التدمير الممنهج
بقلم: اسحق ليئور،عن هآرتس
المضمونيقارن الكاتب بين ازمة الاجئين القائمة حاليا في اوروبا و بين ازمة اسرائيل مع المهاجرين الافارقة الذين ياتوا الى اسرائيل و كيفية التعامل التي تتم مع الطرفين.)
بطريقتها الملونة تتهم اوروبا نفسها بقليل من المآسي التي أحدثتها في افريقيا وآسيا. جرائم الايطاليين نُسبت للفاشية. جرائم الفرنسيين لا تُذكر في ثقافتهم تقريبا، وشعارهم الدائم هو «لا شأن لي». البريطانيون صرخوا «بقلب المافلية» لكونراد، الذي وصف الفظاعة البلجيكية. لكن الاوروبيين كسبوا في افريقيا منذ «تحريرها» التريليونات بواسطة الاقطاعية الفاسدة، وتنصلوا من التدمير المتواصل. وعندما احتاجوا لقوة العمل سمحوا لعبيد الماضي بالعمل عندهم وتمويل دول الرفاه. الإسرائيليون الذين كبروا بالتزامن مع الكولونيالية الجديدة، صبغوا كل شيء باللون الابيض من كثرة الغربية المتنورة.
الحرب السابق تؤثر على الحرب القادمة. بدلا من «نهاية العالم الآن» أوجدت هوليوود رامبو، وفي الوقت الذي يتعاطى فيه الكثيرون من المعاقين في فيتنام، السموم، دخلت الولايات المتحدة في 25 تشرين الاول 1983 إلى غرينادا في عملية «غضب متسرع» لمواجهة الشيوعية وانقاذ الحرية، أي، الزعيم السابق. وقد شارك في عملية الاحتلال 5 آلاف جندي، 500 منهم حصلوا على الميداليات. جموع المحتفلين في الشوارع لم يعرفوا أين هي غرينادا وما هو حجمها (91 ألف نسمة في حينه)، ولم يعرفوا ايضا أن 120 من جنودهم الفاشلين قد قُتلوا. وفي مقابل عودة رامبو نشأ تصور مهم أكثر للرأسمالية الجديدة: جي. آر («دالاس»)، حقير محبوب؛ عندها ظهر اهتمام آخر في التلفاز الأمريكي. واوروبا نددت باحتلال الجزيرة الصغيرة.
بين احتلال غرينادا وبين قصف العراق في بداية 1991 استعد الغرب للمرحلة القادمة من الرأسمالية الجديدة. «انتصر العالم الحر، ماتت الشيوعية، يمكن امتصاص كل شيء وهكذا تدمر العالم العربي، وتكفي مراجعة الصحف في خريف 1990 لرؤية كيف بني التوقع للحرب في العراق، التي نشبت في منتصف كانون الثاني 1991. كم احتفلت الضحية الإسرائيلية بسبب بضعة صواريخ؛ «كارثة في الغرفة الآمنة»، هذا ما قاله البروفيسور موشيه تسوكرمان في كتابه الممتاز. بالمناسبة، لقد باع الغرب الغاز لصدام حسين كي يخنق الإيرانيين، وبعض شبابنا الجيدين باعوا السلاح في افريقيا، وحصلوا هناك على الماس. وغال هيرش هو كلب صغير مقارنة بهم.
كل اخلال بالعقوبات التي فرضها الغرب على العراق المحطم، حظي بالتغطية الإعلامية. موت الاطفال لم تتم تغطيته. في مقابل تلك السنوات لـ «نهاية التاريخ» ولدت في الغرب ايضا «ثقافة الكارثة»: موت جماعي بعيد. وكأبطال للقصة استخدموا تعبير «سلاح كيميائي» في العراق، واحتفلنا باحتلاله الكامل الذي أدى إلى اسقاط صدام. نحن جزء من «العالم الحر». الموت في الخارج والمُعطِّر في البيت.
من يفكر اليوم، في ظل التراجيديا اليومية في العراق أو في سوريا، بمواقفه الخاصة في حينه في موضوع «الحرية»؟ من يفكر بليبيا؟ من الذي احتلها؟ لماذا؟ من يهتم؟ كم هو سهل اتهام الضحايا الآن، الصحراء تهدد اوروبا: الجوع، الفقر، الاولاد في أحضان أمهاتهم يصلون إلى شواطئها أو يغرقون في الطريق. الغرب تذكر «المشكلة». الكثير من الغرباء في غير اماكنهم. الاموال التي تجمعت ليست لهم. والموتى رائحتهم نتنة. وقد كتب بريخت: «عند الاغنياء ما يكفي من القوة لخلق الفقر، لكن ليست لهم القوة لتحمله».
ونحن الذين نسارع إلى الانتماء إلى «الغرب الحر»، ونفرح أكثر حينما تضع اوروبا اللاجئين في المعسكرات. وحين تصرخ اوروبا «لاجئون أموات» نقول إننا شعب اللجوء، وإننا حساسون جدا لرائحة الجثث. لذلك سنواصل مطاردة اللاجئين الافارقة عندنا على طريقتنا الخاصة، بختم كافكا الخاص بنا، أو كما كُتب في التوراة: «ثلاث صفات لهذه الأمة: الرحمة والخجل ورد الجميل».
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
انتصار النموذج الثالث
لم يخطر ببال المؤسسين أن تكون الدولة مثل طائفة دينية تسيطر على المؤسسات الحكومية
بقلم: دمتري شومسكي،عن هآرتس
المضمونيرى الكاتب انه ليس من الصعب رؤية أن الحقبة التي تعيشها الدولة الآن هي تعبير عن النموذج الثالث: نموذج الدولة القومية حيث تحظى مجموعة عرقية دينية واحدة بالسيطرة على كل ما يتعلق بتوزيع المصادر وتحديد البرنامج الحياتي للمواطنين)
استأنفت تالي يهلوم على ادعاء اوري افنيري أنه في الفترة ما قبل اقامة الدولة، وبالذات ايام اليشوف في ارض إسرائيل الانتدابية، كان السعي الاساسي للحركة الصهيونية كحركة قومية عصرية، هو تحويل اليهود إلى شعب جغرافي جديد، يترك وراءه الدين اليهودي كشيء لا لزوم له من ماضيه في الشتات. وحسب قولها («رغم ذلك، دولة يهودية»، «هآرتس» 18/8)، رغم الراديكاليين «من بين منكري الشتات» في اليشوف الإسرائيلي، الصهاينة الاشتراكيين من شرق اوروبا، فقد ترددوا في الانفصال عن الارث الديني اليهودي. وهي تعتبر أن بيرل كتسنلسون، مؤسس حركة العمل في ارض إسرائيل، والروح الحية للصهيونية الاشتراكية في البلاد، ممثلا واضحا لهذه الظاهرة، حيث عارض الانفصال الكامل للصهيونية عن المصادر اليهودية خوفا من ضعف روح حياة اليهود في البلاد.
هذا صحيح. رغم أنه كان المتحدث البارز للتمرد الصهيوني في الشتات في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ووضع نصب عينيه نموذج الشعب العبري الجديد، المنتج والمتجذر في ارضه، وتعامل مع الارث الديني الثقافي للشعب اليهودي بنوع من الخوف المقدس. لكن تجدر الاشارة إلى أنه ليس فقط الاعياد والمواعيد استحضرها كتسنلسون من الماضي إلى المستقبل الصهيوني، بل ايضا الاساس السياسي للوجود اليهودي في الشتات ـ الحكم الذاتي اليهودي.
مثل الكثيرين من زعماء الصهيونية في حينه بما في ذلك حاملي لواء الثورة الصهيونية الاشتراكية، لم يتخيل كتسنلسون اقامة الدولة على شاكلة دولة قومية مركزية من النوع الذي كان منتشرا في القرن العشرين، بل سعى إلى نموذج يختلف تماما ـ دولة فيها اغلبية يهودية، لكنها في نفس الوقت مبنية بواسطة دمج الكيبوتسات القومية المستقلة حيث يسيطر اليهود في اطارها على أنفسهم فقط دون سيادة سياسية على الجماعات غير اليهودية.
طرح هذا الحلم زعيم حركة العمل الصهيونية في خطابه في مؤتمر مباي في شباط 1931 حيث تحدث عن نموذج «دولة القوميات» ـ كل القوميات فيها متساوية في الحرية والاستقلال ومستوى السيطرة والتمثيل. وطرح طريقة السيطرة اليهودية الذاتية خلال فترة الشتات ورغب في تبنيها داخل دولة القوميات «في البلاد»: «الاستقلالية القومية ليست جديدة علينا وجذورها عميقة في التاريخ الإسرائيلي… في الصهيونية… وكانت تُسمع اصوات تقول إن الاستقلالية القومية ما هي إلا بقايا من المنفى… حركة العمال في البلاد، مع الشعور الجغرافي العميق لديها… لم تستخف في خلق الادوات للحياة اليهودية المستقلة، ولم تنظر إلى الاستقلال الذاتي القومي كامتياز يهودي بل كطريقة تنظيم وتوفير الحاجات القومية لكل مجموعة قومية في البلاد». رفض نموذج «الدولة القومية» في صالح فكرة الحكم الذاتي اليهودي كجزء من الدولة الفيدرالية متعددة القوميات، تلاءم مع اهتمام كتسنلسون لاستمرارية الثقافة الروحانية للحياة اليهودية في البلاد. مثل صهاينة كثيرين آخرين فقد ارتدع عن نموذج الدولة القومية وعن التفكير في السيادة اليهودية على البلاد التي يعيش فيها غير اليهود، لأن الامر يشبه الانفصال الحر وخلق شعب جغرافي جديد مختلف.
وفي مقابل كتسنلسون كان في اوساط الصهاينة من أيدوا نموذج الدولة القومية بدون تحفظ وبدون خوف من الانفصال عن الماضي. فبالنسبة لهم الدولة القومية التي ستقيمها الحركة الصهيونية ستكون دولة قومية مدنية خالية من الطابع العرقي الديني. ثيودور هرتسل كان الممثل الابرز لهذا الموقف. مع الاحترام الكبير الذي منحه للدين اليهودي، فقد كان الدين في الدولة التي حلم بها ـ أي دين ـ هو الشأن الخاص للمواطنين، الشركاء بفعل ارتباطهم بالوطن السياسي المشترك والسيادة في ارضهم.
هذان الاتجاهان في التفكير السياسي الصهيوني ـ ذلك الذي عبر عن الفيدرالية السياسية لكتسنلسون وذلك التابع لهرتسل وأيد الدولة القومية المدنية ـ كان بينهما قاسم مشترك بارز: مؤيدوهم لم يخطر ببالهم أنه يمكن تبني نموذج سياسي ثالث: الاستمرار في الاستيطان كطائفة عرقية دينية منغلقة مثل المنفى، وايضا السيطرة على مؤسسات الدولة التي يجلس فيها مواطنون يهود وغير يهود. هذا النموذج كان مقرونا بتخليد عدم المساواة المدنية بين اليهود وغير اليهود في الوقت الذي كان فيه معظم مؤسسو الصهيونية اصحاب مواقف سياسية ليبرالية مدنية.
ليس من الصعب رؤية أن الحقبة التي تعيشها الدولة الآن هي تعبير عن النموذج الثالث: نموذج الدولة القومية حيث تحظى مجموعة عرقية دينية واحدة بالسيطرة على كل ما يتعلق بتوزيع المصادر وتحديد البرنامج الحياتي للمواطنين. هذا ـ وليس حق الحفاظ على ارث الآباء ـ هو المغزى الحقيقي للدولة اليهودية التي يقف وراءها اليوم معظم مواطنو إسرائيل اليهود.
يمكن القول وبصدق إنه لا يوجد أكثر طبيعية من هذا ـ الحلم السياسي في جهة والواقع السياسي في جهة اخرى. في الحلم السياسي يتخيلون المساواة المدنية المطلقة، وفي الواقع السياسي فان مجموعة المواطنين القوية تحصل على حقوق زائدة ولا تتنازل عنها بسهولة. لكن لا يمكن أن تحظى بامتيازات في الحاضر وتبرر ذلك من خلال تشويه الماضي؛ الاحتفاظ بالسيادة والسلطة في الدولة من قبل مجموعة مدنية حسب انتمائها الديني والادعاء ايضا أن الآباء المؤسسين سعوا لذلك.
الحقيقة الواضحة هي أن دولة اليهود نموذج 2015 بعيدة جدا عن الصهيونية العصرية، حيث تُداس مبادئها المدنية والليبرالية كل يوم من جديد، من قبل الدولة اليهودية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
عناصر القوة
تتطرق الوثيقة الاستراتيجية إلى مبادئ بناء القدرة المستمدة من حاضنة الجيش الإسرائيلي
بقلم: جابي سيبوني،عن نظرة عليا
المضمونيتناول الكاتب بالتحليل الوثيقة الاستراتيجية للجيش الاسرائيلي التي تم نشرها والتي ترتكز الى مبادئ بناء القوة المستمدة من المحيط الاستراتيجي ومن عناصر العمل.)
لم يكن لنشر الوثيقة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي، التي تشكل علامة فارقة في تطور العلاقة بين الجيش ومواطني الدولة، اية سابقة. كما لا يمكن التقليل من اهمية الشفافية التي تم التعبير عنها في عملية النشر بحد ذاتها ويجب الترحيب بذلك. وعلى الرغم من ان هذه الوثيقة لم تكتب على ضوء توجيه سياسي او للتعبير عن اي وجهة نظر امنية وطنية مكتوبة، الا ان العقيدة الشفوية الذي تطورت في إسرائيل على مدار السنين وفرت ارضية صلبة لبلورة استراتيجية. ولذا فإن نشر الوثيقة يوفر فرصة لاختبار الاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي في مواجهة التحديات التي يتوجب على وجهة النظر الامنية مواجهتها. بعد مناقشة خلفية المحيط الاستراتيجي لدولة إسرائيل، تتطرق الوثيقة إلى عناصر العمل الرئيسية للجيش الإسرائيلي: تفعيل استخدام القوة، القيادة والتحكم في الجيش، بالاضافة إلى ـ مبادئ بناء القوة المستمدة من المحيط الاستراتيجي ومن عناصر العمل.
هدف الجيش الإسرائيلي في الوضع الروتيني:
اعتاد الجيش الإسرائيلي على العمل في الوضع الروتيني، في ميدان العمل العسكري الاعتيادي. هذه الاعمال تركزت بشكل اساسي بالدفاع عن الحدود وفي النشاطات داخل المناطق، حيث تكون للجيش السيطرة والسيادة فيها. وفي المقابل، فإن وثيقة الجيش الإسرائيلي تخصص اختبارا واسعا جدا لهدف الجيش في الوضع الروتيني وموضوعها تحديدا منظومة العمل الدائمة، التي تشمل إبعاد شبح الحرب وتمكين الدولة من التمتع بفترة هدوء طويلة الامد قدر الامكان.
لقد تم تحديد اربعة اهداف لـ «المعركة بين الحروب»: إضعاف عناصر القوة السلبية لدى المحيط، على غرار حزب الله، حماس، منظمات الجهاد وغيرهم، تقليص قوة الاعداء بواسطة منعهم، واحيانا بالقوة، من التزود بالوسائل القتالية الاستراتيجية «كسر التوازن»، الذي من شأنه ان يقيد من حرية عمل الجيش الإسرائيلي بصورة فاعلة ويزيد من احتمال الضرر المحتمل ضد إسرائيل، خلق الظروف الجيدة للنصر في الحرب المستقبلية بواسطة العمل، على تحسين قدرة العمل لدى الجيش الإسرائيلي، ترسيخ المشروعية لنشاطات إسرائيل، ولسحب مشروعية عمل الاعداء ـ ومن الامور المستخدمة بهذا الخصوص، كشف منهجية طريقة عمله، بإستخدامه الدروع البشرية. كل ذلك، بواسطة عمليات سرية، ومخفية متعددة المجالات، والتي تدمج إلى جانب النشاطات العسكرية، نشاطات إعلامية، اقتصادية، قانونية وسياسية.
مواجهة:
في المعارك الاخيرة في لبنان (2006) وفي قطاع غزة (2009، 2011، 2014)، عمل الجيش الإسرائيلي انطلاقا من وجهة نظر السحق والتحطيم، حتى ولم لم يتم التبني الصريح لسياسة تحطيم العدو على اعتبار انها المبدأ التوجيهي للعمل. فهكذا استخدم الجيش الإسرائيلي قوة هائلة وكثافة نيران، من اجل سحق قدرة العدو وبناه التحتية العملياتية. لقد دفعت الجبهة الداخلية في إسرائيل بسبب وجهة النظر هذه، ثمنا باهظا، عبر عن ذاته انه على الرغم من ديمومة القتال احتفظ العدو بالقدرة على إطلاق الصواريخ والقذائف. فالعدو الذي لم يكن قلقا على بقائه، كان بإمكانه ان يظل موجودا على الرغم من حجم الدمار الناجم عن اعمال الجيش الإسرائيلي.
على الرغم من وجهة النظر هذه، فإن وثيقة الجيش الإسرائيلي تعرض مجال عمل مختلف اختلافا جوهريا: يوقع الجيش الإسرائيلي ـ ردا على التحديات ـ بالعدو ضربة مزدوجة، فورية وفي نفس التوقيت. تفرد الوثيقة مكانا هاما للوظيفة الجديدة للعملية البرية. بحيث تكون مهمتها التغلغل إلى داخل ارض العدو بسرعة، من اجل تدمير وجوده السلطوي ولتدمير البنية العسكرية له. وفي المقابل استخدام كثافة نيران ضد آلاف الاهداف الموضوعة مسبقا والمتاحة. مع تدعيم مثل هذه الاعمال من قبل عمليات خاصة، عمليات تجسسية اليكترونية (سايبرية)، استخبارية نوعية والحماية الفاعلة قدر الامكان من نيران العدو. النشاط الفوري للمناورة ممكن عن طريق التدرج في عملية تجميع القوات. في المرحلة الفورية، حتى ولو كانت المناورة محدودة في اتجاهها بسبب قيود ترتيب القوات، فبإمكانها تحييد العوائق الجماهيرية (الإسرائيليين) والدبلوماسية (من قبل المجتمع الدولي ودول الشرق الاوسط) التي استثيرت في الماضي من اية عملية برية يقوم بها الجيش الإسرائيلي.
القيادة والتحكم:
وجهة نظر القيادة والتحكم للجيش الإسرائيلي حظيت بفقرة منفردة لها في الوثيقة الاستراتيجية، وذلك ليس مصادفة. فبدءا من سنوات التسعينيات تطورت لدى الجيش الإسرائيلي نظرة مفادها، انه من الممكن توحيد المشاكل العملياتية، والتي لها منطق عملياتي مشترك، تحت قيادة واحدة. وليس هذا وحسب، فوجهة النظر هذه عرضت ايضا اطارا منهجيا لتقييم الوضع، التي كانت مهمتها بلورة ما يمكن تسميته عندها بـ «الفكرة العملياتية». هذا الاطار كان مختلفا عن العقيدة الاساسية للجيش الإسرائيلي، المعتمدة لديه منذ تشكيله. لقد استندت النظرة العملياتية على الادعاء القائل، ان فن القيادة العملياتية تستوجب ادوات مميزة. لقد بلغ تغلغل وجهة النظر هذه إلى داخل الجيش الإسرائيلي، خلال الحرب اللبنانية الثانية، وخلق احراجا، وحيرة واحتكاكات. فقد رأت القيادات الميدانية بنفسها في عدة حالات كقادة للمعركة في ساحاتهم وطالبوا بصلاحيات موسعة لاستخدام القوة. ولقد تسبب هذا الارتباك في السنوات الاخيرة في رؤية القيادات الميدانية كقادة قتاليين وطالبوا بصلاحيات موسعة لاستخدام القوة.
وفي المقابل، فإن الوثيقة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي حررت رئيس هيئة الاركان من السيف المسلط عليه والذي خلقته وجهة النظر العملياتية واصدر تعليمات دائمة وواضحة ان: رئيس الاركان هو القائد الميداني الوحيد في الجيش الإسرائيلي وهو من خلال القيادة العامة وبواسطتها فهو القائد على جميع القادة الميادنيين وجميع التعليمات التي تخص استخدام القوة، وانه يقع على عاتق القيادات الرئيسية واجب تطوير معلومات ميدانية في ساحاتهم، في حين ان الموارد العملياتية متاحة فقط في ايدي القيادة العامة وهي تخصصها للقيادات الرئيسية وفقا للمهام. يوجد لهذا التحديد اهمية جوهرية: فتركيز القيادات الميدانية على المهام الملقاة على عاتقهم فقط، يشكل حجر الاساس في وجهة النظر القيادية الجديدة للجيش الإسرائيلي. اما بخصوص تقييم الاوضاع، فقد حدد رئيس هيئة الاركان، ان اجراءات الادارة وادارة المعركة تكون موحدة في جميع حقول القيادة واساسها العقيدة الاساسية وبلغة مشتركة بسيطة وسريعة. (وهنا فقد اتبع رئيس هيئة الاركان طريق الجنرال باتو، الذي قال ان ما هو غير بسيط، لن يكون بسيطا…) ان الاعتراف باهمية اللغة المشتركة لجميع الرتب في الجيش الإسرائيلي ادت برئيس هيئة الاركان لان يقرر، انه يجب اقامة مدرسة مركزية للقيادة والسيطرة لجميع القيادات.
مبادئ بناء القوة:
نظرا لضيق المساحة، من المناسب التركيز على اثنين من مجمل طيف المبادئ الواسع المطروحة بهذا الخصوص ـ وكلاهما يعرض التغيير الاساسي في استراتيجية الجيش الإسرائيلي فيما يتعلق ببناء القدرة على المناورة والنيران. الاول ـ يتطرق إلى وجهة النظر المتعلقة ببناء القوة البرية، وتحديدا بناء قدرة المناورة البرية. ويميز الجيش الإسرائيلي بين نوعين من المناورة، والتي يتم تفعيلها معا: المناورة التي تركز على مراكز الثقل السلطوي لدى العدو، والمناورة امام المجال التكتيكي له. بناء القوة بسمح بتفعيل قدرات المناورة فورا في بداية المواجهة. الثاني ـ يتطرق إلى بناء القدرة على استخدام النيران. كما حدد رئيس الاركان ايضا انه يجب تشكيل القدرة، التي تسمح بإنزال «ضربات نيران هائلة بقياسات دقيقة، وفي زمن قصير قدر الامكان وبمجال اهداف كبير». هذه المطالبة، إلى جانب المطالبة بقياسات المناورة، تدلل، ان الجيش الإسرائيلي هجر وجهة نظر التدرج في التصعيد التي رافقته في العقد الاخير، والتي بموجبها انه في كل مواجهة تتم ادارة حوار متحرك دائم ومتعاظم مع العدو. ان بناء القوة يتيح حاليا استخدام مشترك وفوري للمناورة، للنيران، للعمليات الخاصة وعمليات التجسس الاليكترونية (السايبرية).
ان تحليل الوثيقة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي ابعد من ان يستنفذ، ولكن حاليا من الممكن تشخيص مبادئ التغييرات في استخدام القوة للجيش الإسرائيلي كما وجدت تعبيرها في إطارها بشكل واضح. صيغة هذه التغييرات، المطلوب تنفيذها على المدى البعيد، هي حجر الاساس في هذه العملية الهامة، كما سيتم تنفيذه خلال السنوات المقبلة. من طبيعة الامور، ان تطور العملية سوف يكون مرتبطا ارتباطا وثيقا بالميزانية، التي ستخصص من اجل تحقيقها لصالح تنفيذ التغييرات وكذلك ضمان قدرة قادة الجيش الإسرائيلي على استيعابها. لقد اثبتت تجارب الماضي، ان اجراء تغييرات بعيدة المدى، كما وردت في الوثيقة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي، يستوجب تصميما وبدون مساومات.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ


يقارن الكاتب بين ازمة الاجئين القائمة حاليا في اوروبا و بين ازمة اسرائيل مع المهاجرين الافارقة الذين ياتوا الى اسرائيل و كيفية التعامل التي تتم مع الطرفين.)
رد مع اقتباس