر تجار محترفون في اسواق الاتجار بالدين الحنيف والمزاد العلني على الاشهاد مفتوح في بيداء العرب والصراع هنا بات بعد ان تحركت جحافل اولياء الفقيه وبأمر مباشر مذهبي مقيت ما بين شيعة وسنة وبالتالي اصبحت المعادلة شئنا ام أبينا معادلة اخرى ليس لها علاقة مباشرة بالظالم والمظلوم وتبدلت المواقع والامكنة وصار القتل والذبح بأمر ممن يلقون على مسامع العباد فتاوى منطلقة من التفسير الخاص بكل منهم لحقيقة حماية المرحلة والمذهب الديني جزء من معتقدات الجهاد والقتال في هذا المضمار وفقير سوريا ومن حاول ان ينطق منطقا حكيما جاهدا مجاهدا في سبيل حريته واحقيته بانسانيته توارى عن الانظار واصبح هو الهائم على وجهه بالبراراي باحثا عن خيمة اللجوء مطاردا مطرودا من وطنه ومن بيته وملاحقا من اولياء الفقيه ومن اصحاب العصمة بالنصرة والانتصار والويل بالانتظار لمن يخالف هذا الفريق او تلك الجهة في ساحات الوغى ....
ما نريد قوله بهذا السياق ان السادة في حزب الله حينما اعلنوا الجهاد والقتال الى جانب نظام بشار الاسد مع الاختلاف الكبير ما بين حكم بشار الاسد ومنطلقاته وعلى الاقل منطلقات حزب الله ومنهجه ونهجه مع تفهمنا الكبير لطبيعة المصالح والتحالفات ورسم الخارطة الوجودية في المنطقة وتأثيراتها ومع ادراكنا لطبيعة صراع وتصارع المحاور على الساحة الشرق اوسطية الا ان هذا القتال قد تحول الى قتال طائفي ولا احد ينكر او يستطيع انكار دوافع ومنطلقات قتال حزب الله بالظرف الراهن الى جانب النظام السوري وضد كل من يحمل السلاح بوجهه وهو الامر الذي من شانه احالة حقيقة الصراع هنا ما بين قوى ظلامية تحاول الانتقام من عصر يزيد الجديد وقوى اخرى تتخندق بالمدهبية الدينية وتناهض الشكل الاخر للتفسير الديني وان كانت صاحبة رؤية ومشروع ضد كيان الاحتلال وحلفائه بالمنطقة وبالتالي تبدلت المعايير والمقاييس والالويات اختلفت باختلاف وجهة وواجهة الصراع بشكل انحرافي والاثمان يدفعها فقراء الشعب السوري وكل مكوناته وموروثه التاريخي والحضاري يتم تدميره بشكل ممنهج في محاولة لتقسيم الوطن وتفريغ المواطن من محتواه الانساني واحالته الى مجرد كائن يأتمر بأوامر من يمشتقون السلاح في سبيل ارضاء حكم امراء جماعات التكفير واخراج العباد من الملة والأمة وممن يتقنون صناعة ارضاء وتنفيذ تعاليم ولي الفقيه القابع بطهران او بالعتبات المقدسة، انه الصراع الطائفي المذهبي بكل تجلياته قد اعلن عن ذاته يوم ان اعلن السيد صاحب نظرية المواجهة حتى اخر رمق مع مشروع الدولة اليهودية حيث انه قد قال انه ذاهب للدفاع عن مقام السيدة زينب بدمشق وبذلك اصبحت زينب من جديد ممن سيشهدون واقعة كربلاء وهذه المرة من يقف مكان يزيد وجيشه هم انفسهم من قتلوا الامام الحسين على مرآى ومسمع من السبايا
موكب السبايا ايها السادة يعبر الان كل المدن وتقوده السيدة زينب بشكل او بأخر وهو ذاته الموكب المتشكل من جموع فقراء سوريا الذي يجتاح كل العواصم والسادة يتقاتلون على عرش معاوية الذي يتحالف بشكل ملفت للإنتباه مع من كان بالامس نصيرا لفقراء حواري دمشق وكان الاجدر به ان يقف الى جانبهم ضد طغاة الشام على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم العرقية او الطائفية او المذهبية ....
إستراتيجية إسرائيل في مناطق منابع النيل
عاطف الغمري
جذبت أزمة “سد النهضة” في إثيوبيا، وما أظهرته تقديرات الخبراء المختصين، من أنه يحمل نتائج خطرة بالنسبة إلى استقرار تدفق مياه النيل على مصر، ووجود علاقة لإسرائيل بمشروعات إثيوبيا على مياه النيل، الأنظار إلى استراتيجية إسرائيلية معلنة ومعروفة، للوجود في مناطق العمق الاستراتيجي لمصر، خاصة من ناحيتها الجنوبية في إفريقيا .
كانت بداية هذه الاستراتيجية، في أواخر الخمسينات، التي وضعها ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، وعرفت باسم محيط الدائرة Periphery Theary ، وتعني القفز على إطار الدائرة العربية المحيطة بإسرائيل، إلى الدول الواقعة خارج محيط الدائرة، وركزت في البداية على دول إسلامية يفترض بالضرورة أن تكون رصيد قوة للعرب . فإذا وصلت إسرائيل إليها، وأقامت معها ارتباطات وعلاقات تعاون واسعة النطاق، لأمكنها أن تبدد نصيب العرب من هذا الرصيد .
وهو ما نجحت فيه إسرائيل عقب إنشائها، بعلاقات مبكرة، عسكرية، واقتصادية، ومخابراتية مع إيران وتركيا .
ثم استكملت خطواتها طبقا لهذه النظرية، في العام 1991 بعلاقات تعاون متعددة النواحي مع دول آسيا الوسطى الإسلامية، عقب استقلالها عن الاتحاد السوفييتي .
إفريقيا لم تكن بعيدة عن فكرة هذه النظرية، بهدف النفاذ إلى مناطق العمق الاستراتيجي لمصر، من ناحيتها الجنوبية، خاصة عند منابع النيل .
وهو ما كشف عنه التقرير المقدم في أيلول 2008 إلى حكومة إسرائيل، من أفي ديختر، وزير الأمن الإسرائيلي، وتحدث فيه عن الساحات المحيطة بإسرائيل، والتي تمتد إلى إفريقيا .
إن نظرة إسرائيل إلى مياه النيل ليست جديدة، وقد تناولتها دراسات للمؤسسات الإسرائيلية المختصة بالمياه في الفترة من 1964 - ،1976 وهي الفكرة نفسها التي طرحها شمعون بيريس في كتابه الصادر العام 1993 بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، الذي ركز فيه على احتياج إسرائيل إلى زيادة سريعة في مواردها المائية . وقال بالتحديد إن أفضل مصادر المياه موجودة عادة خارج حدود الدول التي هي في أشد الحاجة إليها .
وارتبط بهذا التفكير اهتمام إسرائيل بخلق وجود لها في منطقة منابع النيل، ليس فقط من أجل الاستفادة المباشرة منها، بل أيضاً لخلق مشكلات تؤثر في مصر واستقرارها .
إن إسرائيل تعمل وفق استراتيجية طويلة المدى، تنفذ على مراحل زمنية، تعتمد على حالة توازن القوى بينها وبين الدول العربية، وعلى وضع العرب قوة أو ضعفاً . ولم يتغير مسار هذه الاستراتيجية منذ قيامها العام 1948 بل ومن قبل ذلك حين كانت إسرائيل مجرد فكرة، في خطة عمل الحركة الصهيونية، في أول القرن العشرين .
لقد كانت المواجهات بين مصر وإسرائيل، تتم من خلال حروب إسرائيل من اتجاه الحدود الشمالية الشرقية لمصر من سيناء، لكنها بحكم كونها دولة، تتحرك وفق خطط استراتيجية متعددة الأبعاد والمراحل، فإنها لم تكف عن التحرك المكمل لخططها العسكرية، بمد نطاق حركتها بوسائل أخرى غير عسكرية، تنفذ إلى العمق الاستراتيجي لمصر، إذ تُعدّ إفريقيا منطقة حيوية لأمن مصر القومي، بسبب تدفق مياه النيل منها .
وإذا كانت الأنظار تتركز طوال عشرات السنين الماضية، على جبهة سيناء في الصراع مع إسرائيل، فقد كان ينبغي لأي تفكير استراتيجي، ألا يتجاهل متابعة ما يجرى في مناطق العمق الاستراتيجي جنوباً .
واللافت للنظر أن الضغوط الحالية في الجبهة الجنوبية الإفريقية، تشتد في الوقت نفسه الذي تتكثف فيه ضغوط أخرى على محور الأمن القومي في سيناء، بتكرار حوادث وعمليات التفجيرات، وقتل، وخطف الجنود .
إن التحرك الإسرائيلي في إفريقيا - العمق الاستراتيجي لمصر - لم يكن قاصراً على جانب واحد من العلاقات مع دول هذه المنطقة، لكنه تشعب إلى مختلف فروع العلاقات، خاصة مع دول حوض النيل، فإسرائي” درست أوضاع هذه الدول، واحتياجاتها، وجهزت مشروعات تقدمت بها إليها، سهلت لها الدخول معها في مشروعات مشتركة، اقتصادية، وزراعية، ومائية، وبنوك . وكانت إثيوبيا على رأس هذه الدول، التي كانت إسرائيل محفزة لها بناء “سد النهضة”، ثم عهدت إثيوبيا مؤخراً إلى شركة إسرائيلية، بمهمة إدارة وتسويق الكهرباء التي ينتجها السد .
لقد كان لمصر وجود قوي ومؤثر ورائد، في القارة، منذ سنوات مناصرتها لحركات التحرر الإفريقية، وتصفية الاستعمار الأجنبي، لكن حدث بعد ذلك انسحاب معنوي من القارة، وتضاؤل الاهتمام بالعلاقات معها . وهو أمر يتعارض مع مفهوم الفكر الاستراتيجي الذي يضع على أولوياته، الوجود في المناطق المؤثرة في الأمن القومي للدولة . فما بالنا وهذه المناطق بها منابع الحياة لمصر؟
إن الوضع الخطر الذي يتسبب فيه مشروع السد الإثيوبي، لا ينبغي بعد إيجاد حلول له، التوقف عند هذا الحد، لأن المصالح العليا للدولة تقتضي حنكة التفكير السياسي الواعي الذي يبلور رؤية استراتيجية لخريطة علاقات مع إفريقيا متعددة الأبعاد، تتحرك في كل اتجاهات التعاون والتقارب .
المطلوب تقييم موضوعي للمرحلة الفلسطينية السابقة!
الدكتور عقل أبو قرع
مع اداء الحكومة الفلسطينية الجديدة اليمين قبل عدة ايام، ومن ثم بدء اعمالها، لا يجادل الكثير ان مرحلة فلسطينية داخلية قد انتهت وبالتالي بدأت مرحلة اخرى، هذا رغم ان غالبية الوجوه التي عملت في الحكومة السابقة واصلت المشوار في الحكومة الحالية، ولكن غياب رأس هرم الحكومة السابقة، اي الدكتور سلام فياض، ربما يعني ان نهجا ورؤيا واسلوب وقيادة على الصعيد الفلسطيني الداخلي اليومي قد انتهى، وان مرحلة جديدة قد بدأت.
ولا يجادل الكثير ان تلك المرحلة بأيجابياتها او سلبياتها، كان للدكتور فياض بصمات فيها، وان تغييرات عديدة حدثت او امور تمت، كان من الممكن ان لا تتم لو لم يكن الدكتور فياض على رأس تلك الحكومة، وبأن ثقافة عمل او مجموعة من الافكار قد ترسخت او استحدثت، بناء على رؤيا او اسلوب او نهج او سلوك له علاقة ما بالدكتور فياض، وهذا بالامر الطبيعي، ان يكون لاشخاص قياديين وعلى رأس العمل نماذج خاصة يعملون من خلالها، او لارسائها، وهذا ينطبق على الحكومة، او على شركة، او بنك، او مؤسسة اهلية او دولية او حتى مدرسة او مجلس محلي.
ولكن الظروف الفلسطينية الخاصة، وما اتصفت وتتصف به من تغيرات سريعة، ومن امور كان وما زال من الصعب التنبؤ بها، ومن بيئة محيطة تتربص، وفي احيان عديدة تعرقل الانجازات والتقدم والبناء، ومن ظروف عربية ودولية تتغير بسرعة، ومن مرحلة فلسطينية حساسة وغير طبيعية بكل ابعادها، ومن عدم التحكم في الموارد وفي الحدود والمعابر وحتى من عدم التحكم في التنقل من هنا وهناك، ومن ظروف استثنائية قد لا تنطبق على اية اوضاع او عمل اية حكومة اخرى، ليس فقط في المنطقة، ولكن ربما في العالم، تجعل تقييم المرحلة الحكومية السابقة، بشكل موضوعي علمي، مبني على الحقائق والاحداث والدراسات، وبشكل يأخذ بعين الاعتبار وجهات النظر او الاطياف المختلفة، لهو امر مهم وضروري للاستفادة منه للحاضر وللمستقبل.
وبموضوعية بحته، لا يمكن الحكم على تلك المرحلة الفلسطينية السابقة، اي مرحلة الدكتور فياض، قبل اجراء عملية التقييم، والذي يجب ان يكون بالامر الطبيعي لكل المراحل الفلسطينية الحالية واللاحقة، وبغض النظر عن مدتها او طبيعتها او تأثيرها، والتقييم في العادة، يأخذ بعين الاعتبار الاهداف التي وضعت في بداية المرحلة، وفي هذه الحالة مرحلة او حقبة الدكتور فياض، ومن ثم مدى ما تحقق من هذه الاهداف في نهاية المرحلة، هذا ببساطة ولكن التقييم العلمي الموضوعي هو ابعد واعمق واشمل من هذا.
ومعروف ان دوائر او اقسام التقييم والمتابعة، باتت تشكل جزء اساسيا من عمل المؤسسات، وبندا هاما ذو ميزانية خاصة لاي مشروع، او برنامج، والتقييم وبالاضافة الى قياس ما تحقق من الاهداف فأنه يأخذ بعين الاعتبار امور هامة اخرى، منها هل تحققت الاهداف بأقل التكاليف او بأفضل استخدام للمصادر المتوفرة او المتاحة، سواء اكانت مصادر بشرية او مادية، وهل تحققت الاهداف في الفترة الزمنية التي تم رصدها لذلك، وهل الاهداف التي تحققت ترتبط بمصالح الناس او هي الاهداف التي كان يطمح لها الناس، وهل ما تحقق تم بطرق او بأساليب تتصف بالنزاهة والشفافية وبطريقة عمل تتصف بالجودة والدقة، والاهم كذلك هو هل ما تحقق من الاهداف هو مستدام ، اي يتصف بالاستدامة، ويثبت ولا يتلاشى مع انتهاء المرحلة، وفي هذه الحالة مرحلة الدكتور فياض.
ومعروف ان بناء المؤسسات وبانواعها من مالية وقانونية وامنية، وتطبيق القوانين او ترسيخ ثقافة القانون والعمل بنزاهة وشفافية، وتوطيد نظام المحاسبة والمتابعة، والاعتماد على الذات وعلى الموارد الذاتية، كانت من ضمن الاهداف التي وضعتها ومن ثم سعت الحكومة السابقة لتحقيقها، وربما كان هناك اهداف اخرى.
ولذا فأن من واجب التقييم الموضوعي للمرحلة الفلسطينية السابقة هو الاجابة على عدة اسئلة، مثل هل تحققت الاهداف؟ واذا تحققت كيف تم ذلك؟ وبأي ثمن او بأي تكاليف وبأي اسلوب؟ وما الفائدة التي جناها او يجنيها الناس او المواطن من ذلك، والاهم هل ما تحقق هو مستدام، وهل سيبقى او هل سيختفي مع انتهاء تلك المرحلة؟ والاهم كذلك هو استخدام نتائج التقييم لصالح المرحلة الحالية والمراحل القادمة، والاهم كذلك هو ارساء ثقافة المتابعة والتقييم المبني على اسس موضوعية كثقافة راسخة من ثقافة العمل الفلسطيني.
إسرائيل تعيش قصة يوسف
توماس فريدمان - (نيويورك تايمز)
بأي قدر قد يحب المرء أن يكون استراتيجياً إسرائيلياً في هذه الأوقات؟ الآن، تعيش، حتى تركيا نفسها، في حالة اضطراب، ويضغط شعبها مرة أخرى على زعيمهم الاستبدادي باطراد. أعني -إلى هناك، إلى الأزمات، يذهب الجوار. والخبر السار بالنسبة لإسرائيل في هذا هو أن جيرانها القريبين مستغرقون كثيراً في شؤونهم الداخلية حتى أنهم لا يستطيعون التفكير في تهديدها. أما على المدى الطويل، مع ذلك، فإن إسرائيل تواجه تحديين خطيرين، واللذين أسميهما: قصة ستيفن هوكينج، وقصة يوسف.
في حال فاتتك معرفة ذلك، فإن هوكينج، عالم الفيزياء والكونيات البريطاني، ومؤلف كتاب "تاريخ موجز للزمن"، ألغى زيارة كان مقرراً أن يقوم بها لإسرائيل هذا الشهر لحضور المؤتمر الرئاسي الإسرائيلي السنوي الخامس. وقالت جامعة كيمبردج، حيث يعمل هوكينج أستاذاً، إن هوكينج كان قد أخبر الإسرائيليين بأنه لن يحضر "بناء على نصيحة من الأكاديميين الفلسطينيين له بأن يحترم مقاطعة" إسرائيل بسبب احتلالها الضفة الغربية.
وفي تعليقه على ذلك، قال يغئال بالمور، من وزارة الخارجية الإسرائيلية: "لم يسبق أبداً لعالم بهذه المكانة أن قاطع إسرائيل". وأنا أختلف بشدة مع ما فعله هوكينج. ينبغي تحدي الإسرائيليين وليس مقاطعتهم. (فبعد كل شيء، الفلسطينيون مخطئون أيضاً). ومع ذلك، وجد عمل الأكاديمي صدى واسعاً. وقالت صحيفة "بوسطن غلوب" إن قرار هوكينج هو "وسيلة معقولة للتعبير عن وجهات نظر المرء السياسية. ولا يحتاج المراقبون إلى أن يتفقوا مع موقف هوكينج ليتفهموا -بل وحتى يحترموا اختياره. فالحركة التي انضم إليها تهدف إلى ممارسة الضغط على إسرائيل من خلال الوسائل السلمية".
كما تجدر الملاحظة، لم تكن هذه صحيفة الأهرام. كانت صحيفة بوسطن غلوب -في تذكير بأنه في هذا العصر المليء بالشبكات الاجتماعية، والثورات الشعبية، والأفراد فائقي التمكين، فإن "الرأي العام الدولي أصبح أكثر أهمية وليس أقل أهمية"، كما يلاحظ المنظر السياسي الإسرائيلي يارون إزراحي، مؤلف كتاب "ديمقراطيات متخيلة". وفي حالة إسرائيل، فإن سلوكها يخلق موجة قوية من الرأي العام الدولي، ولا سيما في أوروبا وفي حرم الجامعات، والتي تقوم على فكرة أن إسرائيل دولة منبوذة بسبب احتلالها الضفة الغربية. وليس هذا الاتجاه جيداً لإسرائيل. إنه يجعلها أكثر اعتمادية بكثير على أميركا وحدها في الحصول على الدعم.
ومع ذلك، يتزامن هذا الاتجاه العالمي مع انهيار كامل في البيئة الإقليمية التي توجد فيها إسرائيل. وتعيش إسرائيل اليوم نسخة من "قصة يوسف" الإنجيلية، حيث حبّب يوسف نفسه لفرعون حين فسّر له أحلامه على أنها تحذير من أن سبع سنوات سمان سوف تعقبها سبع سنوات عجاف، وأن هناك بالتالي حاجة لأن تقوم مصر بتخزين الحبوب. وفي حالة إسرائيل، فإنها استمتعت، نسبياً، بأربعين عاماً من السنوات السمان بوجود حكومات مستقرة من حولها. فعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، استولت فئة من القادة العرب على السلطة، وتمكنت من الجمع بين أموال النفط المباشرة أو غير المباشرة، وبين أجهزة الاستخبارات المتعددة، بدعم إما من أميركا أو روسيا، من أجل تثبيت أنفسها في السلطة لعقود متعددة. وقد استخدم كل هؤلاء القادة قبضاتهم الحديدية للإبقاء على صراعاتهم الطائفية -السنة مقابل الشيعة، والمسيحيون مقابل المسلمين، والأكراد واللاجئون الفلسطينيون مقابل الجميع- تحت السيطرة. كما أنهم أبقوا الإسلاميين لديهم تحت الأرض.
الآن، ومع تعرض هؤلاء القادة الحديديين للإطاحة بهم -صحيح أيضاً أنه ما يزال على ديمقراطيات متعددة الطوائف ذات حكومات فعالة أن تظهر في مكانهم بعد- فإن إسرائيل يحتمل أن تواجه عقوداً من الحكومات غير المستقرة أو اللاحكومات في جوارها. وليس هناك سوى الأردن فقط هو الذي يعرض لإسرائيل حدوداً عادية. أما في المناطق الأبعد منه، فإن إسرائيل تنظر إلى دول غير عاملة ومفككة، والتي إما أنها تنهار (مثل مصر، العراق، لبنان، البحرين وليبيا) أو تنفجر (مثل سورية).
لكن هناك ما هو أسوأ من ذلك: إن هؤلاء القادة الحديديين لم يقوموا بقمع مختلف القوى السياسية في مجتمعاتهم فحسب، وإنما تجاهلوا بشكل سيئ أيضاً أمر العناية بمدارسهم، وبيئاتهم، وبتمكين النساء وانفجارات السكان. واليوم، أصبحت كل هذه الفواتير مستحقة الدفع في وقت تبدو فيه حكوماتهم عند أقل قدر من القدرة على التعامل معها.
وهكذا، يجب أن يكون الموضوع الرئيسي للاستراتيجية الإسرائيلية في السنوات المقبلة هو "المرونة" - كيفية الحفاظ على بيئة آمنة نسبياً وإدامة اقتصاد مزدهر في منطقة تعاني من الانهيار. وفي رأيي، يجعل ذلك من مسألة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أكثر أهمية من أي وقت مضى، لثلاثة أسباب: 1) لعكس اتجاه نزع الشرعية الدولية الذي يطبق على إسرائيل؛ 2) لقطع صلة إسرائيل بأكبر قدر ممكن من الصراعات الإقليمية المستعرة من حولها؛ و، 3) لعرض نموذج.
ليس هناك نموذج ناجح للحكم الديمقراطي في العالم العربي في الوقت الحاضر -الإسلاميون مخيبون تماماً. لكن لدى إسرائيل -إذا كانت للتشارك مع القيادة الفلسطينية المعتدلة الحالية في الضفة الغربية- فرصة لخلق دولة حديثة، مزدهرة اقتصادياً، علمانية وديمقراطية، حيث المسيحيون والمسلمون يعيشون جنباً إلى جنب -بجانب اليهود. وسيكون من شأن ذلك أن يكون مثالاً قيماً للغاية، خصوصاً في الوقت الذي يفتقر فيه العالم العربي إلى أي شيء من هذا القبيل. ثم أن العالم في جزئه الأكبر لن يضن على إسرائيل بالإبقاء على قواتها عند نهر الأردن -كما سيكون ضرورياً نظراً لعدم الاستقرار السائد فيما وراءه- إذا ما تنازلت عن معظم الضفة الغربية والأحياء العربية من القدس الشرقية.
معاً، يمتلك الإسرائيليون والفلسطينيون القدرة فعلاً على خلق نموذج لما يمكن أن تبدو عليه دولة عربية لائقة، ما بعد سلطوية، ومتعددة الأديان. لا شيء سيعالج الاحتياجات الاستراتيجية بعيدة المدى للشعبين أفضل من ذلك. ومن السيئ للغاية أن قادتهما اليوم ليسوا بعيدي النظر مثل يوسف.
مقالات جريدة الأيام
أطراف النهار إسرائيل "الدانونية" ؟
حسن البطل
هل أسألكم سؤالاً غريباً: ما الفرق بين سقراط فيلسوف المنطق الصوري، وهذا "الفلعوص" نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، داني دانون، ولعلّه فيلسوف المنطق السياسي الإسرائيلي العملي.
ماذا قال سقراط، وماذا يقول دانون؟ الأول قال: كل إنسان فان. سقراط إنسان. سقراط فان. الثاني يقول: الحكومة لا تؤمن بحل الدولتين. الحكومة لا تريد هذا الحل. الحكومة ستفعل كلّ شيء لإسقاط الحل.. وهذا هو المنطق العملي لسياسة حكومة (حكومات) نتنياهو، وهو أطول رئيس وزراء إسرائيلي حكماً في حقبة ما بعد أوسلو.
(9 سنوات من أصل 20 سنة) وهو ضد أوسلو من البداية.
في إسرائيل اعتادوا القول: بن ـ غوريونية، وبيغينية، ولم يعتادوا القول: رابينية وشارونية. لماذا؟ الأول أعلن قيام الدولة، والثاني وقّع أول اتفاقية سلام مع أكبر دولة عربية.. وفي إطارها حكم ذاتي فلسطيني.
صحيح أن رابين وقّع أول اتفاق مبادئ مع الفلسطينيين ولكن بطولة "الأوسلوية" كانت ناقصة وأنهتها رصاصات القاتل الضاحك إيغال عمير في ظهر رابين، وأما الشارونية فأنهتها نوبة "موت سريري" لصاحبها، وصاحب فكرة الانسحابات أحادية الجانب من غزة، وجزئياً من مستوطنات منطقة جنين، وماتت نظرية "الانطواء" وبرزت نظرية "الحل بدولتين".
المؤبّنون يتكاثرون، ولكل أسبابه وذرائعه، حول موت نظرية "الحل بدولتين". نتنياهو لا يؤبّنها، لكنه يدفعها إلى "موت سريريّ". من جهة أعلن في خطاب جامعة بار ـ إيلان أنه معها، ومن جهة أخرى سمّمها بمطالبته الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل اليهودية، وبإطلاق الاستيطان من عقاله.
قيل الكثير من الأسباب لرفض الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، ولعلّ أبرزها أن إسرائيل الصهيونية ـ اليهودية لا تعترف بقسطها الأساسي في "النكبة" الفلسطينية، وتالياً لا تعترف، ولو مبدئياً، بحق العودة، وحكومات نتنياهو الثلاث لا تعترف رسمياً بأساس "الحل بدولتين" أي بالقدس عاصمة دولتين، ولو أن ايهود باراك وايهود أولمرت وافقا على المبدأ، لكن أي حكومة إسرائيلية لم تناقش هذا المبدأ، ولم تقرّه في اجتماع رسمي.
أيضاً، دون حاجة إلى منطق "الدانونية" العملي من "الحل بدولتين" فإن الحكومة لم تناقشه مجرد نقاش في اجتماع رسمي، بل ولم تناقش مبادرة السلام العربية، رغم أن نتنياهو لوّح أنه مستعدّ للتفاوض حولها.. دون شروط مسبقة!
على ماذا استند نائب وزير الدفاع، داني دانون؟ مثلاً إن 48 نائباً في ائتلاف حكومي له في البرلمان 68 صوتاً سوف يمنعون أي نقاش في الحكومة حول "حل الدولتين"، وتالياً سوف يسقطونه في الكنيست.
في المقابل، فإن "حكومة" م.ت.ف، أي اللجنة التنفيذية ناقشت وأقرّت ووافقت على فكرة "الحل بدولتين"، وهذا يعني، ضمناً، الموافقة على "دولتين لشعبين" إن وافقت حكومة إسرائيل على أنها تحكم في بلادها إسرائيل، لا في "أرض ـ إسرائيل" شعبين، أي حكومة "جميع رعاياها" ودولة "جميع رعاياها".
ماذا نجد على أرض الواقع؟ كان الفلسطينيون في دولة إسرائيل (التي لا تعترف رسمياً بقسطها في النكبة) حوالي 150 ألف إنسان، صاروا مليونا وربع المليون، دون أن تسمح حكومة إسرائيل ببناء مدينة أو بلدة عربية واحدة ودون أن تسمح بجامعة عربية في إسرائيل (بل بجامعة للمستوطنين في "أريئيل").
ما هي الخطوة العملية الأولى للقبول بـ "حل الدولتين"؟ إنها الموافقة المبدئية على ترسيم الحدود بين دولتين، وإن يكن ليس على خطوط 1967 بل على أساسها؟ نتنياهو لا يوافق، بل يقول إن المبدأ هذا قابل للتفاوض، أي يضع شرطاً مسبقاً ويقول بمفاوضات دون شروط مسبقة! وزيرة العدل والقضاء، تسفي ليفني، هي من أطلق على منطق دانون العملي اسم "الدانونية" وطالبت نتنياهو بإقالته، لأنه فضح طابق حكومة إسرائيل، وليس فقط أمام جون كيري، صاحب فكرة بناء دولة فلسطين من ثلاث مراحل أو طبقات: اقتصاد، أمن.. وحل سياسي مرتبط بهما.
في خطبته الموسّعة، مطلع هذا الشهر، أمام لجنة العلاقات الأميركية ـ اليهودية، اقتبس كيري عبارة من العبرية، وكلمة من العامية الفلسطينية هي "استنّى" أي انتظر.
إنه ينتظر أسابيع، شهوراً، أن تنطق حكومة نتنياهو بالكلمة السحرية "ترسيم حدود". حكومة نتنياهو لن تنطق، وإن نطقت لن تفعل. لماذا؟ "الحكومة لا تؤمن بحل الدولتين. الحكومة لا تريد هذا الحل. الحكومة ستفعل كل شيء لإسقاط الحل".
.. ومن تداعيات الانقسام، أيضاً ..
طلال عوكل
يوم بعد آخر يكتشف من يبحث عن الحقيقة من الفلسطينيين أن الانقسام الخطير الذي وقع في مثل هذه الأيام قبل ست سنوات، ولا يزال مستمراً حتى اللحظة، وبدون أمل قريب في إنهائه، نقول إن هذا الانقسام يذهب في خطورته إلى ما هو أبعد بكثير من الآثار المباشرة التي تتصل بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
"الربيع العربي"، الذي يتغنّى الكثيرون بحلوله قبل أكثر من عامين، ينطوي على المدى المنظور على خريف للفلسطينيين، قضية وشعباً، فإذا كان العراقيون يعتبرون أن "ربيعهم" قد بدأ بالإطاحة بنظام البعث، وإعدام رئيسه صدام حسين وقياداته، فإن الفلسطينيين على قلة عددهم في العراق، قد دفعوا ثمناً باهظاً، حيث تعرضوا للقتل والملاحقة والتهجير.
لم يكن ما تعرض له الفلسطينيون في العراق الذين كان عددهم يناهز الأربعين ألفاً، مرتبطا بالموقف الفلسطيني العام، من الغزو الأميركي والدولي للعراق ولا بدوافع الصراع الذي أطاح بنظام صدام حسين، بل كان ذلك بدوافع طائفية، وبدوافع الانتقام على خلفية احتضان عراق ما قبل الغزو للفلسطينيين. وفي سورية، ومنذ اندلاع الصراع الداخلي فيها، تعرض الفلسطينيون ومخيماتهم ومقدراتهم، لدمار كبير، وخسائر فادحة، وعملية تهجير واسعة. حتى الآن قدم الفلسطينيون الذين يناهز عددهم ستمائة ألف في سورية، أكثر من ألف وأربعمائة شهيد، وآلافا من الجرحى والمعتقلين، أما الهجرة الخارجية والداخلية، فقد بلغت مئات الآلاف ومع أن الفلسطينيين عموماً في سورية، ونقصد المواطنين، امتنعوا عن الانخراط، إلاّ من آحاد، أو ربما عشرات، في الصراع الداخلي السوري إلاّ أنهم دفعوا جزءاً من الثمن الذي يتكبدونه بسبب اختلاق سياسات ومواقف القوى السياسية الفلسطينية.
القيادة الفلسطينية بصفة عامة، حرصت حتى الآن على اتخاذ موقف محايد من الصراع السوري الداخلي، وعلى تجنيب الفلسطينيين تبعات الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، وذلك من واقع إدراكها لخطورة مثل هذا الانحياز، واستجابة لسياسة قديمة جديدة تقول بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي، مع أن كل البلدان العربية تتدخل بهذا القدر أو ذاك في الشؤون الداخلية الفلسطينية.
غير أن هذا الموقف للقيادة الفلسطينية العامة ولمعظم الفصائل، لم يفلح في تجنيب الفلسطينيين ويلات الصراع، فلقد أظهرت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة منذ البداية انحيازها وقتالها إلى جانب النظام، الأمر الذي استفز المعارضة المسلحة وغير المسلحة، التي تخندقت وتحصّنت في مخيمي اليرموك وفلسطين في دمشق. صحيح أن الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة قد بررت موقفها وسلوكها في الدفاع عن المخيمات، ولكن مواقفها السياسية المنحازة لصالح النظام الرسمي كانت أوضح من أن يتم تغطيتها بذريعة الدفاع عن المخيمات. غير أن الموقف الذي اتخذته حركة "حماس"، من الصراع وأدى بها إلى الانسحاب من سورية، بذريعة أن القيادة السورية لم تستمع إلى نصيحتها بشأن كيفية التعامل مع الصراع في بداياته، هذا الموقف من قبل "حماس" ترك لدى النظام الرسمي في سورية حالة من الغضب وردّات الفعل، واقعياً ضد الفلسطينيين.
لم تكن الذريعة التي قدمتها "حماس" لانسحابها من سورية، وعموماً من ما يعرف بمحور الممانعة، مقنعة لأحد، فلقد توالت الإعلانات من قبل النظام في سورية، ومن قبل بعض حلفائه، عن دور عملي وقتالي لحركة "حماس" في صفوف المعارضة السورية المسلحة.وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة الادعاء بشأن مشاركة بعض مقاتلي "حماس" في القتال الدائر إلى جانب المعارضة، فإن النتيجة كانت أن يدفع الفلسطينيون ثمن مثل هذه السياسات، وإلى أن يؤدي ذلك إلى توتر في العلاقات مع "حزب الله"، وإيران بالإضافة إلى سورية وربما العراق.
هكذا أصبح الفلسطينيون بين المطرقة والسندان، لا مع سيدي بخير ولا مع ستي بخير، وعليهم أن يدفعوا ثمن تشرذمهم السياسي، والمواقف المتضاربة لقياداتهم السياسية. وحتى الآن لا يسمح واقع الانقسام الفلسطيني باتخاذ سياسات ومواقف، واستراتيجيات عقلانية تنطلق من مصالح الفلسطينيين قضية وشعباً، أو على الأقل لتخفيف وطأة الآلام والأثمان التي يعاني منها ويدفعها الشعب الفلسطيني. لست أدري إلى أي مدى يمكن تبرير السياسة الفلسطينية الرسمية، التي تتجاهل دور خمسة ملايين ونصف في الشتات، وذلك منذ بداية مرحلة أوسلو وحتى الآن. في مصر، حدّث ولا حرج، فلقد أصيبت حركة "حماس" بخيبة أمل كبيرة بل بخيبات أمل منذ أن نجح الدكتور الإخواني محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية التي وقعت قبل ما يقرب من أحد عشر شهراً.
خلال الأسابيع الأولى من عهد مرسي الرئاسي، أطلق قياديون في "حماس"، والحكومة المقالة، جملة من الوعود والتوقعات الوردية حتى قال بعضهم إن مواطني غزة، سيتمكنون من الانتقال إلى مصر بسياراتهم. لقد علّق الغزّيون آمالاً كبيرة، على خلفية العلاقة العقائدية والحزبية الخاصة بين "حماس" وحركة الإخوان في مصر، فالمعبر سيفتح أبوابه على مدار الساعة، وسيتم إنشاء منطقة حرة، وستنتهي أزمة الكهرباء والوقود، وكل شيء سيكون على أفضل حال.
أحد عشر شهراً مرت، ولم يتحقق من هذه الأمنيات والوعود أي شيء على الإطلاق باستثناء التحسن الطفيف في عمل معبر رفح، الذي تعرض بدوره ويتعرض لحالة عدم استقرار كما لاحظنا خلال المرحلة السابقة، وبالمناسبة فإن وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم، أعلن قبل يومين عن أن معبر رفح، سيتم إغلاقه قبل أيام من الثلاثين من هذا الشهر وهو الموعد الذي ستخرج فيه حركة "تمرد" المصرية إلى الشوارع مطالبة برحيل الرئيس محمد مرسي.
وبالرغم من العلاقة الخاصة والوثيقة بين حركة "حماس" وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، إلاّ أن النظام رسمياً لم تتح له فرصة الاستقرار، التي قد تدفعه لتبني سياسات منحازة لصالح "حماس". لقد بقيت السياسة العامة المصرية في مفاصلها الأساسية، تقف على مسافة واحدة تقريباً بين حركتي "حماس" و"فتح"، وبقيت السياسة العامة المصرية تدور في فلك السياسة التي تحرص على اتفاقية "كامب ديفيد" والعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية.
غير أن الرابط الخاص بين "حماس" والإخوان المسلمين في مصر، جرى ويجري توظيفها، وإقحامها في الصراع الداخلي المصري على نحو يجعل الفلسطينيين يدفعون الثمن. ثمة حملة إعلامية قوية يشنها فريق من المصريين ضد حركة "حماس"، أحياناً، استناداً إلى بعض الحقائق وأحياناً استناداً إلى بعض الادعاءات. في كثير من الأحيان تؤدي هذه الحملات التي لا تتوقف إلى الخلط عن حسن أو سوء نية، حين تنطوي على تحريض يطال الفلسطينيين بصفة عامة، وفي أغلب الأحيان يطال سكان قطاع غزة بالجملة على اعتبار أن القطاع كلّه "حماس". في الواقع فإن الموقف الفلسطيني العام، ومواقف معظم الفصائل، كان حيادياً تجاه "ربيع مصر" وتجاه حالة الاستقطاب والصراع الداخلي الدائر، ولكن سواء كانت هناك مبررات أو لم تكن فإن المحصلة هي أن الفلسطيني يتم إقحامه في الصراع الداخلي المصري، فإذا بحثنا عن الأسباب سنجد الجواب في الانقسام الفلسطيني، الذي تتّسع آثاره الخطيرة، يوماً بعد الآخر.
د. فياض واستراحة المحارب
د. عبد المجيد سويلم
يستطيع الدكتور فياض أن يسترخي أخيراً، وأن يشرب فنجان قهوته رشفة رشفة، بهدوء وطول بال، ويستطيع الانتباه إلى ما حوله من عوالم ليتأمّلَ بها و"يكتشف" فيها نبض الحياة وحميميّتها. ستّ سنوات مضت على قيادته لمجلس الوزراء وليس على تربُّعِه عليه، كان الرجل محارباً بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى.
قدّم الدكتور فياض مثالاً مبهراً في القدرة والكفاءة والعطاء، فهو لا يعرف الكلل ولا الملل، وكنت أٌشفِق أحياناً على طاقمه المباشر في متابعة تفاصيل الأعمال المطلوبة، وأحتار في قدرة الرجل على إيجاد الطاقة وتجديدها لأعمال لا تنتهي أبداً وتزداد لحظةً بعد لحظة.
ليس مهماً إن كنّا نرى هذا العطاء (أقصد نحن معشر المراقبين والمتابعين) بنفس الطريقة، أو كنا نرى في هذا العطاء نفس القيمة أو الأهمية، أي إذا كنّا نقدّره حق قدره، ولا حتى إذا كنا نرى فيه من الأهداف والنتائج ما يحدث الفرق المطلوب. لكن المهم هو أننا بغالبيتنا الساحقة (على ما أعتقد) كنا نرى في هذا العطاء والتفاني حالة نادرة من النمط القيادي الفلسطيني، وهي حالة كانت ترجع بنا إلى تلك القيادات الفلسطينية التي علّمتنا وعلّمت أجيالاً عربية أخرى وستظلّ تعلم مستقبلاً، أيضاً، دروساً في معاني الإخلاص.
تستحقّ المرحلة "الفياضية" لقيادة مجلس الوزراء وقفات تقييمية (كما أشار الصديق أشرف العجرمي في مقالته ليوم الأمس)، وقد نكون بحاجة إلى مراجعة هادئة لهذه التجربة الغنيّة التي عجّت بالعمل والإنجازات، وشابها ما شابها من تحدّيات ومشكلات، لكن ما لا يمكن القفز عنه هو أن الدكتور فياض يمتلك بالإضافة إلى الكفاءة والتفاني فكراً ديمقراطياً أصيلاً ومثابراً وعميقاً إلى أبعد الحدود. وهو مؤمن أشدّ الإيمان بأن الشعب الفلسطيني يملك من الاحتياط والمخزون الوطني ما يجعله واحداً من أغنى شعوب هذه المنطقة وربما العالم كله بمعاني الصمود والتحدّي والحيوية الفعّالة إذا ما أتيحت له فرصة العيش في كنف نظام ديمقراطي متكامل وبعلاقات وطنية راسخة.
كما أن الدكتور فياض من الرؤية الفكرية والفلسفية ما يجعل لمشاريعه وبرامجه وتوجهاته طابعاً معلّلاً واستشرافياً في أغلب الأحيان. وفي معظم المحطات التي "نظّر" لها في مواجهة مشكلات الواقع وتحدّياته بهدف السير قدماً لتغييره. وهو بهذا المعنى، أيضاً، مثل حال مميزة من الأداء القيادي فيه من الخروج على المألوف (القيادي) والأنماط السائدة ما لفت الانتباه، إضافة إلى قدرته المتجددة على المبادرة والابتكار وشجاعة الإقدام. إصراره الدائم على الشعور بالثقة، وأننا قادرون كان يجد دائماً ترجمته في صورة مشروعات وبرامج وتوجهات. لا يخشى الطموح خوفاً من الفشل وهذه ملكةٌ خاصة، ذلك أن الخوف من الفشل يحدّ من سقف الطموح ويتحول إلى قيود على الإقدام، بل ويتحول في أغلب الأحيان إلى أسباب "كافية" للإحجام.
نجح الدكتور فياض في "لملمة" البلاد في وضع كان يبدو فيه الأمر مستحيلاً، وحيث لم يكن بمقدور كثيرين أن ينجحوا، وخصوصاً في قضية الأمن. كان فياض يردّد ليل نهار بأن مفتاح بقاء المشروع الوطني قائماً هو الأمن، إذ لا مجال للصمود والمواجهة والقدرة على البقاء والتصدي للمشروع الإسرائيلي إلاّ عَبر شعور المواطن بالأمن والأمان، وشعور المواطن بالسلطة الوطنية تقوده في جو من الأمن والأمان، وفي جو من وجود القانون وسلطة القانون. وقد أعاب في لقاءات متعددة علينا (أقصد الكلّ الوطني) مرحلة ازدواجية السلطة في القطاع، وأعرب عن اعتقاده الراسخ أن هذه الازدواجية بالذات هي التي مكّنت حركة "حماس" من القيام بانقلابها على الشرعية الوطنية.
لقد استطاع الدكتور فياض في زمن قياسي أن يعيد بناء المنظومة الوطنية الأمنية المدمّرة، وأن يعيد هيبة القانون إلى الشارع، وأن يُفشِل مشاريع الرهان على تداعي السلطة وبُناها الوطنية، واستطاع في زمن قياسي، أيضاً، أن يعيد مأسسة الدعم الدولي للمشروع السياسي وللاقتصاد الوطني، وتحوّل البناء المؤسّسي إلى معول سياسي كبير في حصول شعبنا على الاعتراف الدولي وإلى رافعة لحشد المزيد من الدعم والإسناد لحقوقنا الوطنية. كما نجح الدكتور فياض في رفع الحواجز بين القيادة والشعب عندما ذهب إلى الناس وتخاطب معهم وشاورهم وسمع منهم ولم يُسمعهم فقط.
ولكن أين يمكن أن يكون قد أخفق الدكتور فياض؟
عندما نتحدث عن الإخفاق هنا لا نقصد الفشل فقط وإنما الإفشال، أيضاً. أميل إلى الاعتقاد بأن ما يمكن اعتباره إخفاقاً في الحالة الملموسة هو أقرب إلى الإفشال منه إلى الفشل، دون أن نعفي الدكتور فياض من المسؤولية في الحالتين أو من درجة منها على الأقل.
لم يستطع الدكتور فياض أن ينسجم مع الرئاسة (رئيساً ومؤسسةً) بالقدر المطلوب في المراحل المختلفة، علماً بأن هذا الانسجام هو أمر أكثر من ضروري وأكبر من أي متطلب آخر. لقد نجح الدكتور فياض أكثر ما نجح في مرحلة دعم الرئيس الكامل له، وقبل ظهور علائم من الافتراق المخفيّ الذي ما لبث أن تحوّل إلى افتراق بيّن. ولم يستطع الدكتور فياض أن يتفاهم بما يكفي مع حركة "فتح"، وقد كان هذا التفاهم ضرورياً وذلك بالنظر إلى موقع حركة "فتح" القيادي والمركزي في المنظومة الوطنية، وبالنظر إلى طبيعة الحركة، ويشوبها من نواقص خطيرة على مستوى وحدة أداتها وإرادتها ومستوى الانسجام الداخلي فيها، وكذلك نمط مراكز النفوذ فيها.
ولم يتمكن الدكتور فياض دائماً من حشد تأييد الفصائل الفلسطينية الأخرى لمشاريعه وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية. لكن الإفشال في السنة الأخيرة (وربما أكثر بقليل) لم يكن بسبب تصور في الفكر أو الأداء، وإنما بسبب مواقف السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية ومجابهتها للأميركان والإسرائيليين في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة. وهو إفشال كان وما زال وسيبقى أحد أشكال الضغوط وأحد أشكال "العقاب" لإجبار السلطة والمنظمة على القبول بالمشاريع التصفوية للحقوق الوطنية، كما أن هذا الإفشال هو نوع من التحذير (للمستقبل، أيضاً) من مغبّة الإقدام على المزيد من الخطوات في مجابهة إسرائيل في المحافل الدولية. بهذا المعنى فإن الدكتور فياض دفع ثمن الموقف الوطني للسلطة والرئيس والمنظمة وهو إفشال "سياسي" لا علاقة للدكتور فياض به مباشرة، بل على العكس من ذلك، فقد أدرك الدكتور فياض هذا الأمر مبكراً ودعا إلى تعديلات اقتصادية ومالية وضريبية على برامجه بهدف التقليل من أثر المساعدات على الموازنة الجارية بالضبط كنتيجة لهذا الإدراك.
إن استهداف الدكتور فياض في الحقيقة هو حصيلة العداء "المطلق" من قبل حركة "حماس" لهذا الرجل للأسباب المعروفة، وهو رفضه لازدواجية السلطة في الضفة وإصراره على نجاح الأمن وعلى السلطة الواحدة والسلاح الواحد.
هذا العداء تساوق مع الأسف الشديد مع مصالح خاصة (وهي مصالح واصمة وموصومة ومتخيّلة أكثر منها واقعاً قائماً) لدى بعض قيادات حركة "فتح" حتى تحوّل التعايش إلى نوع من المستحيل. وكان "استخدام" المصالحة للتخلص من الدكتور فياض أمرا يبعث على القلق ويؤسّس لكثير من فقدان البوصلة، خصوصاً وأن الغالبية الساحقة من قيادة "فتح" تعرف إلى أي مدى تحوّلت المصالحة إلى لعبة سياسية بائسة. أي بمعنى آخر عندما أُفشِلَ فياض فقد أُفشِلَ لتعارض "المصالح" مع نهجه ورؤيته، ولم يُفشَل بسبب برامجه ومشاريعه وسياساته، وكل هذا وبكل المقاييس يعتبر رصيداً له وليس ديناً عليه.
نجح فياض عندما كان النجاح صعباً وشائكاً، وفشل حيث كان سيفشل أو يُفشَل كل من كان يمكن أن يكون مكانه.
وفي النهاية وطالما أن الدكتور فياض عائد إلى العمل العام، وإلى الساحة الوطنية بعد استراحة (نرجو أن تكون قصيرة) فإن شيئاً لم يتغير ولن يتغير لأن الدكتور فياض قادر على العطاء وعائد إلى ساحة الفعل الوطني، وهو ما نرجوه ونأمله، ويتطلع إليه الكثيرون من أبناء الشعب والأمر ليس أكثر من استراحة محارب.
غياب التمثيل الواسع عن حكومة الحمد الله
حمادة فراعنة
في الصراع، أي صراع، يسعى كل طرف لتحقيق الانتصار من خلال امتلاكه لشروط الانتصار وهما عاملان هامان : أولهما توسيع قاعدة جبهته الوطنية من الأصدقاء والمؤيدين، وثانيهما تحجيم وتقزيم وإضعاف جبهة العدو وتمزيقه وتشتيته وبعثرة صفوفه، وفي الاستدلال على ذلك واعتماداً على العامل الأول، نجد أن منظمة التحرير الفلسطينية نجحت في امتلاك زمام المبادرة، وعلى حق تمثيل شعبها، وعلى تحقيق نجاحات سياسية ودبلوماسية، وانتزاع الاعتراف الدولي بحقيقة وجود الشعب الفلسطيني بعد كل مظاهر التبديد التي تعرض لها، والاعتراف بحقوقه الوطنية المشروعة، وخاصة حقه في الحرية والاستقلال والدولة، وحقه في العودة واستعادة ممتلكاته والتعويض على معاناته، ولم يكن ذلك ليتم لولا احتضان منظمة التحرير ومؤسساتها، للأغلبية الكبرى من فعاليات الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه الحية وشخصياته الحيوية وأحزابه وتياراته ومنظماته ومشاركتهم فيها، حتى غدت منظمة التحرير عن حق بيت الفلسطينيين وعنوانهم في المنفى وعلى أرض الوطن، وأمام الأصدقاء والأعداء على السواء، ورافعتهم للتعبير عن حقوقهم وتجسيدها والعمل على استعادتها، قبل أن ينجح برنامج ياسر عرفات في نقل الموضوع الفلسطيني من المنفى الى الوطن عبر التوصل الى اتفاق أوسلو وتداعياته وسلسلة إجراءاته التراكمية التدريجية على الأرض، عبر عودة أكثر من ثلاثمائة الف فلسطيني، والانسحاب الإسرائيلي متعدد المراحل من المدن الفلسطينية، وولادة السلطة الوطنية عبر صناديق الاقتراع .
توسيع قاعدة الشراكة، توسيع قاعدة التحالف، كان العنوان الداخلي الابرز لنجاح سياسات منظمة التحرير كي تكون بحق ممثلة للشعب الفلسطيني، وأمينة على حقوقه الوطنية الثلاثة: المساواة والاستقلال والعودة، ولكن منظمة التحرير التي نجحت في توحيد جهود ومؤسسات الشعب الفلسطيني، فشلت فشلاً ذريعاً في إنجاز الحد الأدنى من المهمة الثانية، وتمثل فشلها بغياب هذا العامل عن جدول اهتماماتها، وعدم قدرتها على اختراق المجتمع الاسرائيلي وكسب انحيازات من بين صفوفه من الإسرائيليين لصالح الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته وانتصارها، رغم أن توفر هذا العامل يعتبر الشرط الثاني بعد نضال الشعب الفلسطيني نفسه، لتحقيق الانتصار على العدو وعلى مشروعه الاستعماري التوسعي .
سياسات منظمة التحرير الداخلية، والتحالف الوطني العريض الذي قادها طوال السنوات الماضية قبل أوسلو، انعكست أيضاً على سياسات تشكيل حكومات السلطة الوطنية برئاسة أبو عمار وأبو مازن وأبو علاء على التوالي داخل الوطن الفلسطيني، وتطور بشكل أقوى حينما تشكلت حكومة سلام فياض، برئاسة شخصية مستقلة لها وزن واعتبار ومهنية عالية المستوى أشاد بها المجتمع الدولي وأكسبت الشعب الفلسطيني مكانة واحترام، وبمشاركة القوى السياسية الفلسطينية الأخرى، وذلك تعويضاً عن الانقسام الذي أحدثه انقلاب حركة حماس عام 2007 وتفردها بإدارة السلطة في قطاع غزة حتى يومنا هذا، وهذا أبرز مظاهر الفرق الجوهري بين حكومتي رام الله وغزة، بين الائتلاف الذي تحرص عليه حركة فتح بمشاركة القوى الوطنية والمستقلين، وبين الهيمنة والتفرد والأحادية الذي يميز حركة حماس، ويدينها، فمضمون تشكيل حكومتي رام الله وغزة، يقدم الدليل المادي الحسي الإنساني الحزبي على شكل ومضمون التعامل من قبل حركتي فتح وحماس مع الواقع الفلسطيني بأبعاده التعددية أولاً وبأهمية رص صفوفه وتوحيدها في مواجهة العدو الواحد المشترك ثانياً .
تشكيل حكومة د . رامي الحمد الله يوم 8 / حزيران، ضم المستقلين، مع حركة فتح وجبهة النضال فقط، وغاب عنها ممثلين عن الجبهة الديمقراطية وحركة فدا وحزب الشعب، إضافة الى تنظيم حركة المبادرة الفلسطينية ورئيسها النشط النائب مصطفى البرغوثي ، وهو غياب ليس كمي ولكنه غياب نوعي، كان يفترض برئيس الوزراء المكلف أن يدركه، وإذا لم يكن كذلك كان من المفروض على حركة فتح أن تتداركه، بأي ثمن، فغياب التنظيمات الأربعة لم يكن غيابا كميا، ولم يكن لأسباب قاهرة خارج ارادة المشاركين والمقاطعين، بل أفترض أن هذا الغياب له أسباب ودوافع سياسية، كامنة في نفوس وقرار التنظيمات الاربعة، اضافة الى غياب تنظيمات أخرى تمثل التيار القومي مثل جبهة التحرير العربية والجبهة العربية الفلسطينية وجبهة التحرير الفلسطينية، وهؤلاء جميعهم يشكلون القاعدة السياسية الحزبية الوطنية لمنظمة التحرير والتحالف الذي يقودها.
صحيح أن حكومة د . الحمد الله، تحتضن شخصيات مستقلة هامة، لها وزنها النوعي من د . زياد أبو عمرو الى د . محمد مصطفى الى الوزراء السابقين المرحّلين من حكومة فياض رياض المالكي ومحمود الهباش وغيرهما، مثلما تمتلك نظافة يد وسمعة د . الحمد الله نفسه ومهنيته الأكاديمية ولكن وجود هذه العناصر، وتوفرها، لا يكفي لنجاح واستمرارية حكومته ولا يُعوضها ذلك غياب ممثلي القوى السياسية الفلسطينية وأهمية مشاركتهم لإعطاء الحكومة نكهتها الوطنية الواسعة المطلوبة لمواجهة التحديات المتعددة التي تواجهها.
مقالات جريدة الحياة
حياتنا - بيت المقدس ودمشق
حافظ البرغوثي
ناقض الشيخ صلاح الدين ابو عرفة امام المسجد الاقصى فتوى الجهاد للشيخ القرضاوي التي دعا فيها الى الجهاد في سوريا، وقال ان فلسطين اولى بمثل هذه الدعوة.
وتساءل كيف صارت دمشق بوابة الجنة ولم تعد القدس «وهي ارض الرباط كذلك» ولعل كلام الشيخ العارف بالله اوالعراف ابو عرفة لا يعجب جماعات الاسلام السياسي التي تلوي عنق الدين والفتاوى لمزاجها السياسي.
فكما كذب النظام السوري مطولا بدعواه انه مقاوم وممانع يكذب من يقاتلونه من انهم يجاهدون في سبيل الله، لأن المحصلة النهائية هي ذبح الشعب السوري فمنذ متى صار الاقتتال بين المسلمين جهادا؟ ومنذ متى صار تدمير مدينة القصير عن بكرة ابيها او امها او باباها «بروفة» لتحرير الجليل الاعلى كما ادعى الكاتب الايراني محمد صادق الحسيني في مقالة له بالقدس العربي لم يعد المواطن العربي او المسلم يصدق فتاوى الجهاد التي استخدمت في غير محلها وبات تداول المحصنات الغافلات في بعضها نوعا من الجهاد والعياذ بالله وهو اغتصاب بائن.
ويظن البعض ان العبد الفقير لله يتصيد القرضاوي من منطلق خالف تعرف لكن الرجل سقط فلسطينيا عندما ايد قتل الفلسطيني للفلسطيني في غزة واباح سفك الدماء ابان الانقلاب الاسود فيها، لأن اباحة دم المسلم للمسلم امر خطير لا يفتي فيه الا من اندفع لاهواء سياسية وحزبية بحتة وهو هنا يناقض روح الدين.
فالقدس اولى بالدعم والزيارة وليس بتحريم دعمها وزيارتها مثلما ادعى القرضاوي ولعلنا طالبنا قبل ايام بضرورة دعم القدس عملا لا قولا قبل انعقاد المؤتمر الوزاري لمنظمة التعاون الاسلامي في العاصمة الاذرية باكو.. وقد اقر المؤتمر شبكة امان مالية لدعم القدس وصمودها، وهذه الشبكة اقرت عربيا واسلاميا للمرة الثامنة في قمم ومؤتمرات عربية واسلامية ولم تنفذ للمرة العاشرة والعشرين حتى الآن.. ونأمل من مؤتمر باكو الا يفاجئنا بعد حين بأن الفلوس ماكو.. كما حدث في القرارات العربية بشأن دعم القدس، ونأمل من القرضاوي ان يفتى ولو لمرة واحدة من اجل آل بيت المقدس وليس بيت آل الجماعة.
"ماركو" عائد الى يافا!
امتياز دياب
قال لي الرجل الجالس على الجانب الآخر من رواق الطائرة وهو يشير إلى المقعد الفارغ بيني وبين جاري: "سأنتقل إلى هناك".
قلت له: "ابق حيث أنت".
سألني مباشرة: "هل أنت يهودية"؟. قلت: " لا أبدا..وأنت؟". قال: "أنا يهودي من مدينة ليون الفرنسية، إسمي ماركو وأنا ذاهب إلى اشدود (المجدل سابقا) لإحياء الذكرى السابعة للوالد". سألته: "لماذا تحيي ذكراه هناك؟". قال: "لأنه دفن في اشدود. كان قد دفع ثمن نقل جثمانه لشركة إسرائيلية، كما اشترى حفرة في المقبرة، كلفته عملية النقل وحدها، عشرين ألف يورو، والحفرة أربعة آلاف".
سألته ثانية: "وأنت، ستدفن نفسك عندما تموت هناك أيضا"؟. قال: "طبعا، على كل يهودي أن يموت في أرض الميعاد".
قلت له: "من أين أمك وأبوك"؟. قال: "أمي مغربية وأبي جزائري، وأجدادي من أسبانيا، رحل بعضهم بعد سقوط الأندلس، لكن جدي لأبي رحل مع وصول فرانكو للحكم".
سألته ثانية: "يعني هناك شركة إسرائيلية تعنى بنقل جثامين اليهود"؟.
قال: "طبعا، جميعنا نريد العودة إلى بلادنا، هذا واجب كل يهودي لم يتمكن من العودة في حياته بسبب أعماله".
"وماذا تعمل في هذه الدنيا"؟ سألته. قال: "تاجر خضار". ثم أخرج بضع ثمرات أناناس من كيس قماش، وقال: "أتيت بهذه لنضعها على مائدة العشاء غدا، كان والدي يحب الأناناس، لكن لا يوجد لديهم فواكه جيدة، هم يستعملون مواد كيماوية قاتلة، ولا توجد رقابة حقيقية".تقول: "هم؟". قال: "أنا أصدقائي في مدينة ليون، جميعهم من المغاربة والجزائريين العرب وجميعهم يحبونني"، ثم عرض علي ساندويشا، فاعتذرت. سألني فجأة:"هل أنت مسيحية.. أم فلسطينية؟ اسمحي لي أن أقول لك، بأنه لو كان للفلسطينيين رجل قوي، لوقّع سلاما مع إسرائيل، لكن لا يوجد لديكم ذلك الرجل القوي، لماذا ترفضين تقاسم الخبز معي؟ ". ثم قال بالعبرية: "هَهْوْ أدونايْ، أي الإله هو، قال لنا بأن هذه بلادكم، وها أنا أعود إلى هذه البلاد ولو جثمانا، لأن الله أمرنا بذلك".
قلت له: "المسيحي هو فلسطيني واليهودي هو أيضا فلسطيني، هَهْوْ أدونايْ..لم يكن ليفرق بين الأخوة أليس كذلك؟ أم أنك تقول بأن هَهْوْ أدونايْ لم يكن عادلاً؟".
"يا عزيزتي لم لا تفهمين ما أقول، إن الحياة رائعة لو وصل برتقال يافو (يقصد يافا)، إلى جميع أنحاء العالم، نزرعه معا ونقطفه معا ونبيعه معا، ونثبت للجميع أننا أشقاء وعائلة واحدة، وليس بإمكان أحدهم أن يفرق بيننا".
تذكرت وفاة إبراهيم أبو اللغد، الذي تدخلت وساطات العالم لكي توافق السلطة الإسرائيلية على دفنه في يافا..مدينته، وعندما رفضت إسرائيل، قام أصدقاؤه بنقل جثمانه وهو جالس بالجاكت والكرافت على المقعد الخلفي في السيارة، وصديقه سهيل ميعاري يتظاهر بمحادثته على الحاجز، لكي لا ينتبه الجنود بأنه جثة. كنا جميعا ومن جميع أنحاء العالم نتابع أخبار السيارة، وجميعنا توقفت نبضات قلوبنا حتى مرت وتوجهت إلى المقبرة.
قلت له: "يا ماركو هكذا كان، هكذا كان في كل مكان، عندما سقطت غرناطة.. تشردتم، وعندما جاء فرانكو.. طردتم، وعندما جاء هتلر..حرقكم، وفي كل مرة وفي كل زمان نستقبلكم ونطعمكم".
"إيميه..(يقصد أحبي) هل يمكنني أن أدعوكِ إيميه؟ أنتم متسامحون هذه حقيقة، لكنكم لا تنسون أبدا، دائما تتحدثون عن الماضي" ثم قال بالعربية:" الله يقطع الماضي وسنينه"!!.
افترقنا حين هبطت الطائرة على أرض المطار، لكنني التفت وناديت عليه: "ماركو، هل لديك جواز السفر الإسرائيلي؟".
قال ملوحا بجواز سفره الأوروبي: "لا..إنه لا ينفعني في شيء".


رد مع اقتباس