أقلام وآراء

(26)

الصدع السوري.. عنف مشحون بالكراهية

بقلم:اسرة التحرير،عن يديعوت

الإمساك بالعصا من طرفيها

بقلم: موريا شلوموت،عن إسرائيل اليوم

وثيقة ضائعة: هكذا أُخلي الآلاف من منازل هُجرت في 1948 خلافاً للأنظمة الإدارية

بقلم: نير حسون،عن هآرتس

تعزيز للديمقراطية

بقلم: أسرة التحرير ـ افتتاحية ـ هآرتس

ما وراء الفيتو الروسي والصيني

بقلم:شلومو افينري،عن هآرتس

الصدع السوري.. عنف مشحون بالكراهية

بقلم:اسرة التحرير،عن يديعوت

لا نكاد نلاحظ في الكيلومترات المعدودة التي تفصل بين المطار والعاصمة حواجز. وهناك القليل جدا من الشرطة. والنظام، وقد يكون هذا صحيحا الآن على الأقل، لا يخشى تهديدات لدمشق. واجهزته الامنية قد أوكل اليها ان تتعقب 'الأعداء من الخارج'. مع هبوطي في يوم الثلاثاء ليلا لاحظت مدينة هادئة كثيرا. يشتكي سائقو سيارات الأجرة عدم وجود سياح وازدياد اعمال العنف في الضواحي، لكن لا يوجد شيء يشبه ما خبرته في ليبيا أو في تونس في السنة الماضية، ففي دمشق يمكن ان تتحرك بلا مشكلة في الثالثة فجرا ايضا وهو شيء يصادق على ما يقوله قادة الثورة السورية الذين يمكثون في تركيا ومصر: 'نحن نعمل في القرى والضواحي أما المدن الكبيرة فبقيت في يد النظام'.

وافق صحافيون ومحللون محليون على الحديث معي بشرط ألا يُكشف عن أسمائهم. وقالوا لي 'ان 25 مليون سوري منقسمون تماما، فـ 30 في المائة على الأقل أكثرهم شيعة علويون يؤيدون الرئيس ومعهم نصارى كثيرون يخشون ازدياد الاخوان المسلمين قوة. وهناك 30 في المائة آخرون أكثرهم سنيون يؤيدون النضال لتبديل السلطة لكنهم منقسمون. واذا استثنينا هاتين المجموعتين فهناك الكثرة الصامتة التي تنتظر ان تؤيد من ينتصر'.

يزعم منظمو الثورة ان 6.200 سوري قتلوا منذ آذار واعتقل 14 ألفا. ويزعم النظام ان 'الارهابيين' قتلوا 2000 جندي على الأقل. وترشد السلطات مراسلين اجانب الى عدم التجول وحدهم في الشوارع. 'أنظروا ما حدث لمراسل التلفاز الفرنسي الذي قتله ارهابيون في الاسبوع الماضي'، قال متحدثو النظام. وأثار هذا القول شكوكا عند المخلين بالنظام الذين هم على ثقة بأن القتل تم على أيدي اجهزة الاستخبارات السورية. ان الانترنت يعمل هنا لكن توجد رقابة. ويستعمل النشطاء السكايب والفيس بوك والتويتر استعمالا حذرا. 'ان الحكم الاستبدادي لا يقطع الانترنت لانه ضروري له من اجل ان يجمع معلومات عن المعارضة'، يقولون لي في مقهى انترنت.

من حمص الى درعا

تنحصر الثورة في سوريا في قصة 18 فتى من مدينة درعا. وهم يقصون قصتهم في جميع أنحاء الدولة. وقد سمعت أمس القصة مرة اخرى في مدينة حمص التي قتل فيها بعد اسبوع بحسب ما تقول منظمات المعارضة والمتمردون، مئات المدنيين ونشرت صور فظيعة من المذبحة في العالم كله.

'بدأ التجنيد الجماهيري الاول هنا بين شباط الى آذار من السنة الماضية حينما علم ان 18 طالب ثانوية من مدينة درعا، غير بعيد من الحدود مع الاردن، اعتقلتهم القوات الخاصة للرئيس بشار الاسد بعد ان رشوا على الجدران كتابات تأييد للربيع العربي. وزاد غضبنا حينما جاءت أنباء أنهم عُذبوا وبخاصة ازاء تصريحات عاطف نجيب رئيس قوات الامن وابن خال الاسد الذي قال للعائلات ان تنسى أبناءها، لكنهم اذا أرادوا مع ذلك استعادتهم فليأتوا بالنساء الى الشرطة كي يُحبلهن رجال الشرطة'.

يُحدثني بهذا حسن، وهو طالب جامعي التقيت به قرب ميدان الساعة، وهو المكان الذي أُعدم فيه مئات من المتظاهرين في نيسان. وسكان حمص معنيون بالحديث بخلاف ما حدث هنا الى ما قبل سنة. بل ان آلاف القتلى في مدينة حماة في 1982 ما عادوا أمرا محظورا لا يتم الحديث عنه. فقد كان يكفي ذات مرة ان تهمس باسم 'حماة' كي يعتقلوك أو ربما يُخفونك الى الأبد، حتى ان يوسف، وهو طبيب آشوري يؤيد الاسد تقع عيادته في حي الحميدية في حمص، قال أمس: 'مات في حماة أكثر من 20 ألف سني أو ربما 30 ألفا من أعداء النظام. ماذا يعني؟ يجب ان تدافع الدولة عن نفسها من اولئك الذين يحاولون المس بها وفرض الاسلام المتطرف'.

طلبت جنى مقدسي، وهي في الثامنة والثلاثين ومدرسة للغة الانكليزية في الثانوية المحلية، طلبت بعينين دامعتين الى صحافيين اجانب 'ان يكفوا عن التحدث بالسوء عن الرئيس الانسان الذي يمثل أمننا الوحيد في مواجهة القاعدة'. ووقف الى جوارها صاحب حانوت منتوجات كهربائية من أهل السنة وعبر عن أمل ان يسقط حكم الاستبداد قريبا، لكنه أضاف حينما سمع رصاص الرشاشات في منطقة مجاورة: 'يجب ان يبقى الاحتجاج سلميا. فالعنف من قبل المنشقين عن الجيش الذين يلطخون الآن أسماء الذين ينادون بالحرية يضر فقط بالحركة الديمقراطية'.

ان زيارة مراكز المواجهة تكشف عن دولة ممزقة خائفة. ان حمص مدينة تغلق أبوابها في الظهيرة: ففي الثانية ظهرا يدخل الناس ببساطة الى بيوتهم. وقطع تيار الكهرباء جزء من الحياة اليومية. وجرى على الأحياء المختلطة تطهير عرقي. والعنف في درعا أمر يومي يكون دائما تقريبا قُبيل حلول الظلام. وفي ظهيرة ايام الجمعة تُجرى مظاهرات مع خروج المصلين من المساجد. وقد قاد المظاهرات الاولى في آذار الشيخ ذو الشعبية الصياصنة. 'انه زعيمنا التاريخي'، يقول شابان في العشرينيات من أعمارهما، 'لكن الشرطة قتلت ابنه واعتقلته مدة ستة اشهر. وحينما تم الافراج عنه هددوه بأن يقتلوا ابنه الثاني ايضا. وقد وافق الشيخ على ان يذيع للتلفاز تصريح تأييد للاسد وصمت منذ ذلك الحين، بل انه لا يأتي لصلوات يوم الجمعة'.

ان الغضب على النظام كبير هنا. 'يجب عليكم أنتم الصحافيين ألا تصدقوا أكاذيب الحكم الاستبدادي الفاشي الفاسد'، يقول لي شيخ محلي صاحب حانوت لمولدات الكهرباء. 'ان رجال السلطة يقتلوننا ويعذبوننا كل يوم. وقد قضت خطواتهم على كل امكانية لحل الازمة بالتحادث. لو وافقنا نحن الأحياء على محادثة الاسد ومواليه فسيخرج أمواتنا من قبورهم ليتوسلوا الينا ألا نفاوض قتلتهم. أُصيب ابن عمي برجليه وحُمل في سيارة وبعد ثلاث ساعات أصبح جثة نكلوا بها مع عضو جنسي منتفخ نازف. وفي النهاية رموه في مزبلة'. ان المحافظ محمد خالد الذي عينه النظام بعد ان نفذ سلفه في نيسان مذبحة بدم بارد في أكثر من 160 متظاهرا يطلق تصريحات نارية نحو المتمردين: 'هؤلاء ارهابيون تدفع اليهم الولايات المتحدة واسرائيل. وهم يريدون الشر لسوريا لكننا سنخضعهم. وقد قضي عليهم الآن بالفعل'.

ان مقولته تناقض ما قالوه لي قبل ذلك بثلاثة ايام في الزبداني وهي مدينة عدد سكانها 35 ألفا كلها أو أكثرها من السنيين على مبعدة 30 كم شمالي دمشق: فالمتمردون هناك يزعمون انهم أخضعوا قوات النظام. والخوف الكبير هو من ان تدعو دمشق العصابات المسلحة الشيعية لحزب الله من لبنان كي تقوي الجيش السوري. 'لسنا ارهابيين، نريد الحرية والديمقراطية. قولوا للعالم إننا لسنا ارهابيين'، يصرخ شبان يلوحون بأعلام. ولا يوهم هؤلاء الشباب الذين يمسك فريق منهم بسلاح (اشتروا بنادق كلاشينكوف في السوق السوداء بألفي دولار لكل بندقية)، لا يوهمون أنفسهم: 'في القريب سينظم الجيش نفسه من جديد ويسيطر على مدينتنا. والموت مؤكد بالنسبة الينا'.

وفي مدينة دوما المجاورة لدمشق يزعم المتمردون ان المكان حُرر من قوات السلطة، لكن هذا غير صحيح في واقع الامر. فالجنود يسيطرون على مركز المدينة ويقومون قرب البلدية وفي المستشفى وفي منطقة المقبرة. 'انهم لا يسمحون لنا حتى بدفن أعزائنا'، يقول السكان في تنهد.

تدعوني عائلة من العائلات الى الشاي والكعك. نوافذ الشقة مغلقة والبيت مضاء بالشمع. ويستمر اطلاق النار طول الوقت ونسمعه في الخلف طول الوقت مثل بكاء الطفل في الطبقة الى أعلى.

تم التنديد بالأب باولو ديل أوليو في السنة الماضية من قبل رؤساء الكنيسة المحلية على أثر انتقاد صدر عنه لقمع المظاهرات العنيف على أيدي قوات شرطة الاسد. ومن اجل لقائه صعدت الى مركز عزلته في شقوق صخور مار موسى.

كان الأب الذي ولد في روما في 1954 وعاش في سوريا أكثر من ثلاثين سنة كان غاضبا لقتل رجل دين نصراني ارثوذكسي وقع قبل ذلك بيوم في ضاحية مدينة حماة وقال: 'هذه حادثة خطيرة وعنف مشحون بالكراهية على رجل دين. يجب ان يكون هذا اشارة تحذير للمجتمع الدولي'.

عند الأب ديل أوليو انتقاد شديد على القلة النصرانية في سوريا. 'هؤلاء الناس يحكمهم الخوف'، يقول. 'انهم مستعدون لاغماض عيونهم عن الفظائع التي نفذها رجال الجيش بوحشية بشرط ألا يخسروا مكانتهم المفضلة وحقوقهم المحفوظة لهم عند السلطة العلوية الشيعية. انهم يفهمون جيدا ان معنى الديمقراطية هو فوز الاسلام السني وهم يخافون هذا كخوفهم من وباء. وفي مقابلة هذا يختار النصارى الحداثة حتى لو لم تكن ديمقراطية كي لا يلزم أحد النساء ان يتحجبن'.

انه يعيش منذ بضعة اشهر وحده في دير يبعد نحوا من 100 كم عن دمشق. 'أصدروا أمرا بطردي من سوريا'، يقول، 'لكنهم أجازوا لي في النهاية البقاء في الدولة بشرط أن اعيش هنا بعيدا عن المركز. ولم تكن الكنيسة المحلية معنية بأن أبقى. لم يكونوا في الماضي راضين عن الانتقاد الذي وجهته على ظواهر مختلفة كاللواط واغتصاب الصغار بين ناس الرهبانية الكبار. وأصبح انتقادي الموجه على النظام سلاحا ممتازا للتخلص مني لكن رد اصدقائي في سوريا وخارجها أنقذني. فوافق النظام على منحي عفوا فأُبيح لي البقاء مقابل العيش في السر، لكن يصعب جعلي أسكت تماما'.

حينما نتبين الانتقاد على الأب من قبل الرهبان ندرك عمق الحلف الذي عُقد بين نظام الاسد والقلة النصرانية. 'هناك اشاعة أنه جاسوس امريكي فقد وجدوا عنده وسائل للرؤية الليلية'، يزعم رجل الدين جبرائيل داود في كنيسة سان جورج في وسط المدينة القديمة في دمشق. لكن بعد ان نلقى الأب لا يمكن سوى التبسم ازاء هذا الزعم. اذا كان بقي لديه شيء من أثر ماضيه في صفوف اليسار المتطرف في ايطاليا فانه يعبر عنه بتوجه معاد لامريكا متطرف وهذا لا يقنع منتقديه. 'ان الأب باولو يعيش في يوتوبيا'، يزعم الكاهن حياض (؟) عبود. 'انه لا يفهم ان معارضي الرئيس الاسد استأجرتهم أوامر من العربية السعودية. أيطلبون اصلاحات؟ لقد وعدت بها حكومتنا. وهي تعد بدستور جديد وانتخابات حرة في شهر حزيران بحيث ان مطالب المعارضين قد تم تلبيتها'.

ان المتحف المصور في مركز قرية القرداحة يشبه تذكارا لموت مأساوي وهو في الوقت نفسه حنين الى ماض أسعد. فالرخام الاسود الابيض يجلوه كل يوم حراس محليون. والقبب المستديرة تذكر بالمساجد الايرانية. ويوجد في المركز قبر حافظ الاسد والد الأمة، بطريرك سوريا الحديثة، السياسي الذي حظي بالمجد بفضل قدرته على احلال القوة محل الضعف حتى لقد فرض على الأكثرية السنية (أكثر من 70 في المائة من السكان) حكومة قلة علوية (ليست أكثر من 12 في المائة).

ودُفن الى جانب الرئيس ابناه اللذان ماتا صغيرين مجد الذي مات بمرض قبل سنتين، وباسل الذي قتل بحادث سير في 1994. وقد عُلقت في الجدران الخارجية صور الرئيس الحالي بشار الاسد، لكننا نرى هناك في الأساس صورا للأب حافظ يحتضن باسل الذي يرتدي البزة العسكرية، وقد غُطي صدره بالأوسمة والميداليات وقد سفعت الشمس وجهه وابتسامته واسعة. كان باسل الابن المفضل عند حافظ وكان يفترض ان يرث عنه مقعد الرئاسة. ويتحدثون في دمشق الى اليوم عن أن فقدان الولد الحبيب أصاب الأب بكآبة عميقة.

كان تعيين بشار مصالحة. فالابن الآخر ماهر، وهو لواء في الجيش، يعتبر متشددا كثيرا لكن كثيرين في سوريا كانوا يفضلون ان يكون رئيسا اليوم. وتمكث أرملة حافظ الأسد أنيسة اوقاتا طويلة في البيت العائلي الكبير في قرية القرداحة ويبدو انها ما تزال تؤدي دورا مهما في القبيلة. والتقديرات أنها ما زالت تفضل بشار على ماهر. وحينما يأتي الأبناء لزيارتها ترتدي القرية كلها لباس العيد.

جئت الى القرية حينما كانت الاضطرابات قد أصبحت حربا أهلية عنيفة. وأعلنت الجامعة العربية أنها تدعو مراقبيها الى مغادرة سوريا. حتى الاسبوع الماضي وقف عدد المراقبين على 165، وآنذاك استقر رأي دول الخليج على اعادة ممثليها فتضاءل العدد الى 111. 'في ضوء الوضع الصعب في الدولة والعنف الطاغي استقر الرأي على وقف عمل المراقبين'، كما جاء في بلاغ. وقد زعم قادة الثورة في سوريا وخارجها ان المبادرة كانت ترمي الى التمكين من استمرار اعمال النظام الوحشية.

قبل يومين في بلدة الرستن قرب العاصمة نجحت في ان أرى بأم عيني عدم جدوى المراقبين. فقد اكتفى سبعة منهم انتقلوا بسيارتي مرسيدس سوداوين لاجهزة الامن بالاصغاء الى شهادات رجال النظام. وفي حاجز عسكري عرضوا علينا جثتين يعلوهما الغبار وزعم الجنود قائلين: 'رماهما الارهابيون من سيارة مسرعة'. وسألت محمد الدابي المراقب السوداني في المنطقة: 'لماذا لا تمضون للحديث مع المتظاهرين؟'. فأجاب: 'لأنهم يصدرون الكثير من الضجيج. كلهم يصرخون معا وهم ليسوا منظمين، فاستقر رأينا على ان لا نصغي اليهم بعد'.

بعد ذلك بقليل رأيت ثلاثة جنود مرؤوسين لنقيب، يضعون سبع قنابل يدوية ورشاشين قديمين في صندوق سيارة بيجو قرب المستشفى العسكري. وكان على الصندوق الذي وضعت فيه القنابل اليدوية كتابة بالعبرية. 'هذا هو الدليل على ان اسرائيل تحرض وتشجع الثورة'، صاح الجنود نحو المراقبين. 'هذه سيارة عملائكم التي ضبطناها'.

يصور المراقبون السيارة ويهزون رؤوسهم. وفي الاثناء لا ينقطع العنف فالجيش يعاود الهجوم. وبحسب ما يقول قادة الاضطرابات زادت موجة الضحايا زيادة كبيرة جدا في الايام الاخيرة وتقف على مئات القتلى من بين المتظاهرين. ويزعم النظام ان 'الارهابيين' ينظمون الآن في عصابات مسلحة. ويتم استعمال المدافع في منطقة دمشق ايضا. وتتركز المواجهات الآن في مدن حماة وحمص وإدلب. ويُبين العلويون في القرداحة هذا بكلمة 'مؤامرة'. وهم غير مستعدين للاستماع عن الاقتصاد السوري المتهاوي ولا عن التنديد الدولي بمظاهر العنف. 'كل ذلك مؤامرة تقودها الولايات المتحدة واسرائيل والعربية السعودية'، يزعمون. ان كل اجنبي يصل يشتبه فيه انه عميل سري وجاسوس. لا يُمكّنونني من زيارة المسجد المحلي المخصص لناعسة أم حافظ الاسد. وعُلقت على جدران مسجد آخر في منطقة السوق اعلانات حداد على سكان القرية الذين قتلوا اثناء الاضطرابات والذين بلغوا 200 شخص في الحاصل العام. 'النقيب اسامة محمد احمد، في الثانية والثلاثين، قتل في إدلب'، جاء في اعلان من الاعلانات. 'علي مروان احمد، في الخامسة والعشرين، قتل في حمص'، جاء في اعلان آخر.

وحينما طلبت ان أتحدث الى واحد من السكان طلب ان أعرض عليه جواز سفري كي يتحقق من أنني لست جاسوسا. وفي مرات كثيرة يستدعي السكان الشرطة محذرين من أنه 'يوجد هنا اجنبي مريب'. في الخروج الى الشارع الرئيس لا توجد حركة تقريبا. فالجنود في مواقعهم لا يتزحزحون ولا يكادون يخرجون لاجراء تفتيش. أخرج من المدينة باتجاه دمشق وتغيب قبة متحف أبناء عائلة الاسد في الضباب.

تبدو الحرب على دمشق في الأساس كصراع مأساوي على سلاح لم يُقسم تقسيما متساويا بين الطرفين. فالجيش السوري يحافظ بعنف مفرط على تفوقه العسكري واللوجستي. وقوات المعارضة وهي مفرقة وغير منظمة ولا تنسيق بينها في المستوى الوطني تهاجم وتتفرق بحسب الظروف.

في الصباح في سفر من مركز دمشق الى المطار الدولي، لاحظت آثار التجنيد الجديد الذي استعمل في الايام الاخيرة. فقد زاد عدد الحواجز ونرى في الشوارع صفوف جنود يتحركون. وقد لقيت عند واحدة من اشارات المرور سيارتين محملتين بعاملين في جهاز الامن بلباس مدني؛ وقد لوحوا ببنادقهم ثم زادوا السرعة وطلبوا الى السيارات التي مرت قريبا منهم ان تخلي لهم الطريق. ورأيتهم في مرحلة ما يُقلون رجلين شابين مقيدين وأعينهما مغطاة ووجهاهما ولباسهما ملطخان بالدم. وبدا أحدهما فاقدا الوعي واهتز رأسه من جهة الى اخرى في كل مرة زادت فيها السيارة سرعتها وكان فمه فاغرا.

تعمل اليوم في سوريا آلتا دعاية رئيستان آلة المتمردين من جهة وآلة نظام استبداد الرئيس بشار الاسد من جهة ثانية وتجري بينهما حرب قوية على تحديد عدد الضحايا. ولهذا يمكن ان نشاهد ونتأثر بأفلام الفيديو القصيرة التي توثق الأحداث وتعرض في الانترنت، لكن ينبغي ألا نسارع الى تبني الأرقام.

ان ما يمكن استنتاجه من أحداث الاسبوع الاخير في سوريا هو القدرة السريعة الناجعة للحركة الثورية على اطلاق المواد التي تملكها ونشرها في الشبكة بصورة تعرض وحشية نظام الاستبداد السوري. والرئيس الاسد من جهته لم يأمر بقطع شبكة الهاتف محاولا ان يحافظ على نوع ما من الحياة الطبيعية في دولته. وما يزال الانترنت يعمل في مدن كثيرة، وعلى كل حال ينجح النشطاء في ان ينقلوا سريعا المواد الى الحدود مع تركيا أو لبنان للاهتمام من هناك بنشرها. كان فقدان النظام السيطرة في الصراع الدعائي هو الخطوة الاولى في الطريق الى عزلته الدولية وبعد التصويت في الاسبوع الماضي في مجلس الامن واستعمال النقض الصيني الروسي أصبح السوريون يدركون ان التدخل العسكري ليس قريبا. ان نظام الاسد قد يهتز زمنا طويلا بعد وسيظل دم سوري كثير يُسفك في الشوارع.

ــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

الإمساك بالعصا من طرفيها

بقلم: موريا شلوموت،عن إسرائيل اليوم

انظروا إلى نبرات المتباكي: بينما يمسك العصا من طرفيها، ينجح في أن يقول بأنه لا يمكن الإمساك بالعصا من طرفيها.

هكذا كان رئيس وزرائنا. لا يكتفي بالأقوال. بل يقول ويفعل العكس أيضاً. نتنياهو هو رمز وقدوة. مثال ومرشد لطريقة الإمساك المزدوج: يبني في المستوطنات ويبعث بالمحامي مولخو إلى محادثات السلام في نفس الوقت. يبقي على حكومة يمينية متطرفة ويتحدث عن حل سلمي في نفس الوقت. يحمل راية الديمقراطية بحماسة ولا يقبل بإرادة الشعب الفلسطيني في نفس الوقت.

لسنوات وإسرائيل الرسمية تدعي بأن عرفات، وبعده أبو مازن، ليسا الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني. حقيقة أن الشعب الفلسطيني منقسم ومنشق سهلت علينا فقط التنكر للواجب والمسؤولية في إدارة مفاوضات جدية.

«مع من بالضبط سنجري المفاوضات؟» سألوا من حاولوا التملص من إجراء المفاوضات. طالما كان المجتمع الفلسطيني ممزقاً، فما معنى التقدم مع جناح واحد منه؟ الحجة المتكررة تجاه حماس كانت انه طالما لا تعترف بدولة إسرائيل ـ فلن تكون جزءاً من المفاوضات، وطالما لم تكن جزءاً من الاتفاقات ـ فلن يكون ممكناً تحقيقها. مفارقة إسرائيلية نموذجية. ما الذي لا يقولوه ولا يفعلوه كي لا يفعلون شيئاً.

هذا الأسبوع، عندما وقع اتفاق تاريخي بين السلطة الفلسطينية الفتحاوية وبين حماس ـ مرة أخرى غضب رئيس الوزراء وادعى، ليس أقل، بأن هذا هو «بصقة في الوجه». وهكذا تنجح إسرائيل بدهاء في تقييد كل أمل بالمفاوضات. عندما يكونون منقسمين هذا ليس جيداً لنا وعندما يكونون متحدين فإنه ليس جيداً لنا أيضاً. ربما ببساطة ليس جيداً لنا. نقطة.

لعله يجدر لغرض الحذر، كي لا أُعتبر ساذجة، أن أذكر بان اتفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية ليس المحاولة الأولى من الفصائل الفلسطينية لخلق قيادة موحدة ومتعاونة، وكثيرة الاحتمالات ألا تكون هذه هي المحاولة الأخيرة.

غير أن النواقص والعلل في الطرف الأخر لا ينبغي أن تشغل بالنا. مهمتنا أن ننظر إلى أنفسنا وان نسأل كيف يحتمل ألا ترحب عناوين الصحف عندنا ببداية عصر يكون فيه للمجتمع الفلسطيني تمثيل متفق عليه ومتبلور.

التقارب المتجدد بين فتح وحماس يدل ضمن أمور أخرى على أن الفوارق بينهما في كل ما يتعلق بالمسألة اليهودية ـ الصهيونية ليست كبيرة جداً. خط تفكير كهذا يؤدي إلى الاعتراف بأنه يحتمل أن تكون نشأت فرصة متجددة لمفاوضات جدية وموضوعية. أخيراً يوجد مع من يمكن الحديث.

ولكن خط التفكير المتابع للفرص والنوافذ المفتوحة ليس خط تفكير حكومة إسرائيل. فهذه تحب إغلاق النوافذ والفرص وليس فتحها، إحباطها بدلاً من بنائها والاحتفاظ بدلاً من التسريح.

النائبة تسيبي حوتوبلي النشيطة إلى جانب وزير المالية قفزا على اللقية ـ مرة أخرى سنبقي عندنا أموال الضرائب التي تعود للشعب الفلسطيني وسنعاقب المواطنين في الجانب الشرقي من جدار الفصل فقط لأنهم تجرأوا على التطلع إلى حياة أفضل. سلب أموال الضرب الفلسطينية التي تعود لهم حسب القانون يعبر عن المفهوم الإسرائيلي في أنه يمكن للتلاعبات البخيلة أن تغير الواقع.

يقال عن الفلسطينيين أنهم لا يفوتون فرصة لتفويت الفرص، ولكننا نحن لا نسمح حتى لهذه الفرص بان تسنح.

ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

وثيقة ضائعة: هكذا أُخلي الآلاف من منازل هُجرت في 1948 خلافاً للأنظمة الإدارية

بقلم: نير حسون،عن هآرتس

وثائق من الخمسينيات والستينيات تثبت بأن الدولة أخلت ألاف الأشخاص من بيوتها خلافاً للقانون. وقد انكشفت الوثائق في تحقيق مستقل لأحد سكان لفتا، الذي طولب بإخلاء بيته بعد أن سكن فيه عشرات السنين وذلك لأن الدولة تعرفه بأنه غازٍ.

هذه السنة تمر ستين سنة على دخول عائلة يوحنان إلى بيتها في حي لفتا في مدخل القدس، على مسافة أمتار قليلة تحت طريق القدس ـ تل أبيب وأمام حدائق سخروف. قبل ثلاث سنوات تلقت العائلة دعوى من مديرية أراضي إسرائيل ومفادها رفع اليد «المدعى عليه غازٍ ويتصرف دون حق...»، كما ورد في لائحة الدعوى. وكرس والد العائلة يوني يوحنان بضع سنوات من حياته لحل المسألة التاريخية ـ القانونية: كيف رغم كل السنوات ورغم الإسناد الحكومي، في مكان ما هناك في بداية الخمسينيات، لا يزال يعتبر «غازٍ» في بيته؟

نتائج حملة التفتيشات هذه من شأنها، برأي رجال القانون، إن تغير حياة عشرات ألاف السكان والسكان السابقين الذين يعتبرون كـ «سكان بلا عقود»، من لفتا في القدس، نطاق صمويل في قلب تل أبيب، كفار شليم، جفعات عمل، حي رمات عميدار في باتيام وغيرها ـ كلها كانت قرى فلسطينية هجرت في 1948 وتحولت فأصبحت احياء لمهاجرين جدد. وبزعم يوحنان، فقد أخفت الدولة على مدى السنين وثائق قررت أنظمة يمكنها أن تسمح لأولئك السكان بالحصول على حقوق في بيوتها. فضلاً عن ذلك ـ يتبين أن هذه الأنظمة لم تخفى عن الجميع، وبرأي يوحنان الفارق بين من عرف بها وفاز بحقوق على بيته ومن لا هو فارق حاد وواضح: «النظام نفذ لنوع معين من السكان. وأنا أقول هذا دون أن يرف لي جفن».

قضية «السكان بلا عقود» التي تهز حياة عشرات ألاف الإسرائيليين منذ عشرات السنين، بدأت مع هروب السكان الفلسطينيين في حرب التحرير. ألاف البيوت الشاغرة بقيت في أرجاء الدولة وبدأت السلطات تملأها بسرعة. وكان الهدف هو التخفيف من أزمة السكن، ولكن ليس أقل أهمية من ذلك، منع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وكذا لإسكان وتعزيز خط التماس. وقد أسكنت القرى بسرعة وبقي السكان في الغالب في شروط معيشية صعبة. إلى جانب ألاف البيوت التي نقلت إلى السكان الجدد حسب القانون بقي الآلاف لم يتم أبدا ترتيب حقهم في البيوت. وبين الحين والأخر تعلق الدولة والسكان في صراعات تطالب فيها الدولة بإخلائهم لحث خطط بناء أو حين تبيع الدولة الأرض مع السكان الذين عليها لمستثمرين خاصين كي يقوم هؤلاء بالتصدي لـ «الغزاة».

عائلة يوحنان هاجرت إلى البلاد في 1951 من كردستان. أبناء العائلة اسكنوا في البداية في معبر مجيدو وبعد نحو سنة جيء بهم مع عائلات أخرى إلى لفتا. من مئات الوثائق التي جمعها يوحنان في السنوات الأخيرة تتضح صورة صعبة عن الحياة في لفتا في السنوات الأولى من الدولة ـ بلا ماء وبلا كهرباء، في فقر مدقع وفي تجاهل لازمة السكان. ويتضمن الأرشيف الصغير الذي جمعه يوحنان عن تاريخ الحي عشرات المراسلات بين عقيلة الرئيس الثاني راحيل ينايت بن تسفي، وسكان الحي والسلطات.

مادة متفجرة قانونية

من بقي في الحي كان في الغالب أولئك الذين سكنوا في المنازل في «لفتا العليا» قرب طريق رقم 1. وقد اعترفت بلدية القدس بعائلة يوحنان منذ العام 1953 وهم يدفعون الارنونا منذئذ.

وحسب التقدير فان ألاف العائلات أخليت منذ قيام الدولة من منازل كهذه ولم تمنح الفرصة لشراء الأرض. وأحياناً كانت الدولة تبيع الأرض مع السكان لمستثمرين خاصين.

وجاء من مديرية أراضي إسرائيل إن المديرية لا تعترف بحق ملكية 13 عائلة في لفتا في الأملاك التي يحوزونها، وهذا هو السبب الذي رفعت بموجبه ضدهم لوائح دعوى للإخلاء لغرض إقامة الحي الجديد الذي خططت له المديرية في المكان.

ـــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

تعزيز للديمقراطية

بقلم: أسرة التحرير ـ افتتاحية ـ هآرتس

مؤسستان حيويتان للديمقراطية الإسرائيلية، المحكمة العليا والصحافة، توجدان مؤخراً تحت هجوم منهاجي لمحافل في اليمين السياسي، يشكل أيضاً الحكم. استقلالية القضاة والصحفيين يستنكرها من ينفر من وجود محافل مؤثرة لا تخضع لإمرة حكومة نتنياهو ومن وصفهم كشركائه الطبيعيين.

رد فعل مثير للانطباع على هذا الهجوم جاء هذا الأسبوع من ثلاثة قضاة العليا ـ اليعيزر ريفلين، عوزي فوغلمان واسحق عميت ـ ممن قلبوا رأساً على عقب قرار من يفترض أن ينضم قريباً إلى صفوفهم، قاضي المركزية نوعام سولبرغ. قضاة العليا، في هيئتها الحالية، وقفوا إلى جانب الصحفية التي تجرؤ على التحقيق وضد سولبرغ، الذي سيده هو وزير العدل يعقوب نئمان.

ريفلين ورفيقاه ردا أساس أقوال سولبرغ، في دعوى التشهير بضابط الجيش الإسرائيلي النقيب ر ضد مقدمة برنامج التحقيقات «عوفدا»، ايلانا ديان. فقد نفذ سولبرغ تبادلاً غريباً بين دوري الصحفي والقاضي. فمن الصحفي طلب الدقة في الحقائق في مستوى القاضي، بينما هو كقاض يضع نفسه كصحفي ويقترح تحريراً بديلاً للتقرير الصحفي. قضاة العليا قرروا انه لا يجب إلزام وسائل الإعلام بفحص المعطيات التي تصل إليها وكأنها محكمة وانه لا ينبغي للقاضي أن يقترح تحريراً صحفياً بديلاً.

لا ينبغي أن نرى في ذلك رخصة للتسيب. فالسمعة الطيبة للإنسان والذات العامة لا تزال ذخرا يستحق الحماية غير أنه يجدر السماح للصحافة بمجال عمل وينبغي أن ترى فيها «رسالة»، شرط أن ـ على حد قول فوغلمان ـ يعنى التحقيق الصحفي بأمر عام ذي مغزى وان يكون الصحفي عمل بمسؤولية وبضبط للنفس؛ أكد المعلومة من مصادر عديدة، عليمة وجدية؛ توجه إلى المتضرر المحتمل لتثبيت المعلومة ولنيل رد الفعل. ومن هنا التمييز بين لب التحقيق في «عوفدا» الذي وجد بأنه لم يشهر، وبين الغلاف التسويقي، في المقدمة وبالنبرة القاطعة، الذي وجد فيها ما يمس.

النظرية المتجددة التي أصدرها القضاة تعزز الديمقراطية الإسرائيلية، التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى لصحافة حرة ولسلطة قضائية شجاعة وفهيمة.

ـــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

ما وراء الفيتو الروسي والصيني

من يعتقد ان مجلس الامن هو اداة ناجعة لمنع قتل الشعب السوري خاب ظنه مثلما حصل في الماضي وكما سيحصل مستقبلا

بقلم:شلومو افينري،عن هآرتس

مع كل الانتقاد والاشمئزاز من الفيتو الروسي والصيني في مجلس الامن، على مشروع القرار في الموضوع السوري، في نهاية الاسبوع الذي قتل فيه حسب تقارير المعارضة نحو 300 مواطن في مدينة حمص، ينبغي القول ان روسيا والصين أكدتا فقط السبب الذي لاجله احتفظت القوى العظمى الخمسة لنفسها الحق في منع قرارات تبدو لها تمس بمصالحها.

من نواٍح كثيرة، فان الامم المتحدة هي كائن غريب: من جهة لكل الدول الصغيرة يوجد ذات الصوت في الجمعية العمومية مثلما للقوى العظمى الامريكية والصينية؛ ولكن عندما يتعلق الامر بقرارات عملية، فقد حرصت القوى العظمى الخمس على حماية نفسها عند تشكيل المنظمة في 1945، وضمنت أن يبقى حق الفيتو في أيديها. التوتر بين الديمقراطية المتساوية ـ المتطرفة في الجمعية العمومية واستخدام القوة في مجلس الامن هو تعبير عن الفجوة بين المثالية القابعة في اساس الامم المتحدة وبين الواقع: هنا يكمن أيضا ضعف المنظمة في يوم الامر.

للفيتو الروسي والصيني في الشأن السوري توجد عدة اسباب، بعضها تشارك فيها القوتان العظميان وواحد على الاقل خاص بروسيا.

روسيا والصين متمسكتان بشكل ثابت بالموقف الاعظم التقليدي، بموجبه الامم المتحدة هي منظمة طوعية لدول سيادية، ولهذا فليس لها صلاحية التدخل في الشؤون الداخلية لاعضائها.

مبادرات الامم المتحدة والمنظمات الملحقة بها، والتي قادت في العقود الاخيرة خطوات حديثة في القانون الدولي وقيدت غير قليل من مفهوم السيادة التقليدي، اصطدمت فورا بالمعارضة من جانب روسيا والصين؛ ولم تنجح الدولتان دوما في منع هذه الخطوات على مستوى التشريع الدولي ولكنهما حرصتا على الا تتخذ الامم المتحدة، في قرارات تفصيلية، خطوات فيها مس فظ بمفهوم السيادة التاريخي.

ولما كانت روسيا والصين امتنعتا في التصويت في شأن التدخل في ليبيا ـ والذي فسر لاحقا بشكل واسع جدا من جانب الغرب ـ فانهما تحذران الان باضعاف من الانجرار الى وضع مشابه في الموضوع السوري.

ليس هذا موقفا نظريا بشأن مفهوم العلاقات الدولية. فمعارضة مشروع القرار في موضوع القمع العنيف في سوريا ترتبط بحقيقة أن روسيا والصين، رغم الاختلاف بين نظاميهما، هما دولتان ذات حكم مطلق لهما مشاكل غير قليلة مع أقليات قومية وعرقية.

روسيا أدارت، ولا تزال تدير، حرب ابادة وحشية ضد محاولات الشيشان نيل الاستقلال. الوحشية التي قمعت بها الثورة الشيشانية فاقت باضعاف وحشية نظام الاسد. فالعاصمة الشيشانية غروزني دمرت تماما تقريبا في الهجوم الروسي وعدد الضحايا المدنيين كان بعشرات الالاف.

فلاديمير بوتين اشترى ايضا عالمه في الرأي العام الروسي في أنه منع استقلال الشيشان، ومنع أثر الدومينو في الفسيفساء العرقي الذي يتشكل منه القوقاز. والصين تواصل قمع التبت والاوغريين ـ مجموعتان عرقيتان لكل واحدة منهما قاعدة اقليمية ملموسة.

من هذه الناحية، فانه سواء روسيا أم الصين تدافعان عن وحدتيهما الاقليميتين من الامكانية، الملموسة جدا، للانفصال بسبب حق تقرير المصير لاقليات قومية. ولهذا فانهما تخشيان من المنحدر السلس الذي بدايته في التدخل في شؤون سوريا ونهايته هو يحفظنا.

والدليل هو أنه حتى الان لم تعن الاسرة الدولية في الموضوع الشيشاني وباستثناء بضعة تصريحات مجردة لم تتناول أيضا الموضوع التبتي. في الحالتين اعتبرت هاتان المسألتان مواضيع داخلية للدولتين ذات الشأن تماما مثلما لم يتدخل الغرب ابدا في القمع الوحشي لاكراد على ايدي الحكومات التركية، في الماضي وفي الحاضر.

فضلا عن ذلك، واضح أن لروسيا مصلحة واضحة في سوريا: لا ريب أنها لا تشعر بارتياح من موقفها الجديد كمساعدة لنظام الاسد الدموي. وهذا هو السبب لزيارة وزير الخارجية سرجيه لافروف العاجلة الى دمشق. وقد استهدفت الزيارة خلق الانطباع على الاقل بمحاولة روسية لكبح جماح الاسد. ومنذ صعود بوتين الى الحكم، تحاول روسيا ان تستعيد بعضا من المكانة التي كانت لها في الشرق الاوسط في العهد السوفييتي. سوريا الاسد بقيت معقلها الوحيد في المنطقة، تضمن شيئا ما مشابه لقاعدة بحرية للاسطول الروسي في اللاذقية. من هذه الناحية، فان السياسة الخارجية الروسية هي استمرار مباشر للسياسة السوفييتية. ولكن يغيب عنها البعد الايديولوجي الذي سمح للاتحاد السوفييتي بان يعرض نفسه كجهة تحرير مناهضة للامبريالية. اما ما تبقى فهو بعد القوة العظمى ذات نزعة القوى.

ما حصل في مجلس الامن يمثل مرة اخرى فشل الامم المتحدة. من يعتقد أن المنظمة هي اداة ناجعة لضمان حقوق الانسان ومنع قتل الشعب خاب ظنه مرة اخرى ـ مثلما حصل في الماضي وسيحصل بلا ريب في المستقبل ايضا.

ومع ذلك فان خيبة الامل من نزعة القوة لدى روسيا والصين ـ والتي كان الغرب مستعدا لان يتوافق معهما في صيغة مشروع القرار ـ كفيل بان يخلق تحالفا بين الدول الغربية والجامعة العربية، يحث خطوات اكثر حدة من تلك التي كانت ستتاح في اطار الامم المتحدة، حيث ينبغي مراعاة الموقف الروسي والصيني. تلميحات أولية بذلك يمكن أن نجدها في تصريحات الرئيس نيكولا ساركوزي وكذا في الرد الحاد من الرئيس براك اوباما ومن وزير الخارجية هيلاري كلينتون. فقد سبق لمثل هذا الامر أن حصل: شلل الامم المتحدة في اثناء انحلال يوغسلافيا دفع اخيرا بالولايات المتحدة والناتو الى عمل عسكري ضد الصرب، لمنع أعمال ذبح في البوسنة وبعد ذلك في كوسوفو.

من غير المستبعد ان يحصل شيء مشابه في الحالة السورية ايضا. لشدة المفارقة، الدولة الاساس في تحقيق القدرة على المساعدة العملية للثوار في سوريا هي تركيا، التي انتقلت من التأييد للاسد الى التنكر الشديد له. السنة الاخيرة كانت مفعمة بالمفاجآت في منطقتنا ومرغوب الا نتفاجأ بالتطورات في المستقبل ايضا. الازمة السورية أدت الى توتر بين الولايات المتحدة وروسيا في فترة يخيل ان القوتين العظميين تحاولان اغلاق الفجوات التي نشأت بينهما في عهد الرئيس جورج بوش. حقيقة أن الدول العربية والولايات المتحدة توجد الان في ذات المعسكر لاول مرة منذ عشرات السنين ـ تدل على أن للتحولات في العالم العربي معنى عموم عالمي وليس فقط اقليميا.

ــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً