المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (160)
المقالات في الصحف المحلية
(160)
|
تكريس الاحتلال ... الى متى ؟!
حديث القدس
دور العاهل الاردني في منع اقتحام المتطرفين المسجد الاقصى المبارك
راجح ابو عصب
ترسيم حدود دولة فلسطين.. مرتكزات لهجوم سياسي فلسطيني مصري اردني مشترك
بســـام الـصـــالـحــي - الأمــيـــن الــعــــام لحزب الشعب
كفاية!
المحامي جواد بولس
إتفاق "القلقين"!
راسم عبيدات
الشرق الأوسط وإعادة توجيه سياسة أوباما
أمير طاهري
فتحاويون غابرون
حـسـن الـبـطــل
إذاً، لماذا تستمر المفاوضات؟
بقلم: صادق الشافعي
الفوضى تطل من جديد!
عبد الناصر النجار
أربعون عاماً على حرب تشرين: وقفة الفريق القومي الأخيرة
حسين حجازي
اقتباسة الخالدي مهمة ولكن ماذا عن ما بعد؟
صلاح هنية
الشهد في عنب الخليل
رامي مهداوي
مرحَى للعَمَلِ اللائِقْ في جِلْبابِ الحَوْكَمَه
آصف قزموز
التاج
وليد بطراوي
علي الخليلي: الراحل الباقي
دفاتر الأيام
تغريدة الصباح - غاندي في ذكراه
عدلي صادق
التشاركية والاقصائية: حقيقة المشكلة!
أسعد عبد الرحمن
عار الوعي وفكر التقدم
بكر أبو بكر
مبدع من زمن الاشتباك
يحيى رباح
اربعون عاما مضت
عادل عبد الرحمن
بومدين.. وفلسطين
عيسى عبد الحفيظ
مقالات صحيفة القدس
تكريس الاحتلال ... الى متى ؟!
حديث القدس
المفاوضات مع الجانب الفلسطيني عالقة ولا تتقدم نحو اي مكان، والمشكلة الاساسية رفض الفلسطينيين الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية... بهذه الكلمات لخص رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو امام المنظمات اليهودية الاميركية في نيويورك مسار المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية فيما خرج علينا احد وزراء حكومته الرئيسيين داعيا الى الغاء اتفاقيات اوسلو وعدم تطبيقها وفيما يخرج علينا بين الفنية والاخرى مسؤول اسرائيلي يدعو الى اجراءات من جانب واحد وسط تحريض اسرائيلي سافر ضد السلطة الوطنية واستمرار واضح لنهج التوسع الاستيطاني وتنفيذ مخطط تهويد القدس وفرض المزيد من المعاناة على الشعب الفلسطيني.
هذا الواقع القائم يؤكد اننا لسنا امام شركاء سلام وان اسرائيل تستغل كامل الوقت للامعان في ممارساتها من جهة وتضليل الرأي العام العالمي من الجهة الاخرى،وهو ما يثير تساؤلا جوهريا حول طبيعة المفاوضات الجارية التي عقدت احدى جلساتها امس الاول وحول الجدية اللازمة لانجاح هذه المفاوضات.
ومن الواضح ان المفاوضات لم تحقق ما هو جوهري حتى الآن وانها على الأقل تراوح في حلقة مفرغة وتتذرع اسرائيل على لسان رئيس وزرائها بأن الجانب الفلسطيني يرفض الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية، وهو شرط الى جانب شروط اخرى وضعتها اسرائيل منذ البدء لاحباط جهود السلام وتبتدع يوميا مبررات وذرائع للتستر خلفها في تبرير انسداد افق التفاوض وتعثر جهود الحل السلمي.
ان ما يجب ان يقال هنا ان اسرائيل حولت المفاوضات الى مفاوضات عبثية بمواقفها وممارساتها وان ما يطغى هو واقع الاحتلال والاستيطان ومعاناة الشعب الفلسطيني، وهو ما يجب ان يفرض على الجانب الفلسطيني البحث عن آليات وسبل ابداعية لمواجهة هذا التحدي الاسرائيلي وتحميل اسرائيل مسؤولية تعثر المفاوضات امام المجتمع الدولي من جهة ودفع هذا المجتمع الدولي الى التحرك لمواجهة انتهاكات اسرائيل الفظة للقانون الدولي وهذا النسف الممنهج لجهود السلام.
اكثر من عشرين عاما مضت منذ توقيع اتفاق اوسلو كما مضت عدة شهور منذ الاتفاق الاخير على استئناف المفاوضات ولا يبدو في الافق اي تغير في الموقف الاسرائيلي بل ان اسرائيل تسابق الزمن لترسيخ احتلالها واستيطانها.
ولهذا يجب ان يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته وان يتحمل الراعي الاميركي ايضا مسؤولياته، فلا يعقل ان تجري كل هذه الممارسات وان يعلن اقطاب حكومة نتانياهو كل هذه المواقف المتطرفة المناهضة للسلام دوناي تدخل اميركي بعد ان تعهدت واشنطن للجانب الفلسطيني بدفع عملية السلام قدما وفق اسس ومرجعيات واضحة.
كما لا يعقل ان تخرج علينا اسرائيل يوميا بمواقف سياسية اقل ما يقال فيها انها تتناقض مع اتفاق استئناف المفاوضات عدا عن تناقضها الصارخ مع الشرعية الدولية ومع الاجواء المفترضة لصنع السلام.
ولذلك نقول ونحن في دوامة مفاوضات تراوح مكانها ان الوقت قد حان لنقل رسالة واضحة لاسرائيل وللمجتمع الدولي وللراعي الاميركي ان الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وفصائله وبقيادته السياسية لا يمكن ان يقبل باستمرار هذا الوضع ولا ان يقبل باستمرار مفاوضات صورية تستغلها اسرائيل للمزيد من الانتهاكات وان من الواجب على اللجنة الرباعية والمجتمع الدولي والراعي الاميركي التحرك فورا وبشكل جاد قبل فوات الآوان.
دور العاهل الاردني في منع اقتحام المتطرفين المسجد الاقصى المبارك
راجح ابو عصب
للقدس في نفوس الهاشميين منزلة كبرى , فهم مرتبطون بها روحيا وماديا , وارتباطهم بالمدينة المقدسة قديم قدم ارتباطها بالعقيدة الاسلامية ثم بالفتح الاسلامي على يد الخليفة الراشد الثاني الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - , وبدأ ارتباط هذه المدينة المقدسة بالعقيدة الاسلامية بدءا من حادثة الاسراء والمعراج الشريفين , حيث كانت رحلة المصطفى – صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام بمكة المكرمة الى المسجد الاقصى في بيت المقدس , ايذانا بربط القدس بالعقيدة الاسلامية , وقد أكد الله – عز وجل – هذا الارتباط الوثيق بقوله تعالى في سورة الاسراء في كتابه العزيز " سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من اياتنا انه هوالسميع البصير" .
ولم تنقطع صلات الهاشميين ببيت المقدس ومسجدها الاقصى المبارك عبر مراحل التاريخ المختلفة . وقد ازدادت هذه العلاقات وثوقا في العصر الحديث , اثر الثورة العربية الكبرى التي اطلق رصاصتها الاولى الشريف الحسين بن علي – طيب الله ثراه – للتحرر من الاحتلال العثماني الذي سيطر على الامة العربية قرونا طويلة , وكانت هذه الثورة العربية الكبرى فاتحة لما تلاها من ثورات تحريرية من اجل الاستقلال والحرية واقامة الدولة العربية الحديثة والتحرر من عصور الظلام والجهل والتخلف والانفتاح على العصور الحديثة وعلى ما حملته من تقدم علمي وحضاري كبير , خطا بالبشرية خطوات عظيمة نحو الارتقاء والصعود في مدارج الحضارة الحديثة .
كان الشريف الحسين بن علي شديد التعلق بالقدس ومسجدها الأقصى، وظل عشقها يسري في دمه، كما سائر الهاشميين، حتى استأثرت به رحمة الله في الساعة الثالثة من فجر يوم الرابع من حزيران عام 1931 في مقر رغدان العامر في مدينة عمان، ولأن المقدسيين لمسوا حبه الشديد للقدس ولمسجدها الأقصى، حيث عمل على إعمارها والتبرع لها والإخلاص لقضيتها، فإن أعيان مدينة القدس ابوا إلا أن يوارى جثمانه الطاهر في المسجد الأقصى.
وكان هذا الحرص الفلسطيني على أن يحتضن المسجد الأقصى الشريف الحسين بن علي الطاهر انما جاء تكريما لهذا الشريف الهاشمي الذي كان أول الملبين لدعوة أعيان فلسطين للتبرع لإعمار المسجد الأقصى حيث تبرع بخمسين الف ذهبية شكلت الاساس المالي لاعمار المسجد الاقصى وبقية مساجد فلسطين.
وقد ورث الملك عبدالله الأول مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية عن والده الشريف الحسين بن علي حب القدس ومسجدها الأقصى المبارك، حيث كان طيب الله ثراه يحرص على أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، ويلتقي بأعيان القدس ورجالاتها، وذلك بعد أن بايعه أعيان فلسطين في مؤتمر أريحا الذي عقد في الأول من كانون الأول عام 1948 ملكا على الضفتين الشرقية والغربية، حيث حضر ذلك المؤتمر الذي ترأسه المرحوم الشيخ محمد علي الجعبري أكثر من 500 من شخصيات الضفة الغربية. وقد اغتيل الملك الشهيد يوم الجمعة في العشرين من شهر تموز عام 1951 وهو يهم بدخول المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة فيه، وهكذا سقط شهيدا على بوابة هذا المسجد المبارك. وكان الملك المؤسس طيب الله ثراه يردد في حق القدس " فيها لحد أبي وفيها قومي، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين"
وقد ورث العاهل الأردني الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه عن جده الملك عبدالله الأول حب القدس ومسجدها الأقصى، وقد كان إلى جوار جده عندما اغتيل على أبواب المسجد، حيث تلقى هو أيضا رصاصة ولكنها اصطدمت بمدالية كان جده الملك عبدالله الأول قد أمر بوضعها على صدره فأنقذت تلك المدالية حياته.
وقد عمل الملك الحسين بن طلال من أجل القدس ومسجدها الأقصى ولشدة تعلقه بالمدينة المقدسة، فإنه أمر ببناء قصر له على تلة مشرفة على المسجد الأقصى في "تل الفول" في حي بيت حنينا شمال المدينة المقدسة، ولكن ذلك القصر لم يستكمل بناؤه حيث سيطرت اسرائيل على القدس الشرقية في حرب الخامس من حزيران عام 1967، وما زالت أعمدة ذلك القصر شاهدة على عشق الراحل الكبير للقدس ولمسجدها الأقصى، الذي من أجل اعمار مسجد قبة الصخرة فيه، باع قصره الخاص في العاصمة البريطانية لندن، وأنفق ثمنه على إعماره حيث طليت قبة الصخرة بالذهب الخالص ما أكسبها هذا المنظر الرائع والرائق الذي تتزين به.
وكان الملك الحسين رحمه الله قد أصدر قانونا عام 1954 عرف بقانون إعمار المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة تعبيرا على حرصه وحرص الهاشميين الشديد على أن يظل المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة في أبهى حلة وأجمل صورة، ليبقى عامرا بالمصلين المؤمنين، ونذكر هنا فقرة من خطابه طيب الله ثراه يقول فيها " سلام على قدس الفاروق وصلاح الدين والحسين بن عليّ، سلام على الصخرة والقبلة الأولى والمعراج".
وعندما انتقل الملك الحسين بن طلال الى الرفيق الأعلى في السابع من شباط عام 1999 تولى نجله الأكبر الملك عبدالله الثاني عرش المملكة الأردنية الهاشمية، وسار على مسيرة والده وأجداده الهاشميين في المحافظة على القدس ومسجدها الأقصى، باعتبار المدينة المقدسة أمانة في رعاية الأسرة الهاشمية الكريمة، حتى تقوم الدولة الفلسطينية العتيدة، وقد كرست الاتفاقية التي وقعها الرئيس محمود عباس والملك عبد الله الثاني هذه الوديعة "الأمانة" في الحادي والثلاثين من شهر آذار الماضي الوصاية الأردنية على المقدسات الدينية بالمدينة المقدسة.
وهكذا جاءت هذه الاتفاقية الفلسطينية الاردنية الخاصة برعاية الاردن للمقدسات الدينية في القدس استمرارا لأمر واقع بدأ منذ عهد الشريف الحسين بن علي، أي منذ نحو قرن من الزمان، حيث أن الشريف الحسين سمّى نفسه "خادم الأماكن المقدسة في القدس" واستمر الهاشميون في رعايتهم للقدس ومقدساتها على الطريقة ذاتها التي إعتمدها جدهم الشريف الحسين بن علي في عهد الملك عبد الله الأول ثم في عهد الملك الحسين بن طلال، ومن ثم في يد الملك عبد الله الثاني، وقد حمل الهاشميون هذه الأمانة الثقيلة على أفضل وجه ونهضوا بها رغم ثقلها، وأنفقوا من أموالهم الكثير للمحافظة عليها وصيانتها ورعايتها، رغم شح الموارد المالية الأردنية.
وقد أجرى الملك عبدالله الثاني تعديلا على القانون الذي أصدره والده الحسين بن طلال عام 1954 والخاص بإعمار المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة في عام 2007 عرف بالصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، وذلك ضمن إطار مؤسسيه، وقد تم في عهد جلالته الاعمار الهاشمي الرابع للمسجد الأقصى، حيث تم خلاله إعادة منبر المسجد الأقصى المبارك الى مكانه في الثاني من شهر شباط عام 2007 وكذلك الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى وإعمار الحائط الشرقي من المسجد ومشروع قضبان الشد والربط للمصلى المرواني ونظام الإنذار وإطفاء الحريق في المسجد، والبنى والمرافق التحتية وقبة الصخرة المشرفة.
ومما يحمد للأردن الشقيق أنه الدولة العربية الوحيدة التي تدعم القدس ماليا، رغم ضيق إمكانياته المادية، فهو ينفق على إعمار مسجدي الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، كما أنه يدفع رواتب موظفي أوقاف القدس ومحكمتها الشرعية، في الوقت الذي لم تدفع فيه الدول العربية دولاراً واحداً من مبلغ الـ 500 مليون دولار التي قررتها قمة "سيرت" التي انعقدت في ليبيا عام 2010 لدعم صندوقي الأقصى والقدس، رغم اعتراف تلك القمة بالجهود المتواصلة للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لحماية المقدسات في المدينة. ولا ننسى هنا أن الأردن قدم جوازات سفر أردنية مؤقتة للمقدسيين تسهل سفرهم وانتقالهم الى الدول العربية والأجنبية. وهذا دعم هام لهؤلاء المواطنين المقدسيين. وضمن حمايته للوديعة والوصاية على المقدسات في القدس، فإن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لعب مؤخرا دورا هاما في منع المستوطنين من اقتحام المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه، حيث قام بالضغط على الحكومة الإسرائيلية لتقوم بمنع أولئك المتطرفين من اقتحام المسجد، وتأكيدا لذلك فإن الشرطة الإسرائيلية منعت في السابع عشر من شهر تموز الماضي نائب وزير الخارجية " زئيف ألكن" من دخول المسجد الأقصى لأداء طقوس دينية فيه، ما حمل عضو الكنيست "موشي فيغلن" على التعقيب على ذلك قائلا "إن منع زئيف ألكن من دخول المسجد الأقصى جاء بعد تدخل النظام الأردني.
وقد أكد الشيخ عزام الخطيب مدير أوقاف القدس دور الملك عبدالله الثاني في السعي لدى الحكومة الإسرائيلية لمنع أولئك المتطرفين من اقتحام المسجد الأقصى المبارك خلال الأعياد اليهودية الأخيرة، وقد استجابت الحكومة الإسرائيلية لدعوة العاهل الأردني، ومنعت أولئك المتطرفين من اقتحام المسجد المبارك. وسيظل المسجد الأقصى محط اهتمام الهاشميين ورعايتهم وعنايتهم وحرصهم على إعماره ماديا ومعنويا، وذلك جريا على سنة آبائهم الأولين.
ترسيم حدود دولة فلسطين.. مرتكزات لهجوم سياسي فلسطيني مصري اردني مشترك
بســـام الـصـــالـحــي - الأمــيـــن الــعــــام لحزب الشعب
اكدت تجربة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وخاصة بعد اتفاق اوسلو ،ثم المفاوضات المتعددة ، استناد استراتيجية اسرائيل التفاوضية إلى المعارضة المنهجية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 ،ورفض الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين استنادا إلى القرار 194 ،أي باختصار معارضة الحل على اساس مرجعية قرارات الامم المتحدة .
وفي معرض تأكيد هذه المعارضة فقد طورت اسرائيل استراتيجيتها للحل البديل عن ذلك ،منذ كان قائما على مفهوم الحكم الذاتي ابان مفاوضات كامب ديفيد الاولى بين اسرائيل ومصر ،والذي اعيد انتاجه بصورة اخرى مفتوحة على عدة احتمالات في اعلان المباديء في اوسلو ، او بعد ذلك في سعي اسرائيل إلى حلول انتقالية او مؤقتة بديلا عن الحل النهائي بما يعني ادامة امد الاحتلال ،خاصة في ظل استمرار احداث التغييرات الجوهرية على الارض من خلال التوسع والاستيطان وبناء جدار الفصل وتهويد القدس .
غير ان خطة شارون للانسحاب الاحادي من غزة تمهيدا لخطوة لاحقة في الضفة الغربية ،شكل الاساس لجوهر المشروع الاسرائيلي البديل القائم على ما يسمى الحل الاقليمي ،والذي يتلخص في فرض اعادة تفكيك الوحدة السياسية للضفة الغربية وقطاع غزة بما يعني نسف الاساس المادي لقيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع واستكمال ذلك بفرض اعادة تركيب علاقة جزئي الدولة الفلسطينية (الضفة بعد ضم اجزاء واسعة منها والقطاع ) بدول الاقليم المجاورة ،مصر والاردن ،في اطار حل اقليمي يمثل البديل الملموس عن الدولة المستقلة ذات السيادة ،ويقضي نهائيا على مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقد مهد شارون للدفع بهذه الاستراتيجية من خلال التنصل ايضا من تنفيذ خارطة الطريق وكسب موافقة الادارة الامريكية على ربط مرجعية قرارات الامم المتحدة بمرجعية الوقائع التي فرضها الاحتلال على الارض من خلال رسالة ضمانات بوش لشارون عام 2004 .
وقد شكل انسحاب اسرائيل الاحادي من قطاع غزة واعتبارها كيانا منفصلا، و مطالبة الامم المتحدة من قبل اسرائيل بالاعتراف بانتهاء الاحتلال عن القطاع ، المحور الاساس لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية ودفعها باتجاه الاعتماد على مصر ،وفك الروابط بينها وبين السلطة في الضفة الغربية من جهة ،وبينها وبين مسؤوليات الاحتلال الاسرائيلي من الجهة الاخرى ،وبالتالي تكريس صورة مستقبل منفصل لقطاع غزة عن الضفة الغربية ،وقد عرضت ونشرت في اطار هذه الرؤية اقتراحات اسرائيلية متنوعة تقوم على توسيع قطاع غزة باتجاه سيناء من خلال السعي للاتفاق مع الدولة المصرية على ذلك .
اما الشق الثاني من خطة شارون المتعلق بالضفة الغربية فيما سمي بخطة الانطواء ، فانه يقوم على استكمال بناء الجدار وتوسيع الاستيطان وربط الكتل الاستيطانية ببعضها وباسرائيل ،وفرض الحدود من طرف واحد ،إلى جانب السعي لزيادة مسؤوليات الأردن في الشان الفلسطيني.
ويعتمد مشروع اسرائيل للحل الاقليمي(بغض النظر عن التسمية المباشرة التي يأخذها ) في الفكر السياسي الاسرائيلي على المزج بين نظرية (القوة )،والنظرية اللبرالية (المصالح )،ولذلك فقد طورت اسرائيل الياته من خلال استخدام القوة في خلق وتنمية وقائع تعزز المصالح المحلية في الضفة والقطاع وعلى مستويات اضيق ايضا ،كما تستفيد من واقع التناقضات القائمة في الساحة الفلسطينية بين القوى السياسية وتحديدا حماس ومنظمة التحرير وخاصة فتح ،وبين مراكز قوى ومجموعات مصالح نمت وتطورت من خلال السلطة قبل الانقسام وبعده ،هذا على الصعيد الفلسطيني ،وعلى الصعيد الاقليمي باستغلال الواقع الراهن الذي تواجهه للدولة المصرية في سيناء بفعل القيود التي فرضتها اتفاقات كمب ديفيد ،وواقع المسؤولية لتي القيت على كاهل مصر بسبب الحصار والعدوان الاسرائيلي على غزة من جهة وبين الرفض المصري للتسليم بتنصل اسرئيل المنهجي عن التزامات قوة الاحتلال تجاه قطاع غزة من الجهة الاخرى ،اما فيما يتعلق بالاردن فقد تمثل ذلك في محاولة استدراج الأردن ، رغم رفضه ، للعب دور اكبر في الضفة الغربية والذي تكثف بمساندة الولايات المتحدة ،بعد التهديدات التي اطلقها في حينه الرئيس ابو مازن بالاستقالة او باعادة النظر في وضع السلطة والتزاماتها وما اسماه "تسليم مفاتيح السلطة ".
الانقسام يخدم الحل الاقليمي :
ولا شك ان المراهنة على انقسام السلطة الفلسطينية بما يعزز مشروع الحل الاقليمي كانت حاضرة دائما في الفكر السياسي الاسرائيلي ، ،فلطالما كرر المرحوم عمر سليمان وزير المخابرات المصرية الاسبق ،في جلسات الحوار العديدة في القاهرة قبل 2005 ،ما كان يقوله له شارون دائما بالا يتعب نفسه بالحوار الفلسطيني لان الفلسطينيين حسب شارون (لم يتفقوا ولن يتفقوا) ...
وقد تاكدت هذه المراهنة الاسرائيلية بالانقسام الذي ترسخ في السلطة الفلسطينية بعد 2007 ،وبشكل خاص في كون حركة حماس قد شكلت بقصد او بدون قصد القاعدة السياسية والجهوية للتعاطي مع المشروع الاقليمي من خلال تكريس (كيان ) غزة ،بل وعمقت التوجه نحو ذلك من خلال تحويل استيلائها على السلطة في غزة ، من قضية (اضطرارية )كما ادعت في حينه ،إلى قضية مركزية للتمسك بالسلطة وتكريسها والى محاولة ترسيخ كيانية مستقلة تديرها حماس وتسعى لترسيخ ادارتها واستقرارها من خلال ترسيخ الروابط الادارية والتجارية والاقتصادية مع الدولة المصرية ،سواء بصورة رسمية في اطار ما كان يطرح من افكار و مقترحات من مثال اقامة منطقة تجارة حرة او ما شابه ،او من خلال اضفاء الشرعية على حركة الانفاق وتجارتها،والتي تحولت من قضية حاجة إلى فك الحصار إلى (بزنس )يعبر عن شبكة مصالح تجارية واقتصادية جديدة نشأت في ظل هذه الحالة على حساب طبقة التجار والاعمال التقليدية في القطاع ،وقد امتد هذا الامر ايضا إلى استخدام الاراضي الحكومية والى محاولة الهيمنة التجارية والاقتصادية على كافة المرافق الحيوية في قطاع غزة .
وقد ساعدت تجارة الانفاق على استقرار نسبي في قطاع غزة حيث شكلت من ناحية اخرى مصدرا للبضائع الرخيصة لابناء القطاع مما كان يخفف من حدة الحصار الاقتصادي والمعيشي لغالبية ابناء قطاع غزة ،فضلا طبعا عن كونها شكلت احد مصادر ايرادات سلطة حماس .
*الاخوان
وبدون شك فان وصول الاخوان المسلمين إلى الحكم في مصر ،ونشوء نمط جديد من التحالفات الاقليمية والدولية التي دعمت مقولة تعزيز سلطة الاخوان المسلمين في المنطقة العربية باسرها تمهيدا لنشوء شرق اوسط جديد ،يلعب فيه الاسلام المعتدل الدور المركزي على انقاض انظمة الحكم السالفة ،وهي المقولة التي شهدت استقطابا تحالفيا واضحا بين تركيا وقطر وحركة الاخوان المسلمين برعاية الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية ،اعطى دفعا كبيرا لتعزيز انفصال قطاع غزة وزيادة روابطها على اساس هذا الانفصال بالدولة المصرية ،وبالتالي توسيع فرصة نجاح الحل الاقليمي بصورة غير مسبوقة ،خاصة وانه في مقابل ذلك كانت اسرائيل تسعى لابتزاز منظمة التحرير وتهديدها على خلفية تمسكها برفض المفاوضات ورفض الدولة ذات الحدود المؤقتة .
وقد راهنت اسرائيل إلى جانب الواقع الذي نشأ في قطاع غزة على تكون قاعدة سياسية وحتى اجتماعية للحل الاقليمي في الضفة الغربية ،وهي بسبب ذلك كثفت من سعيها لاضعاف السلطة المركزية الفلسطينية باستثناء موضوع الامن ،واستخدمت في وجهها التضييقات المالية والاجرائية في المجالات الواسعة التي تتحكم بها اسرائيل بدءا من رفضها اعادة الاوضاع إلى ما كانت عليه قبل 28 ايلول 2000 ،وانتهاء بزيادة اعتداءاتها في مناطق ج وفي قضايا التجارة والمياه والتوسع الاستيطاني وبناء الجدار وغيرها ،كما واجهت بالتهديد والرفض اية محاولات لاستعادة الوحدة الفلسطينية واعتبرت ذلك خطا احمر لا يمكنها التسليم به .
وقد كان يصب في ذات اتجاه الحل الاقليمي ، الموقف المتكرر للاخوان المسلمين في الأردن ،الرافض لفك الارتباط والاشارات المستمرة إلى خطأ ذلك بما يمثل ايحاء واضحا باتجاه استعادة علاقة الأردن مع الضفة الغربية لى حالتها السابقة وخارج اطار قيام الدولة الفلسطينية المستقلة .
ان واقع منظمة التحرير الفلسطينية ،بما مثلته من تعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية ،ومن برنامج يرتكز إلى اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كما عبر عنها اعلان الاستقلال وبرنامج منظمة التحرير الذي اقر عام 1988 ،مكنها بما فيها حركة فتح من رفض المشروع الاقليمي وحال بينها وبين ان تكون القاعدة السياسية لتحقيقه ،رغم سعي اسرائيل المنهجي والمتواصل لتشكيل قاعدة مصالح لهذا الحل .
لكل ذلك ولكل الاسباب الاخرى ، اكتسبت اهمية كبرى مساعي انهاء الانقسام والتي باتت ضرورة لتعزيز طلب اعتراف الامم المتحدة بدولة فلسطين وانهاء الاحتلال عن اراضيها ،لان الرد المنهجي على مشروع الحل الانتقالي الاسرائيلي كان يعني بوضوح التمسك بالحل الوطني القائم على الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية ،كجزء من الحل النهائي الذي يرتبط بضمان حقوق اللاجئين وفي مقدمتها حق العودة وفقا للقرار 194.
*الاعتراف بدولة فلسطين
ويجب ان يسجل هنا بكل مسؤولية للرئيس ابو مازن ،وبغض النظر عن اية اختلافات جدية تجاه الموقف من المفاوضات واستئنافها ،انه في اصراره على الذهاب بطلب عضوية فلسطين للامم المتحدة وبرفضه للدولة ذات الحدود المؤقتة قد شكل سدا منيعا في وجه الانجراف نحو الحل الاقليمي، في الوقت الذي كانت كل العوامل المحيطة تساعد عليه وخاصة وصول الاخوان إلى الحكم في مصر و في ظل مشهد عربي يتصدره الاخوان المسلمون تحت رعاية قطر وتركيا ،ودور الاخوان في المعارضة السورية المدعومة من الولايات المتحدة ،وفي ظل تكريس الانقسام الفلسطيني ،واستغلال اسرائيل الجشع لكل ذلك عبر توسيع الاستيطان والضم وتجاهل المجتمع الدولي ،وعبر سلوكها المنهجي لتحويل السلطة الفلسطينية إلى سلطة منفصلة عن أي ارتباط بهدف الدولة الفلسطينية المستقلة ..
* ضربة للحل الاقليمي
غير ان التغيرات السريعة والعاصفة التي شهدتها مصر بعد 30 حزيران ، ضربت القاعدة السياسية للحل الاقليمي المرتكز على انفصال غزة وتمددها او انفتاحها جنوبا باتجاه مصركجزء منفصل عن الضفة الغربية ،وقد ترافق هذا الوضع الجديد مع اخفاق المشروع الامريكي في سوريا واثره المباشر على لبنان وايران ،فضلا عن سلسلة الارتباكات الاخرى لهذا المشروع في تونس وليبيا وغيرها،وكذلك تراجع وضع الاخوان في الأردن ،وحيث باتت تتعزز خارطة جديدة للتوازنات الاقليمية والدولية تلعب روسيا والصين ودول البريكس دورا اكبر فيها .
ان كل ذلك يفسح المجال ليس فقط للاجهاز النهائي على المشروع الاسرائيلي للحل الاقليمي(الذي ترفضه مصر والاردن ) ولكن ايضا يمهد الطريق لهجوم سياسي فلسطيني معاكس من اجل تحقيق استقلال دولة فلسطين وانهاء الاحتلال عن اراضيها ،والى الاستفادة القصوى في ذلك اولا من مصر والاردن التي كانت هدفا للمشروع الاقليمي الاسرائيلي ،وثانيا من مجموع الدول العربية التي يجب ضمان مساندتها ،بالاضافة إلى الاطراف الدولية وخاصة الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين ،من اجل الضغط على اسرائيل والولايات المتحدة لانهاء الاحتلال عن اراضي دولة فلسطين ومن اجل بدء عملية سياسية جدية ومختلفة عن العملية التفاوضية العقيمة الجارية الان ،وذلك تحت رعاية الامم المتحدة ولتنفيذ قراراتها.
* مبادرة
ان المبادرة في خلق مقدمات هذه العملية ،تتوفر بصورة جدية امام الاطراف التي كانت هدفا للمشروع الاسرائيلي الاقليمي وهي فلسطين ومصر والاردن كي توحد جهودها بصورة اكبر واكثر فاعلية بهدف تحفيز التحرك السياسي العربي والدولي وحثه على انجاز استقلال دولة فلسطين ،وفي الاستفادة من مجمل التحولات الاقليمية والدولية في سبيل هذا الهدف ،خاصة وان مواصلة مساعي اسرائيل لفرض الحل الاقليمي تعني تهديدا مباشرا لهذه الاطراف فالاردن في الاستراتيجية الاسرائيلية هو الدولة الفلسطينية ،واستمرار الازمة في العلاقة المصرية مع حماس يحول غزة إلى عبء والى انحراف في اولويات العلاقة ومستقبلها واما بالنسبة لفلسطين فانه يشكل ضربة مميتة لهدف الدولة الفلسطينية الذي يمثل الهدف المركزي لحركة التحرر الفلسطينية .
* ترسيم الحدود
ان المبادرة من اجل ذلك يتخطى نطاق التنسيق التقليدي بين الدول العربية إلى مستوى بناء توجه استراتيجي فلسطيني مصري ،اردني مشترك لادارة وقيادة هذه العملية والتحرك لتحقيقها في الساحة الدولية ،وحتى بغض النظر عن الالتزام الفلسطيني باستمرار المفاوضات لتسعة اشهر ،فان بالامكان اتخاذ خطوات تمهيدية ضرورية لصياغة استراتيجية التحرك هذه على الساحة الاقليمية والدولية ،ويمكن في سياق ذلك المبادرة للاعلان المشترك عن ترسيم حدود الدولة الفلسطينية مع جارتيها المصرية والاردنية ،دون انتظار لنتائج المفاوضات ،وهو ما ينسجم مع اعتراف الامم المتحدة بدولة فلسطين ،وهو ما يمهد للتوجه إلى الامم المتحدة من اجل ترسيم الحدود النهائي بين دولة فلسطين واسرائيل ،استنادا إلى اعتراف الامم المتحدة بدولة فلسطين ،والى قرارات الامم المتحدة الاخرى بهذا الخصوص ،وكذلك استنادا إلى اتفاق دولة فلسطين مع جارتيها فيما يخص حدودها المشتركة مع الأردن ومصر،والى مطالبة الامم المتحدة بانهاء الاحتلال عن اراضيها .
ان خطوة من هذا القبيل اضافة إلى فائدتها المعنوية والسياسية خاصة انه لا يوجد خلاف اصلا بين الدول الثلاث على حدودها فان لها اهمية عملية باتجاه اعادة ارساء علاقات غزة مع مصر على اسس تحول دون أي استخدام خاطيء لها ،ووفقا للطبيعة الخاصة للعلاقات المتعارف عليها بين الدول ،وهو ما يجعل اية معالجة لنمط هذه العلاقة تبنى على الافق السياسي من جهة وعلى الاستفادة من التجارب السابقة من جهة اخرى ،وبعيدا عن الاعتبارات الادارية والامنية المجردة ،وبما يحول دون أي استغلال لهذه العلاقة خارج اطار المصالح المشتركة لدولة فلسطين ودولة مصر الشقيقة ،كما ان ذلك بالنسبة للاردن وفلسطين يعني قطع الطريق على مساعي اسرائيل المستمرة للسبطرة على الاغوار ،وكل ذلك ياتي عمليا في اطار استكمال الخطوة الفلسطينية بالتوجه إلى الامم المتحدة بما في ذلك تكريس حسم قضية الحدود التي تتهرب منها اسرائيل في كل مفاوضات ،من خلال الارادة الدولية ومن خلال تحميل الامم المتحدة لمسؤولياتها في حل هذا الصراع بعد ان زاد دورها في التدخل لحل الصراعات الاخرى في المنطقة .
انهاء الانقسام
وفي هذا السياق فان ضرورة انهاء الانقسام باتت لا تحتمل التاجيل ،فالى جانب كل الاثار الخطيرة للانقسام فان هناك خطرين جديدين يجب الالتفات اليهما بسرعة ،الاول ان انعكاس الانقسام واثره النوعي المباشر على الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة زاد بما لايقاس بعد اغلاق الانفاق والارتفاع الفاحش في الاسعار ،وشح الموارد التي كانت تجبى او تحصل بطرق غير صحيحة بما فيها كما اسلفنا من خلال الانفاق بالاضافة إلى كل التعقيدات السابقة من ظواهر الفقر والبطالة وسوء الخدمات والاغلاق المتكرر لمعبر رفح ،مما ينذر بكارثة شاملة في قطاع غزة ،وهو إلى ما يمكن ان يحمله من انفجار فانه يترافق مع استعداد غير مسبوق للمعالجة الامنية الذي تلوح به حركة حماس خاصة بعد انهيار حكم الاخوان في مصر وتراجع هذه الحركة وازدياد ازماتها في المنطقة .
ان الافتراض المشروع بامتداد هذه الحالة إلى قطاع غزة يولد ميلا مقابلا لدى حماس واقسام مختلفة منها من اجل الدفاع عن حكمها باي ثمن وللتطرف في محاولة تعويض خسائر حركة الاخوان في المنطقة باستمرار هذا الحكم في غزة ،خاصة وان تجربة حماس بالنسبة للاخوان المسلمين شكلت رصيدا ايجابيا للحركة الام التي استثمرت وضع حماس والقضية الفلسطينية لصالح تعزيز مكانتها ودورها ،وفي ظل هذا النوع من التفكير وما يمكن ان يقابله من عناصر انفجار موضوعية اقتصادية واجتماعية وسياسية تتشكل في قطاع غزة فان الخطر اما من مغامرات يائسة او من تصادم مدمر يبقى خطرا جديا لابد من تفاديه .
واما الخطر الثاني فهو في تداعيات العلاقة مع الدولة المصرية ،ان استمرار الانقسام ينذر بانعكاسات غير مسبوقة على علاقات قطاع غزة بمصر ،وبالشعب الفلسطيني عموما ،ورغم انه من الصحيح تماما ان هناك فرق صريح ولا بد من ابرازه بين اهالي قطاع غزة والشعب الفلسطيني عموما وبين سلوك حركة حماس او أي من التنظيمات الفلسطينية ،الا انه من السذاجة بمكان الارتياح إلى هذا الامر .
فقد تراجعت النظرة نحو الفلسطينيين بشكل عام لدى الراي العام المصري ،وقد لعبت بعض وسائل الاعلام دورا سلبيا بهذا الشأن قبل ان تجري محاولة تدارك ذلك ،وهناك فرق كبير طبعا بين مؤسسات الدولة المصرية وقادة الرأي فيها والذين يعرفون ويتصرفون بمسؤولية عالية تجاه هذه القضية دون التباس او خلط او تردد وبين تبعات هذه الحالة غير الصحية التي نشأت بما في ذلك ان اية اجراءات مشروعة للدولة المصرية دفاعا عن مصالحها وامنها تتسبب دون قصد بمعاناة كبيرة لابناء شعبنا في قطاع غزة .
هذه المخاطر الماثلة يجب احتواؤها باقصى سرعة ،ولكن الاساس في ذلك يعتمد على حركة حماس التي يتوقف عليها الكثير اولا في الكف عن اية سلوكيات تستفز او تتدخل في الشأن المصري ،وثانيا في بناء مقاربة حقيقية لا تحتمل التاجيل ، لانهاء الانقسام وفقا لما تم الاتفاق عليه وبما يضمن الشراكة والتعددية و تعزيز الديموقراطية في النظام السياسي ،وهو ما يعني تشكيل حكومة توافق وطني واحدة من جهة وتحديد تاريخ للانتخابات العامة من جهة اخرى .
ولا شك ان الحاجة لترسيخ وحدة المفاهيم والاليات لمرتكزات النظام السياسي الفلسطيني بالاضافة إلى مرتكزات نضاله الوطني تصبح ذات اهمية اكبر ،ولهذا فان اعادة تاكيد الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني ضرورة لا بد منها في الجانب الوطني السياسي ،كما ان الالتزام بالقانون الاساسي او بدستور مؤقت لدولة فلسطين يحدد طابع النظام السياسي والدولة المدنية المنشودة ، ومرتكزاتها الديموقراطية يمثل ضرورة ايضا ،ولهذا تصبح الحاجة إلى تشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين من اعضاء المجلسين المركزي لمنظمة التحرير والتشريعي في الفترة الانتقالية إلى حين اجراء الانتخابات ضرورة سياسية وعملية وقانونية ايضا لمستقبل وحدة النظام السياسي ولاستعادة روحية العمل الوطني المشترك على أسس صحيحة من الشراكة ومن الديموقراطية .
ان استمرار الانقسام بات يهدد بشكل غير مسبوق بأضرار سياسية ومجتمعية واقتصادية لا قبل للشعب الفلسطيني بها ،وفي حال الابتعاد عن معالجتها عبر الوحدة وانهاء الانقسام فانها ستقود إلى عنف دموي والى احتمالية التصعيد سلبا في العلاقة مع الدولة المصرية ،وفي كل الاحوال إلى رهن غزة بيد اسرائيل ،وتوسيع هامش الابتزاز الاسرائيلي لكل من الرئيس ابو مازن ولحركة حماس ذاتها التي لم يعد بمقدورها منفردة ان تعيد تنظيم علاقاتها مع الدولة المصرية حتى بالاشكال السابقة على حكم الاخوان المسلمين .
ان تجاهل حماس لهذا الوضع الجديد يجعل من المغامرة والتضحية بمصالح الجماهير وبالقضية الوطنية خطرا وانحرافا جسيما لا بد من تجنبه ،كما انه في ذات الوقت يجعل من تدخل الرئيس ابو مازن وبقية القوى الوطنية ضرورة اكثر من أي وقت مضى لتجنيب شعبنا ما هو اسوأ واخطر من كل ما سبق.
كفاية!
المحامي جواد بولس
واثقًا كصباح أنيق، أجمل مديرُ عام "مركز القدس للدراسات السياسية"، عريب الرنتاوي، أعمال الورشة التي عقدها المركز في عمّان بعنوان: "المسيحيون وربيع العرب"، وحضرها نحو خمسين شخصيّة عربية وفدت من ثنايا الجروح التي تثخن أجساد أوطانهم.
بعد يومين حافلين بأوراق قدّمها المنتدون، ونقاشات لم تفتقد إلى سخونة المشهد، كان واضحًا أن الوصول إلى خلاصات يجمع عليها جميع من حضر هي أمنية "أعزُّ من بيضِ الأَنُوق"، بيد أن ذلك لن يحول، كما أعلن ووعد عريب الرنتاوي، دون إصدار جميع مواد الورشة في كتاب سيشمل أيضًا بعضًا من التوصيات التي على روحها تحصّل إجماع أو اتفاق واسع.
عدد المشاركين وتنوّع أصولهم وأطرهم السياسية والأهلية يعكس أهمية ما اختاره المركز عنوانًا للورشة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبرهن على إقرار بتفاقم قضية المسيحيين العرب في زمن ربيع العرب. أمّا الأهم فيبقى في تلك المحاولات الدؤوبة عند كثيرين يعيشون همّ الواقع الدامي، ساعين بدايةً لتشخيص بواطن الأزمة ومحاولين، من ثمّ، وضع تصوّرات وتوصيّات من شأنها أن تنقذ مجتمعاتنا مما يعتريها من عطب أو أن تحدّ من فداحة النزف.
بعد أن استمع الحضور عن الدور النهضوي للمسيحيين العرب بجلسة رأسها النائب اللبناني فادي كرم، رأس الجلسة الثانية رئيس اللجنة القانونية في مجلس النوّاب الأردني، النائب مصطفى ياغي، ليفتتح جولة من جلستين (الثانية أدارها النائب جميل النمري من الأردن) وناقش فيها مجموعة من المجتمعين قضية المسيحيين في الدساتير والتشريعات العربية.
لقد اتّسمت نقاشات اليوم الثاني بصراحة وموضوعية عكست روح المسؤولية عند معظم المشاركين، لكنّها كشفت بذات الوقت عن عمق الأزمة وقتامة الواقع، فقضية المسيحيين في خطاب الحركات الإسلامية كانت موضوع النقاش الذي استجلب وتائر حادةً في بعض من تفاصيله ومحطّاته.
أدار الجلسة الأولى النائب محمد الحاج قيادي في حزب الوسط الأردني وطلب من الدكتور يحيى الكبيسي وهو باحث ومستشار في "المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية" أن يطلعنا عن وضع المسيحيين في خطاب جماعة الإخوان المسلمين وتفريعاتها، تلاه الأستاذ مراد الشيشاني ليطلعنا عن المسيحيين في خطاب الحركات السلفية. ثالث المتحدّثين كان الدكتور وجيه قانصو أستاذ في الجامعة اللبنانية الذي أفادنا عن المسيحيين في خطاب الحركات السياسية الشيعية.
خاتمة الجلسات كانت بعنوان: "المسيحيون والربيع العربي شركاء في التغيير أم حلفاء للأنظمة القائمة"، أدارتها النائبة باسمة بطرس عضو مجلس النواب العراقي وشارك فيها جورج إسحق المنسق العام لحركة كفاية المصرية، والأب رفعت بدر مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، والأستاذ آشور كيواركيس رئيس حركة آشور الوطنية.
لن يتّسع صدر مقال أسبوعي لنقل حيثيات يومي نقاش مستفيض، شارك فيه نوّاب وناشطون وأكاديميون يمثل بعضهم، علاوة عن نفسه، حزبًا أو حركة أو مؤسسة، ولكن يبقى لافتًا أن المبادرين- مركز القدس، انتقوا واحدة من الأزمات المتداعية في الوطن العربي وبمسؤولية وطنية وإنسانية عليا اختاروا أن يضعوها، وبمنتهى الشفافية والمباشرة والصراحة، في الصدارة وتحت مجهر المصلحة العليا الجامعة. فالعبرة بكشف العلّة ومجابهتها لا بالتنكر الخبيث والطبطبة التي تفاقم الأزمة وتنهك الجسد العليل.
جمع المركز أطيافًا غطّت، تقريبًا، كل الجهات (مسيحية، إسلامية علمانية سياسية وأكاديمية) ذات الوجود في ساحات الوطن العربي، لا سيّما في الدول التي تنبض فيها قضية الوجود المسيحي العربي (مصر، العراق، لبنان، سوريا،السودان وفلسطين).
على الرغم من ارتفاع وتائر النقاش في بعض المسائل، فلقد سادت بالمجمل أجواء إيجابية بين المجتمعين، فإصرار الداعين على تثبيت قاعدة الإدلاء بالرأي الصريح كحقٍّ لا يشوبه عائق، والسماح لصاحب الرأي النقيض المغاير أن يسمع صوته كحق كامل، أكد للحاضرين كيف تكون بدايات مسيرات أمة تسعى للانعتاق من نير أنظمة طاغية نحو حرّياتها؛ فالحوار البنّاء وسيلة واحترام الآخر ضرورة.
قبل الوداع، مع بعض من الأصدقاء توجهنا الى النادي الأرثوذكسي في عمّان. جورج إسحق، تلك الشخصية الفذة التي بدأ العالم يسمع بها قبل عشرة أعوام، يتقدّمنا بهمّة شاب لا يشيخ. حدّثنا عن حركة "كفاية"،عن بداياتها وعن أحداث سمعنا عنها، وأخرى كانت بتفاصيلها جديدة ومثيرة. ساعتان في حضن تاريخ دافئ قضيناها وزملاء عطاشًا للحقيقة وللحرية. "أعظم ما حققته "كفاية" يا أحبتي أنّها تحدت كرباج النظام، وأنها كسرت حاجز الصمت وحطّمت أصفاد الخوف"، هكذا أجمل منسّق الحركة المصرية للتغيير الذي تحدث بإيمان لا يشوبه خدش عن مصير مصر الوردي المؤكد. وعندما سألناه أين "كفاية" اليوم؟ أجابنا "كفاية" هي فكرة والفكرة لا تموت. رسالتي ستبقى: "اكسروا حواجز الصمت، حطموا قيود الخوف واصرخوا "كفاية كفاية".
بدأت لحظات الوداع، كلّنا يحتضن كلّنا، كتف على كتف، ودعاء للقاءات قريبة، "عَلْعايش" أكَّد البعض، "إن شاء الله" طمأننا آخر، "إن بقي وطن" تأسّى آخرون.
عدت في صبيحة الإثنين، بخلاف كل أولئك العرب وجدّت فلسطين، وطني، سالمًا معافىً، فهنا في وطني نعيش كالحمام، تمامًا كالحمام. أقسمت أن أرجع لأصرخ في وجوههم "كفاية".
إتفاق "القلقين"!
راسم عبيدات
هناك العديد من المعلومات ومنها حديث لمراسل القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي الذي رافق نتنياهو الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والستين قال بأن نتنياهو التقى قيادات خليجية بارزة،وان هناك شخصية خليجية رفيعة المستوى قد زارت اسرائيل وأجرت مباحثات مع قادتها،وقد تمحورت تلك اللقاءات والمحادثات حول المعادلات الجديدة التي سيفرضها التقارب الأمريكي- الإيراني الجديد،بعد المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الأمريكي اوباما والإيراني روحاني،وكذلك لقاء وزيري الخارجية للبلدين، فنتنياهو ومشيخات النفط يدركون بانهم خاسرون من عملية التقارب هذه فهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة،تحدث بشكل مطول عن الخطر النووي الايراني على المنطقة وعلى امن ووجود اسرائيل.
اما الدول الخليجية التي وضعت كل بيضها في السلة الأمريكية،وكان لديها رهان عالي بأن حليفتها الإستراتيجية وحامية عروشها،لن تخذلها او تضحي بها وتطعنها في الظهر،فهذه المشيخات يبدو انها لا تتعلم من التاريخ، فقادة اميركا قالوا بالفم المليان امريكا ليس لها صداقات دائمة،بل مصالح دائمة،وهذه المشيخات التي ناصبت ايران العداء وقطعت علاقاتها الدبلوماسية معها،وصورتها على انها الشيطان والغول الذي سيلتهم البلدان العربية ،لم تتخيل ان لا تقدم واشنطن على توجيه ضربه عسكرية لها من اجل تدمير قدراتها النووية،وكذلك فان تلك المشيخات التي قدمت كل اشكال وانواع الدعم للمعارضة السورية عسكرية ومالية وسياسية وامنية ولوجستيه من اجل إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد،وكذلك هي أيضاً من ساهمت في كذبة استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي من اجل التعجيل بتوجيه ضربة امريكية له،ووضعت كل إمكانياتها تحت تصرف امريكا من اجل إنجاز هذه المهمة من تسديدها كاملاً لكل فاتورة الحرب على سوريا،الى وضع مطاراتها واجوائها وموانئها تحت تصرف امريكا لهذه الغاية،ولتكتشف بان امريكا بدلاً من ذلك اتجهت،ومن وراء ظهرها وبدون علمها الى عقد صفقة مع روسيا وايران،تلك الصفقة التي يبدو انها تطال الكثير من الملفات في المنطقة عالمياً وإقليمياً وعربيا.
فامريكا على ضوء ازمتها الاقتصادية وتورطها في أفغانستان والعراق،وقرب انسحاب قواتها من افغانستان،باتت تدرك جيداً،بأن الزمن الذي شنت فيه حربها على العراق،بإجماع دولي وعربي،والذي نصبها زعامة العالم الاحادية بلا منازع،لم يعد ذلك الزمن،فهناك أقطاب جديدة نشأت وتبلورت،وهناك من عاد لينافسها الزعامة على قيادة العالم ،وبالتالي هي اضطرت صاغرة الى قبول التسوية مع روسيا وايران، قبلت بمعادلة قوننة سلاح سوريا الكيماوي مقابل التخلي عن الضربة العسكرية لها وعدم التلويح باستخدام القوة العسكرية ضدها،وكذلك قبلت بفتح حوار جاد مع ايران حول ملفها النووي ومصالحها ونفوذها في المنطقة،فايران ستصبح لاعباً رئيسياً في الشأنيين الإقليمي والعربي، وهذا واضح من ما حصل في الدورة السادسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة فروحاني كان نجم الدورة بلا منازع،الكل ينتظره ويستمع له ويمني النفس بتسجيل لقاء صحفي معه.
اما العربان العاربة والمستعربة، فقد أصبحت خارج كل المعادلات الدولية،فهي موزعة الولاءات والقرارات،وفاقدة لإرادتها ولقرارها المستقل،وحتى غير قادرة على التقرير بالأمور التي تخص شؤونها واوضاعها،ولذلك فان وجودها وعدمه في الجمعية العامة كان سيان،حتى ان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل،الذي قاد الحرب على النظام السوري،ووضع كل إمكانيات بلاده تحت تصرف امريكا لإسقاط النظام،وقدم دعماً لا محدوداً لكل العصابات والجماعات الإرهابية في سوريا لنفس الغاية والهدف،من شدة خيبته من الموقف الأمريكي لم يلق كلمته في هيئة الأمم المتحدة،وعللت السعودية ذلك بعجز الأمم المتحدة عن فعل اي شيء تجاه حل القضية الفلسطينية منذ ستين عاما وعدم وقف المذابح ضد المسلمين في بورما،وكذلك عدم القدرة على منع النظام السوري عن ذبح الشعب هناك،ولكن العالمين بخفايا بالأمور يدركون جيداً بان تلك الحجج والذرائع ليست حقيقية،فالسعودية تريد ان توصل رسالة للإدارة الامريكية بأنها قلقة جداً من قامت به امريكا من عقد صفقة مع سوريا وايران،حتى دون ابلاغ عربان مشيخات النفط والكاز.
هذه المشيخات المرتعدة الفرائص من الاتفاق الأمريكي- الروسي- الإيراني،تدرك جيداً بأن هذا الاتفاق سيكون على حساب مصالحها وسيفرض عليها شروطاً ومعادلات جديدة،وهي كما يقول المأثور الشعبي"مثل مصيفة اريحا لا بلح الشام نالت ولا عنب اليمن" فالنظام السوري لم يسقط،وقوى ما يسمى بالمعارضة التي رعتها تتفكك،وايران لم يدمر مشروعها النووي،بل تفرض شروطاً ومعادلات جديدة في المنطقة وهذه المشيخات ما كان محرماً او غير مسموحا لها القيام به،ستجبر على فعله والقبول به،وكذلك اسرائيل التي تهدد بإستخدام القوة والحسم العسكري،اذا لم يجري حل قضية الملف النووي الايراني،تدرك بأن الاتفاق حول الملفين الكيماوي السوري والنووي الايراني، سيقود الى وضعها تحت طائلة القانون الدولي،وبالتالي ملفيها الكيماوي والنووي،سيكونان جزء من رزمة الاتفاق الشامل، شرق اوسط خالي من اسلحة الدمار الشامل،يعني اسرائيل ستكون جزء منه.وكذلك هي تدرك جيداً بأن هذا الاتفاق وبقاء النظام السوري ايضاً يعني بان دورها الإقليمي سيتقلص،وسيفرض عليها ايجاد حل للقضية الفلسطينية،في وقت كانت تراهن فيه على ان اسقاط النظام السوري وتدمير سوريا والقضاء على قدرات ايران النووية من شانه ان يعطيها فرصة تاريخية لتصفية القضية الفلسطينية ووفق شروطها وإملاءاتها.
الخوف والرعب الخليجي من الاتفاق الايراني- الروسي- الأمريكي،دفعها الى تعزيز علاقاتها مع اسرائيل،وهي كمن "يستجير من النار بالرمضاء"،فاسرائيل،لن تكون قادرة على توفير مظلة حماية امنية لها، فهمها بالأساس الحفاظ على مصالحها ووجودها وعدم إدارة العالم الظهر لها،أو فرض القانون الدولي عليها،ويبدو ان المعادلات والمواقف الجديدة الناجمة عن هذا الاتفاق بدأت بالظهور،فالملك السعودي دعا الرئيس روحاني للحج،وهذه الدعوة ليست دعوة روتينه او دينية،بل لها طابع سياسي بامتياز،فالسعودية تدرك جيداً بان عليها الان كسر المحرمات والتعامل مع القيادة الايرانية،وهي لم تكتفي فقط بدعوة الرئيس الايراني الجديد للحج،بل واعادت فتح سفارتها المغلقة هناك منذ ثلاثين عاماً.
ان ما اقدمت عليه دول ومشيخات الخليج من توثيق لعلاقاتها مع اسرائيل املاً في ان يكون هذا التحالف عامل صد امام ما قد تتعرض له من اهتزازات وتغيرات تطال انظمة حكمها،هو قرار بالاتجاه الخاطىء،فعليها ان تعيد حساباتها،وان تتجه نحو العمل على دراسة ومراجعة معمقة لكل سياساتها السابقة الخاطئة،والتي رهنت مصير بلدانها وثرواتها واموالها لصالح مشاريع استعمارية هدفها تدمير المشروع القومي العربي،وتفتيت وتذرير جغرافيتها وإعادة تركيبها مرة ثانية وفق أسس مذهبية وطائفية خدمة لتلك المشاريع،عليها ان تتجه الى تحقيق مصالحة عربية شاملة،تقود الى تحقيق الأمن العربي ومصالح الأمة كمجموع،وبما يجعل لهذه لأمة وزناً وقيمة وكرامة بين الأمم،وان يأخذ رأيها وقرارها في كل الشؤون العربية والإقليمية والدولية.
الشرق الأوسط وإعادة توجيه سياسة أوباما
أمير طاهري
بهدوء ولكن بثقة، بدأ الرئيس باراك أوباما ما يمكن اعتباره عملية إعادة توجيه استراتيجية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. سيكون في صالح الجميع الانتباه لذلك التغيير والتكيف مع مشهد دولي جديد.
تتجلى عملية إعادة التوجيه المعنية بثلاث صور، حيث تعكس حركة معارضة التدخل في الشؤون الخارجية المتنامية في الولايات المتحدة. ويستشعر هذا المزاج العام عبر أطياف الآراء المختلفة في الولايات المتحدة، فيما وراء الانقسام التقليدي بين الديمقراطيين والجمهوريين. يتزعم أوباما تغيرا في اتجاه الرأي عن وعوده الأولية، التي يمكن القول إنها مثالية، بالمشاركة مع الخصوم الفعليين أو المزعومين.
إن رد الفعل غير المعلن تجاه مشكلات الآخرين بسيط، ممثل في عبارة: «دعوهم يتحملوا تبعات أفعالهم»!
لاحقا، صممت عملية إعادة التوجيه من جانب أوباما كخطوة نحو السياسة الواقعية. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، ركز الرئيس على مصالح أميركا الملموسة والمادية بدرجة كبيرة في الساحة الدولية. وفي خطابه الجديد، لم تعد الولايات المتحدة المنارة شبه الأسطورية التي كتب لها التاريخ أن تشع نور الحرية على العالم بأسره.
على مدى القرنين الماضيين، غالبا ما كان يجري التأكيد على الأميركيين بأن أميركا شيء أكبر من مجرد دولة أخرى.. إنها أيضا نموذج تجري مشاركته مع دول أخرى أقل حظا. إن تحديد ما إذا كان أوباما قد أيد تلك الفكرة من قبل أم لا مثار جدل. الأمر المؤكد الآن هو أنه لا يعد مفهوم «الاستثنائية» الأميركية أساسا جادا لوضع سياسة خارجية.
إن توجه أوباما الجديد يرمي لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية كأداة للتعامل مع المشكلات المحددة بوضوح بمساعدة آخرين، بل حتى عندما تكون تكلفة المشاركة بالنسبة للولايات المتحدة تافهة.
في النهاية، تشير التصريحات الأخيرة لأوباما ومساعديه المقربين في شؤون السياسة الخارجية إلى أن التوجه الجديد يهدف إلى تقليص الأهمية الاستراتيجية لمناطق بعينها – على وجه الخصوص أوروبا الغربية والشرق الأوسط، مع رفع قدر مناطق أخرى، مثل المنطقة المطلة على المحيط الهادي وآسيا.
لقد تحققت محاولة إعادة التوجيه هذه من خلال عدة عوامل؛ أولها أن عامة الشعب الأميركي لم يعودوا مقتنعين بأن الولايات المتحدة تواجه خصما استراتيجيا قويا بالقدر الكافي لتحديها، ناهيك عن تهديدها على الصعيد الدولي. ربما يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إحراز بعض النقاط المتدنية القيمة بدعم الديكتاتور السوري بشار الأسد. غير أن روسيا في موقف لا يسمح لها بأن تصبح مجددا بمثابة تهديد لوجود الولايات المتحدة. ربما يستمر القادة الإيرانيون في حماقاتهم لفترة أطول قليلا. لكن نظامهم المحكوم عليه بالفشل ليس في موقف يسمح لهم بارتكاب المزيد من الحماقات عما فعله.
أما العامل الثاني، فيتمثل في اعتماد الولايات المتحدة على واردات النفط، إذ تشهد الواردات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا انخفاضا سريعا. في واقع الأمر، ربما تعود الولايات المتحدة كمصدر صاف للطاقة خلال فترة الأربع إلى الخمس سنوات المقبلة. في الوقت نفسه، تواصل حصة الاتحاد الأوروبي في التجارة الأميركية وفي الاستثمار في الاقتصاد الأميركي انخفاضها النسبي، بينما توطد الاقتصادات الناشئة إضافة إلى أعضاء منطقة التجارة في أميركا الشمالية مواقعها، كشركاء للولايات المتحدة.
أما العامل الثالث، فهو أنه للمرة الأولى منذ أعوام، تصبح الولايات المتحدة في موقف مسيطر بحق داخل إدارتها. لقد تعين على جورج بوش الابن الدخول في سجال مع نائبه القوي ديك تشيني، بينما واصل وزيرا خارجيته برامجهما. ولم يكن من الممكن بالمثل تجاهل وزيري دفاعه، دونالد رامسفيلد وبوب غيتس.
في فترة رئاسته الأولى، اضطر أوباما بالمثل إلى الدخول في سجال مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي ربما يعتقد البعض على نحو صحيح، أنها كانت ملمة بالعالم بصورة أكبر من عضو مجلس الشيوخ الصغير الغامض من إلينوي. ولم يتسن لأوباما أيضا تجاهل تلك الشخصيات القوية أمثال غيتس وليون بانيتا وديفيد بترايوس.
ومع ذلك، فإن أوباما محاط الآن بأعضاء مجلس شيوخ مسنين تعوزهم الأهلية وعلى وعي تام بأنهم في مواقعهم برضا أوباما. ولهذا، ففي المواضع التي كان فيها وزير الخارجية، جون كيري، ونائب الرئيس، جو بايدن، قادرين على نسيان إنجازاتهما الخطابية بشأن سوريا بسرعة، مضوا في إظهار قرار أوباما بإلقاء الشعب السوري بين أنياب الذئاب.
ربما لا تستمر عملية إعادة توجيه أوباما لمسار السياسة الخارجية الأميركية لما بعد مدته الحالية والتي هي الأخيرة له أيضا. وعلى الرغم من ذلك، فإنها تحمل مخاطر عدة للدول التي ركنت إلى القوة الأميركية من أجل مد يد العون لها في فرض القانون الدولي، وعند الضرورة إمالة الميزان لصالح الحلفاء في النزاع مع الخصوم.
ربما تستغل القوى المتنمرة الماضية في سياساتها الوحشية الفرصة التي يمنحها انسحاب الولايات المتحدة في تعزيز صورتها العدوانية. وتتمثل الإشارة الوحيدة على هذا بالفعل في علاقات روسيا بعدد من «دول جوارها القريبة» كما تعرف. إن تهديد الصين بالحرب على خلفية نزاعات على الجزر مع فيتنام والفلبين، بل وحتى اليابان، يعد مثالا آخر. ومن الأمثلة الأخرى أيضا الحراك المكثف للنظام الخميني في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان.
وتتمثل وسيلة التعايش مع الانسحاب الأميركي المخطط له في الإبقاء عليه، على نحو يسمح لإدارة أوباما بأن تسبح نحو نهايتها الحتمية. وتتمثل وسيلة أخرى في استخدام الانسحاب كموضوع حملة أخرى لسحق أوباما. وكلا المسارين مثار جدل.
قد يتمثل أسلوب أكثر نفعا في بدء حملة تعليمية لإقناع العامة الأميركيين بأن سياسة عدم التدخل في الشؤون الخارجية مراهنة خطيرة في نظام عالمي يفتقر لآلية لتحقيق الاستقرار. على سبيل المثال، قد يبدو تجاهل اللاجئين والنازحين السوريين الذين يقدر عددهم بسبعة ملايين أشبه بتطبيق بارع لشعار أوباما: «دعوهم يتحملوا تبعات أفعالهم». لكن ماذا لو أصبحت مخيمات اللاجئين والمناطق التي يحاول فيها النازحون جاهدين البقاء تحت قصف بشار الأسد، مستنقعات يتكاثر فيها البعوض بالآلاف؟
اليوم، ينصح الأميركيون بأنهم يحتمل ألا يكونوا في أمان في أكثر من 40 دولة حول العالم. قد يزيد انسحاب أوباما ذلك العدد بشكل حاد. الولايات المتحدة تحتاج وتستحق شيئا أفضل من استراتيجية أميركية.
من غير المرجح أن يرغب أوباما في تغيير مساره عبر أي نزاع. إنه يعتقد بالأصل أنه أكبر خبير استراتيجي في التاريخ الحديث، إن لم يكن على الإطلاق. ومن ثم، فإن السخرية منه أو الهجوم عليه لن يغير من الأمر شيئا. المطلوب هو صياغة سياسات من شأنها أن تمكن المنطقة من الحفاظ على الاستقرار إلى أن تغلق الدائرة الحالية من الانعزالية الأميركية، كما هو محتوم.
مقالات صحيفة الأيام
فتحاويون غابرون
حـسـن الـبـطــل
١ - عدنان
ما العلاقة بين "سبينوزا" واسم "حركة التحرير الوطني الفلسطيني"؟ غلاف داخلي لكتاب وضعه ذلك الفيلسوف، او وضعه كاتب ما عنه.. لا أذكر!
صاحب الكتاب هو العلاقة، او هي عبارة خطها بقلمه لا علاقة لها بالكاتب والكتاب، عدنان الأسدي كتب على غلاف الكتاب حلمه: "حركة التحرير الوطني الفلسطيني" مؤرخة في يوم.. في شهر ما، من العام ١٩٦٢، العام الجامعي الاول لطالب كلية الفلسفة - جامعة دمشق.
أقام لي عدنان برهانه بأنه اول من "اخترع" الاسم قبل اشهاره. صدقته، لأن زعمه جاء في العام ١٩٧٠، وانا اختبرت صدقه الفاحش في الاعوام ٦٦ - ١٩٧٠.. ولأنه عرفني الى اوائل الفدائيين الفتحاويين في جامعة دمشق .. ولانه روى لي قصة "مماحكة" طريفة دارت بينه وبين ابو عمار في العام ١٩٦٦، في مقر "فتح" السري بدمشق. قال له قائد "العاصفة": "أنت شاب أزعر" فقال للقائد: "وأنت رجل ماكر".
أزعر صادق جداً، بكى بكاء مريراً، بعد حزيران ١٩٦٧، في مطعم "لوازيس" (الواحة) قرب "سينما الاهرام" بدمشق، بعدما انفجر غيظه من تكرار اسطوانة "الصبر جميل" في صندوق الاغاني .. فاخرس الصندوق بعنف، فصاحت به المرأة: "انت وين عايش؟" . فقال: "في الشام .. في الشام".. وبكى!
الناس تزعم ما تشاء، وانا اصدق ما اشاء من مزاعمهم .. وصدقت زعم عدنان الاسدي بانه "ثرثر" باختراعه اسم "حركة التحرير الوطني الفلسطيني" فالتقطته آذان مرهفة!
٢ - "عبد"
ستقولون ان هناك علاقة الفلسفة بين فلاسفة مختلفين فكرياً ومن عصور مختلفة، وان للماركسي المتصوف عدنان ان يكون "وطنياً" فتحاوياً، وان سبينوزا مقرر فلسفي جامعي، وماركس فلسفي نضالي.. عرفني عدنان الى "عبد" طالب السنة الثانية - طب بشري، وسنة رابعة فلسفة. كيف هذا؟ كان "عبد" من اوائل الفتحاويين ومن اوائل المعتقلين الفتحاويين في سجون سورية العام ١٩٦٦ (بعد قضية يوسف عرابي - محمد ابو حشمة - عبد المجيد الزعموط). وفي السجن انتسب، بالمراسلة، الى كلية الفلسفة.. وبعد خروجه انتسب الى كلية الطب البشري.
كان عدنان يداعب "عبد" ويناديه "ابوقراط الصغير" .. والذي كان يضحك .. ويعطينا على عجل البيانات العسكرية لـ "قوات العاصفة" لنوزعها على نطاق اوسع.
٣ - منذر
قبل ايلول عمان ١٩٧٠، عرفني عدنان الى "منذر"، الذي صار، بعد ايلول، يصحب (الشلة) الى منتزهات بردى (الربوة، دمر، الهامة) بسيارته الخنفسة الحمراء .. حيث نقاشات الى آخر الليل: ماذا بعد ايلول؟ نحن "نثرثر"، و"منذر" قليل الكلام.
خرجنا من بيروت الى قبرص، وفي العام ١٩٨٥ كانت الذاكرة قد تشوشت، عندما اغتال الاسرائيليون في اثينا "منذر ابو غزالة" قائد بحرية "فتح". هل هو منذر الميليشيا؟ قيل نعم .. قيل لا اعرف.. قيل لعل؟
كان زمن الشتات البحري صعباً، وكان لا بد من ابقاء الشعار مرفوعاً "العاصفة شعلة الكفاح المسلح، وفتح ديمومة الثورة".. وتم ذلك بجسارة كبيرة، وخسائر كثيرة .. ونجاح قليل.
٤ - منذر
هذا الشاب الطيب كان اول فلاح - طالب من قرية في منطقة نابلس اتعرف اليه في بيروت، محرراً من محرري جريدة "فلسطين الثورة".
على مثل هذا النموذج النقي كان عدنان الاسدي "الازعر" يطلق نعت "فتحاوي بيورتاني" اي "طهراني". كان منير هاوي ملاكمة، وكان هادئاً، دائماً .. وكان يحسدني على عظمة غضروف انفي الملائمة لتلقي "بوكس من قبضة محمد علي كلاي"؟
كان موضوع "منير" الأثير الذهاب الى الفدائيين في جبهة الجنوب لمقابلات صحافية ميدانية. فجأة، خسرته حركة "فتح" والاعلام، لان "احد الاخوة في مقر حركي في مخيم صبرا سطا على نقوده الشحيحة التي تركها في خزانة المكتب الحديدية المفتوحة. قال منير: "هذا لا يجوز في فتح" .. ولانه لا يجوز فقد غادرنا نهائياً .. وانقطعت عني اخباره، سوى انه انقطع لطلب العلم في بلد بعيد.
لمثل هؤلاء الشبان الجياشون منهم والهادئين، الزعران والانقياء، الذين عجنوا سبينوزا بماركس .. بحركة "فتح"، الطب بالفلسفة، النقد بالانتماء، الثورة بالاخلاق، ميليشيا ازقة المخيمات بالعمليات البحرية.
لهؤلاء الذين اعرف كيف عرفتهم .. ولا اعرف كيف عرفوني .. اقدم تحيتي.
لا يقولون في رام الله ما كنا نقوله في بيروت: "فتح ديمومة الثورة، والعاصفة شعلة الكفاح المسلح".
إذاً، لماذا تستمر المفاوضات؟
بقلم: صادق الشافعي
لم أسمع او أقرأ لمسؤول واحد من المشاركين في المفاوضات او الموافقين عليها رأياً او قولاً يعبر فيه عن قناعة او أمل بأن أي شيء جدي يمكن أن يخرج عنها، ناهيك عن تحقيق اي انجاز وطني. حجج الذين يبررون الذهاب الى المفاوضات في المقابلات التلفزيونية والبرامج الحوارية والكتابات، لا تقنع احدا. وكيف يمكن لها ان تقنع وصاحبها يكرر القول بان المفاوضات لن يخرج عنها شيء.
اذن لماذا الذهاب الى المفاوضات؟ ولماذا الاستمرار فيها؟ والاهم، لماذا لا تقول القيادة للناس الاسباب الحقيقية للاستمرار بها؟
قرار القيادة الفلسطينية الموافقة على العودة الى المفاوضات قام على ركيزتين : شروط ومطالب وطنية محددة، وضمانات اميركية اهمها مرجعية حدود 67 مع تغييرات طفيفة في الحدود يتفق عليها، ووقف الاستيطان واطلاق سراح معتقلين. وجاء القرار نتيجة لاجتماعات قيادية جماعية، وتم الاعلان عنه وعن ركيزتيه، وتم توضيحه للناس من اكثر من مسؤول.
بعد سبعة لقاءات تفاوضية منذ انطلاق الحوار المباشر في 29-30 تموز الماضي، حسب تصريح الوزير كيري في 26/9، فان شروطنا ومطالبنا ومعها الضمانات الاميركية يتم الالتفاف حولها ويتم تجاوزها والتملص منها من الاميركان عبر اكثر من تصريح او مقابلة لمسؤولين على مستويات مختلفة. اما اسرائيل فقد تنكرت لشروطنا وللضمانات الاميركية وافرغتهما من كل محتوى بشكل عملي واقعي: بالاستيطان والمضي فيه، وبتصعيد اجراءاتها غير المسبوقة بعدوانيتها وخطورتها ضد القدس، وبتصريحات مسؤوليها الاساسيين والتزاماتهم لجمهورهم بالاصرار على كذا وعدم التنازل عن كذا. حتى تصريح اوباما الاخير، فانه حين اكد على مرجعية حدود 1967، ارفقه بالتأكيد على تبادل بعض الاراضي (لا محدودة ولا طفيفة)، وارفقه ايضا بشرط "توفير ظروف ( تدابير) امنية صلبة كي تتمكن اسرائيل من مواصلة الدفاع عن نفسها ضد التهديدات"، وهو ما يمكن تفسيره بتقبله لطلبات اسرائيل الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية وبمعظم المستوطنات، وباستمرار سيطرتها على منطقة الاغوار وربما المعابر ايضا.
بعد سبعة لقاءات تفاوضية على مدار شهرين، يبدو ان الامور تدفع باتجاه اتفاق مبادئ جديد لا يأتي بتغيير نوعي عما هو قائم في ارض الواقع الآن، بالذات لجهة الدولة وحدودها او حتى السلطة القائمة وحدودها وصلاحيتها. ويتوازى مع هذا الاتجاه ويُسخر لخدمته، مشروع تطوير الوضع الاقتصادي والمعيشي في اراضي السلطة. وهو ما يبشر به "بلير" بحماس بطرحه مشروعا متكاملا ومدروسا تحت اسم "المبادرة الاقتصادية لفلسطين". اسرائيل تعلن تجاوبها مع هذا الاتجاه، وتجاوبها ايضا مع المشروع الاقتصادي وتبدي استعدادها لتخفيف بعض القيود ورفع بعض القوانين المعيقة لانجاحه (زيادة الرخص للعمال الفلسطينيين للعمل في اراضي 1948، السماح ببعض البناء واقامة بعض المشاريع على اراضي المنطقة "ج" وتسهيل حركة مرور الناس والبضائع على المعابر واجراءات اخرى شبيهة). واميركا تعلن استعدادها للدعم السياسي الاقتصادي والمالي السخي.
ان الوصول الى اتفاق مبادئ جديد، او اي اتفاق شبيه له في محتواه مع تطوير الوضع الاقتصادي والمعيشي، يسمح للادارة الاميركية تقديم الامر كانجاز نجحت في تحقيقه، ويسمح لاسرائيل بادعاء تجاوبها مع جهود ومحاولات الحل السلمي واستخدامه لرفع بعض القيود عنها بالذات قرار الاتحاد الاوروبي الاخير الذي يضايقها كثيرا.
وقد يشكل في ظنهم محاولة رشوة، وان كان يصعب تصور قبولها، للجانب الفلسطيني الرسمي المتلهف لانجاز يحققه، والشعب الطامح لتحسين اوضاعه الاقتصادية وظروفه المعيشية المتردية.
لقد دفع الجانب الفلسطيني ثمن بدء المفاوضات سلفا، حين وافق على عدم التقدم لعضوية هيئات ومنظمات الامم المتحدة، والتزم بذلك. بينما لم تقدم اسرائيل سوى الكلام العام غير الملزم والقابل للتملص منه بسهولة. حتى موافقة اسرائيل على اطلاق سراح 104 هم اسرى ما قبل اوسلو، ورغم ما يشكله اطلاق سراحهم من انجاز معنوي كبير وما يشيعه من فرحة وترحيب وامل بين اهاليهم وبين عموم الناس، فانه في الاصل استحقاق واجب تأخرت اسرائيل في تنفيذه ما يقرب من عشرين سنة. اضافة الى انها قبضت ثمنه فورا بموافقة حكومتها على اقامة ما يقرب من مائة وحدة استيطانية جديدة مقابل كل اسير محرر.
بعض التسريبات عن هذا المسؤول الفلسطيني او ذاك، تؤكد تمسك المفاوض الفلسطيني والقيادة الفلسطينية بموقفها ومطالبها وشروطها، وعدم ابتلاعها لطعم الرشوة.
لكن لماذا يبقى الامر في حدود التسريبات ؟ لماذا نقبل بقيد بسرية المفاوضات الذي املته الادارة الاميركية ورحبت به اسرائيل، الذي يمنع الحديث عن حصول اللقاءات ولا اين تمت ولا عما يدور فيها. ان السرية تلائم اميركا واسرائيل، لكنها تلحق الضرر بالطرف الفلسطيني وتفتح الباب للشكوك بتنازلات قد حصلت، والاتهامات المرسلة بنوايا لتنازلات ستحصل. وهو ما يعمق الانقسامات ويزيد الخلافات في صفوف القوى الفلسطينية، ويزيد البلبلة والقلق والمخاوف بين الناس. فالمخبأ والمستور يحمل معه دائما احتمال الغش والخديعة والتحايل.
واذا كانت القيادة الفلسطينية هي من اتخذت قرار الذهاب الى المفاوضات، فلماذا لا تكون هي من يناقش ويقرر التوقف عنها، او الاستمرار فيها على أسس وضوابط مستخلصة من تجربة ما تم من تفاوض، وتقوم باعلان قرارها وتوضيحه للناس؟.
الفوضى تطل من جديد!
عبد الناصر النجار
صور قوات الأمن الوطني خلال دخولها جنين تشعرك بأنك أمام جيش منظمة التحرير الذي نفتخر به، ولكن في الوقت نفسه فإن الهدف المعلن لدخول هذه القوات والمتمثل بالقضاء على مظاهر الفوضى التي تجدّدت في المحافظة خلال الأشهر الماضية، يضع مجموعة من علامات الاستفهام؟! وأهمها لماذا وكيف عادت هذه الفوضى؟ ولماذا سمح لها بالنمو حتى يستدعي الأمر إعادة استئصالها مرة أخرى؟
ولكن هل الفوضى المتجددة تنحصر فقط في محافظة جنين، أم أننا نشاهدها في كثير من المحافظات بطرق وأساليب مختلفة؟ لعل أبرز أشكال هذه الفوضى تلك التي تنتشر في مناطق (ج)، وخاصة حول القدس، حيث تحاول سلطات الاحتلال بكل الإمكانيات إبقاء هذه المناطق في حالة من عدم الاستقرار وتغذيتها بالمشاكل العائلية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها الكثير.
لا أدري إن كان المسؤولون بدرجاتهم المختلفة يمرون مثلاً من أمام "معبر قلنديا" وحتى مشارف رام الله والبيرة، وإذا ما مروا من هذه المحافظة ما هي انطباعتهم؟ وهل تكون ردودهم على الفوضى الشاملة في كل شيء، هي أن الاحتلال يمنع السلطة من القيام بدورها في هذه المناطق؟
لعلّ أبرز مظاهر الفوضى البناء العشوائي ووضع اليد على كثير من العقارات والأراضي التي يوجد مالكوها في الخارج، وإقامة أبراج لا أحد يعرف مدى صلاحيتها للسكن ومطابقتها للمواصفات؟ أم أننا سنشهد ـ لا سمح الله ـ في سنوات قريبة انهيار بعض هذه الأبراج بسبب الغش والرغبة في الثراء السريع؟!
لا نريد أن نتحدث عن فوضى المرور في هذه المناطق حيث تتزاحم السيارات المشطوبة والمسروقة وغير المرخصة وتلك التي يقودها أطفال لا يتجاوزون السادسة عشرة من العمر، ولا عن الفوضى التي تستمر عدة ساعات في صباح كل يوم ومسائه!.
السؤال: هل فوضى السلاح لم يسمع بها المسؤولون؟ وهل الاشتباكات بالأسلحة الرشاشة في عدد من الأحياء المقدسية، والتي لا يحلو لمستخدميها إلاّ أن يظهروا مهاراتهم بعد منتصف الليل؟! من أين يأتي هذا السلاح والفوضى، وما هي نتائج تراكمه؟
إضافة إلى تصاعد الجريمة في كل المحافظات يومياً نسمع عن سرقات واعتداءات و"زعرنة" دون أن تكون لدينا أرقام أو إحصائيات حقيقية عن تصاعد الجريمة.
يقول أحد المواطنين في ضواحي القدس، إنه سجل لدى شرطة الضواحي ثلاث جرائم وقعت له خلال السنوات الماضية، دون أن يتم الكشف عن أي واحدة منها أو حتى يتم الاتصال به لإخباره عما حصل في هذه القضايا.. والأمثلة كثيرة في هذا المجال.
جيد أن تكون هناك محاولات لإعادة الأمن، ولكن هذا الأمن يجب أن يكون في كل المناطق ويشمل كل مناحي الحياة.. وأن تكون سلطة القانون فوق الجميع دون استثناء، وفي كل المناطق (أ. ب. ج).. ولا تجعل الاتفاقات حجة لعدم القيام بهذا الواجب.. من يسكن في منطقة (ج) لا يستغني عن منطقتي (ب) و(أ) والسلطة بأذرعها قادرة على المحاسبة والملاحقة.. وإذا كانت سلطات الاحتلال لا تحترم اتفاقات أوسلو، وتقوم بكل جرائمها في المناطق (أ) دون حسيب أو رقيب، فمن الأولى، أيضاً، إعادة حساباتنا من أجل إعادة ضبط هذه المناطق ومحاسبة المعتدين والفوضويين فيها. أما إعادة الأمن فيجب أن نذهب إلى مفهوم الأمن الشامل للمواطن وهو الوحيد القادر على قطع دابر الفوضى بكافة أشكالها.
الأمن الشامل يعني أمن المواطن نفسه، والأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي.. وهذا يحتاج إلى تنمية حقيقية وتوفير موارد مالية حقيقية من أجل النهوض الحقيقي بالمجتمع، دون ذلك قد تستطيع أن تقضي على مظاهر الفوضى المنتشرة هنا وهناك ولكن دون اقتلاعها من الجذور لتعود وتنمو في ظل ظروف تساعد على ذلك.
أربعون عاماً على حرب تشرين: وقفة الفريق القومي الأخيرة
حسين حجازي
كنت أقرأ رواية "السكرية" الجزء الأخير من ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، حين أذاع الراديو خبر اندلاع الحرب بعيد ظهيرة يوم السادس من تشرين الأول قبل أربعين عاماً، وكمثل جميع الأحداث الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ، جاء الحدث مفاجئاً دون توقع في هذا التوقيت. ولكن شاباً من جيلي كانت هزيمة حزيران 1967 لا تزال تنزف كالجرح كصدمة عميقة في النفس، فقد كان هذا هو الرد الذي ليس دونه اي رد اقل من حجمه ووزنه يمكنه ان يشفي الجرح. ولقد هللنا لعمليات "فتح" والفدائيين عبر الحدود مع الأردن وللبطولة في الكرامة، وعمليات السيدة الصبية في ذلك الوقت ليلى خالد التي الهبت خيال الفلسطينيين في خطف الطائرات. لكن الرد على هزيمة 1967 ظل ينمو ويكبر كصديد في الجسد يعتمل كالدمل، ولم يكن غير رد في المكان ومن لدن الجيشين نفسيهما المصري والسوري، ولم يكن سوى رد الكتل الحديدية الكبيرة على الكتلة الحديدية المقابلة ما يسوي الحساب ويغلق الملف.
وهكذا عصر ذلك اليوم بدا وكان الأمة تقوم من جديد وتنفض عنها غبار عارها القومي. ومع "بسم الله، الله اكبر، بسم الله" تعود للمصالحة مع تاريخها ومع نفسها كأمة مجيدة.
ان خمسة رجال احدهم كان مغيباً بالموت وأربعة باقين على قيد الحياة، هم من قدر لهم ان يصنعوا هذا الحدث الأول من نوعه بمبادرة العرب الى الهجوم في الحرب، اما هؤلاء الرجال فهم أولا جمال عبد الناصر الذي أعاد ترميم بناء الجيش المصري وأعده لهذا اليوم، في غضون السنوات الثلاث التي أعقبت هزيمة حزيران 1967 في وقت قياسي. وأما الرجل الثاني فهو خليفته أنور السادات الذي ادار مناورة مضللة ومخادعة أدت الى تحقيق نجاح مذهل في عنصر المفاجأة الاستراتيجية، حتى عندما تسربت المعلومات عن موعد الضربة لم يقبض المستوى السياسي الإسرائيلي هذه المعلومات بجدية. والرجل الثالث هو الشريك السوري لمصر في الحرب حافظ الأسد وهو رجل سيظل يذكره التاريخ بغض النظر عن اي ملاحظات أخرى، باعتباره باني سورية الحديثة والذي حولها من دولة فاشلة يجري الصراع عليها الى دولة إقليمية يعتد بها ويحسب حسابها في تقرير مصير المنطقة.
ان السادات والأسد هما اللذان بادرا لاتخاذ القرار بالحرب، لكن رجلين آخرين لا يجمع بينهما أي حدود مشتركة هما الملك فيصل بن عبد العزيز والرئيس الجزائري هواري بو مدين رحمه الله هما الحليفان في الخطوط الخلفية ما وراء الجبهة، من سيلعبان الدور الحاسم وربما القومي والعروبي النادر في تدعيم مصر وسورية.
هل لهذا السبب سوف يقتل الرجلان الأخيران بصورة غامضة في غضون سنوات قليلة، الملك فيصل في العام 1975 قتلا بالرصاص، وهواري بو مدين العام 1979 ولم يكمل عمره الخمسين مريضا بظروف مفاجئة ؟ وإذا عرفنا انهما من اتخذا قرار الحرب الاقتصادية بوقف تصدير النفط الى أميركا وأوروبا، بموازاة الحرب في سيناء والجولان، ولم ينس لهما هنري كيسنجر موقفهما وجرأتهما على استخدام سلاح النفط لأول مرة في الصراع العربي الإسرائيلي.
هل عرفنا الآن كيف قدر للأحداث ان تنحو هذا المنحى على عكس ما تشتهي السفن، الصبوات والمشاعر الغائرة في صدر امة بأكملها تعرضت للإهانة في العام1967 وقبل ذلك في العام 1948، وانه ما كاد عقد السبعينيات الذي يستعر بالغضب ان ينطوي، حتى كان المشهد العربي برمته يشهد تغيرا راديكاليا أشبه بالانقلاب، فقد تصدع الفريق القومي الذي خاض الحرب كأول مبادرة حربية تخترق بل وتحطم المربع الأمني، نظرية الأمن الإسرائيلية. وإذ تلقى العالم درسا لا ينسى عن قوة تكاتف العرب واستخدام سلاح النفط في المعركة، وتم وصم الصهيونية في الأمم المتحدة كأيديولوجيا عنصرية، وجرى إلحاق الهزيمة النكراء بأميركا في وقت متقارب في ضربتين متتاليتين : سقوط سايغون 1975 في حرب فيتنام والشرق الأوسط 1973، ثم سقوط شاه إيران العام 1979. إلا ان مسّاً غريبا كما لو انه سحر اسود من عمل الشيطان كان قد أطاح عند نهاية العقد بكل هذه السلسلة من الإنجازات، التي ظهرت في المجمل العام وكأنها علامة على انتصار الجنوب على الشمال، الشرق على الغرب الاستعماري القديم والجديد، الاتحاد السوفياتي والاشتراكية على الإمبريالية الرأسمالية والليبرالية، دول الهامش على دول المركز، وفي القلب من هذا الخفقان العظيم انتصار فلسطين على اسرائيل.
لكن واأسفاه لقد عرفوا كيف يبدؤون الحرب لكنهم لم يعرفوا كيف ينظمون انتصارهم، وإذ أوقف السادات فجأة تقدم الجيش المصري في سيناء، استدارت إسرائيل للانفراد بالجيش السوري في الجولان، واحتاج الأمر مساندة الجيش العراقي للدفاع عن دمشق ضد السقوط، وكان هذا الموقف يحسب لصدام حسين.
وبينما اختلف العرب والفلسطينيون على الموقف من مؤتمر جنيف للسلام، تفجرت الحرب الأهلية في لبنان العام 1975، لدفع السوريين والفلسطينيين واللبنانية الى الاقتتال الداخلي على جلد الشاة، بينما كانت الخطة الكبيرة هي صيد الحوت، الديك الرومي المصري. وهكذا ولدت اتفاقية السلام المنفردة بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد لإخراج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، وعند بداية عقد الثمانينات وجد عرفات والفلسطينيون انفسهم في صراع غريب من نوعه، في خصومة مزدوجة مع سورية ومصر على حد سواء، ودون الملك فيصل وهواري بو مدين. وفي صراع عبثي مع صدام حسين والأسد على ملكية القرار الوطني الفلسطيني، وهو الصراع الذي اثقل على عرفات حتى دعاه لأن يطلق صرخته الشهيرة، من ان عمق الثورة الفلسطينية الاستراتيجي يمتد من خاراسان حتى بيروت، قافزا عن سورية والعراق معا.
لكن الشيطان الأكبر الأميركي الذي أذكى الحرب الأهلية في لبنان، نجح في إذكاء الحرب الموازية بين العراق وإيران هذه المرة، بعد ان اقنع مصر والعالم العربي ككل ان روسيا السوفيتية يمكن ان تقدم لكم السلاح والدبابات التي تحاربون بها، لكن اميركا فقط وحدها هي من تستطيع ان تعطيكم "الزبدة" اي الاقتصاد والسلام، ويمكنكم ان تختاروا. وما كاد عقد السبعينيات يلفظ أنفاسه حتى كان العرب جميعا قد اختاروا الزبدة الأميركية تحت أنين اقتتالاتهم الداخلية، وانتفاضة الفقراء في مصر.
بعد أربعين عاما على حرب تشرين لم تكن هذه آخر حروب العرب مع إسرائيل، وان كانت آخر الحروب التي خاضتها جيوش الدول العربية ضد إسرائيل. ورغم صمت المدافع على الجبهات بين مصر وسورية مع إسرائيل، لم يهدأ الشرق الأوسط اربعين عاما. حيث ورثت الجيوش الصغيرة الجيوش الكبيرة، وهكذا أمضت الأربعين عاما الماضية جيوش فتح وحزب الله وحماس سلسلة هذه الحروب المتصلة.
وبينما فضل العرب خيار السلام الاستراتيجي اي الزبدة الاميركية، فأنهم لم يحققوا لا السلام مع اسرائيل ولا سلامهم الداخلي، ومن منظار اليوم فإن حاضر العرب مختلف عن الامس يوم السادس من تشرين الاول العام 1973. حتى ليبدو هذا الحاضر منطويا على قدر من الفانتازيا السوداء.
إن الجيشين المصري والسوري يحارب اليوم كل منهما داخل حدودهما في سيناء وغوطة دمشق، ضد أعداء داخليين، ولم يعد هناك الجنرالات الذين صنعوا مجده الغابر، أمثال عبد المنعم رياض ومذكور ابو العلا وسعد الدين الشاذلي وعبد الغني الجمسي واحمد إسماعيل، في الوقت الذي يفاوض فيه الرئيس أبو مازن وحيدا إسرائيل ربما لعشرين عاما أخرى، دون اي دعم من العرب. وقد كانت حرب تشرين وقفة الفريق العربي القومي الأخيرة، لكن فقط ضوءا وحيدا يرى اليوم في نهاية هذا النفق، ان الزبدة الأميركية تذوب اليوم وتفسد في أميركا، ويهدد ذوبانها بانهيار اقتصاد العالم. فيما روسيا هي التي تستعيد للمرة الأولى قيادة دبلوماسية العالم بعد انهيار السلام الأميركي، وأفول عصر روما الجديدة نفسها وهذا هو المتغير الكبير الذي قد ينبئ بولادة عالم جديد.
اقتباسة الخالدي مهمة ولكن ماذا عن ما بعد؟
صلاح هنية
ستظل النخب الفلسطينية منهمكة في تكرار اقتباس الدكتور رشيد الخالدي في مداخلته في مؤتمر عشرون عاما على اوسلو " أن اوسلو كان مكتوبا بخط يد مناحيم بيغن منذ العام 1978 واكتشفنا هذا مجددا"
ازمتنا عندما نراجع ادبيات التاريخ السياسي الاجتماعي الاقتصادي الفلسطيني في مراحله المختلفة نجد أن غالبية هذه الادبيات تقيّم التجربة السابقة وكأننا اليوم نحسن صنعا، وتمتاز تلك الادبيات باصدار حكم قيمي على السياق التاريخي برمته ولا يلتمس عذرا ولو بنسبة ضئيلة.
لكن تلك النخب لا يرمش لها جفن حين ترى وتعيش حالنا الداخلي وسلوكيات طغت على واقعنا الاجتماعي قلبته راسا على عقب، وكيف نستطيع أن نحسن صنعا في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة ونحن نغفل هذا جميعه سواء عن قصد أو عن سوء إدارة أو عن تقليل اهمية هذه الملفات جميعها.
اذا لم تكن عيوننا مفتوحة على الوضع الداخلي وتقويته وتصليبه ليس من باب ترديد ذات الشعارات الممجوجة عن المشروع الوطني والحكم الرشيد وتقوية بنية المؤسسات التي لم نقطف ثمارها بعد منذ تسعة عشر عاما ويزيد، بل من باب العمل ضمن برنامج واضح وصريح وموضوعي.
ملف حماية المستهلك وتشجيع المنتجات الفلسطينية والباركود الفلسطيني ومعهد التعبئة والتغليف والاسواق الخارجية ومعايير الجودة وتعزيز التنافسية ومنع الاحتكار حافل بالاخذ والرد خصوصا أن النبش في هذه المحاور تكون نتيجته خطبة عصماء من مسؤول هنا ونائب مسؤول هناك ليقولوا للشعب الفلسطيني الذي يعيش في هذه البقعة الجغرافية اننا جاهزون والامور تسير على خير ما يرام ،سبحان الله تسير على خير ما يرام ولا يراها المواطن ولا يعيشها المواطن المستهدف بها.
ملف التعليم العالي في فلسطين منبوش ومفتوح على مصرعيه يتطلب خطوات نوعية إلى الامام اولها البعد الاقتصادي للتعليم العالي خصوصا انه لا يعيش بمعزل عن الوضع الاقتصادي المعيشي للمجتمع ، وكما ترتفع كلفة الحياة على المجتمع ترتفع على التعليم العالي ايضا، وهذا يتطلب تفعيل دور ومكانة مجلس التعليم العالي بحيث لا يبقى منتدى لرؤساء الجامعات فقط بل يجب أن يكون منفتحا ومفتوحا على مكونات المجتمع كافة، وصندق التعليم العالي بات موضوعا حاسما يتجاوز التمني على الحكومة ان تؤسس هذا الصندوق.
ملف المياه والصرف الصحي ما زال النقاش حوله واسعا خصوصا حقنا المسلوب في المياه من قبل الاحتلال، ومشاريع المياه التي باتت حاجة ملحة وضرورية، وزيادة ضخ المياه لتلافي ازمات مزمنة في بعض المحافظات.
ملف البناء والتنظيم والاستثمار العقاري لا زال مقلقا وقد كنت في ورشة حول التخفيف من اثار ال
ملف السلوكيات في الشارع قضية محورية ولعلنا نسمع ونتابع بعض القضايا التي تذهب ادراج الرياح ، فتلك المرآة الواعية تتحدث عن هذه السلوكيات كمؤشر خطير على مكونات المجتمع سواء المعاكسة، أو اختلاس النظرات تجاه المراجعات في المؤسسات العامة والبنوك والشركات الخدماتية وهذا ما عبرت عنه مرة زميلة على مواقع التواصل الاجتماعي معاتبة هذا النوع من السلوك، ولا يوجد من يعدل ولا يرشد سواء في العائلة التي بات بيتها فندقا للمبيت ليس الا، والمدرسة التي باتت مفرطة في العقاب وطرد الطلبة صفا كاملا عقابا لهم دون توجيه أو ارشاد، والعصا الغليظة التي قال عنها مؤشر عندما يسأل وزيرا عن سبب وجودها في مدرسة تلك القرية.
ملف اعلام العلاقات العامة "استقبل وودع وأطلع وأكد" ويغيب التحقيق الاستقصائي ويغيب دور الاعلام في المساءلة، ويذهب الاعلامون إلى هذا المنتجع أو ذاك ليسمعوا عن أهمية دورهم في مكافحة الفساد، أو دورهم في قطاع العدالة، ويعودون لممارسة عمل العلاقات العامة.
دور ومكانة المرآة الفلسطينية وتعزيز دورها اقتصاديا وقياديا وكأن الموضوع كبسة زر أو قرار يتخذ هنا وهناك، لا زلنا منذ عشرات السنوات ونحن ننبش في ملف المرآة ولا زلنا مكانك قف، لأننا ننسخ الرؤى ولا نبدع فيها ولا نواءمها لأولوياتنا.
ليس قدرا علينا أن يكون مستقبل فلسطين مرهونا باقتباسات الدكتور رشيد الخالدي ....
ليس قدرا علينا أن يكون اعلان المبادئ في اوسلو دون بلوغ الدولة المستقلة اقوى مشروع دولي تعرض لجلطات قاتلة ودخل غرفة الانعاش واعطي ابرة الحياة تارة بالمفاوضات المباشرة وتارة متعددة الاطراف وتارة بالدبلوماسية الثانية وتارة بالمشاريع المشتركة لأن العالم كله حريص عليه أن يبقى على قيد الحياة نفع أم لم ينفع ....
ليس قدرا علينا أن يظل المطلون على التطورات السياسية وتقدم سير المفاوضات وملف العلاقات الدولية مجموعة مغلقة تارة يصدرون لنا التفاؤول المشوب بالحذر وتارة يصدرون لنا التشاؤم وغالبا يعطوننا اللاموقف لنصنع نحن العامة الموقف ....
ليس قدرا أن نظل نعيش ضمن فزاعة انتفاضة ثالثة لتصدير ازمة المفاوضات إلى الرأي العام الفلسطيني وفعالياته ....
ليس قدرا أن يتصدر بيان الحكومة السادسة عشرة ذات الديباجة التي تستنكر وتشجب وتستهجن وتحذر وتطالب ....
ليس قدرا أن نظل نعيد صناعة العجلة ....
الشهد في عنب الخليل
رامي مهداوي
انطلقت برفقة الصديق خليل قراجة الى بلدته حلحول للمشاركة في مهرجان العنب الفلسطيني 2013، أيام الجامعة كنت أعرف العديد من الأصدقاء أبناء وبنات محافظة الخليل... نوبا، خراس، يطا، ترقوميا، مخيم العروب، الظاهرية، الخليل المدينة، بني نعيم، دورا، بيت امر، صوريف... علاقات الجامعة تجعل الوطن عبارة عن بيت لك تسكنه بما تعرفه من أصدقاء منتشرين في فلسطين.
على أي حال حدثني صديقي قراجة عن تاريخ حلحول، هي أعلى بلدة في فلسطين فهي عبارة عن هضبة جبلية ترتفع 1023 م-1027 م عن سطح البحر، تحتوي القرية على مقام النبي يونس الذي أقيم عليه مسجد ومزار ينسب إلى عبد الله بن مسعود من الصحابة.
وصلنا حلحول، وصلنا المعرض، وعند بدء مراسم الافتتاح الرسمي، خرجت الى فضاء الساحة الخارجية للمعرض، لأسباب كثيرة: أولها بدي أشرب قهوة... من الصباح لم أتناول وجبتي منها، بدي أحكي مع المزارعين والمزارعات، ما بحب الأجواء الرسمية والكلمات، والأهم بدي أتعلم شو أنواع العنب؟ بالرغم أني فلاح بس العنب هو العنب. ما بدي أخبي عليكم يعني بتعلم شو أنواع العنب وأتذوق المذاقات المختلفة لهذه الفاكهة_ وصحتين على قلبي_ ومنها مناسبة راح أحكيلكم شو أنواع العنب، بس اللي بده يتذوق يروح يشتري عنب الخليل... عنب فلسطين... مش عنب مستورد أو عنب مستوطنات..
عشان أعرف شو أهم أصناف العنب في الخليل وفلسطين، مسكت الكتيب الذي تم توزيعه في المعرض حول أنواع العنب، والله وكيلكم مشيت أتذوق العنب نوع نوع.. قطف قطف... حبه حبه... زنقه زنقه، كل هذا عشان أكتبلكم المقال اللي حضراتكم بتقرؤوه، بدي أبدالكم بالأصناف البيضاء: 1_ الدابوقي"البلدي" 2_ الجندلي 3_ الزيني 4_ البيروتي 5_ الحمداني 6_ المراوي 7_ السلطي الخضاري 8_ مسكات الإسكندريا "المصري" 9_ السلطنينا 10_السوبيريور 11_ بيرليت.... ويا حبيبي كل نوع له طعم مختلف.. مذاق متنوع... أشكال مختلفه للوهلة الأولى بتحس ما في إختلاف بس اذا بتركز بتصير تعرف شكل الحبة، والقشرة، وعدد البذور اللي في الحبة. وهلا دور الأصناف الملونة: 1_ الحلواني 2_ البلوطي3_ البيتوني 4_الشامي 5_ الدراويشي"الشيوخي" 6_ الفحيصي" الشعراوي" 7_ رومي أسود. عنجد الوان مختلفة أشكال مختلفة حتي بالمذاااااااااااق حتى بعدد الحبات في العنقود الواحد تجد مذاق مختلف بعض الأحيان.
يعني بعتبر حالي لدي معرفة أولية في شراء العنب، ومش أي عنب، عنب بلادي ...العنب الصامد في وجه المستوطنين... العنب الذي تحافظ عليه سواعد مزارعين ومزارعات منزرعين كجذور مزروعاتهم في الأرض، لتلد حبات عرقهم في الأرض عناقيد عنب. وعشان أكون صادق معكم بنقل المعرفة وصورة وأجواء المعرض، تعرفت أيضاً على الصناعات التي يتم إنتاجها من العنب، كنت جزء وأجهل جزء، بس فوائده الغذائية بصراحة أذهلتني، مش راح أتحدث عن هذه الفوائد، لأنه هذه وظيفة منزلية أتمنى عليكم أعزائي القراء أن تقوموا بمعرفة فوائد: الزبيب، الدبس، الخبيصة، الملبن، العنبية.
المعرض كان جميلا من حيث الشكل والترتيب والعرض، والأهم النساء المشاركات من خلال المشاريع النسوية وأيضاً الجمعيات والتعاونيات النسوية والزراعية المشاركة في المهرجان، وكذلك الروح الطيبة للمزارعين والمزارعات... روح مرحة... متعاونة... تجيب عن الأسئلة لأي مواطن يريد الاستفسار، وكذلك روح العطاء في إنجاح هذا المعرض، فالكل كان يعمل كأن المعرض له. لازم أشكركم جميعاً... ويخلف عليكم على العنب اللي أطعمتوني إياه ولجميع من زار المعرض.
نعم، وبكل قوة أقول بأن قرار الحكومة ووزير الزراعة قرار حكيم بمنع إدخال العنب الإسرائيلي، وحماية المنتجات المحلية، لكن وكما هي الأشياء الأحرى لا يكفي بأخذ القرارات، علينا تطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع، وأيضاً على المجتمع ككل عليه دعم هذا المنتج والمنتجات المختلفة بكل قوة، والاهتمام بالمنتجات النسوية المرتبطة بثقافتنا وتاريخنا.
لازم، أختم مقالي بأن أشكر جميع القائمين على هذا المعرض من الفلاحين والفلاحات، المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية التي شاركت في هذا المعرض لأنجاحه، وكافة اللجان التحضرية لمهرجان العنب. وكمان لازم أشكر الصديق خليل على هذا اليوم الممتع، بانتظار معرض آخر تأخذنني عليه في الخليل... ويا ريت يكون معرض للمنسف الخليلي لكي أكتب عن أنواع الجميد واللحوم، وبوعدكم أعزائي قرّاء خرم إبرة أن أتذوق بالنيابة عنكم....
مرحَى للعَمَلِ اللائِقْ في جِلْبابِ الحَوْكَمَه
آصف قزموز
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن موضوع العمل اللائق وعلاقته بالحَوْكَمة، وقد أولت منظمتا العمل الدولية والعربية اهتماماً خاصاً بهذه القضية ذات الأهمية القصوى والضرورية، خصوصاً مع تزايد الأزمات الاقتصادية العالمية وتفاقمها لتبلغ مستوياتٍ خطيرة أطاحت في محصلتها بحكام ودول وعصفت بمجتمعات.
وقد اعتبرت منظمة العمل الدولية أن العمل اللائق يلخص تطلعات الناس في العمل، وتطلعاتهم في الحصول على فرص العمل المتكافئة، والأجور العادلة، والتمتع بكل المزايا والحقوق، وحرية التعبير، والتمتع بالاستقرار الأسري والتنمية الشخصية والعدالة، والمساواة بين الجنسين. نعم إن العمل اللائق يقع اليوم في صميم الجهود المبذولة في محاربة الفقر ووسيلة من وسائل تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
ففي فلسطين ظواهر كثيرة تحدث ولا تليق بنا، لأنها تمس شغاف إنسانيتنا وحرياتنا وحتى أخلاقنا ومحددات عيشنا الكريم. فأجور العمال المجحفة ودون الحد الأدنى للأجور في زمن الغلاء والأسعار الفلكية هو عمل مشين وغير لائق، وتدني الالتزام بمستويات وشروط السلامة المهنية في الورش والمشاغل عمل غير لائق، والتمييز الظالم في أجور النساء واستغلال الحاجة للقمة العيش عمل غير لائق، وتشغيل الأطفال والمتاجرة بقوة عملهم الغضَّة في المستوطنات عمل غير لائق ولا أخلاقي، وانتهاك الحقوق المطلبية المشفوعة بالقانون والتحايل عليها عمل غير لائق، وتشغيل العمال لساعات طويلة دون مقابل إضافي عمل غير لائق، وانعدام العدالة والتكافؤ في الحصول على الوظائف وفرص العمل عمل غير لائق. وبذات الوقت فإن عدم التزام العاملين بواجبات العمل وشروطه عمل غير لائق، فحوادث العمل المميتة المتكررة لأن العمل غير لائق بسبب إهمال أو تقصير أحد الطرفين أو كلاهما، فحتى يصبح العمل لائقا وتكتمل لياقته فهذا يتوقف على التزام أطراف الشراكة الثلاثية وتكاملهم بواجباتهم كل من موقعه.
فالعمل اللائق، هو الإطار الفضفاض الذي يمكن له أن يضم في صلبه الحوكمة أيضاً كأداة ضامنة وفاعلة في تحقيق المستويات الفضلى لعملٍ لائق في مجتمعات لائقة.
ويمكن القول أن الحوكمة تعني في ما تعنيه مجموعة الأنظمة والقوانين والإجراءات التي تضمن الوصول لمستويات الجودة العالية والتميز المبدع في الأداء، إضافة لتعزيز وتقوية فعل وتأثير المؤسسة من خلال تحديد الوسائل والإجراءات ذات القدرة على الفعل في تحقيق الأهداف، في جميع المستويات المؤسسية والحكوماتية وغيرها.
من هنا فإن موضوع الحوكمة وتطوير دور إدارات العمل أصبح يشكل اليوم ضرورة راهنة وملحة في بلادنا كما في كل الدول. ولعل السبب في ذلك يعود بالأساس إلى عمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دخلت بها اقتصاديات العالم في البلدان المختلفة.
إن الأزمة الاقتصاد العالمية وتراجع معدلات النمو أدت بلا شك إلى التوجه العاجل نحو الحوكمة كسبيل رشيد لرأب التصدعات الاقتصادية والاجتماعية الحاصلة ومواجهة الأزمات وتحدياتها. وفي ذات الإطار والسياق أدت ظاهرتا الفقر والبطالة الحادتين إلى التوجه العاجل للبحث في سبل تحسين وتطوير إدارات العمل باعتبارها الأداة الضامنة والمحددة لتحسين أداء أسواق العمل العربية وتكاملها.
لكن موضوع الحوكمة وتطوير إدارات العمل يحتاج أولا وقبل كل شيء إلى إرادة سياسية على مستوى كل بلد وهذه الإرادة تحتاج إلى الدعم الفني والمادي القائم على احترام السيادة والإرادة السياسية وتشجيعها.
من هنا لا بد أن نقدر عاليا الجهد الكبير الذي بذلته منظمة العمل الدولية والعربية عبر مؤتمراتها وهيئاتها في رعاية القوانين والتشريعات وإقرار الاتفاقيات الدولية التي تعزز دور إدارات العمل وتدعيمها على مستوى جميع البلدان، ولاسيما الدول العربية التي أصبحت تحقق نجاحات لافتة على هذا الطريق خصوصا من خلال تحسين إدارات التفتيش والعمل.
لذا فإن الحوكمة وتطوير إدارات العمل على نحو فعال لا يمكن أن تتم من دون تعزيز الحوار الاجتماعي الممأسس أولا. وبالتالي لابد من دعم وتعزيز إدارات العمل والتفتيش العمالي كسبيل ناجع في تحقيق الحوكمة الرشيدة لأسواق العمل العربية وصولا لقيام سوق عربية مشتركة.
صحيح أن الزحمة تعيق الحركة لكن الترهل وعدم التنظيم وسوء الإدارة يثبط النمو ويقتل آفاق التطور قبل بلوغها. فأعظم جيوش العالم يمكن أن تهزم إذا لم يتوفر لها إدارة وشؤون إدارية جيدة ومنظمة وحازمة.
من هنا تأتي أهمية الدور الذي تلعبه الوزارة مع الشركاء في إعادة هيكلة هذا القطاع على أساس مقونن وممأسس، وهو ما أرسى دعائمه إقرار قانون التعاون الفلسطيني.
إن السير قدماً في تعزيز مستويات العمل اللائق يتطلب تقدم ومثابرة في مستويات الحوار الاجتماعي، وبمقدار ما نتقدم في تعزيز ومأسسة الحوار وتطويره، بمقدار ما سيشكل ذلك ضمانة للتقدم في إحراز عمل لائق وأداء أفضل لآليات وهياكل سوق العمل.
إدارة العمل أصبحت تشكل اليوم عنصرا أساسيا يتوقف عليه مدى التقدم والتطوير في تحقيق مستويات أفضل في ميدان العمل اللائق.
نعم، إن أزمة الاقتصاد العالمي ألقت بظلالها وارتداداتها سلبا على مجمل اقتصاديات البلدان المختلفة، وبالتالي شكل تراجع معدلات النمو الاقتصادي في اتون هذه الازمة ضرورة التوجه نحو الحوكمة كسبيل منطقي يساعد على النهوض الاقتصادي. وبالتالي فان ازمة سوق العمل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة قد ادت هي الاخرى الى جعل موضوع الحوكمة ضرورة ملحًة يجب ان يظل مطروحا على الطاولة والإسراع باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتجسيده وانتهاجه كخيار ضروري واستراتيجي وليس لحظيا مؤقتا او موسميا.
على هذا الأساس فإني اعتقد ان تحسين وتطوير إدارات العمل في المستويات المختلفة بات أمرا ضروريا وغير قابل للتأجيل. وهذا يتطلب إجراءات عملية لتحسين الأداء في تنظيم سوق العمل ومتابعة وضبط علاقات العمل بين أرباب العمل والعمال لجهة إحقاق الحقوق والالتزام بالواجبات بالاتجاهين. الأمر الذي يتطلب منا جهدا مكثفا لرفع كفاءة تشريعات العمل من جهة وتطوير اداء الموارد البشرية العاملة في هذا المضمار.
فالعمل اللائق يتطلب تنمية وتطوير وتحسين ادارات العمل، وسيكون معيار تقدم وتطور العمل اللائق مرهونا بتطوير ادارات العمل كشرط من شروط الحوكمة.
فالحوكمة تعني فيما تعنيه، الإدارة الرشيدة الفاعلة والممأسسة بقوانين واضحة وصارمة وأداء جيد تضبطه وتنظمه القوانين والتشريعات الواضحة والمحددة. إذ لا يجوز مثلا ان تكون الجزاءات على المخالفات غير واضحة وغير محددة لتخضع بالنهاية لقرارات القضاة وفقا لما يرون. وهذا يتطلب منا الإسراع في إنجاز عملية تطوير وعصرنة التشريعات ومواكبتها للتطور والحداثة.
وحتى ننجح بشكل اكبر في تنفيذ استراتيجية العمل اللائق في فلسطين، فهذا يتطلب اليوم الاهتمام بالحوكمة كجزء متمم وفاعل في هذا الأمر، كما لابد ان تسير الحوكمة إجبارياً في مجرى العمل اللائق. وكلا الأمرين يتطلب أولاً الالتزام الداعم والقوي من الإدارة العليا والإدارة السياسية وهذا الشرط متوفر وجاد في بلادنا، ثم تطوير وتنمية دور الشركاء الاجتماعيين. فالتنمية الاقتصادية هي الأرضية الصلبة التي يقوم عليها إصلاح وضع سوق العمل وتعزيز قدراته، وهذا الأمر يتطلب مساحات واسعة من الحرية الاقتصادية والانعتاق من قيود التبعية الاقتصادية. لكن هذا لا يمنعنا من القيام بكل الإصلاحات وعمليات التطوير في ادارة العمل في نطاق الحوكمة والعمل اللائق.
من هنا يجب ان نلحظ ان عملية التطوير في إدارة العمل كأداة معززة وممكنة للعمل اللائق تقع على عاتق تطوير دور الشراكة الثلاثية والنهوض به لتقوم بواجباتها التكاملية تجاه هذه المسؤولية في التطوير. وبالتالي ومن منطلق ان الوزارة تعتبر هي المايسترو الناظم لعمل الثلاثية فيجب تشجيع الحوار وتعزيز التنسيق مع جميع الأطراف لتكون القرارات والرؤى اكثر دقة وواقعية وانسجاما.
ان حماية حق العامل من مخاطر الإقصاء من سوق العمل، يتطلب منا كدولة التدخل الفاعل عبر إدارة عمل فاعلة وقوية ومحوكمة لإنقاذ شروط ومعايير العمل اللائق، الأمر الذي تطلب رفع كفاءة التفتيش وتشريعات العمل وزيادة سقوفها. لكن هذا لا يجوز ان يغيب من بالنا أن الالتزام بشروط وظروف ومحددات العمل اللائق يتطلب في كثير من جوانبه تبعات وكُلَف سيتحملها أرباب العمل بالتعاون مع الحكومة كل من موقعه ودوره، الأمر الذي يجعل حماية العامل من هذا الحظر يتطلب إدارة حوار اجتماعي هادئ وموضوعي وبناء ولائق ايضا.
نحن اليوم نعيش في عصر التوجه نحو الديمقراطية بكل معانيها، فعندما نتحدث عن أهمية تعزيز الديمقراطية فان هذا حق مشروع للناس، لكنه يتطلب منا ان نضطلع بمسؤولياتنا، بحيث نليق بهذه الديمقراطية كحق مكفول وتليق بنا.
إن دائرة العمل في فلسطين لا زالت تعاني من تحديات كثيرة، ولاسيما ضعف القدرات والإمكانيات المتاحة، وبالتالي لابد أن نأخذ في الاعتبار أن المجتمعات العربية ونحن جزء منها تعاني اليوم من وضع مأزوم وحراك شعبي وسياسي واجتماعي عاصف ومزلزل أحيانا، ما يجعل هذه الإدارات في العمل او غيره تتأثر ويضعف دورها، باعتبارها جزءا مكون من مكونات إدارة الدولة والمجتمع ككل، ما يجعل مهمة تطويرها تقع في سويداء مربع النهوض والتنمية الشاملة كإطار أوسع.
وهكذا، لابد أن ننتبه ونحن نسعى لرعاية وتنظيم هذا القطاع وتطويره ان إدارة العمل بحد ذاتها تشكل نتاجاً وانعكاساً لواقع اجتماعي سياسي واقتصادي قائم، فإذا لم ينهض جميع الأطراف والشركاء والأعضاء بمسؤولياتهم وعلى أساس تضامني تشاركي ملزم لصالح تطوير إدارة عمل هذا القطاع، الذي سيصب حتما في صلب مصالحهم جميعا، فستصبح الديمقراطية الإدارية ومساحة الحريات والحقوق للأعضاء والشركاء ليست أكثر من طربوش يدق بالشاكوش على رؤوس الناس فيسهل خلعه عند اللزوم.
أستطيع القول أننا قد اهتدينا بهدي استراتيجية العمل اللائق وبالمحددات والشروط الواردة في الوثيقة. والآن اعتقد انها جاهزة لتشكل وثيقة رئيسية في تشريعات العمل وناظما موجها لمجرى نمو وتطور سوق العمل.
وسنستمر في إعداد التقارير اللازمة لرصد التقدم الحاصل خلال الفترة الماضية، لنجعل من هذه التقارير نقطة انطلاق جديدة نحو التعزيز والتقدم أكثر في هذا الميدان. وبالتالي سنرسم أولوياتنا الواقعية والممكنة ونحددها في ضوء المتاح من مساحات الدعم والإسناد ومساحات الحرية المتاحة لاقتصادنا الوطني وسلطتنا.
التاج
وليد بطراوي
اشترت ابنتي تاجاً بلاستيكياً وجاءت إلي آمرة "أنت الملك، أتوّجك ملكاً". وضعت التاج على رأسي، شعرت بثقل كبير، وكلما تحركت حرصت ان أتمهل، وبقيت قلقاً وخائفاً، فأنا الملك ومسؤوليتي ان أحافظ على التاج كبيرة وثقيلة، فهذا ما احرص عليه. افضّل ان أبقى بلا تاج لأريح رأسي!
من استطاع اليه سبيلاً
وأنا أراجع مع ابنتي درس الدين وما جاء فيه من أركان الاسلام، استوقفتني عبارة "حج البيت من استطاع إليه سبيلاً". أي ان ما يحدث الآن من دفع الأموال، وشراء الأماكن، وشراء خدمات VIP كلها أمور مخالفة لتعاليم الإسلام. فقد تحول موسم الحج الى مناسبة لصرف المال من جيوب من استطاع اليه سبيلاً، ودفعه في جيوب من استغلوا من استطاع إليه سبيلاً. السبب الآخر الذي استوقفني ما حدث عند معبر رفح. فقد فتحت أبواب المعبر أمام الحجاج، في حين كان وبقي مغلقاً في وجه المرضى والطلبة الذين يتظاهرون يومياً أمامه.
نارة يا ولد!
اسمع كثيرا عن الفحم الحجري، الا أنني لم أشاهده من قبل. وما اعرفه عنه أنه ثروة طبيعية وانه مصدر للطاقة والدفء الناتج عن اشتعاله. اكتشفت مؤخراً أنني أملك هذه الثروة، ففي كل كيس فحم اشتريه أجد قطعاً حجرية سوداء اللون توضع بين قطع الفحم فيزيد وزن الكيس، وتبقى القطع الحجرية المتفحمة على حالها لا تشتعل، ولا تشكل مصدرا لا للطاقة ولا للدفء ولا حتى "ولعة للأرجيلة"!
لو كنت مسؤولاً
لو كنت رئيساً للوزراء لما توقفت عن توجيه الخطاب الأسبوعي الذي تعود المواطن على سماعه، بل وانتظره صباح كل أربعاء. فهذا تقليد يجب أن لا يتوقف بتغيير شخص رئيس الوزراء ونهج يجب ان يبقى.
الشاطر أنا
اللي ع باله ما يحرم حاله واللي بدو يصيح او يهتف او يحمل كرتونة او مجرد يطلع رحلة ع رام الله أنا بوفر له كل شيء. البزنس الجديد راح اسميه "اعتصامات". انت انوي والباقي علينا. شعارنا ليس للاعتصام حدود، والعدد مش محدود. وأصلاً ما في حدود، حتى اللي مش قادر يعتصم في اسرائيل أهلا وسهلا فيه في رام الله، بلد الاعتصامات. المكان جاهز، واذا بدك بيان انت ما عليك إحنا بنجهزه، والزمان في اي وقت، والمواصلات متوفرة، والصحافة بس صفّر لها بتلاقي سبعين كاميرا، والفيسبوك لعبتنا، يعني بزنس كامل مكمل، والباص طالع طالع!
من هو وزير المالية؟
في جلسة بعيدة كل البعد عن السياسة وأحوال البلد، وصفها زميلي رامي مهداوي بأنها جلسة "تحشيش فكري" سألته من باب الدعابة والاستفسار معاً "من هو وزير المالية؟" رد عليّ "بحياتك ما بتعرف؟ انت بتتوخث؟" أجبت ضاحكاً "والله لا أعرف". ذكر لي الاسم، والذي سرعان ما نسيته، فلم يعلق ببالي، ليس لأن وزير المالية غير معروف، ولا لأنني كنت على معرفة شخصية بوزراء المالية السابقين وخاصة الدكتور سلام فياض والدكتور نبيل قسيس، بل لأن الاسم لا يذكر في الإعلام، ليس لأن الأزمة المالية قد تمت معالجتها، وبالتالي لم يعد ذكر وزير المالية مطلوباً، بل لأن لا حرب شخصية ضده كما كانت جبهات إطلاق النار والسهام تصوب نحو فياض وقسيس، حتى تحمّل الاثنان كل صغيرة وكبيرة في البلد، فالمسألة اذاً كانت شخصية وموجهة.
علي الخليلي: الراحل الباقي
دفاتر الأيام
كان مقدّراً لي أن أزور علي الخليلي ليلة رحيله. أعرف عن نفسي جيداً أنني من أجبن الناس عن زيارة المرضى الذين أحبهم، ولأنني ـ أيضاً ـ أحبّ أن تبقى صورتهم في الذهن، كما أعرفها. وهذا الجبن لم يأت غريزياً، لكنه تأصل عبر تجارب صعبة، بدأت بالابن البكر، ثمّ تكررت، حتى انتهت القدرة على الاحتمال أمام وجه أمل دنقل، شاعر مصر الكبير، والصديق، الذي البياض الشمعي يحيط به، عندما رأيته في المستشفى أواخر أيامه.
وكأمثلة من حالات كثيرة جداً بعد ذلك: لم أستطع زيارة صديق العمر، المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس حين مرض: كنت أتصل وأسأل، حتى حين أكون في الشام، ولا استطعت زيارة الشاعر متعدد المواهب ممدوح عدوان، رفيق الحياة السعيدة في بعض أوقاتها. لكني لم أتردد في زيارة علي الخليلي، ليلة رحيله، (التي لم أكن أتنبأ بها بالطبع) بمجرّد أن طلب مني ذلك، لا لأنني كنت أحاول الزيارة منذ زمن، فلا تمنح لي وحسب، وإنما أيضاً لأن هذه زيارة لا تحتاج إلى إذن، فسوف أكون واحداً من ثلاثة (برفقة مراد السوداني ومحمد حلمي الريشة) حملوا إليه نسخاً أولى من أعماله الشعرية المنجزة.
ولأنني أعرف أبا سريّ جيداً، كنت أعرف أنه سوف يصحو، حتى وإن كان في غيبوبة مطلقة، عندما يرى جزءاً أثيراً على نفسه، من منجزه الثقافي الكبير، في مجلدات موحدة تحترم ما في داخلها، لأن ذلك كان جزءاً من حلمه، كما هو جزء من حلم أي أديب، لا يطمع في شيء من متاع الدنيا، الذي يلهث وراءه تجار الثقافة وسماسرتها، فيبيعون ويشترون، ومن بينهم أولئك التجار الذين حاولوا اضطهاده، لأنه شاعر كبير وصادق، وأدانهم في حياته، كما أدانهم حتى في رحيله، الذي حرص أهله ومحبوه جيداً على ألا يستغله تجار المناسبات، حتى وإن كانت فوق قبر.
كنت عرفت علي الخليلي شاعراً وكاتباً قبل أن أسعى إلى معرفته إنساناً، وفي زمن الغربة، قد يكون هو الوحيد الذي ظللت حريصاً على متابعة جميع ما يكتب، لا ما هو متاح بسهولة وحسب، لأنني شعرت بأنني أمام إنسان يخدم الثقافة الفلسطينية بصدق، ولا يمتطيها من أجل وظيفة أو كسب من أي نوع. ولم أكتف بمعرفته شاعراً، بل عرفته باحثاً جاداً ومخلصاً في قضايا تراثية وثقافية كثيرة، له فيها دراسات مؤسِّسة، غالباً ما كانت مفتاح الدرب لباحثين كثيرين.
حين عرفت علي الخليلي شخصياً، لم أفاجأ بأن أجده كما كنت أتخيله، ولعلني لم أبخل عليه بالقول إن الإنسان الحقيقي في كلّ سلوكه هو تماماً كما يكتب، أما صاحب الوجه المختلف عن كلماته فهو يدخل في فئات معلومة، يصعب الكشف عما هو مكشوف من تسمية لها في التصنيف، كما أن التصريح بذلك لا يضيف شيئاً، لأن من ينتسبون إلى تلك الفئة يعرفون جيداً أين اختاروا أن يقفوا.
لن أتحدث كثيراً عن طيبة الصديق الراحل، ولا على تفانيه، ولا عن مبادراته الثقافية التي حقق كثيراً منها رغم أنف الاحتلال، لكن تجار الثقافة ـ أنفسهم ـ حالوا بينه وبين الفعل بعد ذلك، كما فعلوا مع كل الذين لم يخضعوا لسمسرة أو نفوذ.
حين كرّم علي الخليلي، بمبادرات فشل أصحاب الزمن الرديء في أن يفسدوها، طلب مني أن أقول كلمة في حفل تكريمه، وقيل لي إنها رغبته. ولأنه علي الخليلي، وهو واحد ممن لا أقدر أن أقول لهم لا حين أستطيع، استجبت، رغم محاولة عزوفي عن "كلام" المناسبات التي يقال فيها ما هو مطلوب أن يقال، ما يصعب الالتزام به ممن لا يحسن التكرار الذي نعيش مواسمه منذ زمن طويل.
تحدثت في حضرة علي الخليلي عن زمنهم هذا، الذي لا زمن له فيه، وحين انتهيت، أشعرني بأن ما قلته هو نفسه الذي كان على طرف لسانه. وضحك حين قلت له إنني سئلت من أين أجيء بمثل هذا الكلام، فقلت: من وحي من يتوجه إليهم. قال علي: هذا ليس زمن الصدق الثقافي، هو زمن البهرجة والتظاهر والادعاء. هو الزمن الذي أتاح لكل من يخطّ حرفاً، أو يُخَطّ له حرف، أن يرى نفسه من الكبار.
يا علي الخليلي: نحن في مواجهة الموت. ولو كان الموت يستشير، لتوجهت كلّ أصابعنا إلى كثيرين غيرك، ولأقنعناه بأن غياب أولئك لا يترك وراءهم إلا سوء سيرة، أما غيابك، فإنه يترك فراغاً كبيراً، لا في وسطنا الثقافي الذي لم يترك للفراغ فراغاً، لأنه مزدحم به، ولكنه فراغ في قلوب توجهت إليها وقتك كلّه، بشعرك ونثرك، وريادتك ورعايتك لحلم فلسطيني ثقافيّ، زرعت فيه بذوراً أولى صحيحة، أردت لها أن تطرح ثمراً شهياً، ولم يكن ذنبك أن ما بذرت اختنق كثير منه، وأن كثيراً من الزرع لا يطرح الآن إلا ثمراً فاسداً.
عليك الرحمة، ولك منا كلّ الحبّ، راحلاً عنا وباقياً فينا.
مقالات صحيفة الحياة
تغريدة الصباح - غاندي في ذكراه
عدلي صادق
كان أمس، يوم عطلة رسمية في سائر أرجاء الهند، لمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين بعد المئة، لميلاد المهاتما غاندي. وقد صدرت الصحف المتطورة الفاخرة، مزدحمة بإعلانات التبجيل للمهاتما واستذكار مقولاته ومناقبه. ونحن نطالع الطبعات الإنجليزية منها. الطريف واللافت، أن كل قطاع حكومي، يقتبس من فكر غاندي عبارات تتصل باختصاصه، فيبرزها بخطوط كبيرة، مع صورة للرجل، أقرب الى حقل الاختصاص. فوزارة ماء الشرب والصحة العامة تنقل عنه القول إن «الصحة العامة أهم من الاستقلال نفسه» ووزارة شؤون الأقليات، تبرز في الإعلان مقولته: "إن أية حضارة، يمكن اختبارها على قاعدة الطريقة التي يعامل بها أهل هذه الحضارة الأقليات في بلادهم". أما وزارة شؤون المستهلك والغذاء والتوزيع العام، فتنقل عنه القول «إن هناك، في العالم، جائعين كُثر، وهؤلاء لا يتبدى إله الرحمة بالنسبة لهم، إلا عبر رغيف الخبز». واختار عدد من وزارات الخدمات، عبارة تقول بلسان غاندي: «يتوجب عليك أن تتقمص روح التغيير الذي تتمنى أن تراه في العالم». ولوزارة شؤون المرأة وتنمية الطفل، خيارها من المقولات في إعلانها: «لا شيء يمكن أن يخيفك، حين ترفض أن تكون خوّافاً وخائفاً». وزادت المفوضية الوطنية للمرأة باقتباس آخر: "وإجعلن هدفكن دائماً، استكمال متطلبات التناغم في الفكر والكلمة والصنيع الحسن، واجعلن هدفكن أيضاً، تنقية أفكاركن ونفوسكن من الضغينة، لكي يصبح كل شيء في عيونكن على ما يرام". وكان لوزارة التعدين والفولاذ اقتباسها: «لا تتأتى القوة من المقدرة الفيزيائية، وإنما تتأتى من خلال الإرادة التي لا تلين». وفي هذا الاقتباس الأخير، يتعمد غاندي اختيار الصفة التي تعبر عن الإرادة التي لا تُقهر ولا تلين، بلفظ دال على هذا المعنى، لكنه ممتزج باسم الهند نفسها Indo mitable . وحرصت وزارة الثقافة على أن يكون الاقتباس في إعلانها حاضّاً على الإخاء في الوطن: «إن المنازعات المناطقية والفكرية واللغوية والاجتماعية، من شأنها إضعاف وحدة البلاد، ويتعيّن على الوطنيين أن يذودوا عن هذه الوحدة بالتسامي على الغرائز والنزاعات الداخلية»!
الرجل الرمز، الذي يعتبرونه أباً للأمة الهندية، لم يكن نابغة وهو في سن مبكرة. تقارير مدرسته في ولاية «غوجارات» تقول إنه كان متوسط المستوى، وضعيفا في الجغرافيا التي شاع اسمه على اتساعها فيما بعد. وقعت على رأسه ممارسة تقليدية هندوسية قديمة، فجعلوه يتزوج وهو فتى صغير، في سن الرابعة عشرة، ليفقد سنة دراسية وهو يتأمل الأنثى. روى الواقعة في مذكراته، فقال «كانت معرفتي في هذا الأمر طفيفة، والأهم عندي آنذاك، كان أنني أرتدي ملابس جديدة والتهم الحلوى وألعب مع الأقارب. فقد كانت القرينة أغلب الوقت عند أهلها وأنا عند أهلي»!
مرت السنوات، ونضج الرجل، حتى عاد الى بلاده، بعد التأهل في القانون في لندن، وتدرب هناك، على قضايا محاكم النقض والعليا. أدرك بسليقته وبمواهبه كقائد، أن العمل الوطني يتطلب الاستناد الى قاعدة اجتماعية واسعة، لا تفرق بين الديانات والثقافات والمناطق. كان ذلك يقتضي التقاط حيرة المسلمين من انهيار الخلافة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى (والهنود المسلمون كانوا شديدي التأثر بذلك الحدث متفجعين له، وانقسموا في خياراتهم حول البدائل الهاشمية والسعودية والمصرية). اقترب من جماعة «الخلافة الإسلامية» في الهند، وناصر قضايا تحرر المسلمين في بلادهم، لا سيما أن البريطانيين أعداؤه. وسرعان ما أصبح الخطيب الأبرز للمؤتمر الإسلامي الهندي، وضيفاً مرموقاً على مراكز المسلمين في البلاد، ومحارباً صلباً ضد التطرف الهندوسي، وهذا ما جعل الحركة الوطنية الهندية ذات شمول اجتماعي واسع، ويشتد عودها، ويشارك المسلمون في وفودها بنسبة تتناسب مع عددهم. وكلما كانت الاضطرابات أقوى من جهود غاندي، كانت نسبة تمثيل المسلمين تنخفض، وعندما يتعزز موقفه، تعلو. قتله متطرف هندوسي بثلاث رصاصات في الصدر من مسدسه، في الموضع الذي أصبح متحف «ذكرى غاندي» أو «غاندي سميرتي». وفي كل سنة، في يوم ميلاده، تُستعاد أقواله ومناقبه وذكراه، وهذا ما كان أمس!
التشاركية والاقصائية: حقيقة المشكلة!
أسعد عبد الرحمن
ثمة معضلة ثقافية سياسية بنيوية كبيرة تترسخ في مجتمعات دول الشرق الأوسط تقوم على أساس إقصاء الآخر ورفض التشاركية. ففي مصر مثلا، استأثر "الاخوان المسلمون" بالحكم فيما قيل، ولم يشركوا القوى السياسية الأخرى معهم فوجدت "الجماعة" نفسها في خصام مع الجميع، يساريين وقوميين ووفديين وغيرهم، فتبنت القوى السياسية، الإسلامية والليبرالية خطاباً اتهامياً، يوجه اللوم إلى الطرف الآخر، حتى جاء وقت الإطاحة بالرئيس المنتخب (د. محمد مرسي)، فبدأت الحكاية هذه المرة معكوسة، وبدأ الآخر (المقصى سابقا) يحاول "إقصاء" من سعى لإقصائه وهو في الحكم (أي د. مرسي و"الإخوان المسلمين"). وحتى اللحظة لم يدرك الطرفان، بعد تغير المواقع والأدوار، حقيقة المشكلة الكأداء: أن ثقافة "الإقصاء" هي الآفة الكبرى.
كذلك الأمر في تونس، فرغم التشاركية الموجودة في الحكم، إلا أن الخلل أصاب العملية السياسية برمتها وبدأت تظهر دعوات "الإقصاء"، رغم محاولات رئيس حزب النهضة (راشد الغنوشي) الذي طالما سعى من أجل استمرار (الترويكا الحاكمة) مع الإبقاء على الخلطة القائمة التي تضم تحالفا بين الاسلاميين والعلمانيين، لكن مع استثناء قوى مجتمعية مهمة في الشارع السياسي. أما في سوريا، فإن الأوضاع ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه لولا "الثقافة الإقصائية"، حتى وصل التماهي في الحالة السورية فيما يجري حد التناقض، بحيث بات من الصعب فهم اصطفاف طرف مع النظام أو المعارضة ولماذا؟!
إذن العقلية الإقصائية مشكلة عامة عند الجميع، وهي ليست موجودة لدى فكر سياسي دون آخر، بل لقد مارس الجميع (لنعترف) من إسلاميين ويساريين وقوميين وغيرهم قمع الآخرومحاولة إقصائه. وفي مقال للناطق الإعلامي باسم "جماعة الإخوان المسلمين في مصر" يقول الدكتور (حمزة زوبع) في مقال بعنوان "أخطأنا وكذلك فعلتم.. وهذا هو الطريق": "من قال إن الاخوان لم يخطئوا؟ ومن قال إن مرسي لم يخطئ؟ قلنا مرارا وتكرارا إننا كحزب وجماعة، كحكومة ورئاسة، أخطأنا". ويضيف ما هو أهم إذ يعلن: "الخطأ الكبير هو أننا... وقعنا في فخ الانفراد بالحكم ولو مضطرين بعد أن تركنا الآخرون برغبة منهم أو مكرهين، لكن المسؤولية عادة ما تقع على من بيده مقاليد الحكم وهو نحن". وفي سياق متمم، أجدني غير متفق مع ما ذهب إليه الصديق العزيز الدكتور (جلال أمين) في مقاله بعنوان "أبي أحمد أمين.. والإخوان المسلمون" حيث كتب يقول: "لا أفهم لماذا كل هذه المعاداة لفكرة الاقصاء في أعقاب ثورة شعبية ناجحة، بينما لا يمكن تعريف أي ثورة ناجحة إلا إذا تضمنت معنى الإقصاء. كل ثورة تقصد استبعاد نوع معين من الحكام أي اقصاءهم، سواء كانوا اقطاعيين أو ديكتاتوريين مستبدين علمانيين، أو حكاما يدعون احتكار تفسير وتنفيذ الإرادة الإلهية. إذا خرج الناس بالملايين في ثورة على أي نوع من هؤلاء الحكام، فهم يطلبون "إقصاءهم" عن الحكم لأنهم يعتبرون حكمهم ظالما ومستبدا". ويبرر الصديق العزيز "الاقصاء" بقوله: "إنني أشعر بالدهشة الشديدة من أن يصدر هذا التأييد لأصحاب الخطاب الديني المتعصب، بحجة الدفاع عن الديمقراطية، من جانب ممثلي حضارة اقترنت نشأتها ابتداء، ودفاعها عن الحرية والديمقراطية بالثورة على الخطاب الديني المتعصب، والمعادي للحرية والعلم على السواء، والذي تمثل في ادعاء الكنيسة احتكار تفسير الإرادة الإلهية وادعاء الملوك أنهم ظل الله على الأرض". ومن جهتي، أرد على (د. أمين) قائلا: إن أوضاعنا في هذه المرحلة مختلفة كثيرا عن الأوضاع الأوروبية في حينه والأسباب الموجبة لعدم الإقصاء في حالتنا ستتضح في سياق المقال اللاحق عن "الحل" البديل لنهج "الإقصاء".
لقد كشفت الاحداث الجارية في عديد البلدان عن تسيد ثقافة الإقصاء، وانتشار فكرة عدم قبول حق الاخرين في العمل السياسي، بل قبول الاصطفاف لجانب ضد آخر مع ادعاء قبول الديمقراطية بأوسع معانيها الليبرالية!!! إذن، هذه هي المشكلة. أما الحل، فلا يتسع المجال له اليوم، ولنتركه إلى مقال لاحق.
عار الوعي وفكر التقدم
بكر أبو بكر
تلجأ الحكومات المتسلطة والحكم المستبد لمجموعة من الأساليب في تعاملها مع الناس ليظلوا ممسكين بالرقاب ملوحين لهم بسيف الفتنة، أو سكين اللااستقرار أو عصا العقاب الغليظة حال تململهم أو اعلانهم الرفض، مقابل سيل من الجوائز أو الهبات (ان توفرت)، وهذه الأساليب التي يرونها (ابداعية) هي خبث ومكر ارتبط بدفء الكرسي وحب السلطة والهيلمان الذي يدافعون عنه من خلال استغلال الدين أوالوطنية أو الأمن القومي عبر الترويج المبرمج للكذب عبر وسائل أو حيل أو أمور ثلاثة.
أول أساليب المكر السلطوي هو الإلهاء: حيث يتهيأ للناس أن الحكومة القائمة هي حكومة الرضا والقبول، وحكومة إسعاد الشعب إذ يلهون فيصبح المهرجان الغنائي أو مهرجان الأناشيد الدينية على الدف فقط،..... انتصارات تحسب للبلد، وهو يغرق في ظل أزمات اقتصادية قاتلة.
وثانيها أسلوب التهميش حيث إنه للحفاظ على الحدود بين الطبقات فلابد أن تكون الصفحة كاملة للذين فوق، ويوضع الشعب جميعا على هامش الصفحة، على فريضة أن الحكومة ربانية أو وطنية أوتعمل لتحقيق الأمن القومي وأن كان لها كل الكراس وبقي للشعب هوامش.
وثالثا يتم استخدام أسلوب الإيهام وهنا لا بد أن يتم اختراع انتصارات أو انجازات أو معارك مع أعداء حقيقيين أو ووهميين، ويتوهم الشعب أنه يعيش انتصاراته... بدلا من أن تكون معركتنا مع التقدم العلمي تصبح معركتنا في مركب الشريعة بوهم الأولوية، وبدلا من أن تكون معركتنا ضد الجهل والأمية ونقص الوعي تصبح السفاسف معارك كبرى.
إن افتقاد الهدف الجامع للشعب والأمة وافتقاد الخطة الوطنية والقومية وافتقاد الوعي الحضاري العربي الاسلامي عار ما زال يكلل جبيننا، وان أي رغبة بالتقدم والتحرر والنماء لا يتحقق بالشعارات أو الدعوات (الفيسبوكية) او الأحاديث الإعلامية الصاخبة وإنما بالعرق الغزير يتفصد من الجبين وبالعمل الدؤوب، وفي إيمان بالله لا يتزعزع وثقة بقدراتنا الذاتية ورغبة عارمة بالخروج من مربع الانبهار أمام الآخر الى مربع ابهاره بفكرنا وأدبنا وصناعتنا وزراعتنا وتقدمنا العلمي.
لا تغيير أو ثورة أو تقدم واقع ان كنا نفتخر بأن ننسج للاستبداد عباءته الحريرية، ولا تغيير يحصل إن استكنّا أو تراجعنا أوغرقنا في الماضي وما سلف والتاريخ، ولا تقدم وحضارة تنشأ ان لم تكن العقول النيرة المتحررة المتيقظة هي من يقود.
مبدع من زمن الاشتباك
«لذكرى الشاعر والكاتب الكبير علي الخليلي»
يحيى رباح
يرحم الله شاعرنا ومبدعنا الفلسطيني الكبير علي الخليلي الذي غادرنا إلى دار الحق، وصعدت روحه إلى بارئها راضية مرضية، وخلف فينا إرثاً موصولاً وذكرى عميقة من خلال إبداعاته الشعرية وكتبه التي دافع فيها عن العمق الثقافي لشعبه الفلسطيني الذي يخوض اشتباكاً على مدار اليوم والساعة والدقيقة مع عدو نحن في حالة اشتباك قصوى معه على كل شيء ابتداء من هوية الأرض وصولاً إلى هوية الذاكرة، وكان علي الخليلي واحداً من فرسان ذلك الاشتباك، وأمراء ذلك الاشتباك حتى اللحظة الأخيرة في حياته.
تعرفت على شاعرنا ومبدعنا علي الخليلي لأول مرَة عن بعد، فقد كان هو من طيور الوطن بينما كنت أنا من طيور المنفى، كان هو في نابلس، المدينة الجميلة العريقة، عاصمة جبل النار، وكنت أنا الغزاوي في بيروت وفي جنوب لبنان، ويبدو أنه كلف من الأخ أبو جهاد خليل الوزير الذي كان يشرف على ما كان يطلق عليه القطاع الغربي، أي العمل داخل فلسطين المحتلة، بتأسيس البنية الثقافية، على صعيد تأسيس نقابة للكتاب والأدباء ونقابة الصحفيين، ولم يكن الأمر سهلاً بطبيعة الحال، وأذكر أن الأخ أبو جهاد، كانت له طريقته الخاصة في إثارة اهتمامنا نحن المثقفين بكتابنا وأدبائنا في الداخل في الضفة والقطاع والقدس، فقد كان مبدعونا داخل الخط الأخضر قد تم التعرف عليهم، وانتشر انتاجهم، وتضاعفت شهرتهم قبل ذلك من خلال جهود مثابرة قام بها على وجه الخصوص غسان كنفاني المبدع الفلسطيني المبهر، وصديقه في مصر الناقد الشهير رجاء النقاش.
أما الحركة الثقافية في الضفة والقطاع والقدس التي احتلت عام 1967 فكان لها إيقاع خاص بحكم الاشتباك اليومي مع الاحتلال، وكان من أبرز المعنيين بهذه الحركة الثقافية القائد البارز أبو جهاد خليل الوزير ضمن مسؤولياته الكبرى.
و كنت في العام 1978 مفوضاً سياسياً لقواتنا في جنوب لبنان، وعضواً في اتحاد الكتاب والصحفيين الذي تشكل منذ العام 1972، وأكتب في الصحف والمجلات والدوريات الفلسطينية والعربية، وقد أعطاني أبو جهاد ذات مرة رواية عنوانها «الطوق» لغريب عسقلاني الذي عرفت فيما بعد أنه إبراهيم الزنط من مدينة المجدل، فكتبت عنها في الصحافة الفلسطينية ، وبعدها أعطاني ديوان شعر لعلي الخليلي الذي اكتشفت بعد ذلك أنه قامة كبيرة من قامات الإبداع داخل فلسطين المحتلة، وكان شاعراً وكاتباً مرموقاً، وقد فاقت مؤلفاته الأربعين مؤلفاً، وظل في آخر أيامه كما في أول شبابه مستغرقاً في مهمته التي انتدب نفسه لها منهمكاً في الاشتباك دفاعاً عن شعبه، دفاعاً عن هوية الأرض والإنسان، دفاعاً عن عمق الوجود، وعن مآلات المصير، لا تهمه التبدلات التي تظهر على السطح، لأن جوهر القضية يسكنه باستغراق!!!
حاضر بكليته في الفعل الثقافي وغائب بكليته عن مواسم الألقاب والمكافآت، متصالح مع نفسه إلى حد يشبه الاستغراق الصوفي، يزدحم المزدحمون حول القصعة، هذا ينهش لقباً، أو وساماً، أو جائزة، أو وظيفة لامعة، بينما هو منهمك في الاشتباك دفاعاً عن جوهر القضية، وجوهر القضية هو الوجود، واستمرار إنتاج هذا الوجود دون انقطاع، فهذا ما يمكث في الأرض فأما الزبد فيذهب جفاءً.
و على هذا المنهج، الثبات والوفاء والرؤيا المستشرقة السابقة للرؤية المتعثرة، ظل علي الخليلي إلى آخر نفس، يحصل على مكافأة من نوع فريد وهي محبة للناس، الفقراء، الأغلبية، أهل الأرض وأهل القضية، فهل هناك جوهرة أغلى من هذه المحبة؟
اربعون عاما مضت
عادل عبد الرحمن
اربعون عاما مضت على ذكرى حرب اكتوبر 1973، حققت الجيوش العربية انتصارا فيها على اسرائيل, لعب الجيشان المصري والسوري دورا مهما رياديا في كسر الغطرسة العسكرية الاسرائيلية. اسقطت منطق السوبرمان والهالة الطاووسية عن جيش العدوان والارهاب المنظم الاسرائيلي, رغم ما اصابها في جبهات معينة من انتكاسات.
الجيوش العربية المصرية والسورية ومعها جيش التحرير وقوى الثورة الفلسطينية حققت انجازات عسكرية وسياسية عدة، منها:
اولا: اختراق قناة السويس وخط بارليف الأقوى في التاريخ.
ثانيا: كسرت النظرية العسكرية الاسرائيلية.
ثالثا: اعادت الاعتبار للجيوش العربية وللضباط والجنود في أوساط الشعوب العربية وامام العالم ككل.
رابعا: اكدت بما لا يدع مجالا للشك، انه في حال تلاحمت الارادة العربية، فإنها قادرة على تحقيق الانتصار إذا شاءت.
خامسا: اكدت اهمية المال والقرار السياسي العربي في دعم جبهات القتال.
نعم, لم تتمكن الجيوش العربية من تحقيق اهدافها السياسية كما يجب ويليق بها وبروح العطاء، التي تمثلتها لأسباب عديدة ايضا، منها:
اولا: الارادة السياسية لم تتمثل الاهداف الوطنية والقومية كما يجب، لا بل ان ارادة الجيوش كانت أعلى وأعمق من ارادة القيادات السياسية. رغم حدوث اختراقات في الجبهة المصرية الدفرسوار مثلا، وجبهة الجولان.
ثانيا: الاخطاء العسكرية القاتلة في جبهة الجولان، افقدت العرب جميعا إحداث الاختراق الاستراتيجي لتحقيق قفزة نوعية في مسار الصراع العربي الاسرائيلي.
ثالثا: تساوق الذات العربية الرسمية مع الخيار السياسي الأميركي، الأمر الذي ضاعف من النتائج السلبية على الحالة العربية الرسمية والشعبية.
رابعا: التحولات السلبية في الساحة العربية تركت بصماتها لاحقا على مسيرة الثورة الفلسطينية، حيث اشتد التآمر عليها في لبنان.
اضافة لما تقدم، هناك الكثير من الملاحظات الايجابية والسلبية ذات الصلة بالحرب، لكن اي كانت حدود السلبيات، تبقى حرب اكتوبر علامة فارقة في حياة الشعوب العربية. والانتصارات، التي تحققت لم تكن بالصدفة، بل نتاج ارادة وتصميم على تجاوز جدار الهزيمة، ونقل العسكرية العربية خطوة للامام لتتماثل مع مصالح الامة العربية، وليس فقط في مصر او سوريا.
الاهم ان الذكرى الاربعين لانتصار اكتوبر تأتي والثورة المصرية الثانية تعيد الاعتبار لارادة الشعوب العربية عموما والشعب المصري العظيم خاصة, والتي سيكون لها اثر عميق في استلهام عبر ودروس اكتوبر 1973 لتعزيز وتكريس تلاحم ارادة الشعب مع الجيش، الذي حصل وتبلور في الثورة الثانية يونيو 2013. وهو ما يعني نشوء تحول سياسي عسكري وواقع عربي جديد، يتسم بالطابع الديمقراطي، وتجاوز الصعوبات والارباكات الناشئة عن جرائم جماعة الاخوان المسلمين ومن يقف خلفهم.
بومدين.. وفلسطين
عيسى عبد الحفيظ
شكلت الجزائر داعما رئيسا للثورة الفلسطينية منذ الستينيات، حتى اعتبرتها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية واحدة من دول الطوق. فهي أول بلد عربي وفي العالم يفتتح مكتبا لحركة فتح، وهي أول دولة عربية استقبلت كوادر فتح لدورات عسكرية عليا على كل المستويات. وهي التي قال رئيسها الراحل هواري بومدين عن فلسطين ان «القضية الفلسطينية هي الاسمنت الذي يشد اطراف الدول العربية وهي الديناميت الذي يفجرها». أي ان فلسطين تجمع كل الدول العربية حول هدف واحد، واذا ما تخلى البعض عن تحقيق هذا الهدف، فان وحدة العرب حول الهدف ستتلاشى.
أيضاً، لم تبخل بتقديم آلاف المنح الدراسية كل عام وما زالت حتى الآن، حتى وصل الأمر بعد الحرب في لبنان بالجزائر الى تقديم اكثر من 500 مقعد دراسي في كل التخصصات ابتداءً بالطب وانتهاء بالعلوم الاجتماعية، وهذا لعام دراسي واحد ضم الطلبة الفلسطينيين وطلبة الحركات الوطنية اللبنانية كالحزب الشيوعي، ومنظمة العمل، والحزب الاشتراكي التقدمي، وحركة الناصريين، وكل ذلك تم عبر سفارة دولة فلسطين بالجزائر حيث كان السفير آنذاك الفقيد ابو حسان فاروق ابو الرب، والذي تم اعتماد ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في عهده سفارة كاملة الحقوق الدبلوماسية، وتم تزويد الكوادر الرئيسة للسفارة ببطاقات دبلوماسية جزائرية، وجوازات سفر بعضها أحمر اللون وبعضها عادي لسهولة التنقل خاصة ان الجواز الجزائري في تلك الفترة كان مقبولا دون الحاجة لتأشيرات في معظم دول أوروبا الشرقية والغربية وافريقيا وآسيا.
وفعلاً تم تزويد جل ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية بالعالم بجوازات سفر جزائرية دبلوماسية، وكثير من الكوادر المتقدمة بجوازات سفر جزائرية، فعلى سبيل المثال تم تنظيم دورة أمنية عالية المستوى لعشرات من الاخوة الذين فوجئوا في نهاية الدورة بإمدادهم جميعهم بجوازات سفر تصلح لمعظم الاماكن ولفترة خمس سنوات.
أيضاً، قدمت الجزائر من السلاح الكثير، وكانت هي الوسيط مع الاتحاد السوفييتي لذلك، لان القانون السوفييتي لم يكن يسمح بالبيع لأي جهة اذا لم تكن دولة مع علمه الأكيد الى أين الوجهة النهائية للسلاح.
عرض الرئيس الراحل بومدين حمولة ثلاث سفن من السلاح على القيادة الفلسطينية، كانت أسلحة قديمة منذ عهد الثورة تم الاستيلاء عليها بعد رحيل الاستعمار الفرنسي من قاعدة «المرسى الكبير» في وهران، وهي أكبر قاعدة عسكرية بحرية فرنسية خارج فرنسا، وما زالت الى الآن تشكل عصب القوات البحرية الجزائرية لضخامتها حيث تم حفر انفاق بحرية تحت الجبال المجاورة لتكون مهجعاً للسفن الحربية والغواصات.
كل ذلك تم مع دعم سياسي مطلق، فقد كان الشعار الجزائري الرسمي وفي كل المحافل والاجتماعات والمؤتمرات يقول صراحة وبلا أدنى مواربة حول القضية الفلسطينية «نقبل ما يقبل به الفلسطينيون، ونرفض ما يرفضونه»، كانت الحساسية الجزائرية تجاه التدخل في شؤون الثوار عالية جدا. ولهذا اسبابه الذاتية حيث عانت الثورة الجزائرية من هذه الظاهرة حتى ان قيادة الثورة اغلقت مكتبها في القاهرة حين حاول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التدخل في أمورهم ومشاكلهم الداخلية ونقلت المكتب الى المملكة العربية السعودية، وعندما نذكر عبد الناصر يجب وللتاريخ تسجيل مواقفه الجريئة والداعمة للثورة الجزائرية ولا ننسى هنا التنويه الى أن بومدين نفسه كان يتلقى تعليمه في الأزهر ومن هناك انضم الى صفوف الثوار، بالاضافة الى علاقة حميمة كانت تربط عبد الناصر بأحمد بن بيلا.
أيضاً وللتاريخ، كانت الاميرة دنيا عبد الحميد وهي سيدة مصرية من اصل حجازي ومن طبقة الاشراف زوجة الملك حسين سابقا، وزوجة المناضل صلاح التعمري، كانت قد تبرعت باليخت الخاص بها والذي يحمل اسمها «دنيا» لنقل السلاح من مصر الى الجزئر، وبعد قيامه بعدة رحلات اكتشفت السلطات الفرنسية الامر وقامت بتدميره أمام الشواطئ الجزائرية.
بعد المؤتمر الذي انعقد بالمغرب «قمة الرباط» والذي تم فيه الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، جاء ابو عمار ليشكر الرئيس بومدين على جهوده الجبارة في تثبيت وتمرير هذا الاعتراف التاريخي فرد بومدين قائلاً «ولماذا تشكرني هذا واجب عليّ وعلى الجزائر» ثم أردف: وان شاء الله سنأتي الى زيارتكم في القدس بعد تحريرها.
لم تمهل الأيام لا هذا في زيارته ولا ذاك في استقباله وبقيت القدس تنتظر، ولكن الامل معقود على حتمية التاريخ الذي سيلتقي فيه جثمان هواري بومدين بجثمان ياسر عرفات في أرض العروبة من المغرب العربي الى قدسنا الشريف لتؤكد وحدة الحال ووحدة الهدف ووحدة المصير.
ثورتان، الاولى انتصرت بعد 133 عاما من الاستعمار الاستيطاني ومحاولات محو الهوية، والثانية ما زالت تناضل وتكافح منذ اكثر من ستة عقود، ولا بد للقيد ان ينكسر.
رقد بومدين في مقبرة «العالية» بالجزائر العاصمة الى جانب جثامين رفاقه في الثورة الجزائرية المجيدة ومنهم الامير عبد القادر الذي جرى نقل جثمانه من دمشق بعد نيل الجزائر استقلالها عام 1962، وسيأتي اليوم الذي ينقل فيه جثمان عرفات الى القدس في باحة الاقصى كما كان يردد دائماً.