المقالات في الصحف المحلية 38
8/5/2013
مقدسيون بدون قادة يتطلعون إلى فياض
بقلم: داود كتاب
أطراف النهار: و"الصينيون قادمون"؟!
بقلم: حسن البطل
العدوان الإسرائيلي على سورية: شامتون ومكشوفون!!
بقلم: هاني حبيب عن جريدة الأيام
الحرب على سورية: إسرائيل تُغيِّر قواعد اللعبة
بقلم: أشرف العجرمي
جاء في صحيفة الحياة الجديدة
|
تغريدة الصباح - رسالة من أسير
بقلم: محمود شقير
الدين والسياسة
بقلم: عدلي صادق
نظام الممانعة، نظام كاذب
بقلم: بهاء رحال
مطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية !!
بقلم: محرم البرغوثي
زمان
بقلم: وضاح زقطان
الثامن من أيار- اليوم العالمي للتضامن مع مرضى الثلاسيميا
بقلم: بشار الكرمي
كيف صرت اذاعياً
بقلم: خالد مسمار
مقالات جريدة القدس
مقدسيون بدون قادة يتطلعون إلى فياض
بقلم: داود كتاب
الفلسطينيون المقيمون في القدس والمحصورون بين القرار الإسرئيلي الأحادي الجانب بضم القدس الشرقية إلى المدينة وعدم قدرة القيادة الفلسطينية في رام الله في مساعدتهم كانوا ولا يزالون يشعرون بالإحباط.
لم تجد القيادة المحلية في القدس طريقاً لها للمضي قدماً، ويعود ذلك جزئياً إلى غياب أية آلية للسياسات الإنتخابية. منذ وفاة فيصل الحسيني لم يبرز أي قائد أو أية هيكلية قيادية للمدينة التي ستصبح عاصمة فلسطين. هذا الفراغ في القيادة لم يغب عن كثيرين وغالباً عن أفراد يسعون إلى تحقيق مكاسب شخصية.
في حين لم يبرز على الساحة أي شخص أو أية هيئة قيادية فإن العشرات من المجموعات والتجمعات قد ظهرت بحكم الأمر الواقع وفي كثير من الأحيان حول فئات اجتماعية أو حول أحياء سكنية. قامت بعض هذه الجماعات بأعمال إيجابية للنهوض بمجتمعاتهم المحلية ولكن آخرين حققوا ثروة شخصية. لعب غياب سيادة القانون وغياب ثقافة التعاون الوطني التطوعي دوراً لصالح هذه العصابات التي كانت في وقت ما تروّع السكان.
لم تفعل الهيئات التي كانت موجودة لعقود من الزمن أفضل من ذلك بكثير حيث أن غياب القيادة أدى إلى خلق إقطاعيات يديرها أفراد مستبدون والذين غالباً ما يسعون إلى الحصول على تمويل عربي ودولي ويحكمون مؤسساتهم على أساس قدرتهم في جمع الأموال ودفع الرواتب. وقد ارتفع الفساد المؤسسي بسبب التناقض الموجود في القدس. من ناحية، ينبع التناقض من حقيقة أن إسرائيل التي تسيطر بشكل فعال على مناطق القدس الشرقية تعارض بعنف قيام عاصمة لدولة الفلسطينيين في المدينة.
والتناقض يكمن في اهمال شؤون المقدسيين من قبل المحتل الإسرائيلي وعدم قدرة القيادة الفلسطينية في رام الله وغزة من تنفيذ أية سياسة بسبب القمع الإسرائيلي ضد أية أنشطة نابعة من أية جهة قيادية فلسطينية كانت وطنية أو إسلامية.
التناقض نفسه موجود أيضاً من حيث القاعدة البسيطة في مسائل سيادة القانون. فإذا ظُلم مقدسي من قبل مقدسي آخر أو من قبل مؤسسة فلسطينية فإنه هو أو هي لديه قليل من الجهات يلجأ إليها. الجو السائد يجعل من غير المقبول سياسياً مقاضاة زميل فلسطيني أو مؤسسة مقدسية لدى المحاكم الإسرائيلية. وبالتالي فإنه لا يبقى أمام المتضرر إلا أن يحاول رفع قضيته أمام السلطة الرسمية أو غير الرسمية في رام الله. وفي رام الله، هناك شعور من اللامبالاة والإنهاك بسبب القضايا العديدة المعلقة، إذ أن القيادة الفلسطينية حتى لو حكمت لصالح شخص معين، فهي غير قادرة على تنفيذ ذلك القرار بسبب منع إسرائيل أن يكون للسلطة أي وجود فعلي في المدينة.
في الثمانينيات من القرن الماضي، عمل بيت الشرق- بعد أن أعاد فيصل الحسيني فتحه وإحياءه لبعض الوقت- كمركز لقيادة محلية وذلك من خلال الاستماع الى مشاكل المواطنين، وقد تم حل بعض القضايا بفضل نفوذ وكاريزما القائد فيصل الحسيني، ابن الشهيد البطل عبد القادر الحسيني.
إن إغلاق الإسرائيليين بيت الشرق وغرفة تجارة القدس ومؤسسات وطنية أخرى ووفاة الحسيني غير المتوقعة بسبب نوبة الربو أثناء وجوده في الكويت قد تركا حرفياً أكثر من 300 ألف مقدسي أيتاماً.
لقد أحيى الاتفاق الأخير بين منظمة التحرير الفلسطينية والأردن بشأن الأماكن المقدسة في القدس آمال المقدسيين في إمكانية إيجاد صيغة من شأنها أن تسمح لجهة محترمة مثل الأردن مساعدة فلسطينيي القدس الأيتام. ومع ذلك، فإن الأردن يملك السلطة ومعظمها من خلال وزارة الأوقاف الأردنية التي لا تزال تعمل في القدس وتشارك إلى حد كبير في أمور تتعلق بالمسجد الأقصى ومؤسسات الوقف الإسلامي (ومعظمهم من المدارس) والأملاك الوقفية. وهكذا فإن الوقف الإسلامي الذي هو جهة غير منتخبة (مثل الباقين بما في ذلك الكنائس والجمعيات الخيرية) لم يشهد ضخ أية دماء جديدة منذ سنوات. إن وجوده في السلطة لفترة طويلة يؤدي بطبيعة الحال إلى الممارسات الفاسدة حيث أن عملية المساءلة موجودة في بلد آخر لا يمكن الوصول إليها بسهولة. بعض المقدسيين يأملون أن يأخذ الديوان الملكي دوراً مباشراً بدلا من وزارة الأوقاف في تنفيذ القضايا المتفق عليها حول القدس بين الملك والرئيس عباس.
إن المسائل المتعلقة بإدارة شؤون القدس تميل دائماً إلى أن تعود الى ساحة القيادة المحلية. فمع رفض الفلسطينيين المشاركة في انتخابات البلدية لما يسمى بالمدينة الموحدة، فإنه توجد فرص قليلة للمساعدة في توحيد السكان. لقد أحيت استقالة رئيس الوزراء سلام فياض الأخيرة الأمل عند بعض المقدسيين إذ أن هذا القائد الفلسطيني الأكثر احتراماً الذي يعيش في المدينة وزوجته مقدسية يمكنه أن يساعد أهل القدس في تصميم نظام حكم يمكن أن يساعد في معالجة العديد من المظالم وفي وضع خطط استراتيجية وطنية فلسطينية لنمو وازدهار المدينة.
عندما اقترحت على فياض الفكرة أعرب عن استعداده للمساعدة طالما أن هنالك طلباً مشروعاً من أهل القدس للقيام بذلك. ومع معاناة المدينة منذ عقود من الزمن من دون قائد ومع قائد يحظى باحترام كبير سيصبح في غضون أسابيع بدون عمل يشعر البعض أن هذا قد يكون توافقاً ناجحاً.
مقالات جريدة الأيام
أطراف النهار: و"الصينيون قادمون"؟!
بقلم: حسن البطل
الزوج فلسطيني مسيحي، الزوجة صينية.. والصورة؟ "سجدة" إسلامية للزوجين تحت أقدام الأب والأم الفلسطينيين والصينيين!
هذه صورة عاد بها صديقي من رحلته السنوية إلى قارة الصين لزيارة نجله الأكبر، الذي يعمل في البرمجيات المتقدمة!
الصور السياسية، لزيارة متتالية ـ شبه متزامنة، للرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي أقل (أو أكثر) غرابة. كيف؟ الصين منحت الرئيس عباس "زيارة دولة" ومطلبه السياسي ثم التجاري ثم التكنولوجي، وستمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مطلبه التجاري ثم التكنولوجي ثم السياسي. كيف؟
مبادئ السلام الصينية لفلسطين وإسرائيل أربعة، يتقدمها "دولة فلسطين المستقلة" و"عاصمتها القدس الشرقية" ثم التفاوض طريقاً وحيداً للسلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ثم "الأرض مقابل السلام" وفق المرجعيات ذات الصلة (قرارات الأمم المتحدة، ومبادرة السلام العربية).. وأخيراً، واجب المجتمع الدولي في دفع عملية السلام، وواجب الصين في مساعدة فلسطين في مجالات التبادل الاقتصادي والتكنولوجي.
في طيّ كلّ مبدأ من المبادئ الأربعة، هناك التفاتة إلى "حق إسرائيل في البقاء" وهمومها الأمنية، وواجبها في وقف البناء الاستيطاني.
على الأغلب، ما هو أوّلي وأساسي في المبادئ الأربعة المؤيدة لفلسطين، سيصير أوّليا في مراعاة الصين لاحتياجات إسرائيل الأمنية، وتوسيع التبادل التجاري ونقل الخبرة التكنولوجية.
واضح، حتى من الإشارة الصينية إلى أن زيارة الرئيس الفلسطيني هي الرسمية الكاملة الأولى، بعد انتخاب أمين عام للحزب الحاكم، أن الصين، هذه الدولة ـ الكتلة الأكبر في القارة الأكبر، أقرب إلى فلسطين سياسياً، وإلى إسرائيل اقتصادياً، وإلى "السلام الدولي" للدولتين معاً.
طريق الحرير القديم والتوابل، الذي يبدأ من الصين إلى ساحل المتوسط ثم أوروبا، صار طريق التكنولوجيا، علماً أن الصين العريقة كانت تكنولوجيتها هي الأولى عالمياً قبل قرنين أو ثلاثة، وها هي تعود لتخلف اليابان وتسبق أوروبا، وتُجارِي في السباق أميركا في مجال الاقتصاد الأكبر والتكنولوجيا الواعدة.
في آسيا، عملاقة القارات، ثلاث أو أربع من الدول ـ المردة: اليابان، روسيا، الهند، والصين.. سوى أن اليابان، مع الاحترام للساموراي الغابر، هي مثل حيوان اقتصادي، وروسيا مثل حيوان عسكري، والهند حيوان سياسي ديمقراطي.. وأما الصين فهي الحيوان (التَـنِّين؟) الاقتصادي ـ العسكري.. والآن السياسي.
كانوا، غداة الحرب العالمية الثانية، يقولون: "الروس قادمون" وطوال نصف قرن بعدها "اليابانيون قادمون".. والآن "الصينيون قادمون"!
لاحظ توماس فريدمان، معلّق "نيويورك تايمز" أن معظم الطلبة الأجانب في أميركا هم صينيون، ومعظم المتفوقين فيها هم طلبة صينيون.. ومعظم "الغزو" التجاري الأجنبي لأميركا يأتي من مروحة صناعات صينية من أبسطها إلى أعقدها تكنولوجياً.
هناك من قال: يكفي أن تضع في أيدي الصينيين رسوماً هندسية لأعقد الصناعات التكنولوجية، حتى يقوم الصينيون، مهرة صناعة العاج، بتجميعها وإنتاج بديل رخيص لها يتم تصديره.
وكانوا يقولون: مستقبل آسيا هو سباق بين الصين والهند على "صحن أرز" لكل واحد.. إلى سباق بين تكنولوجيا بلاد الحزب الواحد وتكنولوجيا بلاد أحزاب ديمقراطية.
صبر الصينيون صبر أيوب حتى استعادوا "جوهرة هونغ كونغ" سلماً، ولديهم صبر أطول حتى يستعيدوا فرموزا، تحت شعار: بلد واحد ونظامان اقتصاديان.. صحيح أن الصين عملاقة دول العالم سكانياً (حتى مع ضبط ابن واحد للعائلة الواحدة) لكنها، أيضاً، بلاد القومية الأكبر في العالم، حيث قومية "الهان" تشكل أكثر من نصف سكان الصين. لا يوجد في العالم قومية ـ إثنية من 700 مليون.
ماذا عن فلسطين والصين؟ صحيح أن الرسول قال: "اطلبوا العلم ولو في الصين" (والآن: التمسوا السلام ولو من الصين!) لكن الفلسطينيين، قبل تشكيل منظمة التحرير، التمسوا خبرة الحرب الشعبية من الصين (وفيتنام) ثم انشقّ مثقفو الثورة الفلسطينية بين "الطريق السوفياتي" و"الطريق الصيني" وقت نزاع أيديولوجي بين البلدين.
الآن، يمتد القوس الصيني ـ الروسي من سواحل المحيط الهادي حتى وسط أوروبا (الجغرافيون يقولون: قارة أوراسيا) في سباق العصر مع الكتلة الأطلسية (أوروبا ـ أميركا).
لم يعودوا يقسّمون العالم بين الأحلاف العسكرية، ولا بين عالم أوّل وثان وثالث، منذ النهضة اليابانية فالصينية، فأميركا الجنوبية، وبوادر النهضة الأفريقية، وحتى من مخاض ـ فوضى "الربيع العربي"، فإن الحضارات القديمة تتجدّد.
العدوان الإسرائيلي على سورية: شامتون ومكشوفون!!
بقلم: هاني حبيب عن جريدة الأيام
لا يمكن اعتبار الضربات العسكرية الإسرائيلية التي وجهت إلى سورية، مفاجأة لأحد، خاصة للمتابعين والنافذين وأصحاب القرار في المنطقة، هناك إشارات كان يجب أن تؤخذ بالاعتبار للتأكيد على أن الضربة الإسرائيلية قادمة، وبسرعة، فقد أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية، إلى أن رئيس الحكومة اجتمع مع ثمانية من كبار الإعلاميين الإسرائيليين، قبل أن يجتمع مع مجلس حكومته ما أدى إلى تأخير مغادرته إلى الصين ساعتين، في إشارة واضحة إلى أن هناك "شيئاً ما" كان يجب أن يتجه هذا "الشيء ما" إلى سورية.
لكن هذه الضربات في واقع الأمر، كانت محسوبة بدقة، فهي ـ على سبيل المثال ـ لم تتوجه إلى سلاح الجو السوري، وهو ما يشكل العنصر الأهم في ميزان القوى العسكرية بين النظام والجيش السوري الحر، أي أن إسرائيل لم يكن في نيتها الاخلال بميزان القوى لصالح الثورة السورية، وكانت هذه الضربة محسوبة، كسابقاتها من الضربات طوال السنوات الماضية، كونها موجهة إلى قواعد لها صلة بتسلح "حزب الله"، وتم تخصيص هذه الضربة لهذه المواقع، في إشارة واضحة من قبل إسرائيل، ورد بليغ على تفوّهات وتهديدات حسن نصر الله أمين عام الحزب قبل يومين فقط، والتي أشار فيها إلى أنه لن يسمح بإسقاط بشار الأسد، وهذه الضربات تشير إلى أن من يقرر الأمر بهذا الصدد ليس حزب الله وتهديداته، وإسرائيل، أيضاً، لا ترغب في هذا الوقت بالإسهام في انهيار نظام الأسد، لكن ذلك لن يدعها توفر فرصة كشف المتعاونين والمؤيدين لهذا النظام، من طهران إلى حزب الله في لبنان، فعادة إيران سبق أن هددت أكثر من مرة، من أنها ستزيل إسرائيل من الخريطة إذا ما وجهت ضرباتها إلى سورية أو إيران، وإسرائيل تعلم حدود وقدرة هذه الأطراف على تنفيذ تهديداتهم الخطابية.
هذه الضربات، التي تعتبر عدواناً أثيماً على القطر العربي السوري، ومداناً بصرف النظر عن طبيعة النظام الدموي، كانت محسوبة بدقة، كونها "أخيرة" حسب تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية، كشكل من أشكال التهدئة مع النظام، وهو ما تلقفه نظام دمشق عندما أعلن أنه سيرد في المرة القادمة، وأنه أوعز إلى الرد في المرة القادمة مع تكرار تهديداته المملة والمعروفة حول الرد في الوقت المناسب، يشار بهذا الصدد إلى الرسالة التي بعث بها الأسد إلى الحلفاء الروس لتصل إلى الولايات المتحدة ونشرتها صحيفة "الرأي" الكويتية والتي قال فيها إنه "في حال عاودت إسرائيل عدوانها فسيكون الأمر بمثابة إعلان حرب"!!
لكن بشار الأسد تقدم خطوة إلى الأمام، إذ سمح للفصائل الفلسطينية بتنفيذ عمليات ضد إسرائيل عبر الجولان بعد أن منعها من القيام بذلك طوال العقود الماضية والتي جعلت الحدود السورية مع الجولان المحتلة والدولة العبرية، هي الأهدأ والأكثر أماناً لدولة الاحتلال رغم تزعم سورية لمحور كان يسمي نفسه "محور الممانعة" تلفيقاً وخداعاً، وفي ظل حالة الانكشاف التي أدت إليها هذه الضربات الإسرائيلية، فقد بات من المؤكد أكثر من أي وقت مضى خضوع هذه الفصائل للإرادة السورية، وأنها تتحرك وفقاً لسياستها ولأهدافها، ليس فقط كبندقية مأجورة ولكن كبندقية "للسخرة" أي من دون مقابل.
نظرياً، من المفترض أن تؤدي هذه الضربات ـ لمرة واحدة كما قال نتنياهو ـ إلى تعاطف شعبي مع نظام الأسد، غير أننا لا نرى ذلك من الناحية الواقعية، ذلك أن ما يجري في هذا القطر العربي الحبيب من نزيف دموي، يشارك فيه بشكل أساسي النظام، أو من ردود فعل من الثورة المسلحة، إنما هو نتيجة لنجاح النظام في تحويل الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة، جلبت معها، التيارات الدينية الأكثر تطرفاً وظلامية كالنصرة والقاعدة، خاصة أن العديد من القوى وأصحاب الرأي، يعتبرون هذه الضربات بمثابة إنقاذ لنظام الأسد، ما لا يمكن معه اعتبار هذه الضربات كافية لاستعادة النظام شعبيته المهدورة من خلال ولوغه في الدم السوري.
نتنياهو لا يؤجّل زيارة مقرّرة سلفاً للصين، ما يشكل استهانة باحتمالات الردّ السوري، ويقول للجمهور الإسرائيلي إن لا حرب قادمة، بينما وزير حربه يشير إلى ضرورة عيش الجيش الإسرائيلي بشكل طبيعي، إذ ليس هناك من خطر، من دون أن يلغي ذلك جوانب اليقظة والاستعدادات، هذه الضربات أخرجت واشنطن من أجواء الحرج بعد كل ما قيل عن "الخطوط الحمراء" لكن ذلك كله، لا يشكل تراجعاً عما قيل من أن استمرار الحرب الداخلية في سورية مصلحة أكيدة للدولة العبرية، هذه الضربات تعزز الانقسام الداخلي من دون أن تؤثر على ميزان القوى العسكري، خاصة ـ كما أسلفنا ـ أن هذه الضربات لم تؤثر إطلاقاً على القدرات الجوية للجيش النظامي السوري.
كل ذلك، لا يبرر أية شماتة، عبر عنها بعض الجهات العربية، وبعض أطراف المعارضة السورية المسلحة، ذلك أن هذه الضربات تشكل عدواناً صارخاً يجب إدانته بكل قوة، لأن ما يجري الآن على الأرض السورية من قتال داخلي وثورة ضد الاستبداد، يجب ألا ينسينا، ويجعلنا نتغافل عن أن العدو الأساسي الأول والأهم، هو دولة الاحتلال الإسرائيلي وهذه الضربات تتم لحسابها في الأول والأخير!!
الحرب على سورية: إسرائيل تُغيِّر قواعد اللعبة
بقلم: أشرف العجرمي
العدوان الاسرائيلي الذي استهدف مواقع سورية قرب دمشق فجر يوم الاحد الماضي وهو الثاني خلال ٤٨ ساعة يعتبر دخولاً اسرائيلياً مباشراً على خط الحرب الدائرة في سورية بين النظام المدعوم من "حزب الله" وإيران وروسيا من جهة والمعارضة المتعددة من حيث انتماءاتها وولاءاتها السياسية والفكرية من جهة اخرى. ولكن اسرائيل تريد ان تلعب لعبة على مقاسها تنفذ فيها أهدافها دون التورط في حرب شاملة على الجبهة الشمالية.
اسرائيل تقول انها هاجمت مخازن للصواريخ من نوع "فاتح١١٠" التي كانت معدة لمنظمة "حزب الله"، بحجة منع انتقال هذه الصواريخ الإيرانية الدقيقة الإصابة الى الحزب مما يعاظم من قوته ويجعله رقماً في معادلة القوة الإقليمية، وهذا يأتي تكراراً لعمليات إسرائيلية سابقة كقصفها لقافلة سلاح روسي في كانون الثاني الماضي قيل انها تشمل صواريخ من طراز اس إيه -١٧ المضادة للطيران وللغارة التي تمت يوم الجمعة الماضي، في حين تقول مصادر سورية: ان القصف الاسرائيلي استهدف مواقع للحرس الجمهوري وقوات النخبة في الجيش السوري بالاضافة الى مخازن سلاح في منطقة حيوية للنظام .
مهما تكن الاهداف المقصوفة، من الواضح ان اسرائيل تحاول ان تضرب ثلاثة عصافير دفعة واحدة، الاول: هي تريد القضاء على الاسلحة المتطورة الموجودة في سورية التي لم تستخدم بعد والتي تهدد الطائرات الاسرائيلية او تهدد العمق والتجمعات السكانية الكبرى والمواقع الاستراتيجية في اسرائيل، ولديها قائمة محددة بتلك الاسلحة ويمكنها ان تحصل على معلومات دقيقة حول تخزينها ومواقعها من الضباط السوريين المنشقين عن الجيش والذين جزء منهم مستعد للتعاون مع اي جهة في سبيل القضاء على النظام. والثاني هو تجريب انواع جديدة من الاسلحة المجهزة لضرب ايران وفي هذا الإطار توجيه إنذار لكل من إيران و"حزب الله" لردعهما من استمرار المشاركة في المواجهات داخل سورية دعما للنظام. والعصفور الثالث هو السيطرة على المجال الجوي في سورية لشل حركة الطيران السوري الذي يقصف مواقع المعارضة وايضا ضرب قوات النظام وإضعاف التواصل بينها وقطع الإمدادات اللوجستية وتمكين قوى المعارضة من تحقيق نجاحات ميدانية تحقق لها الانتصار على النظام. هذا على فرض تحقق ترجيحات المحللين الإسرائيليين الذين يتوقعون استمرار الغارات الاسرائيلية، وخاصة بعد حصول اسرائيل على ضوء اخضر أميركي على لسان الرئيس باراك أوباما شخصياً الذي قال ان" لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها" رداً على الغارات الاسرائيلية على سورية.
ولكن هناك مشكلة فيما لو تطورت الامور بخلاف ما ترغب به اسرائيل التي تتوقع الا تجرؤ سورية على الرد باعتقاد ان نظام الاسد مشغول الان في مواجهة خصومه وهو عملياً يحقق إنجازات على الارض ولا يرغب في فتح جبهة اخرى تسنتزفه ، فلو قام النظام السوري الان برد صاروخي عنيف على اسرائيل يمكن ان تتورط اسرائيل في حرب قد تشمل لبنان أيضاً، وهذا ما لا ترغب فيه اسرائيل على الاقل في هذه المرحلة، وان كانت تقوم بدور محبذ من قبل حلفائها أميركا وتركيا والغرب الذي يريدون توسيع نطاق الضغط على النظام السوري دون التورط مباشرة في حرب. وبالذات في ظل عدم الرضا عن بعض فصائل المعارضة التي ترتكب فظائع ليست اقل من جرائم النظام.
لا يبدو ان اسرائيل مهيأة لحرب واسعة، فهي تراهن على المعارضة الداخلية وعلى تدخل الغرب لو تورطت في حرب شاملة، ولكن لا احد يمكنه ان يضمن تطورات الامور ولا عواقبها، من هنا تحذر بعض الأصوات الاسرائيلية من التورط فيما لا تحمد عقباه في اطار لعب بنيامين نتنياهو بالنار. والمنطق يقول ان النظام السوري اذا بقي يتعرض لغارات إسرائيلية تستهدف تدمير أسلحته وقدراته القتالية فليس لديه ما يخسره اذا قام برد عنيف على اسرائيل ، بل هذا يعزز موقفه مقابل المعارضة لدى الرأي العام، ويحرج المعارضة كثيراً كما أحرجت بسبب الغارات الاسرائيلية على دمشق.
مشكلة المعارضة السورية تكمن في عدم وضوح الرؤية لديها فبعضها له أجندة مختلفة عن مطالب الشعب السوري الذي يتوق للحرية والكرامة الوطنية والتنمية والتقدم، فالحركات الاسلامية التي ينتمي بعضها ل"القاعدة" والاتجاهات السلفية او " الاخوان المسلمين" لها برنامج مختلفهم فهي تريد السيطرة على الحكم أسوة بالدول التي مرت بحراك شعبي نتج عنه أنظمة حكم ظلامية لا علاقة لها بثورات وتطلعات الشعوب. وهؤلاء يشعرون ان سقوط النظام في سورية سيوفر لهم مناخاً مناسباً لحكم إسلامي على غرار مصر او تونس.
الغائب في معادلة الصراع هو المعارضة الوطنية التي تنحاز الى الديمقراطية وحقوق الشعب السوري، فهذه المعارضة لا تكاد تظهر على السطح في ظل ضجيج فوضى السلاح وصراع الأجندات والمصالح الإقليمية على الارض السورية وعلى حساب الشعب السوري . لا يبدو موقفها قوياً وواضحاً عندما تعلن قوى معارضة وقيادات في الجيش الحر عن ترحيبها بالغارة الاسرائيلية على دمشق بحجة تدمير ترسانة سلاح الاسد.
كما ان الموقف العربي من الغارات الاسرائيلية مخجل للغاية ويبدو ان النظام العربي الرسمي قد اتفق مع اسرائيل على ان النظام السوري هو العدو المشترك للجميع. ولم تعد اسرائيل تقلق من اي رد فعل عربي طالما ان دولاً عربية متورطة في الحرب الدائرة في سورية والتي تستهدف اساساً تدمير سورية وإخراجها من معادلة الشرق الاوسط كقوة إقليمية مؤثرة اكثر من مجرد إسقاط النظام واستبداله.
وبقي الموقف الروسي موضع اختبار حقيقي فيما يتعلق بالحفاظ على ما تبقى لروسيا من مصالح في المنطقة بعدما خسرت كل حلفائها ، لروسيا ترفض الاعتداء على سورية والتدخل المباشر في الصراع الدائر فيها ، ويبقى السؤال المركزي ماذا ستفعل روسيا اذا استمرت الغارات الاسرائيلية التي تركز بشكل رئيس على تدمير منظومات السلاح الروسي المتطورة؟ هل ستبقى فقط في دائرة الاستنكار والشجب اللفظي ام تعبر عن موقف صارم يجعل اسرائيل تحسب الف حساب عندما تفكر بشن عدوان جديد على سورية؟
مقالات جريدة الأيام
تغريدة الصباح - رسالة من أسير
بقلم: محمود شقير
وصلتني رسالة من الأسير حسام أحمد كناعنة الذي مضت عليه عشر سنوات في سجون الاحتلال، وفيها يتحدث عن روايتي «فرس العائلة». وأنا أستأذن قرائي في تخصيص هذه الزاوية لهذا اليوم لبعض ما جاء في رسالة هذا الأسير المناضل المثقف:
«... الرواية شيقة جداً وممتعة، وهي تقترب من النوع الملحمي، وأعتقد أنها تحتوي على بعض العناصر التي تقربها من هذا النوع، مثلاً: المدى الزمني للرواية ولأحداثها، العدد الكبير من الشخصيات المركزية وكثافة الأحداث.
الرواية تبدأ مع منان، وهواجسه وأفكاره ورغبته في الرحيل من البرية والتوجه غرباً، ولكن ما يلبث الراوي أن يعود بنا إلى أيام الجد عبد الله قتيل الماء. ثم إلى أيام ولده المختار محمد والد منان، ثم إلى منان وجيله إلى الجيل الذي يليه، مع العلم أن الأحداث تتداخل والانتقال من جيل إلى آخركثيراً ما يحدث، خاصة في حكايا الجدة صبحاء.
والرواية مليئة بالشخصيات المركزية التي يمكن اعتبار معظمها أبطالاً، مع بعض التميز لشخصية «صبحاء» الأم والجدة، التي تتقاسم مع الراوي عملية السرد. والشخصية الأكثر مركزية بالإضافة إلى صبحاء هي شخصية منان. لكن هذا لا يقلل من أهمية الشخصيات الأخرى، ولا ينتقص من دورها.
مقابل هذا الكم الكبير من الشخصيات نرى كثافة في القصص وفي تواتر الأحداث، وتحول الشخصيات المختلفة ... قصص عديدة يمكن أن نأخذ كل قصة على حدة لنرى أنه يوجد لها حياة خاصة بها، تمتد خيوطها وتتشعب لتشتبك أو تتشابك في سرد الرواية أو يمكن أن ينفرط عقدها ليأخذ مساراً خاصاً ومنفرداً.
مما لفت انتباهي –حتى لا أقول مما أزعجني- الانتقال السريع بين القصص التي تروى، وفي بعض الأحيان دون أن تكتمل القصة، بمعنى أن الراوي يبدأ قصة ما، عن إحدى الشخصيات أو الأحداث، على سبيل المثال: قصة علي أوغلو وليلة الذئاب، ولا ينهيها، وينتقل إلى قصة جديدة في الفقرة نفسها، مباشرة بعد أن ينهي الجملة الأولى من القصة التي استهل بها الفقرة. ممكن أن تكون هذه طريقة لإثارة فضول القارئ، ولكن إذا لم يكن القارئ متمرساً ومشدوداً إلى أحداث الرواية ومتلهفاً لمعرفة إلى أين ستؤول الأمور، فقد يفقد اهتمامه أو يفقد طرف الخيط الذي يربطه بسير أحداث الرواية.
ومن الأمور التي لفتت انتباهي، سرعة وحدة التغيير الاجتماعي، منذ انتقال أبناء العشيرة من البرية إلى مشارف القدس، خاصة لأبناء الجيل الأول- أقصد أفراد الجيل الأول من الذين انتقلوا، يعني، عملية التأقلم السريع وتبديل بيوت الشعر ببيوت ثابتة ومن حجر كانت سريعة جداً. بالإضافة إلى تقمص بعض عادات المدينة، وانتقال بعض الأفراد للعيش داخل أسوار المدينة، مثل عباس وعائلة عبد الودود ونجمة وتبديل ملابسهم وأعمالهم، كل هذا أراه متسرعاً. كان ممكناً أن أتقبل هذا التغيير أكثر لو قام به أبناؤهم من الجيل الذي نما وكبر وتزوج بعد الرحيل، مثل محمد الكبير ونوال والآخرين.
أمر آخر لفت انتباهي، وهو كثافة الحضور النسائي وأهميته في الرواية والدور الكبير المعطى لها. ولا شك أن هذا الحضور يعكس الدور الهام الذي تلعبه المرأة الفلسطينية في حياة المجتمع الفلسطيني، وبخاصة دور الجدة ومكانتها في حفظ الذاكرة ونقلها إلى الأبناء والأحفاد، كذلك الدور الذي لعبته نجمة وما تمثله في عملية التغيير والتطور الاجتماعي.
الرواية جذبتني وقرأتها بشغف ومتعة وانتباه لأتابع الأحداث والتطورات. ولم أشعر بأني غريب عما أقرأ، رغم غرائبية الشخصيات التي تثير الاهتمام وتضفي نكهة خاصة على مجمل الرواية، وتجذب القارئ وتشده لمتابعة عملية السرد».
الدين والسياسة
بقلم: عدلي صادق
من بين البرامج المستجدة، على شاشة تلفزيون فلسطين، هناك ما يناقش إشكاليات العلاقة والتقاطع بين الدين والسياسة. وفي الحقيقة، استحدث تلفزيون فلسطين، عدداً من البرامج الناجحة والمهمة، في خطة ارتقائه التي انتظرناها طويلاً، فبدت هناك إرهاصات قيامة جديدة، واعدة، للشاشة الوطنية!
علاقة الدين بالسياسة، لطالما استحثت نقاشاً حاداً مشحوناً بالتوتر بين من يقولون بالقطع التام، بين الفضائين، ومن يقولون بوجوب التطابق بينهما. ولدى كاتب هذه السطور، وجهة نظر، في مرجعيات الرأيين، إذ يستند رأي القطع، الى ما انتهت اليه الدولة الحديثة في أوروبا، في العصور الوسطى، من ضرورة الفصل بين الدين، ممثلاً بالكنيسة عندما تردت ممارساتها الدنيوية قاطبة. أما الرأي القائل بالتطابق، فإنه ـ في بعض مرجعياته ـ يستعيد منطق الفقه المساند للأوساط الحاكمة، في عصور ما بعد الخلفاء الراشدين، وهي ذات تاريخ مضطرب، مستبد أحياناً، ولم يتسم في كثير من محطاته، بسمات الدين السمح، الذي يعتمد الحكمة والموعظة الحسنة والدفع بالتي هي أحسن!
غير أن كلا الرأيين، في مداهما الأقصى؛ باتا اليوم بعيدين عن زمننا، وعن ظروف مجتمعات عربية وإسلامية، ذات تنوع ديني ومذهبي وثقافي. ثم إن الشروحات المطمئنة نظرياً، من أصحاب كلا الرأيين (في مداهما الأقصى) لا تعززها التجارب ولا الوقائع، ولا الاحتمالات المنطقية. والثابت الوحيد، في هذه المسألة، هو أن الدين حقيقة فكرية ملازمة لحياة الناس ولا يمكن القفز عنها، مثلما إن موجبات الحكم وضروراته، اقتضت الأخذ بقواعد عمل الدولة، من حيث هي إطار جامع يتوافق عليه الشعب، أو الأمة، لكي يكون حَكَماً نزيهاً بين الناس. فالدولة نتاج تعدد الخصوصيات، وقد نشأت لكي تنظم حياتها المشتركة.
إن النقاش في هذه المسألة، لا يمكن تجنبه. وكان الإصلاحيان الفقيهان، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، قد أحسا مبكراً بإشكالية هذه المسألة، على الرغم من كونهما في معرض التأريخ للأصولية، يُعتبران مؤسسيْ فقهها الاجتهادي؛ والتحق بهما، بعدئذٍ، تلميذهما اللبناني الطرابلسي محمد رشيد رضا، الذي كان حسن البنا، مؤسس جماعة "الإخوان" قد تأثر بكتاباته. فهؤلاء حسموا الأمر بتعيين الفارق الشاسع بين فضاء الدين وفضاء الدولة. الأول إلهي سماوي منـزّه، والثانية بشرية خطّاءة، ولا يستوي أن يتطابق الفضاءان!
هذا حديث يطول. ما يعنيني هنا، هو لفت الانتباه الى أمر لم يأت عليه ـ ربما ـ أي نقاش، وهو أن اعتراض القائلين بالقطع، على رأي القائلين بالتطابق والانغماس، يتعاطى مع الدين، باعتباره هو نفسه الذي تجسده الجماعات التي تتطلع الى الحكم، أو تلك التي حكمت. وفي الواقع، إن هذه رؤية خاطئة، حتى وإن كنت أرى في الدين، منظومة قيمية روحانية، ضرورية، هي بمثابة بوصلة للسلوك في الحكم وفي الحياة.
مكمن الخطأ في رأي القائلين بالقطع التام، يتعلق بعنصر الرعب أو التطير من حكم من يسمون أنفسهم "الإسلاميين"، على قاعدة أنهم يمثلون التجسيد الحي الناطق للدين الإسلامي. فمن خلال الواقع، ترتسم هنا مفارقة طريفة، وهي أن انطباعات القائلين بالقطع، عن هؤلاء "الإسلاميين" تأسست معظمها نتيجة ممارسات محرمة، أو مكروهة، ونهى عنها الإسلام. ولنأخذ تجربة كاتب مثلي. فمن خلال مراجعة كل ما كتبت، في نقد حكم "حماس" في غزة مثلاً، أو ممارسات "أبي سيّاف" في الجزائر والعراق والفيليبين ومصر والسعودية وغيرها؛ كان في معظمه أشبه باعتراضات شرعية على ممارسات ينهى عنها رب العالمين. انتقدنا التمثيل بالجثث والتعذيب قبل القتل، على قاعدة أن الإسلام يحض على الإحسان في كل شىء. فقد اعترض رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، على مسلم ألقى بثقله وجثم على ماعز لكي يذبحها. صرخ في وجهه: "أتميتها ميتات، لقد كتب الله الإحسان في كل شىء..". واعترضنا على مصادرة الرأي الآخر، وقد أقر الدين بحق الإنسان في طرح رأيه وأوجب عدم إنزال العقاب بصاحبه. واعترضنا على البذخ والمغالاة في الجمارك، أي المكوس التي كان يكرهها رسول الله، وقد حث الدين على الزهد. وكتبنا عن الصولجان والأبهة الفارغة، إذ تعلمنا لماذا نام ابن الخطاب قرير العين. وكتبنا عن الكذب واللعب بالفتاوى، وهما ذميمتان أشبعنا الدين الحنيف، وصايا لاجتنابهما. فالممارسات التي شكلت انطباعات القائلين بالقطع، ليست إنعكاساً لحكم إسلامي، وإنما هي نتاج آنية تنضح بما فيها!
غير أن حقائق الحياة السياسية للأمم، لم ولا ولن تساعد على أن تتولى فئة ما، مهمة تديين الناس، بقوة سلطة الدولة، وكأنها مكلفة من رب العزة. فهذه متاهة، لن تضيع فيها الأمم ذات التنوع الديني والثقافي وحسب؛ وإنما ستضيع فيها أيضاً الدولة، لو كان جميع سكانها منخرطين في جماعات وأطر "إسلامية". فكم حزب "إسلامي" مثلاً في مصر وفي العراق؟! لنأخذ الأولى، وفيها "إخوان" وسلفيون، ومتفرعون عن سلفيين، ووسطيون متفرعون من "الإخوان" وطرق صوفية عدة، وسلفيون جهاديون، تفرع منهم سلفيون "تائبون" أقلعوا عن فقههم في السجن. لنفترض أن هؤلاء كانوا هم كل الشعب، فهل سيتفقون، رغم أن لا طرف منهم يعترف بصواب مناهج الأطراف الأخرى؟!
إن عمل الدولة، هو عمل السياسة، والاثنتان خطّاءتان، والدين مُنـزه. وعندما أمرنا رب العزة بأن نحكم بما أنزله، كان الأمر يتعلق بأحوال منازعات شخصية. وحتى عندما نزلت الأية في صورة النساء:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحّكموك فيما شَجَرَ بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما" فإن تفسيرها ـ حسب "الطبري" ـ أنها نزلت على أرضية خلاف حول سقاية من ماء يجري في أرض واحد من الأنصار وأرض جاره الزبير بن العوام، أمر فيها الرسول عليه السلام الزبير، بالتزام المسامحة وأن يسقي هو ثم يسقي جاره، واعترض الأنصاري على حكم النبي نفسه، منوهاً اليه بصلة القرابة مع الزبير. ونتعلم من أسباب نـزول الآية، في رأي آخر، أن الآية نزلت لكي لا يصبح ما قضى به رسول الله سُنّة متبعة، إذ كَره الله أن يُسن ذلك بعد، حسب "ابن كثير"!
موضع النقاش هنا، يتعلق بمطابقة الدولة مع قوى تأنس في نفسها الأهلية بتديين الناس وحياتها، نيابية عن رب العالمين، ويصف اعضاؤها أنفسهم بـ "الربانيين" و"الرساليين"، بل بـ "مصاحف متحركة" حسب سيد قطب. وهنا موضع القلق، وكذلك موضع التوتر بين فضائين. فالدولة، من حيث هي بشر يحكمون، ينبغي أن تستفيد من الدين. والقوى الإسلامية الحقة والمستنيرة، من حيث هي تحمل رسالة هدى، ينبغي أن تستفيد من الدولة. ولا يتطابق الفضاءان!
نظام الممانعة، نظام كاذب
بقلم: بهاء رحال
متى يكتشف المطبلون للأنظمة العربية أنهم عاشوا أكبر كذبة في حياتهم ؟ وأن وهمهم كذبة كبيرة عاشوها وصدقوها كما صدقنا نحن أحياناً، متى يكتشف المطبلون للأنظمة أو ما تبقى منها أن خطاباتهم كانت مزورة كزعاماتهم التي بددت أحلام الشعوب بعد أن قهرتها وبطشت بها ؟ ومتى سيعرف المطبلون لدولة الممانعة وتجارها أن اكاذيبهم لم تعد تقنع حتى الاطفال ولم يعد بيننا من يصدق التوقيت المناسب الذي تحدثوا عنه في مرات كثيرة وخرجوا علينا به بعد كل غارة استهدفت الاراضي السورية وأن عمليات الاختباء خلف شعارات كاذبة لم تعد تنفع ولم تعد تنطلي على أي أحد من قريب أو بعيد، فالصورة واضحة ولا تحتاج لشرح طويل، جيش مهزوم لقائد لا يقوى إلا على شعبه ويختبئ كالنعام اذا مرت الطائرة الاسرائيلية وأغارت على بقعة من أرضه، يصمت قليلاً ويسكت طويلاً ثم يعود ليطلق رصاصاته على درعا وحمص وحتى مخيم اليرموك ويكتفي بالتهديد البعيد لاسرائيل وصدق المثل الفلسطيني الذي يقول فيمن يلوح بالتهديد والوعيد ( قُصر ذيل فيك يا ازعر) بضم القاف، ومتى سنكتشف أن تل أبيب تنام مطمئنة ليس بفعل الجيش الحر فقط وهو ( أو ما يسمى ) هذا الجيش الذي يتلقى تدريبه وعتاده وأوامره من الولايات المتحدة وحلفائها بل إن اطمئنان تل أبيب بفعل ممارسات عمرها اكثر من 65 عاما وهو عمر الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين التي سكت عنها العرب كما سكت النظام السوري عن الجولان، التي لم تجد من يدافع عنها بصدق فكان لنظام الأسد جولات وجولات من منع أي مقاومة تهدف الى تحريره فكانت أرضاً ينعم بها الاحتلال بالهدوء والسلام والاستقرار طيلة السنوات الماضية ولم يحرك ساكناً بل اختبئ في دمشق وترك الجولات محتل .
والعرب الذين تراهم يبكون اليوم على دمشق بقلوبهم المزورة هم ذاتهم الذين تباكوا على القدس يوماً بل كل يوم حين كانوا متفقين على البكاء وكفى بالتباكي سبيلا، فكيف الآن وهم منقسمون ومشتتون وممزقون في المواقف والتوجهات والأفكار، وأسال كيف لنا أن نصدق تلك الأنظمة أو ذلك النظام الذي استتر بكذبة الممانعة ؟؟ اعتقد عليكم اعادة النظر أيها المطبلون باسم العروبة فان من يهرب من المواجهة التي تفرض عليه لا يكون الا جبانا، الهارب جبان والذي يسكت عن ضربات اسرائيل لوطنه جبان والذي يقتل شعبه جبان فلا تكونوا مطبلين للجبان.
مطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية !!
بقلم: محرم البرغوثي
لا يزال نذكر تسيير شرطة الاحتلال وجيشه دوريات دائمة لحماية المستوطنين للوصول الى مستوطناتهم خوفا من انتقام اصحاب الارض التي استولوا عليها.
وكثرت صرخات الفلاحين من الكلاب الضالة التي كان يدربها المستوطنون ويطلقونها لتخويف وإيذاء المواطنين الفلسطينيين.
ولتخريب مزروعات القرى الفلسطينية اطلقوا قطعان الخنازير التي ألحقت وتلحق الأضرار بالمزروعات وفي أحيان كثيرة تهاجم الناس، وكل هذا دون اجراء صارم للرد على مخططاتهم.
وللسيطرة على عيون وينابيع المياه التي تعتمد عليها عشرات العائلات لري مزروعاتها، ومعظم من يقومون بزراعتها النساء والفتيات، فنهج المستوطنون نهجا مفاده السباحه في برك هذه العيون، الأمر الذي دفع نساءنا وبناتنا عدم التوجه الى حقولهم لأن المستوطنين يتعرون عمدا.
وأخيرا، ينقل اعلامنا – اعتداء المستوطنين، حرق المستوطنين، رشق المستوطنين... والبعض يكاد يحاول تغيير مسار عودته الى قرانا ومدننا، الهذا الحد وصلنا، وإذا بقي الصمت قد يطالب الناس من الأمن الوطني أن يسير دوريات توصلنا الى مساكننا.
ان موقفا من منظمة التحرير باتجاه التصدي لهؤلاء الأوباش، عبر تشكيل اللجان الشعبية لحماية القرى، واللجان الشعبية للتصدي الحقيقي، سيعيدهم الى أوكارهم ويعيدهم الى جبنهم، فهناك تخطيط تدريجي وصل بهم الى دخول الحرم الشريف والأقصى وبيوتنا، فلتعمل منظمة التحرير على بث روح التصدي لهؤلاء، وليس اكتشافا جديدا أن المستوطنين يحضرون لما حدث في عام 48، وليس دور المنظمة وقيادات الفصائل والسلطة تشخيص ما يجري، بل وضع البديل وتحفيز شعبنا على لجم هؤلاء وعدم تركهم يشعرون بالراحة على أرضنا وبين ظهرانينا.
فليعقد اجتماع خاص لبحث التفاصيل ووضع برنامج جماهيري شعبي قبل ان تفلت الأمور الى حد عدم السيطرة.
زمان
بقلم: وضاح زقطان
كنا نستعير كتابا بعنوان أجمل رسائل حب ونخط رسالة ساذجة لبنت ساذجة وكانت النتيجة احتمالين... إذا أخبرت أهلها فهنا نهاية المرسل وإذا كانت عاقة فهي نهاية المرسل أيضاً الذي سينتحر بواسطة زجاجة كاز عند رفضه يوم الخطبة...
زمان كان لكل شيء معنى... عبد الناصر مثلاً رجل يجري في العروق... الاتحاد السوفيتي وطائرات الميغ 21.
زمان كانت مصر أم الدنيا وما زالت السينما مصرية والمجلات أيضاً ونجيب محفوظ في كل بيت...
زمان كان للدين معنى والشيخ واجهة البلد والدين تسامح.. لم يكن هناك أحزاب وقتل باسم الله... والله تبارك اسمه من كل هذا براء.. زمان أحب الفلسطيني فلسطين فقط... زمان ذهب ولن يعود.
الثامن من أيار- اليوم العالمي للتضامن مع مرضى الثلاسيميا
بقلم: بشار الكرمي
يصادف الثامن من أيار من كل عام اليوم العالمي للتضامن مع مرضى الثلاسيميا- هذا الاحتفال العالمي بدأ قبل عشرين عاما وتحديدا عام 1994. وهي مناسبة لإبراز أشكال التضامن المجتمعي مع مرضى الثلاسيميا في نضالهم اليومي من اجل غد أفضل وخدمات صحية بأعلى جودة ممكنة. لقد بدأ المجتمع الفلسطيني باكرا الاحتفال بهذه المناسبة، فبعد تأسيس جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا وتسجيلها رسميا عام 1996 احتفل المجتمع الفلسطيني لأول مرة بهذه المناسبة عام 1997 لتتوالى الاحتفالات سنويا منذ ذلك التاريخ. لقد سجل المجتمع الفلسطيني انجازات ملموسة في مجالي التوعية والتثقيف المجتمعي نحو أخطار المرض وسبل الوقاية منه، إضافة إلى تحقيقه قفزات في مجال الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى. لقد انخفضت أعداد المرضى الجدد الذين يتم تسجيلهم سنويا من قرابة الأربعين حالة جديدة قبل عام 2002 الى اقل من خمس او حتى ثلاث حالات اعتبارا من عام 2010. لقد رفعت الجمعية ووزارة الصحة الفلسطينية ومعهما العديد من مؤسسات المجتمع المحلي ووكالة الغوث شعار «من اجل فلسطين لا يولد فيها مرضى ثلاسيميا جدد اعتبارا من هذا العام- 2013 بمشيئة الله». ونراقب في جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا ومعنا المجتمع الفلسطيني بأسره نجاح هذه التجربة الرائدة التي تأتي تتويجا لآلاف الفعاليات والأنشطة المستمرة منذ سبعة عشر عاما.
لقد ارتفع متوسط أعمار مرضانا من ثمانية أعوام كانت تسجل لدى انطلاقة الجمعية إلى قرابة العشرين عاما اليوم. ليس هذا فحسب، بل أنهى عشرات المرضى تعليمهم العالي. لقد تأتّى ذلك بفضل جهود الجنود المجهولين من طواقم وزارة الصحة الذين عملوا على الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية المقدمة لهذه الفئة من المرضى، ونحن على ثقة بأن الجهود سوف تتواصل لمزيد من التطوير في هذا المجال.
إن مريض الثلاسيميا في فلسطين دخل مرحلة جديدة في علاقته بهذا المرض، فبعد أن كان ينظر إلى تشخيص الإصابة بمرض الثلاسيميا في الأسرة على انه رحلة محفوفة بمخاطر جمة ونهاية غير مضمونة، أصبح بمقدور المريض اليوم التعايش مع هذه الحالة الصحية والمضي قدما في الانخراط في المجتمع، معتمدا على دعم مجتمعه له وتفهمه لحالته الصحية واحتياجاته. لا بل يمكننا القول ان نظرة مشوبة بالإعجاب تطالعنا ونحن نستمع إلى مداخلات المرضى وهم يتكلمون عن آمالهم بغد مشرق ومستقبل واعد. لقد انهى العشرات من مرضانا تعليمهم الجامعي، كما وأسس عدد منهم أسرهم، ورزق البعض من هؤلاء المرضى بأبناء يتطلعون إلى رعايتهم وتوفير مصدر دخل كريم لهم ولأبنائهم.
إن المجتمع الفلسطيني مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بمد يد العون لهذه الفئة الشجاعة من أبنائه، الذين تحدوا المرض وسطروا مواقف تستحق التقدير في مواجهتهم لآلام رافقت رحلتهم ومنذ شهور عمرهم الأولى. إن مريض الثلاسيميا قادر على تحقيق كافة الانجازات التي يمكن لاي فرد تحقيقها في مجتمعنا. إن مريض الثلاسيميا يتطلع لتفهم المجتمع المحلي لاحتياجاته وتوفير فرصة له يحقق من خلالها ذاته. ان مسؤولياتنا تجاه هذه المجموعة من المرضى تفرض علينا توفير مقعد دراسي لهم لإكمال التعليم الجامعي، وقد تجاوبت جامعاتنا المحلية مع هذا المطلب، كما ان المريض يتطلع للحصول على فرصة عمل يحقق من خلالها ذاته ويأخذ موقعه في عملية البناء لمجتمعنا الفلسطيني. إن تلبية هذه المطالب البسيطة هي اقل ما يمكننا تقديمه لهؤلاء الذين عاركوا المرض وعايشوه سنوات وسنوات.
يسير مجتمعنا الفلسطيني بخطى ثابتة نحو مستقبل واعد، ونحن في جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا نراقب بفخر هذه المسيرة التي نتطلع لان تجعل من هذا المرض جزءا من الماضي- ندرّسه لأبنائنا. ونقول بصوت واحد- فلنجعل هدية جيلنا للأجيال القادمة أن نحميهم أخطار هذا المرض.
ومعا من اجل مجتمع لا يولد فيه مرضى ثلاسيميا جدد بمشيئة الله اعتبارا من هذا العام 2013.
كيف صرت اذاعياً
بقلم: خالد مسمار
الحلقة الاولى
في 11/5/1968 أي في شهر النكبة التي حلت بفلسطين وشعبها قررت القيادة الثورية الفلسطينية، قيادة حركة «فتح» ان تعلن عن انطلاق اذاعة الثورة الفلسطينية التي كان اسمها في ذلك الوقت: (صوت العاصفة.. صوت فتح.. صوت الثورة الفلسطينية). أي بعد حوالي ثلاث سنوات من انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة «فتح»، وبعد أقل من شهرين على الانتصار العظيم في معركة الكرامة الخالدة التي جرت في 21/3/1968 حيث حقق الفدائيون الفلسطينيون وبتلاحمهم مع الجيش العربي الاردني أعظم وأروع انتصار على الجيش الصهيوني «الذي لا يقهر» بعد هزيمة مدوية للأزمة العربية في حرب حزيران العام 1967م، في اشارة واضحة من قيادة «فتح» اننا سنحوّل ذكرى النكبة الى عمل ثوري يعيدنا الى فلسطين من خلال الكلمة الأمينة المعبرة عن الطلقة الشجاعة.
ذكريات الطفولة
لا يوجد فلسطيني على وجه الارض إلا ومرّ بذكريات طويلة، حلوة ومرّة. لكن الذكريات المريرة هي الأكثر أما الحلوة فلها مذاق يبقى صامداً لقلتها!
وأهم ما علق بذهني وما يزال حتى اللحظة وكان له التأثير القوي على مسيرة حياتي هو مأساة الهجرة في العام 1948م حين كان عمري لا يتجاوز السنوات الست.
كان للهجرة تأثير كبير على اتجاهي السياسي فيما بعد..
كنت أرى الأفواج القادمة من انحاء فلسطين الى مدينتي نابلس بالشاحنات مهاجرة الينا وعقلي الصغير يتساءل لماذا جاءت هذه الافواج وتركت منازلها، وفي المقابل أرى سيارات الجيش العراقي وهي متجهة شمالاً والناس على جانبي الطريق تهتف لها وأهتف معهم ولكن اتساءل ما الذي يجري؟
المعروف ان الكبار يدعون ان الاطفال في مثل سني لا يستوعبون او يفكرون في ما يجري حولهم، ونعامل أطفالنا بهذا الاسلوب! ولكن أطبق ذلك على نفسي وأقول ان للطفل تفكيره ورؤيته وهذا ما أثر في مسلكي فيما بعد!
سيارات كبيرة كانت تأتينا يومياً، شاحنات أو ما كان يطلق عليها (تركّات) مليئة بالاطفال والنساء والشيوخ والشباب، كنت أسكن وأسرتي أمام مدرسة اسمها مدرسة النجاح الوطنية على درج عند المنشية التي اصبحت فيما بعد بلدية نابلس ثم تحولت الى مكتبة، امتلأت المدرسة باللاجئين، ورأيت ساحة المدرسة وقد امتلأت بالخيام.
قادتني قدماي الصغيرتان الى داخل المدرسة، فحب الاستطلاع لدى الطفل قوي، كان اللاجئون يفصلون ما بين الأسرة والأسرة بفاصل من الشاش أو البطانية التي كانوا يتغطون بها او يلتحفونها، ولم تكن البطانيات تكفيهم. الأسرة من الزوج والزوجة والاولاد في مكان واحد يفصلهم عن أسرة أخرى شرشف او بطانية! يا إلهي كم كان المنظر بالنسبة لطفل في سنّي مؤلماً، ما جعلني أفكر بعمل أي شيء. هذا التفكير كان في عقلي الباطني تفجّر فيما بعد عند بلوغي.
ومما زاد في ألمي ان حصل في نفس عام الهجرة عاصفة ثلجية أهالت الخيام فوق ساكنيها، ورأيت أمام ناظري طفلاً يخرج من الروضة التي أمام منزلنا قرب «مدرسة النجاح» وقد بهره كما بهرني منظر الثلج الابيض الذي يغطي الارض وكأنه سجادة بيضاء كبيرة. فتح الطفل، وأنا أراقبه، باب الروضة وهو مذهول مما يرى، ومشى خطوة باتجاه البساط الابيض وخطوتين وثلاث خطوات وهو حافي القدمين ثم وقف وبدأ بالصراخ من ألم الثلج، هذا المنظر ما زال في مخيلتي حتى اللحظة. وبدأنا السنة الدراسية ودخلت الصف الاول الابتدائي في مدرسة الخالدية في نابلس وصارت لنا علاقة حب وجوار مع أسرة هذا الطفل، وأذكر أنني كنت عائداً مرة من مدرستي فوجدت باب منزلي مغلقاً ولا أحد في البيت، وكانت شقيقة ذلك الطفل تنتظرني حسب وصية والدتي لها التي كانت قد غادرت البيت لأمر ما، وأطعمتني تلك السيدة رغيف خبز وفجلة وما زال طعمها اللذيذ في فمي حتى الآن! وتشاء الاقدار ان نلتقي في عمان وقد أصبح الطفل رجلاً وشقيقته امرأة عجوزاً - رحمها الله-.
الاخوان المسلمون وحزب التحرير
كان جدي الحاج سعيد فارساً من فرسان مدينة نابلس وكان له أراض كثيرة بعضها في قرية قريبة من نابلس هي عصيرة الشمالية وقد سكن تلك القرية وتزوج منها. واثناء ركوبه فرسه في أحد الأيام وقع عن ظهرها وانكسرت رجله، فأصبح لا يقوى على ركوب الخيل. فبدّل الفرس بركوبة أصغر هي حمارة بيضاء، وكم هو صعب على فارس ان يفعل ذلك.
كان جدي يذهب يومياً لصلاة الظهر الى الجامع الكبير في نابلس وكان يحب ان يرافقه واحد من أحفاده ليساعده في الركوب والنزول عن حمارته البيضاء وكنت واحداً منهم، أذهب معه الى الجامع وأستمع الى حديث الكبار ونقاشاتهم وكلي آذان صاغية، ومذهول مما أسمع! وعقب الصلاة نرى عدة حلقات من الدروس، حلقة هنا وحلقة هناك ومع مرور الوقت تتنازل هذه الحلقات فيما بينها وتكاد ان تضرب بعضها بعضاً وعقلي الصغيرة يتساءل مستنكراً لماذا يفعلون ذلك أليسوا كلهم مسلمين؟! أين أخلاق الاسلام.. علمت فيما بعد ان هذه الحلقة تتبع جماعة الاخوان المسلمين وتلك تتبع حزب التحرير الاسلامي، من هنا صار بيني وبين الفئتين حاجز بسبب ذلك.
الثورة المصرية
في تلك الفترة وأنا أسير في أزقة نابلس كنت أستمع من خلال مذياع بعض المحلات التجارية ما تقوله اذاعة القاهرة أيام الملك فاروق، وكنت أسمع أحاديث الشارع عن أن الملك فاروق ملك فاسد وأنه في آخر أيامه، وعندما كنت ذات مرة عند الحلاق سمعت ان الثورة المصرية قامت وعمّ الفرح الشارع النابلسي مما انعكس عليّ أيضاً بالرغم من عدم معرفتي بما يجري لكنني أحسست بالفرح الغامر حيث ان الملك الفاسد فاروق قد انتهى حكمه. وهذا قادني فيما بعد ليكون اتجاهي ناصرياً، وان أكمل دراستي في مصر، وكان أيضاً للسينما المصرية تأثير كبير في حبي لمصر، وأذكر ان أول فيلم مصري شاهدته كان في سينما على مسرح المنشية (مكتبة البلدية حالياً) من بطولة أسمهان ويوسف وهبي.
بدأت علاقتي مع أطفال اللاجئين في المدارس، كانت مدارسهم في خيام قبل ان تبني لهم الاونروا مدارسهم الخاصة وتوزع عليهم الحليب الساخن (حليب البودرة). وهنا تذكرت طفل الثلج الذي مشى عليه وربما كان يتصوره حليب أطفال خاصة ان الاطفال كانوا بحاجة الى الحليب في بداية الهجرة.
كان الطالب الذكي والمتقدم في دراسته يكافأ بنقله من مدرسة الخيمة الى المدرسة الحكومية وليرفع من مستوى المدارس الحكومية. أذكر يوماً ونحن في الصف الرابع الابتدائي ان جاءنا مدير المدرسة بصحبة طالب طويل القامة أدخل مدرستنا الخلدونية لتفوقه وأنشدنا بصوت قوي وجميل وحزين أنشودة أبكتنا جميعاً يقول مقطعها الأول: «عليكِ مني السلام يا أرض أجدادي ففيك طاب المقام وطاب انشادي..!؟ نسمعها ونجهش بالبكاء، كيف ضاعت الارض واحتلت مدن فلسطين! وهذه ايضاً كانت حافزاً شديداً وقوياً عندي لأتجه اتجاهي الوطني وأعمل أي شيء من اجل مقاومة المحتلين.
بداية الحس الاذاعي
كنت كما ذكرت سابقاً أستمع الى بعض الاذاعات أثناء مروري في أزقة وشوارع نابلس أو عند الحلاق. وكان عند جدي الحاج سعيد راديو كبير بحجم الخزانة عبارة عن موبيليا خشبية جميلة أطول مني مرتين في تلك الفترة. وكان يحضر الى ديوانه الجيران والاصدقاء كل مساء وكنت أحشر نفسي بينهم واستمع الى ما يبثه ذاك الجهاز الجميل وكنت أتصور ان المذيع يجلس داخل هذه الخزانة الخشبية فأتسلل وراء المذياع لأبحث عنه فلا أجد سوى لمبات كهربائية وبطارية كبيرة وشناكل تمسك بالبطارية التي تشبه بطارية السيارة في هذه الأيام.
في احدى الجلسات ضحك جدي وقال، عندما كان مطرب سوداني يغني في (محطة ركن السودان من القاهرة): هدول قرايبك يا سيدي! كنت أسمر اللون نتيجة تحركي تحت الشمس كثيراً وأنا صغير ما أضحك جدي واعتبرني سودانيا.
راديو جدي شجعني لمتابعة الاذاعات وأخبارها فألححت على والدي لشراء راديو خاص بنا، وكان والدي موظفا (على قد حالو)، وأسعدني يوما باحضاره راديو مستعملاً ليس جديدا ولكنه كان شغلي الشاغل، أنتقل من محطة الى اخرى على الموجة المتوسطة وعلى الموجات القصيرة من ضمنها محطة الشرق الادنى للاذاعة العربية (فيما بعد محطة لندن)، ومرة توقفت إبرة الاذاعة على محطة اسمها تيرانا تتحدث اللغة العربية علمت فيما بعد ان تيرانا هي عاصمة دولة البانيا التي كان يحكمها أنور خوجه زعيم الحزب الشيوعي هناك وان أهلها غالبيتهم من المسلمين. لذلك أصبح عندي حس العمل الاذاعي والرغبة في ذلك اضافة الى رغبتي الكبيرة الى العمل الوطني من اجل التحرير.
كان والدي يعمل في عمان ونحن نسكن نابلس، وكان يزورنا كل خميس وجمعة ثم يغادرنا فجر السبت الى عمله.
غياب والدي عنا ساعدني للتحرك خارج البيت بعيداً عن رقابته خاصة ان الاطفال عادة ما يتمتعون بالحيوية والنشاط فوق الطبيعي، فزاد احتكاكي بالناس وكيفية التعامل معهم والاستفادة من تجاربهم.
الى عمان
بعد العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956م حيث اشتركت كل من بريطانيا وفرنسا واسرائيل في الهجوم على مصر للقضاء على نظام الرئيس جمال عبد الناصر الذي أممّ قناة السويس وتحدى الاستعمار الغربي، ما جعل والدي - رحمه الله - يفكر في نقلنا الى عمان حيث عمله وخوفاً ان تنقطع الصلة بيننا نتيجة الحرب. وهذه الحرب العدوانية جعلتني اتابع المحطات الاذاعية بشغف خاصة صوت العرب الذي تعلمت منه الكثير.
وصلنا الى عمان وكنت قد أنهيت الصف الاول الاعدادي (السابع حالياً) من مدرسة الجاحظ في نابلس الى مدرسة رغدان في عمان ودخلت الصف الثاني الاعدادي (الثامن)، جو الدراسة في عمان جوّ آخر يختلف عما كنا فيه في الجاحظ.
وأحسست، في البداية، بالغربة! حيث تركت مسقط رأسي وشعرت ان قلبي بقي هناك عند زملائي في المدرسة وأبناء حارتي والجيران. كان هذا هو احساسي حتى ان أحلامي وما كنت أراه في المنام كلها تكون هناك وتأكدت من مدى حبي وتعلقي بمدينتي وحارتي!
في عمان تعرفت على زملاء جدد في المدرسة. والمرحلة الاعدادية هي مرحلة نمو الوعي لدى هذا الجيل، وشاءت الأقدار ان أحد زملائنا واخواننا الطلبة الذين كانوا يدرسون في الخيام بداية الهجرة ينتقل أيضاً الى عمان بل الى نفس المدرسة ونفس الصف الدراسي! وكان دائماً في المركز الأول في الصف وبقينا أصدقاء سوياً حتى ذهابنا الى مصر للدراسة الجامعية حيث لم يكن في الاردن بعد جامعات، واستمرت علاقتنا حتى الآن.
اثناء الدراسة في مدرسة رغدان التحق بنا زميل جديد في العام 1957 من اللاجئين الذين يسكنون مخيم الحسين وكان تأثير اخواني اللاجئين عليّ تأثيراً كبيراً بسبب معاناتهم وشعوري الحاني تجاههم. وكنت الحظ ذلك من تقربي منهم، هذا الطالب الذي لم أره منذ ذلك الحين واسمه عبد الرحمن الشلختي. كنا ندرس سوياً، طلب مني ذات يوم ان ندرس في بيته، رحبت فوراً وذهبت الى المخيم فوجدته يسكن في بيت من الزينكو مكون من غرفة واحدة وأرضية ترابية هو ووالداه واخوته الاطفال ما كان له الأثر المؤلم جداً عليّ.
عبد الرحمن هذا هو أول من فاتحني بالكفاح المسلح ضد اسرائيل، وهنا تظهر ولأول مرة حركة فتح قبل الاعلان عنها، حدثني عبد الرحمن عما يجب ان نقوم به وأنه لا بد ان نتحرك وأن نأخذ زمام أمورنا بأيدينا، لكن في ذلك الوقت كان عبد الناصر ملء وجداني وأذكر أنني قلت له: عبد الناصر سيحرر فلسطين ولا أحد غيره، فقطعت عليه الطريق، وتشاء الاقدار ان التحق فيما بعد بحركة فتح لكنني لم أره منذ ذلك الحين.
حلف بغداد والأحزاب
في تلك الفترة عمّت عمان المظاهرات الحاشدة التي تقودها الاحزاب ضد حلف بغداد، خاصة أثناء حكومة سليمان النابلسي: حزب البعث والقوميين العرب، والشيوعيين، والاخوان المسلمين وحزب التحرير. عندما كنت أصحب جدي الحاج سعيد الى الجامع في نابلس تعرفت على الاخوان وحزب التحرير وحسمت أمري معهم وابتعدت عنهم. أما في عمان فهناك شيء جديد اسمه البعثيون والقوميون والشيوعيون. الشيوعيون عرفتهم من خلال الجبهة الوطنية التي كانت تخوض الانتخابات في نابلس وكان عادة من يترشح عنهم عبد القادر الصالح وكان صديقاً لوالدي ويعطيه صوته. كنت احتج على والدي، كيف تنتخب حزباً كافراً؟ فيجيبني - رحمه الله - هدول يابا وطنيين. لكنني بقيت بعيداً عنهم بحكم تديّني.
أما البعثيون والقوميون العرب فكان لهم نشاط قوي في المدرسة هم والاخوان المسلمون. وكانوا يتسابقون على جذبنا الى أحزابهم ويوزعون علينا بطاقات العضوية التي كانت تساعدنا في دخول السينما بتذكرة مخفضة!
كانت معظم المدارس تخرج في مظاهرات صاخبة ضد حلف بغداد وتتجمع كلها في ساحة المسجد الحسيني الكبير وسط البلد. وهناك، ويا للأسف، كانت تحدث مشادات بين أفراد الاحزاب تتطور الى اشتباكات بالسكاكين (وكل حزب بما لديهم فرحون) مما اقنعني بالابتعاد كلياً عن هذه الاحزاب التي ترفع شعارات هامة ضد الاستعمار ومن اجل تحرير فلسطين ولكنها لا تفعل شيئا ملموسا لصالح فلسطين، القضية المركزية لكل هذه الاحزاب!
لكن في الواقع، كنت أحس بانتمائي للقوميين العرب الذين لم أكن اعتبرهم حزباً، خاصة ان أحمد سعيد صوت العرب كان يدافع عنهم. وكان جيلي متأثراً جداً بصوت العرب.
الى دمشق
في العام 1959م أنهيت دراسة «المترك» في كلية الحسين بعمان وهي نهاية الفترة الثانوية في تلك الأيام، وعليّ إكمال دراستي الجامعية خارج الاردن. كانت مصر ما تزال في مخيلتي وهي بلد عبد الناصر. وكان والدي - رحمه الله - يريدني ان أذهب الى دمشق فهي قريبة ومصاريفها أقل.
ذهبت مرتين الى دمشق وهاجسي أنهم قوميون عرب (بعثيون) وأول ما رأيته على الحدود في الرمثا العلم الفلسطيني بألوانه الاربعة يرفرف فوق المباني الحكومية السورية مما شرح صدري واعتبرت ان حسهم لفلسطين وتحريرها جعلهم يرفعون العلم الفلسطيني ولم أكن أعلم ان هذا العلم هو علم الحزب ليس إلا! كنت أرى شباب الحزب في الصالحية يومياً يتسكعون ويعاكسون الفتيات وصعقني أحدهم عندما رأيته يلبس قميصا يزينه العلم الاميركي! كيف هذا، تساءلت وأنا مذهول. كيف بعث وحكومة بعث وقوميين عرب وعلم فلسطين ومهاجمة أميركا والامبريالية الاميركية وهذا يتبختر وعلى ذراعه علم أميركا؟! كانت صدمة بالنسبة لي ما شجعني للذهاب الى مصر لإكمال دراستي هناك.
الى القاهرة
كانت مصر في وجداني منذ الطفولة، اذاعة القاهرة ثم صوت العرب والأفلام المصرية، عندما كنا نخرج من المدرسة الخلدونية عند العصر فنسارع الى سينما العاصي او غرناطة والتذكرة بقرشين ونصف القرش! كنت أحلم بالقاهرة ومصر عبد الناصر فوافق والدي وسافرت الى قاهرة المعزّ وفيها توسعت مداركي حيث انها المرة الاولى التي أعيش فيها وحيدا بعيدا عن والدتي وأهلي حيث الراحة والمأكل وعدم المسؤولية.
وهنا بدأت معركة جديدة وحياة جديدة. فلكي أدخل الجامعة كان لا بد من الحصول على التوجيهي (الثانوية العامة المصرية) حيث ان شهادة المترك الاردنية لا تكفي، لذلك دخلت احدى المدارس الحكومية المصرية وهي مدرسة الفسطاط في مصر القديمة. هنا لاحظت بكل وضوح الاختلاف والفارق الكبير في التعليم بين نابلس وعمان والقاهرة.
في نابلس، كل الاحترام للمعلم الذي كان يتفانى في تعليم الطلاب والانضباط الكامل في المدرسة بعكس مدارس عمان ولكن الكارثة كانت في القاهرة حيث لا احترام للمعلم ولا للنظام. وكان التعليم في فلسطين يتميز عن التعليم في غيرها.
بعد حصولي على الثانوية العامة في القاهرة كان قبولي في كلية التجارة في جامعة الاسكندرية، يومها جاءني صديق طفولتي صديق السيد الذي كان يدرس في الازهر الشريف واقترح عليّ دخول كلية المعاملات والادارة في جامعة الأزهر بعد التطور، والسكن في المدينة الجامعية هناك واسمها مدينة البعوث الاسلامية والحصول على منحة دراسية ولكن بفارق سنة دراسية زيادة عن جامعة الاسكندرية، وافقت فوراً حتى أخفف عن والدي عبء مصاريفي. التحقت بالمدينة الجامعية التي كانت تضم اكثر من 73 جنسية وكنت وكأنني أعيش بين الأمم من آسيا وافريقيا وأميركا وأميركا اللاتينية والكثير من الجنسيات المختلفة من الدول الاسلامية وغير الاسلامية.
في هذه الفترة ونحن في سنيّ الدراسة صار الحديث عن تحرك ما في رابطة الطلاب الفلسطينيين وان هناك عملا يتبلور لم تظهر فيه ملامح «فتح» بعد. شكلنا نحن مجموعة من الطلاب في الأزهر وجامعة القاهرة (15 طالبا) تجمعاً نبحث خلاله عما يجب (علينا فعله). كنا نجتمع كل اسبوع عند واحد منا ونذهب في رحلات داخلية، ولاحظت من خلال تحركنا هذا ان أجهزة المباحث المصرية كانت تتابعنا، كنا نشعر بهم ولكن لا نهابهم لأننا لم نبلور بعد شيئاً ما. كل ما في الأمر اننا نناقش ما كان الحديث يجري عنه حول تحويل مجرى نهر الاردن وروافده، الذي بحثته القمة العربية وصدر عقبها قرار بانشاء منظمة التحرير الفلسطينية. وهنا أردنا التوجه نحو الشقيري. ولكن صرفنا النظر عن ذلك خاصة وكنا نعتقد ان الشقيري الذي كان يمثل بعض الدول العربية في الأمم المتحدة فكان احساسي ان انشاء المنظمة هو لعبة من الأنظمة العربية ولكن لم نقنع أنفسنا ان تكون هذه اللعبة من الرئيس جمال عبد الناصر لأنني كنت ما زلت اعتقد ان عبد الناصر ما زال الأمل في تحرير فلسطين.
أسقط في أيدينا بعد هزيمة حزيران 1967، فبعد ان كان عبد الناصر هو الأمل الوحيد بتحرير فلسطين، هُزم عبد الناصر ولم نر أثراً لصواريخ الظافر والقاهر. فوجئنا بالفجيعة وكانت نكبة جديدة لنا نحن الفلسطينيين ناهيك عن العرب كلهم، ولكنا عندما سمعناه يعلن تحمل المسؤولية عن الهزيمة ويستقيل في خطاب متلفز ومذاع مباشرة صرخت في وجه المذياع والدموع تنهمر من عيني (وين رايح وتاركنا؟!). يومها خرجت المظاهرات الحاشدة في القاهرة خاصة حتى يتراجع عبد الناصر عن قراره ويستمر في تحمل مسؤولياته لتحرير ما احتل من الأرض العربية، فلسطين كلها احتلت بالاضافة الى سيناء في مصر والجولان في سوريا.
هنا حسمت أمري بالالتحاق بحركة «فتح»، التي انتشرت أخبار عملياتها الفدائية ضد الاحتلال الاسرائيلي وخاصة من جهة نهر الاردن، كمقاتل مع مجموعة من الشباب في مدينة البعوث الاسلامية من ضمنهم أحد زملائنا الذي تبوأ فيما بعد موقعاً متقدماً في قوات الجولان كقائد كتيبة، ثم نائب قائد القوات وهو الأخ سليم ابو علي (سعد نجيب شاكر) بعد ان ترك دراسته الجامعية والتحق بدورات عسكرية في مصر.
أما أنا فبقيت بالتنظيم الحركي في مدينة البعوث مع الطيب عبد الرحيم وخالد شريم وعبد الله حجازي وبكر مؤنس، وفي تلك الاثناء فازت فتح بقيادة رابطة الطلاب الفلسطينيين في القاهرة، ثم جرت معركة الكرامة في 21/3/1968م والانتصار العظيم والكبير الذي تحقق على أيدي فدائيي فتح وقوات التحرير الشعبية والجيش العربي الاردني.
بعد النصر في معركة الكرامة التي رفعت معنويات الجيوش العربية المنهزمة في حزيران ورفعت معنويات شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية زحف الشباب الفلسطيني والعربي للالتحاق بالعمل الفدائي وأعلنت حركة فتح ناطقاً رسمياً باسمها هو ياسر عرفات ونشرت صورته في العالم وفي الصحف المصرية، وكنا فخورين في ذلك وخرجنا من تحت الارض دون خوف وأعلنا عن أنفسنا خاصة بعد ان دعت مصر ابو عمار لزيارة القاهرة لأول مرة وأصر عبد الناصر يومها ان يصطحبه الى سيناء الى المواقع العسكرية المقابلة لقوات الاحتلال الاسرائيلي ليظهر للقوات المصرية جرأة الفدائي الفلسطيني حامل قاذف الآر بي جي الذي يفجر الدبابة عن بعد أمتار قليلة فقط، ما اعطى المعنويات العالية للجيش المصري. وقد عمل عبد الناصر على تغيير بنية الجيش وفرض التجنيد على الطلاب الجامعيين وتحسن أداء هذا الجيش وانقلب حاله الى الأصلح.
كانت اذاعة منظمة التحرير ما زالت تعمل وهي التي أنشئت مع انشاء المنظمة التي فشلت باستقطاب الجماهير الفلسطينية لعدم قيام جيشها بالعمل ضد المحتل الصهيوني كما تفعل قوات الفدائيين، لذلك استقال الشقيري فيما بعد ودعا عبد الناصر الفدائيين الى تسلم زمام المنظمة.
صوت العاصفة
هنا طلبت حركة فتح من الحكومة المصرية انشاء اذاعة للفدائيين تقودها حركة فتح. وافق عبد الناصر فوراً ودون مقابل. كلّفت القيادة أحد قادتنا الاعلاميين المختصين في هذا المجال وهو الاستاذ فؤاد ياسين (ابو صخر) والذي يملك خبرة عشر سنوات في اذاعة دمشق ثم أبعد عن سوريا وعمل في اذاعة صوت العرب في القاهرة واذاعة فلسطين من القاهرة كُلف بالإعداد لإذاعة الثورة.
كيف تم اختيار الكادر الاذاعي؟:
كان تفكير الأخ ابو صخر اختيار مجموعة جديدة من الاذاعيين الجدد الذين لم يسبق لهم أن عملوا في هذا المجال، وان تخرج أصوات جديدة تعطي المصداقية بعد ان ظهر كذب الاذاعات العربية أثناء المعركة التي أصبحت عنواناً للهزيمة حتى المذيع القدير أحمد سعيد، ولم يعد المواطن العربي يثق بهم وبما يذيعون.
عممّ الاخ فؤاد ياسين على التنظيم لاختيار عدد من الدارسين للغتين العربية والانجليزية في مصر للعمل في الاذاعة الجديدة، ولما سألته فيما بعد عن سبب اختيار المتخصص في اللغة الانجليزية كان جوابه ان من يتقن الانجليزية لا بد ان يتقن العربية.
اختار التنظيم أكثر من 15 عضوا من الطلاب الدارسين في مصر وكان معظمهم من الأزهريين من كلية اللغة العربية وكنت الوحيد المتخصص في دراسة اللغة الانجليزية.
اصطحبنا الاستاذ فؤاد ياسين والاخ ابو الهول (هايل عبد الحميد)، وكان معتمد الاقليم لحركة فتح في مصر، الى مبنى الماسبيرو حيث اذاعة صوت العرب ليختبروا أصواتنا، وبعد التصفية تم اختيار اربعة هم، بالاضافة لي، عبد الشكور التوتنجي وكان يدرس الطب في جامعة القاهرة، والطيب عبد الرحمن (الازهر)، ويحيى العمري (الازهر - لغة عربية) وكما قلت سابقاً تخصصي في اللغة الانجليزية.
نجحنا كخامة صوتية بحاجة الى صقل، وكانت هذه مسؤولية الاستاذ فؤاد ياسين الخبير الوحيد في هذه المجموعة التي اعتبرت الخلية الاولى للاذاعة ومن ثم القاعدة الاولى للاعلام الفلسطيني.
لم تكن هذه المجموعة تعلم شيئا عن الاذاعة او الميكروفون سوى شغفي الشخصي وحبي للاذاعة والعمل الاذاعي، ما ساعد على سرعة تدريبي فيما بعد.
بدأ ابو صخر يدربنا، ولكن لا أحد منا يعرف طريقة الاداء في الاذاعة، كنا نقرأ الخبر او التعليق كما نقرأ النصوص في المدرسة، ثم أخذنا الاخ ابو صخر الى الاستاذ احمد حمزة كبير المذيعين في «صوت العرب»، كان الاخ ابو عمار والقيادة قد طلبوا من الاخ فؤاد ياسين ان يبدأ البث في 1/5 قبل ذكرى النكبة 15/5، وبدوره طلب الاخ ابو صخر من الاستاذ احمد حمزة تجهيزنا خلال اسبوع! فوجئ حمزة بهذا الطلب وقال: مش ممكن، هذا جنون. ان أي مذيع يحتاج الى ستة أشهر من التدريب حتى يسمح له ان يقول على الهواء: هنا القاهرة فقط دون ان يقدم شيئاً غير ذلك، لكننا أظهرنا للاستاذ حمزة استعدادنا للتعلم بسرعة لحماستنا لهذا العمل. وخلال الايام الاربعة التي كانت أمامنا تدربنا عدة ساعات فقط بشكل سري، حتى ان مدربنا الاستاذ احمد حمزة لم يعرف هوية الاذاعة او اسمها حتى يدربنا على كيفية نطقها، ولم يخبره الاخ ابو صخر بعنوان الاذاعة إلا يوم انطلاقتها، فأخذ يدربنا على كيفية نطقه ونحن نصعد درج ماسبيرو دون ان يسمعنا أحد: صوت العاصفة، صوت فتح، صوت الثورة الفلسطينية. ليس أمام أستاذنا فؤاد ياسين (ابو صخر) إلا ان يكمل بنا المشوار ويستمر في صقل خاماتنا، كنت أسجل الآية القرآنية التي سنفتتح بها الاذاعة عدة مرات بل عشرات المرات الى ان ننجح في ذلك.
كان الاخو ابو الهول معتمد الاقليم - رحمه الله - يراقبنا مع الاخ ابو صخر وطلب مني ان أعطي الكلام قوة أكثر، وقال: تخيل نفسك في معركة الكرامة وتصفها للمستمعين بما فيها من بطولة وشهادة وإقدام وفعلاً نجحت في ذلك وكأني مشارك فيها: قوة في الصوت - دون صياح - هدوء ولكن بقوة وإخراج الكلام من البطن وليس من الحنجرة كما كان يطلب منا الاخ ابو صخر.
انتقلنا الى مبنى الشريفين حيث الاذاعة القديمة في شارع الشريفين في القاهرة، وكانت اذاعة منظمة التحرير الفلسطينية في الطابق الذي يعلونا وتحتنا كانت وكالة أنباء الشرق الاوسط (أ.ش.أ) الوكالة الرسمية المصرية. يومها دخل علينا في مبنى الاذاعة شاب عادي من شباب فتح ولكن لا أعرفه يلبس سترة كاكي متواضعة وسأل الاخ ابو صخر هل أنتم جاهزون؟ أجابه الاخ ابو صخر بالايجاب وسننطلق الليلة. وسأل هل أرسل خبراً الى (أ.ش.أ) حول هذا؟ قال نعم! فتساءلت متعجباً ومستنكراً: من هذا وما دخله فينا؟ حيث اننا نعمل بسرية تامة ولا أحد يعرف ما يجري عندنا..!؟
فقال الطيب: الا تعرفه.. انه ابو جهاد أحد قادة فتح الرئيسيين. كانت قيادتنا شابة ومتواضعة في كل شيء حتى في لبسها.
عملنا الخبر وأرسل الى «أ.ش.أ» ان اذاعة صوت العاصفة ستنطلق اليوم 11/5/68 في الساعة السابعة والنصف مساءً على الموجة كذا.. الخ. وخرجنا من المبنى نحن كادر الاذاعة الجديدة مع الاخو ابو جهاد والاخ ابو اللطف مشياً على الأقدام الى ميدان التحرير (وهل القيادة تمشي اليوم على الأقدام؟!)، كنا نسمع رأيهم وكان الطيب أثناء ذلك يوجز لي معلومات عن الاخ ابو جهاد الذي لم أكن أعرفه. ثم ركب كل واحد منا مواصلته وذهب الى وجهته.
وفي المساء انطلقت الاذاعة في 11/5/1968 وكان شيئاً رائعاً.