المقالات في الصحف المحلية 72
18/6/2013
صحيفة القدس
عنصرية في أحقر صورها !!
حديث القدس
رسم خريطة طريق للشرق الأوسط
ديفيد إغناتيوس
بعد أن فقدت مهمة كيري زخمها؟!
عريب الرنتاوي
ما بعد كيري!!!
راسم عبيدات
خطة كيري: الفلسطينيون هم كبش الفداء مرة أخرى
جوناثان كوك — (ميدل ايست)
حزيران والانتكاسة المحفورة في الوعي العربي
عبد العزيز المقالح
الايام
أطراف النهار.. توجيه "التوجيهي"؟
حسن البطل
الانقسام مستمر إلى أجل غير مسمى
هاني المصري
سورية تجدد الحرب الباردة
رجب أبو سرية
مأزق حماس واحتمال الانقسام
مهند عبد الحميد
الحياة الجديدة
حياتنا - المغامرة القطرية الفاشلة
حافظ البرغوثي
تغريدة الصباح - من يجمع العاشقين؟
احمد دحبور
الحكم في قطر.. ترخية الشد لحبلٍ ممتد! 2 من 2
عدلي صادق
أيها الانقلابيون: ارفعوا ايديكم عن المسيحيين
عادل عبد الرحمن
وأخيراً ... بيت فلسطيني للعلوم
د. صبري صيدم
زمن الانقسام وزمن الاستيطان
يحيى رباح
مقالات صحيفة القدس
عنصرية في أحقر صورها !!
حديث القدس
اعتدى متطرفون يهود على فلسطينيين لا لأي سبب سوى لكونهم فلسطينيين وهم لا يميزون بين صغير وكبير، فقد أصيبت السيدة الفاضلة فتحية محمد عجاج برضوض وكدمات بعد اعتداء العنصريين عليها ولم يرحموا شيخوختها وعمرها ٧٥ عاما، وقد كانت تزور ابنها الذي يرقد في المستشفى في منطقة دير ياسين ورددوا الهتافات العنصرية المعروفة "الموت للعرب". وأصيبت في مكان آخر الشابتان ليالي عمران الصياد وأنوار ابو رموز بعد اعتداء عنصريين عليهما في مكان عام وعند محطة الحافلات المركزية في شارع يافا وسط القدس. وفي هذه الحالة فقد اعتقلت الشرطة الجاني وأحالته للمحاكمة وقالت انه كان ثملا في محاولة مباشرة لتبرير جريمته، وان كان هذا ثملا فماذا عن الذين اعتدوا على السيدة المسنة في دير ياسين، وماذا عن الاعتداءات السابقة وماذا كان عقاب الفاعلين، ولو كان الأمر معكوسا، اي ان فلسطينيين هاجموا يهودا، فكيف سيكون الرد الاسرائيلي ؟ وما هو مصير الذين اعتدوا على الشاب المقدسي حسام الرويضي الذي قضى نتيجة طعنات عنصريين في القدس الغربية وكذلك عشرات الاعتداءات التي مرت دون ان نسمع عن أية عقوبات او أحكام قضائية، وغالبا ما كان يتم اطلاق سراح هؤلاء المعتدين سواء ضد الأشخاص او دور العبادة.
وبعيدا عن هذه الاعتداءات، فان هناك مظاهر للعنصرية لا مثيل لها وتتعلق بأملاك الفلسطينيين. ان الفلسطيني حتى من حملة هوية القدس لا يستطيع استعادة أية حقوق له في القدس الغربية او اسرائيل عموما بينما تسعى المؤسسات والمنظمات الاستيطانية الى تهجير المواطنين من بيوتهم بدعوى انها تعود ليهود منذ عشرات السنين، ويجد في القانون العنصري ما يحميه ويسهل له توسعه.
وهم اليوم بصدد إصدار تشريعات وقوانين لمصادرة آلاف العقارات بالقدس والتي تعود لفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية بدعوى أنها أملاك غائبين، وفي الوقت نفسه هناك من بدأ حملة داخل اسرائيل للمطالبة بأملاك اليهود في الدول العربية ويجد من يشجعه رسميا وقانونيا، فهل هناك ما هو أحقر وأقل قانونية وأخلاقا من هذه التناقضات ؟ هم يحللون ما يرونه مفيدا لهم ولصالحهم ويحرمون الشيء نفسه علينا بالفعل والقول والممارسة والقانون.
انه المنطق الأعوج نفسه الذي يدعي ان اليهود عادوا الى "ارض الميعاد" بعد آلاف السنين وليس من حق شعبنا العودة الى أرضه ووطنه وأملاكه التي اضطروه الى الهجرة عنها منذ عشرات السنوات، او بتبريرات تحرمه حتى وهو قريب من أملاكه، من استعادتها.
لا ظلم أكبر من هذا، ولا عنصرية أسوأ من هذه، ولا أبارتهايد أكبر من الذي يحدث أمام مرأى العالم وسمعه
رسم خريطة طريق للشرق الأوسط
ديفيد إغناتيوس
ما الذي تفعله أميركا في الشرق الأوسط؟ أسمع هذا السؤال يطرح بشكل متزايد، مع اتجاه إدارة أوباما أخيرا نحو الدعم العسكري للمعارضة السورية. يبحث الناس، على نحو مصيب، عن استراتيجية تربط السياسة الأميركية في سوريا بما يجري في البحرين ومصر والعراق وتركيا وأجزاء أخرى في المنطقة.
ينبغي أن يتمثل هدف الإدارة في دعم القوى المعتدلة، أي تلك الملتزمة بإرساء قيم التعددية وحرية التعبير وسيادة القانون. كانت تلك هي الموضوعات المحورية التي تناولها الرئيس أوباما في خطابه الشهير الذي ألقاه في (حزيران) 2009 في القاهرة، غير أنه لم يتبعها إلا قدر ضئيل جدا من الأفعال الملموسة.
أرى أن مد يد العون للثوار السوريين بهدف تقويض إيران، الحليف الأساسي للرئيس بشار الأسد، سيكون خطأ بالأساس؛ فعلى الولايات المتحدة أن تعارض كل المتطرفين الطائفيين - حزب الله المدعوم من إيران أو الجهاديين السُنة المدعومين من تنظيم القاعدة بالمثل - الذين يهددون المنطقة.
تشعر الإدارة بثقة أكبر في دعم الثوار السوريين نظرا لأن اللواء سليم إدريس، القائد العسكري للثوار، يجسد قيم التعددية المعتدلة هذه. غير أنه ينبغي ألا تعمى أعين المسؤولين الأميركيين عن الحقائق: فإدريس ضعيف عسكريا، والولايات المتحدة بحاجة إلى دعمه على وجه السرعة بحيث يصبح قائدا حقيقيا وليس مجرد معرقل حسن النية للخطط الأميركية.
بين أصدقائي من الثوار السوريين، أسمع التماسا يائسا موجها للقيادة الأميركية. «تزداد النزعة الطائفية لدى الناس كل يوم، ويصبحون أكثر غضبا على نحو يدفعهم للقتل أخذا بالثأر، ويزداد احتمال أن يتبعوا قواعد جنيف أو أي قواعد أخرى»، بحسب لؤي السقا، السوري الكندي المقرب من إدريس. ويضيف: «افتقار الولايات المتحدة للقيادة يهبط بالحرب إلى منحدر جديد، لن يصبح فيه لمهمتنا ومهمتكم أساس منطقي».
إدريس رجل طيب وقائد حساس. لقد أخبرني في مقابلات عدة أنه يفضل التواصل مع العلويين والمسيحيين والأقليات الأخرى في سوريا، وأنه يرغب في العمل مع الجيش السوري، وطمأنة روسيا بشأن مستقبلها في سوريا. غير أن كل هذه الصفات الطيبة ستكون عديمة الجدوى ما لم ينتصر في ساحة المعركة.
إن الحروب تغرس بذور التطرف، مثلما شهدت أميركا في حربها بالوكالة ضد السوفيات في أفغانستان قبل ثلاثة عقود. يتعين على الولايات المتحدة توضيح أنها تدعم إدريس نظرا لأنه معتدل. وفي حالة انحراف قواته عن هذا النهج فإنها تخاطر بفقدان دعم الولايات المتحدة.
إن التزاما مماثلا بمسار معتدل يتفادى النزاع الطائفي بين السُنة والشيعة يجب أن يدفع السياسة الأميركية في البحرين.
التقى مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى الأمير سلمان بن حمد آل خليفة. ورغم الضغوط الطائفية المحتدمة في البحرين، فقد استمر الأمير سلمان بن حمد في المطالبة بحوار وطني والمصالحة.
غير أن الأمير سلمان بن حمد بحاجة لقدر من الدعم الدبلوماسي الأميركي لتعزيز هذه العملية الإصلاحية. إنه بحاجة لأن تضغط الولايات المتحدة على آية الله من أجل نبذ العنف في مقابل إصلاحات اقتصادية حقيقية تنتهجها الحكومة وتجعل الحياة أفضل بسرعة وبشكل واضح في الأحياء الشيعية.
ويجب أن تكون مصر مثالا ثالثا على سياسة دعم الاعتدال والتصالح الأميركي. الحقيقة المؤلمة هي أن حكومة جماعة الإخوان المسلمين التي يرأسها مرسي تعجز عن الإدارة بأسلوب تعددي فعلي.
يشير استطلاع رأي جديد لمركز زغبي للخدمات البحثية إلى انخفاض حاد في نسبة تأييد مرسي. قبل عام، قال 57 في المائة إن فوزه جاء بمثابة نتيجة «إيجابية مرضية» أو «يجب احترامها». اليوم، انخفضت النسبة لتصل إلى 28 في المائة فقط.
تمثل مصر الآن مثالا سياسيا اقتصاديا لمتن الفصل 11 من قانون الإفلاس الأميركي؛ فهي تعتمد على المعونات من قطر، أحد حلفاء الولايات المتحدة، والتي تدعم جماعة الإخوان المسلمين بشكل غير حكيم. على الولايات المتحدة ألا تشرط المساعدات الاقتصادية المقدمة من واشنطن وصندوق النقد الدولي بفرض سياسات إصلاح صارمة (الاستراتيجية التي جرى تبنيها على نحو خاطئ العام الماضي)، وإنما بالالتزام بتحقيق التعددية.
ينبغي أن يلزم صندوق النقد الدولي مرسي بحمل جميع الأحزاب السياسية المصرية على تبني حزمة المساعدات التي من شأنها أن تعزز الوحدة الوطنية التي تحتاج إليها مصر.
ينبغي أن تمتد استراتيجية دعم الاعتدال ومقاومة التطرف هذه إلى العراق، حيث أهدرت الولايات المتحدة الكثير في صورة ضحايا وأموال. ما زالت الولايات المتحدة تملك ميزة هناك، نظرا لأنها توفر أسلحة وتدريبا عسكريا، وينبغي أن ينتهج أوباما أسلوبا دبلوماسيا أقوى من أجل الوحدة العراقية (مما يعني تضمين السُنة المعزولين) وضد العنف الذي يؤجج نار الحرب الطائفية هناك.
ويكمن التحدي الأخير في تركيا: إذا ما آثر رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان التسلط، فسيخسر دعم أوباما.
ربما تكون المطالبة بالاعتدال في الشرق الأوسط فكرة ساذجة. ويجب أن يمثل تسليح الثوار السوريين جزءا من جهد عملي للوقوف في صف القوات المعتدلة ومقاومة العنف الطائفي وتشجيع الحكومات عبر أنحاء المنطقة التي تحترم التعددية وسيادة القانون.
بعد أن فقدت مهمة كيري زخمها؟!
عريب الرنتاوي
فقدت مهمة الوزير جون كيري الشرق أوسيطة بريقها وزخمها..يأتي الرجل ويروح، من دون أن يترتب على جولاته المتكررة، أية نتائج..الشقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى اتساع، والزحف الاستيطاني الإسرائيلي يتمدد فوق أراضي القدس وباقي انحاء الضفة الغربية، وبضاعة "السلام الاقتصادي" التي عرضها الرجل، لم يجد من يشتريها، بل على العكس من ذلك، فقد أيقظت مبادرة كيري، حركة مناهضة للتطبيع مع إسرائيل في فلسطين، أكثر وعياً وأمضى عزيمة، بالرغم من محاولات نفر من رجال الأعمال الفلسطينيين الذهاب في الاتجاه المعاكس.
لم نكن نقرأ بـ"المندل" أو "نضرب بالرمل"، عندما أطلقنا منذ اليوم الأول لبدء مساعي رئيس الدبلوماسية الأمريكية، نبوءة متشائمة بخصوص مآلات مهمته والنتائج التي قد تفضي إليها..لقد فعلنا ذلك انطلاقاً من الإدراك العميق لحقيقتين/مُسلمتين ناصعتين كالشمس في رابعة النهار: الأولى، وهي أن إسرائيل، حكومة ورأي عام وائتلاف وكنيست وخريطة حزبية، "تنزاح" بصورة منهجية وثابتة، صوب التطرف القومي والديني، وأنها لم تعد مؤهلة لإنتاج حكومات قادرة على الوفاء بالحد الأدنى من استحقاقات "حل الدولتين"، بل حكومات حرب وعدوان وتوسع استيطاني بامتياز، وبخلاف ذلك، يبدو كل حديث عن سلام مع إسرائيل، من باب "النفاق" أو "الإفلاس"، وفي أحسن الحالات، شراء وقت وتقطيعه.
والحقيقة الثانية، أن ليس في واشنطن، وحتى إشعار آخر، إدارة قادرة على فرض "حل الدولتين" على إسرائيل..خبرة السنوات الأربعين أو الخمسين الفائتة، أكدت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك..وحتى بفرض توفر الاستعداد لممارسة بعض الضغوط بين الحين والآخر، فهو من النوع الذي لا يرقى إلى مستوى دفع القيادة الإسرائيلية لإنهاء احتلالها الذي بدأ عام 1967، وفقاً لمنطوق خريطة الطريق. وإذا أضفنا إلى هاتين الحقيقتين/ العاملين، عوامل أخرى من نوع تآكل الحركة الوطنية الفلسطينية، واستشراء حالة الانقسام الفلسطيني، وانصراف العرب بعد "ربيعهم" وقبله، إلى "أولوياتهم" الداخلية..نخلص إلى أن ليس ثمة ما يجبر إسرائيل على إنهاء احتلالها المريح (خمسة نجوم)، وغير المكلف (إقرأ المُربح).
رغم كل الوعود والآمال العراض، التي سبقت ورافقت مهمة كيري، كان واضحاً منذ البداية، أن الرجل انطلق من "النقطة" الخطأ، وأنه ينتوي الوصول إلى "المكان" الخطأ..مرحلة السلام المتدحرج والحلول المرحلية والانتقالية ولّت، من دون أن تحل محلها مرحلة "نضج" الاستعدادات للحل النهائي..ولأن كيري أدرك هذه الحقيقة مبكراً، فقد عمد إلى "التلهي" بشق طرق التفافية، لتفادي السير على طريق السلام والحل الشاق والصعب، إن لم نقل المستحيل..بدأ بالحديث عن إجراءات بناء ثقة، وانتهى إلى سلام الأربعة مليارات دولار الاقتصادي، فكان كالمنبت، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
لم يعلن كيري بعد، نهاية مشواره ومحاولته..رغم أن كافة المؤشرات تدل على انتهائها الفعلي و"موتها السريري"، ولكن متى كانت الدبلوماسية تعلن عن فشلها، ولماذا ستعلن عن نهاية مساعيها هذه المرة، وما الذي يعنيه ذلك سوى دفع الناس دفعاً، لإعادة النظر في قراراتهم واختياراتهم..مهمة كيري، تواجه ذات المصير الذي انتهت إليه مهمات وبعثات قام موفدون كثر من قبل، لكن شهادة الوفاة، لن تصدر، فليس ثمة من جهة مخوّلة بإصدار هذا الشهادات رسمياً. نجح كيري في "شراء" ستة أشهر، وقد ينجح في شراء عدد إضافي منها..لكن حال المسألة الفلسطينية سيظل على حاله في كل الأحوال: أرض تُبتلع وحقوق تُصادر ومقدسات تُدنس، وانقسام يقضي على بقية الأمل في صدور الفلسطينيين، وعرب محتربون، وفتاوى تشرّع الجهاد وتحض على شد الرحال،إلى شتى بقاع الأرض، باستثناء فلسطين.
أرجأ كيري جولته التي كانت مقررة الأسبوع الفائت..لا نعرف لماذا أو متى سيأتي، لكننا نعرف أن كثرة الجولات وتقارب مواعيدها، لا يعني أن ثمة طحين سيتأتى عن هذه "الجعجعة"..نحن نعرف وهو يعرف، وكل من هو "متورط" في عملية السلام يعرف، أن الرجل سائر إلى طريق مسدود.
أشهر قلائل أخرى، يحتاجها كيري لمعرفة الوجهة التي ستسلكها التطورات على مساري أهم أزمتين في المنطقة: إيران وسوريا، والأرجح أن سيسعى لإبقاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تحت السيطرة خلال هذه الفترة الحرجة، وعندما يتم التوصل إغلاق هذين الملفين، سلماً ام حرباً، عندها لن يكون الرجل بحاجة حتى لذر الرماد في العيون، لن يكون محتاجاً لإطلاق بالونات وقنابل دخان، يعرف تمام المعرفة أنها فقدت قدرتها على إقناع الفلسطينيين بأن ثمة من يحاول رفع معاناة الاحتلال والحصار واللجوء عن كواهلهم. لقد شاهدنا هذا الفيلم في العشرين سنة الماضية، ثلاث مرات على الأقل: جيمس بيكر عشية الحرب على العراق وغداتها..كولن باول، عشية الحرب على العراق مرة ثانية وغداتها..وجون كيري، عشية "حافة الحرب" على سوريا وإيران وغداتها..فهل ثمة من يتعظ؟..وكم مرة علينا أن نلدغ من الجحر الواحد؟.
ما بعد كيري!!!
راسم عبيدات
..كما يقول المأثور الشعبي"قطعت جهيزة قول كل خطيب"، الا ان البعض لدينا لا زال يصر على الرهان على مواقف اسرائيل التي وعلى لسان مسؤوليها مثل داني دنون وموشه يعالون تعلن فشل جولات كيري المكوكية، فقد قال بوضوح ان اسرائيل لن تسمح بإقامة دولة فلسطينية غرب النهر،وان المفاوضات لن تؤدي الى شيء،وان من سيكون مستوطناً في الضفة الغربية ليس المستوطنون الغزاة بل الفلسطينيون أصحاب الأرض الشرعيين.
يعالون يضيف على دنون بالقول أن اسرائيل لن توافق على المبادرة العربية بعد كل التعديلات عليها،ونحن ندرك ذلك جيداً حيث ان اسرائيل حكومة ومعارضة وائتلافا وجمهورا تتجه نحو التطرف اليميني والديني، ولا يوجد قيادة سياسية إسرائيلية قادرة على أن تقدم تنازلات جدية من أجل السلام ولو في إطار الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني،لأن موافقتها تتعارض مع مرتكزات المشروع والبرنامج الصهيوني القائمين على الإستيطان والتوسع،وموافقتها على خلاف ذلك يعني انها تنتحر سياسياً.
واسرائيل مطمئنة الى هذا الصلف وتلك العنجهية لكونها تدرك بأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تخطب ود الحركة الصهيونية واللوبي الصهيوني،وهي بالتالي لن تقدم على فرض تسوية في المنطقة بخلاف رغبة ورضا اسرائيل،وهي تستمر في إدارة الأزمة لا حلها،وفقط تلوح في الحل،عندما تريد أن تنفذ عملاً عسكرياً ضد دولة عربية،وتريد من العرب ان يصطفوا معها حوله،كما حصل في غزو العراق ومن ثم إحتلاله.
وكيري الذي جاء معتقداً بانه "سيطول الزير من البير" بدأ يتراجع شيئاً فشيئاً عن مبادرته،بسبب اصطدامه بجدار الرفض الإسرائيلي،ليصل الى حد مطابقة أطروحاته مع مشروع نتنياهو للسلام الإقتصادي،متوهماً بأن ذلك سيكون مدخلاً للحل السياسي للقضية الفلسطينية،مشروع يقوم على مقايضة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني بمشاريع ورشاوي إقتصادية إستهلاكية تهدف إلى تحسين شروط وظروف حياة الفلسطينيين تحت الإحتلال،وبإختصار"كانك يا بو زيد ما غزيت" أو "من اول غزواته إنكسرت عصاته"،وانا لو كنت مكان نتنياهو أو يعالون ودنون لسلكت مسلكاً اكثر تطرفاً،فما الذي سيجبرهم على تقديم تنازلات او الرحيل عن الأرض الفلسطينية،ما دام مشروع الاحتلال والاستيطان غير خاسر؟ بل هو إحتلال خمس نجوم يتغذى ويتسمن ويتوسع مشاريع إستيطانية ومستوطنين وليتضاعف مئات المرات عما عليه قبل اوسلو.
وما دام هناك قيادة فلسطينية جربت طريق وخيار ونهج المفاوضات عشرين عاماً،بكل أشكالها وانواعها ولم تثمر عن أي شيء ذا جدوى بالنسبة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني،بل كانت تلك المفاوضات تستغل وتستثمر من قبل إسرائيل للمزيد من الإستيطان، فما العمل؟ وكأننا امام انفصال واضح عن الواقع، علما ان التمسك بالمفاوضات يشعر حكومة الإحتلال بالإطمئنان،وعدم وجود مخاطر جدية على مشروعها وإحتلالها.
وأيضاً الوضع العربي الذي كنا نراهن عليه من بعد ما يسمى ب"بالربيع العربي" بان يشكل رافعة للنضال الوطني الفلسطيني،وجدنا أنه إلتفت الى همومه ومشاكله الداخلية،وأصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة له هامشية،وأبعد من ذلك وجدنا هناك من يقود مشاريع مشبوهة من اجل تصفية القضية الفلسطينية،واضف الى ذلك وضعا فلسطينيا متهالكا وسيء،حيث الإنقسام يترسم ويتشرعن،وتغيب الرؤيا والإستراتيجية الموحدتين،وقيادات تعظم مصالحها وأجنداتها وإمتيازاتها فوق مصالح الوطن، ولا إنجازات جدية لا في المفاوضات ولا بالمقاومة،وكذلك لا خطوات عملية نحو إنهاء ظاهرة الإنقسام المدمرة.
خطة كيري حالها لن يكون بأفضل من حال كل الذين حملوا مبادرات سابقة لحل الصراع العربي- الإسرائيلي وفي جوهره القضية الفلسطينية، خطط ومشاريع تعتمد على إدارة الصراع وليس العمل على حله،وممارسة الضغوط والشروط والإملاءات على الطرف الضعيف،على الضحية لا الجلاد،خطط ومشاريع ومبادرات لا تقوم على إنهاء الإحتلال، بل تجميله وتحسين صورته،وعدم السعي الى إتخاذ قرارات أممية بحقه او فرض عقوبات دوليه عليه، نتيجة لممارساته القمعية والإذلالية بحق الشعب الفلسطيني، وإنتهاكه وخروجه على كل القوانين والمواثيق والقرارات الدولية، برعاية وحضانة وحماية من يواصلون التشدق بالحديث عن العدل والحرية والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها...الخ.
امريكا وأوروبا الغربية لم تصدرا شهادة وفاة لمبادرة كيري لحل الصراع،حال المبادرات السابقة،فامريكا حتى اللحظة لن تعلن فشل اوباما في تحقيق رؤيته بإقامة دولة فلسطينية مستقلة،وعد بإقامتها في فترة ولايته الأولى، وتراجع عنها لكي يتفق مع الرؤيا الإسرائيلية للمفاوضات والتسوية،وكذلك الرباعية وممثلها بلير وكذا كلينتون ومن قبله رايس وغيرهم،جميعهم حملوا مشاريع ومبادرات تدير الصراع ولا تعمل على إنهائه، كون العرب خارج إطار الوزن والتأثير والفعل،والفلسطينيين وضعهم ضعيف ومنقسمين على ذاتهم،وإسرائيل الإبنة المدللة لا يجوز ممارسة الضغوط عليها لفرض حل لا تقبل به .
كيري مهمته الحصول على المزيد من الوقت المستقطع،حتى تتفرغ امريكا للملفات الساخنة:الملفان السوري والإيراني ومعهما حزب الله، فهذه الملفات لها الأولوية في الحل سلماً او عبر الجراحة العسكرية،والملف الفلسطيني لا إستعجال في حله،وسيبقى يراوح مكانه، بل سيزداد تدهوراً،حيث التغول الإستيطاني في القدس والضفة الغربية، والعمل على تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً كأمر واقع، وشيوخ تستمر في إصدار فتاوي المناكحة و"الجهاد" وشد الرحال إلى سوريا لا إلى فلسطين حيث التحريم للجهاد وشد الرحال إليها ومن اجلها طمعاً في الحور العين،سيتواصل من أجل تدميرها وتخريبها، وواقع فلسطيني منقسم على نفسه، يزيد من حالة الإحباط واليأس وفقدان الأمل عند الفلسطينيين، وخطة ستوضع في غرف الإنعاش والموت السريري دون إصدار شهادة وفاة لها.
خطة كيري: الفلسطينيون هم كبش الفداء مرة أخرى
جوناثان كوك — (ميدل ايست)
تحت ضغط ثقيل من الولايات المتحدة، قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خدمة شفوية على مضض طيلة الأعوام الأربعة الماضية لهدف إقامة الدولة الفلسطينية. لكن أجندته الفعلية كانت دائماً شفافة: لا للدولة، وإنما لما وصفه بأنه "سلام اقتصادي".
ووفق نتنياهو، فإنه يمكن تهدئة خواطر الفلسطينيين العاديين بقشور من طاولة السيد: نقاط تفتيش أقل، والمزيد من الوظائف والفرص التجارية، وتحسين تدريجي، ولو انه محدود، في مستويات المعيشة. وكل هذا يشتري الوقت لإسرائيل لتمكينها من توسيع المستوطنات وتعزيز قبضتها على الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وبعد عشرين عاماً من السعي لإقامة الدولة الفلسطينية كما نصت على ذلك اتفاقيات اوسلو، ألمحت الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة إلى إمكانية تغيير موقفها. يبدو أنها تتبنى نموذج نتنياهو في "السلام الاقتصادي".
فقد كشف وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، بينما كان محاطاً بالرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريس، ورئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في الأردن مؤخراً، عن برنامج اقتصادي لاستئناف مفاوضات السلام. وقال إنه يوجد الآن نحو 300 رجل أعمال فلسطيني وإسرائيلي سيستثمرون بشكل مكثف في الاقتصاد الفلسطيني، في مشروع سيكون "الأكبر والأجرأ والأكثر طموحاً من أي من سابقاته منذ اتفاقيات أوسلو".
ولم تتوفر أي تفصيلات أخرى باستثناء الإشارة إلى أن من سيتولى الإشراف عليه هو توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق وممثل اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط، ورجل المجتمع الدولي في القدس منذ العام 2007.
وفي الحقيقة، يشكل بلير رجل الخيار الغريب، في ضوء انتقاد القيادة الفلسطينية له باعتباره في رأيها "النائب العام الإسرائيلي"، وحاججت في أحاديث خاصة -كما تكشف في الوثائق الفلسطينية المسربة في العام 2011- في أنه ينافح عن "طريقة على غرار الفصل العنصري (الأبارتيد) في التعامل مع الضفة الغربية المحتلة".
كانت ادعاءات كيري الخاصة ببرنامجه كبيرة، لكنها تتسم بالغموض: نحو 4 بلايين دولار في استثمار خاص على مدار ثلاثة أعوام من شأنها تعزيز الاقتصاد الفلسطيني بواقع 50 %؛ كما أن الإنتاج الزراعي والسياحة سيتضاعفان ثلاثة أضعاف؛ وستتراجع نسبة البطالة بواقع الثلثين؛ وسترتفع الأجور بواقع 40 %، وسيتم بناء 100.000 منزل.
لكن الاقتراح ترك القليلين متأثرين، ولسبب وجيه. أن كيري يعيد ببساطة تغليف مهمة بلير التي كان قد عهد بها إليه قبل ستة أعوام. وما تزال وظيفته هي تطوير الاقتصاد الفلسطيني وبناء المؤسسات الفلسطينية تمهيداً للدولة في نهاية المطاف، وبقليل من الثمار حتى الآن. وقد سخر ديفيد هوروفيتش، محرر صحيفة "تايمز أف إسرائيل" اليمينية، من ذلك حين كتب: "لو كان هناك مبلغ 4 بلايين دولار قيد الاستثمار الخاص في الاقتصاد الفلسطيني، لكان توني بلير قد وجده".
وبالنظر من زاوية أخرى، فإن مشكلة الاقتصاد الفلسطيني لا تكمن في الافتقار إلى الاستثمار، وإنما في الافتقار إلى الفرص الحيوية للاستثمار. فالفلسطينيون لا يتوافرون على سيطرة على حدودهم ومجالهم الجوي وموجات الأثير والمياه والموارد الطبيعية الأخرى، بل ولا حتى على العملة والحركة الداخلية للسلع والناس. كل شيء يعتمد على النية الحسنة لإسرائيل. وثمة القليل من المستثمرين الذين سيكونون مستعدين للتعويل على ذلك. وكانت إسرائيل قد أظهرت نفسها مراراً على أنها مستعدة لسحق أموال السلطة الفلسطينية عبر، مثلاً، حجز عوائد الضرائب الفلسطينية التي تجمعها والمفوضة بتمريرها للسلطة.
وما يزال دور بلير عرضة للانتقاد الشديد لأن تركيزه الضيق على التنمية الاقتصادية لم يفشل وحسب في تكريس مناخ مواتٍ للمفاوضات، ولكنه خدم أيضاً كغطاء لعدم عمل إسرائيل وواشنطن من أجل إقامة دولة فلسطينية. وبدلاً من إعادة النظر في التفويض الفاشل لبلير، يبدو كيري وأنه يكرسه ويمدده. وقد لخص عبد الله عبد الله، المسؤول الرفيع في حركة فتح، الرد الفلسطيني بالقول: "نحن لسنا حيوانات تريد الطعام فقط. إننا شعب يكافح من أجل تحقيق حريته".
وفي الأثناء، تبدو إسرائيل مستعدة وحسب لدفع كيري إلى الأسفل في مساره الذي لا ينطوي على أمل. ومن منظور إسرائيل، تخطف الخطة الأميركية، وعلى نحو مفيد، الاهتمام من مبادرة السلام العربية التي جددتها الدول العربية في الشهر الماضي من خلال الإعلان عن استعدادها لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في مقابل انسحابها من معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ورد نتنياهو، المنزعج من أن يحشره العرض العربي في مفاوضات جادة، بالاعتصام بالصمت المطبق. وفي الوقت ذاته، تفّه يائير لابيد، وزير المالية الإسرائيلي المفترض أنه من الوسط، والذي كان الغرب قد روجه أصلاً على أنه صانع سلام، فكرة الصفقة مع الفلسطينيين باعتبار أنها غير واقعية. وقال لصحيفة النيويورك تايمز في الشهر الماضي إنه يدعم توسيع المستوطنات.
وتأمل إسرائيل، كما تبدو، بإمكانية ليّ ذراع السلطة الفلسطينية العالقة راهناً في أزمة مالية دائمة، من خلال تقديم وعود بتقديم بلايين الدولارات كمُحلّيات. وطبقاً لمصادر فلسطينية، فإن عباس يواجه ضغوطاً مكثفة تمارسها عليه الولايات المتحدة، سوية مع خطة كيري الرامية للضغط عليه لحمله على التخلي عن شرطه بأن تجمد إسرائيل النمو الاستيطاني قبل استئناف المفاوضات.
وتبدي إسرائيل، في الأثناء، حرصاً على كسب ذلك التنازل. وبالرغم من التقارير التي تحدثت عن أن نتنياهو كان قد وعد الأميركيين بأنه سيتجنب إحراجهم في الأسابيع القليلة المقبلة بإعلانات عن البناء الاستيطاني، فإن ثمة سلسلة متلاحقة من المشروعات ماضية على الطريق.
وكانت تقارير إعلامية قد كشفت مؤخراً عن خطة لبناء 300 منزل جديد في القدس الشرقية، بينما هناك تقريباً 800 منزل آخر ستعرض للبيع. وكانت عدة نقاط استيطانية أمامية قد أسست من دون ترخيص من الحكومة الإسرائيلية، والتي من المتوقع أن يجعلوها قانونية بأثر رجعي، بما في ذلك مئات المنازل في أيلي، بالقرب من رام الله.
من جهتها، ذكرت وكالة رويترز للأنباء أن كيري يتوقع صدور قرار باستئناف المفاوضات السلمية خلال أسبوعين -أو، كما يقول مسؤولون عنده، أنه سيتخلى عن عملية السلام. وقال لاجتماع للجنة الأميركية اليهودية في نفس اليوم: "إن لم ننجح الآن، فقد لا تتوافر لنا الفرصة مرة أخرى".
وبالنسبة لنتنياهو، تعد هذه التهديدات جوفاء. فإذا غيبت الولايات المتحدة نفسها عن الصراع، فإنها ستترك إسرائيل ببساطة ويدها مطلقة أكثر لتكثيف إخضاعها للفلسطينيين وسرقة أراضيهم. وحتى بالرغم من أن هناك الكثير مما هو في خطر بالنسبة للفلسطينيين، ما تزال السلطة الفلسطينية تستبعد حتى الآن خطة كيري. وقد أوضحت أنها لن تقدم على تقديم أي "تنازلات سياسية في مقابل مزايا اقتصادية" -في طريقة دبلوماسية لتقول إنها لن تقبل رشوة لمقايضة الدولة.
لكن الخطر الحقيقي بالنسبة للفلسطينيين، كما يتذكرون جيداً من مفاوضات كامب ديفيد في العام 2000، هو أنه ينظر إليهم مثل كبش الفداء أو الشخص المذنب. وإذا رفضوا التوقيع على النسخة الأحدث من السلام الاقتصادي، فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستكونان مستعدتين تماماً للومهم على تعنّتهم. ويشكل ذلك كسباً كبيراً بالنسبة لنتنياهو، ولحظة أخرى من الانزلاق الكارثي في العملية السياسية بالنسبة للفلسطينيين.
*فاز بجائزة مارثا غيلهورن الخاصة بالصحافة. كتبه الأحدث هي "إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران والخطة لإعادة قولبة الشرق الأوسط" (مطابع بلوتو). و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس الإنساني"، (كتب زد).
حزيران والانتكاسة المحفورة في الوعي العربي
عبد العزيز المقالح
لم يكن الخامس من حزيران 1967م يوماً للهزيمة العربية فحسب، ولكنه نجح في إسقاط نفسه على الشهر كله وربما على ذلك العام بأكمله، فصار لدى كثيرٍ منّا، نحن العرب، شهر النكسة والسقوط المدوّي . كما صار العام 1967م رمزاً لذلك الانكسار . وكأنّ الأيام والشهور والسنين هي التي تصنع الخيبات والانكسارات وتتحمل مسؤولياتها نيابة عن البشر، ولهذا أضحى حزيران شهراً غير مرغوب فيه نفسياً . وكان يمكن للخامس من هذا الشهر أن يكون يوم انتصار ساطع لو أن العرب أحسنوا استعدادهم، وكانوا في المستوى المطلوب لمواجهة أعدائهم الكثر، أولئك الذين تمترسوا وراء الجانب الاسرائيلي وجعلوا منه الواجهة لتحقيق أهدافهم..
وفي هذا السياق، وبعد كل السنوات التي عبرت فوق ذلك اليوم المشؤوم ينطرح في الواقع العربي سؤال طالما تردد في مثل هذه المناسبة المؤلمة وهو: إلى متى سنظل نتذكر ما حدث في ذلك اليوم بحسرة ومرارة حتى بعد أن تم تجاوزه بانتصارات حروب الاستنزاف من ناحية وبانتصار السادس من أكتوبر 1973م من ناحية ثانية؟
ومثلما تم تجاوز الخامس من حزيران، وما حاق بالعرب فيه من هزيمة موجعة بذلك القدر من الانتصارات، فقد تم تجاوزه أيضاً بمجموعة من الهزائم الأقسى والأنكى، هزائم هنا، وهزائم هناك، وغزوات فاضحة جعلت من هزيمة حزيران مجرد صفحة في كتاب مثقل بالهزائم المريعة . وأتساءل: هل يحدث هذا ويتكرر لأن العرب كانوا قبل حزيران 1967م، يعيشون حالة شعور بالتفوق والقدرة على إحراز النصر، وأنهم في ذلك الحين لم يكونوا قد جرّبوا من الهزائم ما يدفعهم إلى أن يحفروا ذلك اليوم في مكان بارز من الذاكرة الساخنة؟ تساؤل تصعب الإجابة الفورية عنه .
وإن كانت الإجابة المطلوبة تشكِّل مدخلاً صحيحاً ومهماً إلى إدراك الفوارق بين هزيمة وهزيمة، وبين قيادة مخلصة وأمينة وقيادات لا مكان للأمانة والإخلاص في حياتها، لذلك كانت تلك الهزيمة وهي الأولى من نوعها مريرة وجارحة، وتمكنت من أن تحفر صورتها في تلافيف الذاكرة كل هذا الوقت .
ويصح القول، في هذا السياق، استنتاجاً متأخراً لما حدث ويحدث، إننا نحن أبناء هذه الأمة، قد تعودنا منذ وقت طويل وسابق لعقد الستينات من القرن المنصرم وما تلاه من عقود، تعذيبَ الذات وتجريح المراحل، لاسيما بعد أن استولت علينا حالة من الإفراط في الادّعاء وحالة من التفريط بالحذر والاستعداد . إضافة إلى نجاحنا الباهر في التهويل والتهوين، تهويل في ردود أفعال الانتكاسات العابرة، وتهوين من قدرتنا على تجاوز كل الانكسارات التي تمر بالشعوب .
ويبدو أن هذه الحالات المتضاربة والمتناقضة قد جعلتنا غير قادرين على الاستفادة من تجاربنا الكثيرة ومن تجارب الآخرين، لنتمكن من الخروج السريع والمتفائل من دائرة التذكر المؤلم والتحديق في صور الخذلان وكل ما رافق مسيرتنا المتعثرة منذ بداية ما سمي بالعصر الحديث حتى اليوم .
وفي ضوء الإشارات السابقة يمكن القول إنه بقدر ما كانت هزيمة الخامس من حزيران 1967م، كارثية وفاجعة، فإنها كانت في المقابل بداية لصحوة وطنية وقومية، ودرساً بليغاً لإعادة النظر في كل القضايا وفي مقدمتها السياسية والاجتماعية . كما أكدت شيئاً مهماً ظل غائباً في المراحل السابقة واللاحقة وهو الاستهانة بالخصم ومن يسانده من قوى عالمية وجدت فيه الشرير أو “القبضاي” الذي يجعل المنطقة العربية في حالة توتر، وتعطيل كل محاولة تدفع بأبنائها في الاتجاه الصحيح نحو بناء دولتهم الواحدة التي تقوم على مجموعة من الولايات الناهضة والمشاركة في بناء عصر الحرية والعدالة والكرامة والسلام .
ولذلك لم يعد هناك أدنى شك في أن المخطط المدروس بعناية قد نجح وحقق الهدف المنشود في تأخير الأقطار العربية وجعلها تغرق في مستنقعات الخلافات الثانوية بدلاً من الاستعداد للانقضاض على هذا الخصم المصنوع أولاً، والمزروع ثانياً بعناية دولية فائقة، وفي المكان الذي تجمعت فيه المصالح وتشابكت المنافسات .
مقالات جريدة الأيام
أطراف النهار توجيه "التوجيهي"؟
حسن البطل
القائل الأول، رئيس نقابة فلسطينية؛ والقائل الثاني، أستاذ ميكانيك في جامعة بيرزيت.. والمناسبة هي بدء امتحانات 87 ألف طالب، وما يهمُّني من هذا الجيش هو أن 53% بالمائة منه إناث... وأما ما يهمُّ الصحف فهو، مثلاً، أن امتحان التوجيهي "يوحِّد شطري الوطن"؟
أفهم دعاء رئيس النقابة، فلما سألت دكتور الميكانيك سبب جوابه على رئيس النقابة، قال إن ابن أخته لا يستحقُّ النجاح، ولم أسأله هل هو طالب في الفرع الأدبي الغلاّب، أم في الفرع العلمي المغلوب، أم في ملحق الفروع الشرعية والمهنية؟
كنت تلميذاً، وصرت أباً لولدين، تخرّجتِ البنت من ثلاث جامعات راقية، عربية وأجنبية، ويدرس الابن هندسة الفضاء في كلية بريطانية، وأنا الذي تخرّج من جامعة دمشق (جغرافيا ـ جيولوجيا) أخذتني الصحافة تماماً في غير اختصاصي الأكاديمي.
في جيلي كان "رهاب" النجاح والرسوب ملازماً حتى في الصف الأوّل الابتدائي، وكانت الامتحانات المفصلية ثلاثة: شهادة "السرتفيكا" لإنهاء المرحلة الابتدائية (خمس سنوات)، وشهادة "البريفيه" لإنهاء المرحلة الإعدادية (ثلاث سنوات).. وشهادة "البكالوريا" لإنهاء الدراسة الثانوية (ثلاث سنوات)، واجتزتها جميعاً، مع الدراسة الجامعية، دون سنة رسوب واحدة.
رغم دعاء رئيس النقابة، فإن نسبة النجاح قد لا تتخطّى نصف تلاميذ الفرع الأدبي، (مع التنجيح)، وأكثر قليلاً تلاميذ الفرع العلمي، وستتولّى الجامعات والمعاهد قبول ربما نصف الناجحين في التوجيهي أو أقل!
عملياً، يتقدم لـ "امتحان" التوجيهي نصف الشعب تقريباً، أي ذوي الطلبة المباشرين، وأيضاً، الأقرباء والأصدقاء، وبذلك فإن "موسم" امتحانات التوجيهي يمسّ الشعب أكثر من "موسم" قطاف الزيتون وعصره، وأيضاً، وفي كل "موسم" يسألني أولاد الجيران عن ملاحق "الأيّام" وعن نماذج أسئلة الامتحانات؟
زوّدني أستاذ الميكانيك بمعلومة مذهلة، وهي أن نسبة النجاح في امتحانات نهاية الدراسة الثانوية في فنلندا تتخطّى الـ 99%. والسبب: برنامج لتوجيه "التوجيهي" هناك جعل امتحانها هو الأصعب عالمياً، لكن النجاح فيه هو الأعلى عالمياً؟
فهمت لماذا هذه الفنلندا، شبه الصحراء الثلجية في أقصى الأرض، صارت "بلاد النوكيا" واقتصادها، كما كوريا الجنوبية بلاد "سامسونغ".. وأما بلادنا فلسطين فهي من كبار مستهلكي منتوجات بلاد "نوكيا" و"سامسونغ".
هناك في وزارات التعليم العالمية برامج ودراسات لتطوير المناهج والامتحانات بما فيها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وحتى وزارة التعليم الإسرائيلية التي تفكّر بتطوير برنامج امتحانات "البجروت".
وزارة التعليم الفرنسية كانت السبّاقة أوروبياً، وربما عالمياً لنسخ تجربة "بلاد نوكيا" وتطبيقها، وهناك التجربة التعليمية الإيرلندية، التي نقلت "بلاد البطاطا" من مؤخرة دول أوروبا إلى الطليعة في علوم التكنولوجيا بعد خطة منهجية من عشرين سنة دراسية (مدرسية وأكاديمية).
في نهاية دراستي المدرسية السورية، بدأت وزارة التعليم هناك في خطة لقلب أولويات فروع الدراسة الثانوية إلى الدراسة العلمية، علماً أن خريجي كلية الطب السورية، وهي معرّبة، يتفوقون في مستواهم على باقي خرِّيجي كليات الطب العربية، التي تدرس العلوم باللغة الإنكليزية!
كنت أعرف، مثلاً، أن كوريا الجنوبية كانت، قبل أربعين عاماً، وفي عهد الدكتاتور نغوي نديم أكثر تخلفاً حتى من السودان، وليس من مصر وسورية والعراق، لكن لم أكن أعرف أن فنلندا كانت، قبل ثلاثين سنة، بلاداً صقيعية فقيرة تصدّر للعالم جنود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. صحيح، أن الفلسطينيين كانوا في الطليعة العربية في ميدان التعليم، وكذلك أن برنامج "توطين" المنهاج نجح بعد تطبيقه بستّ سنوات.. لكن نحتاج "ثورة" جديدة في المنهاج المدرسي ينقل الكمية (ثلث الشعب على مقاعد الدراسة) إلى النوعية.. وهذا يتطلب، أولاً إعداد (ضباط) هذا الجيش المدرسي، أي إعداد المعلمين القادرين على قلب المنهاج المدرسي، وهذه مهمة ليست بسيطة، نظراً إلى رواتب المعلمين المتدنية.
في بريطانيا، اكتفوا من حملة الشهادات العليا، وهم يركزون الآن على إعداد اختصاصيين تطبيقيين في الاختصاصات المهنية العملية، للخروج من "بطالة الأكاديميين" التي وصلت نسبتها في إسبانيا إلى أكثر من نصف الأكاديميين.
خبر أخير ذو مغزى: اخترع الصينيون أسرع جهاز حاسوب في العالم، يتفوق على نظيره الأميركي في وزارة "البنتاغون".
ومن ثم؟ تقول إسرائيل إن السلام مع الفلسطينيين لن يكون قبل أن يصبحوا "فنلنديين" مسالمين وليسوا فنلنديين في التعليم!
... وما زلنا في طليعة الشعوب الإسلامية في تحفيظ وتجويد القرآن الكريم؟
الانقسام مستمر إلى أجل غير مسمى
هاني المصري
مرّت الذكرى السّنويّة السّادسة لوقوع الانقسام المدمر من دون اهتمام يذكر من القوى والشعب، حيث لم يلتفت أحد بشكل جدي إلى هذه المناسبة الأليمة؛ ما يعكس أن هناك غلبة لنوع من التعايش معه، خصوصًا أن بذور الانقسام نثرت منذ فترة طويلة، وتحديدًا منذ توقيع اتفاق أوسلو.
هذا التعايش ناجم عن عدة أسباب، أبرزها: إدراك صعوبة التخلص من الانقسام؛ وأن هناك أفرادًا وشرائح ازدادت نفوذًا وثروةً بوجوده، وتريد استمراره حتى تحافظ على ما حققته ومضاعفته؛ وأن طرفي الانقسام ومعظم القوى يفضلونه على الوحدة التي قد تجعلهم يخسرون ما لديهم؛ وأن قطاعات شعبية تخشى من أن تؤدي الوحدة إلى تعميم الحصار والمقاطعة، بحيث تشمل الضفة الغربية إضافة إلى قطاع غزة، أو إلى عودة الاقتتال الداخلي والفلتان الأمني والفوضى التي كانت سائدة قبل وقوع الانقسام؛ وأخيرًا، إن هناك إحباطًا ويأسًا ناجمًا عن أسباب كثيرة تتمثل في تردي الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي وجود أطراف خارجية عربية وإقليمية ودولية وعلى رأسها إسرائيل لا تريد إنهاء الانقسام الفلسطيني إلا إذا جاء وفق شروطها وبما يحقق مصالحها.
إن القضية الفلسطينية بالرغم من تهميشها في ظل الانقسام وانشغال العرب بما يجري من تغييرات وثورات وفتن داخلية ومؤامرات خارجية وتقدم ملفات أخرى عليها، مثل ما يجري في المنطقة، خصوصًا في سوريا ومصر وإيران؛ إلا أنها لا تزال مهمة وتستقطب شتى أنواع التدخلات الرامية إلى توظيفها لصالح الأطراف والمحاور المختلفة.
إن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة لن يتحولا إلى مطلب شعبي ضاغط بشدة على الأطراف المتنازعة والمستفيدة من وقوع الانقسام واستمراره، إلا إذا وُضِع في سياق مختلف عن السياق الذي وضعت فيه المصالحة والجهود الرامية إلى تحقيقها.
إن القواعد التي حكمت الحوار الرسمي لن تؤدي إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وأبرزها:
* اقتصار الحوار على طرفي الانقسام وليس جعله حوارًا جماعيًا، ولا أقصد هنا المطالبة بمشاركة جميع الفصائل والأحزاب فقط فيه، وإنما بمشاركة مختلف مكونات وقوى وفعاليات وتجمعات الشعب الفلسطيني مع تمثيل مناسب، خصوصًا للمرأة والشتات والشباب.
* استمرار الحوار في استبعاد معظم القضايا الجوهرية، وخصوصًا بلورة الإستراتيجية أو الإستراتيجيات الجديدة القادرة على مجابهة التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية والقادرة على: أولًا، الحفاظ على الصمود وما لدينا من مكاسب من دون تنازلات جديدة، والسعي لاستعادة ما خسرناه بعد مسلسل التنازلات المستمر منذ ما قبل اتفاق أوسلو حتى الآن، وإحباط المخططات المعادية؛ وثانيًا، على إنضاج الظروف الكفيلة بإيجاد ميزان القوى القادر على إنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية.
* ربط المصالحة بتقدم أو تعثر الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات، بحيث تصبح المصالحة ملحقًا والمفاوضات هي الغاية، وفي هذه الحالة كما نرى يتم إحياء ملف المصالحة إذا جاءت بما يخدم الجهود لاستئناف المفاوضات، وتجميدها إذا جاءت بما يضر هذه الجهود، وهذا يعني أن المصالحة لن تكون إلا إذا جاءت على أساس استمرار الفلسطينيين في المسيرة التفاوضية التي أوصلتهم إلى الكارثة التي يعيشونها بعد عشرين عامًا على اتفاق أوسلو، لكي تكرس استسلام الفلسطينيين من خلال تعميم موافقتهم على شروط اللجنة الرباعية الدولية المجحفة التي تبنت الشروط الإسرائيلية وجعلتها جسرًا لا بد للمصالحة من أن تمر عبره حتى تحظى بالموافقة الدولية.
* التركيز على تشكيل الحكومة وإهمال الاتفاق على القضايا الأخرى، أو على تطبيقها، بما فيها الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة ويفتح الطريق لإقامة شراكة حقيقية تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وعلى إعادة بناء منظمة التحرير على أسس جديدة، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي لخدمة المصلحة الوطنية، وكأداة في يد المنظمة، وما يقتضيه ذلك من تغيير شكلها ووظائفها والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، ومن إعادة النظر في عدد الأجهزة الأمنية وأدوارها، والسعي لإعادة بنائها وتوحيد الضروري منها بما يتناسب مع الأولويات والاحتياجات والتحديات الفلسطينية.
* التركيز على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية على أساس أنها المدخل الوحيد لإنهاء الانقسام، وتجاهل أن الانتخابات من دون توافق وطني على شراكة وبرنامج مشترك وعلى كيفية مواجهة الاحتلال والتخلص منه ستكون قفزة في المجهول، كما كانت الانتخابات السابقة التي لم تؤد إلى ترسيخ الديمقراطية ومنح الشرعية للسلطة وتعزيز الوحدة، وإنما أدت إلى الانقسام ونشوء سلطتين متنازعتين تنتهكان حقوق الإنسان وحرياته من دون رقابة ولا مساءلة ولا محاسبة، ما عزز الحكم الفردي وانتشار الفساد والقمع هنا وهناك، وتفتقران إلى أي شرعية، حتى بالمعنى القانوني، بعد مرور أربع سنوات على انتهاء الفترة القانونية للانتخابات الرئاسية وثلاث سنوات على الانتخابات التشريعية.
من دون توفير شروط الوحدة الراسخة، واستعداد الأطراف الفاعلة والمسؤولة عن استمرار الانقسام للتنازل عن مصالحها أو برامجها الخاصة لصالح المصلحة الوطنية العليا والبرنامج المشترك لن يتحقق هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وهذا لن يتم بمبادرة من المستفيدين من استمرار الانقسام، أو من الذين يخشون الوحدة لسبب أو لآخر، أو الذين يريدون وحدة تحقق شروطهم ومصالحهم وإملاءاتهم واستمرار قيادتهم أو تمكينهم من القيادة وإلا فلا داعي لها.
إن ما يزيد الطين بلة أن طرفي الانقسام أصبحا يتفقان على إدارة الانقسام والتعايش معه، كما يظهر باتفاقهما على جداول زمنية لا تطبق، ما يعكس نوعًا من التسليم من كل طرف بصعوبة التخلص من الطرف الآخر، وأدى إلى تواطؤ متبادل وعملية لشراء الوقت يشارك فيها الطرفين.
فطرف يراهن على استئناف المفاوضات وما يمكن أن تؤدي إليه من تحسين ظروفه وقوته الفئوية، وبما يسمح له بالحفاظ على قيادته للمنظمة والسلطة، والتوجه إلى المصالحة إذا مكنته من استمرار وضعه القيادي، أو التوجه إلى إجراء انتخابات بمن حضر إذا أعتقد بفوزه فيها، ولو من دون مشاركة "حماس" والجهاد الإسلامي، وربما غيرهما أيضًا، في ظل الحديث المضلل عن الحرص على مشاركة قطاع غزة تمثيلًا وليس انتخابًا.
والطرف الآخر يراهن على المتغيرات العربية وما شهدته من صعود للإسلام السياسي؛ لعل هذا يفتح له طريق الاعتراف والشرعية العربية والدولية، والتقدم على طريق قيادة المنظمة والسلطة، وبما يجعله يحتفظ بسيطرته على قطاع غزة، والتقدم إلى المصالحة إذا توفر وضع أفضل، بحيث لا يخشى عندها من إجراء الانتخابات مع أو من دون توافق وطني. وبما أن ما يريده طرفا النزاع كل على حدة غير متوفر فسيبقى الانقسام إلى أجل غير مسمى، وسيتحول إلى انفصال يصعب تغييره.
إن الشعب الفلسطيني قادر على فرض إرادته على الأطراف المتنازعة وإنهاء الانقسام إذا شعر بأن هناك ما يستحق الكفاح والتضحية من أجله أكثر من اتفاق بين "فتح" و"حماس" على توزيع المناصب والوظائف والمكاسب والحصص، وأن هناك أملًا حقيقيًا بالانتصار على الاحتلال العدو المشترك للفلسطينيين، وهذا الأمر يحتاج إلى إجراء مراجعة عميقة وجريئة للتجارب السابقة، واستخلاص الدروس والعبر، وبلورة إستراتيجيّات جديدة قادرة على الصمود والانتصار ونقلنا من الوضع الذي نحن فيه إلى الوضع الذي نطمح أن نصل إليه.
وإلى أن يتحقق هذا الهدف يبقى الوضع على ما هو عليه في ظل استمرار تعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، واستكمال تهويد القدس وأسرلتها، والجدار، والحصار، وتقطيع الأوصال، وتهميش القضية من خلال نشر الأوهام عن سلام قادم قريب، والوقوع إلى الأبد في براثن دوامة البحث عن استئناف المفاوضات التي تستهدف إلهاء الفلسطينيين بها مقابل رزمة مشاريع ومساعدات جديدة ليست أكثر من رشوة بخسة، لا تقارن بالثمن الباهظ الذي يدفعونه مقابل استمرارهم مقيدين بقيود أوسلو الغليظة وفي الرهان على "عملية سلام" لم تؤدِ إلى السلام، وإنما إلى استمرار الاحتلال بوصفه احتلالًا رابحًا، احتلال خمس نجوم.
سورية تجدد الحرب الباردة
رجب أبو سرية
أخيراً، وبعد ولايتين أثار خلالهما حفيظة نصف الشعب الإيراني، ومعظم دول الجوار، وغالبية دول العالم، وأدخل خلالهما بلاده في ما يشبه العزلة السياسية الخانقة، رحل محمود أحمدي نجاد، رئيس الجمهورية الإيرانية، في الوقت الذي احتل مكانه رجل الدين المعتدل حسن روحاني، بما يوحي بإشارات الى أن إيران تنوي إجراء تغيير أو حتى تعديل على سياساتها الخارجية، التي سبق وان اتبعت في عهد الرئيس السابق نجاد.
ورغم أن روحاني الذي وصف بأنه معتدل، رغم أنه لم يتقدم كمرشح إصلاحي، لكن كان ذلك بسبب من الدعم العلني والصريح له في الانتخابات الرئاسية، من قبل قادة الإصلاح الرئيسين السابقين: محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني، فاز ومن الجولة الأولى على خمسة مرشحين متشددين، إلا انه لم "يهزم" مباشرة احمدي نجاد، الذي كان قد منع من الترشح لولاية ثالثة، استناداً الى الدستور، وهو الذي كان قد فاز في الفترتين الرئاسيتين السابقتين، في ظل اتهامات بالتزوير لصالحه، خاصة قبل أربع سنوات، ترافقت مع " ثورة " شعبية كادت تُدخل البلاد في حرب أهلية.
ما قوبل به انتخاب روحاني من ارتياح مشوب بالتحفظ في الخارج، مرده، أنه رغم كون الرجل مرشح الإصلاحيين، إلا انه قد لا ينجح كثيراً في تغيير وجهة البوصلة السياسية، خاصة في الملفات التي توصف بأنها ذات طابع أمني، والتي يقرر فيها المرشد الأعلى للدولة، والذي بصلاحياته الواسعة يعتبر عنواناً لنظام شمولي مستبد، أقرب الى النظام الملكي، وتحديداً ملفات النووي، دعم بشار الأسد، وحزب الله .
وهكذا فانه إذا كان من المستبعد ان تتراجع إيران عن سياستها تجاه هذه الملفات، إلا أنها قد تغير من أسلوبها تجاهها، وربما كان الوضع الداخلي، حيث لاحظ قادة إيران الفعليين، أن إيران في المرحلة المقبلة بحاجة الى نزع فتيل التوتر الداخلي، خشية من ربيع إيراني، امتدت نيرانه من المنطقة العربية الى تركيا، هو الذي دفع نظام الملالي الى عدم التدخل هذه المرة ضد فوز روحاني، خاصة بعد النجاح النسبي الذي حققه التحالف الداعم لبشار الأسد في مفصل المواجهة العسكرية، والذي جرى قبل أسابيع قليلة في موقعة القصير.
وبتقديرنا لم تكن معركة القصير، محطة من محطات المواجهة الداخلية في سورية، وحسب، ولكنها كانت مفصلا حدد على نحو واضح المدى الذي يمكن ان تصل إليه القوى الإقليمية والكونية، التي كانت حتى تلك المعركة، تحرص على البقاء وراء كواليس الحرب الأهلية الدائرة في سورية منذ أكثر من عامين، فرغم ان تلك المعركة جاءت بعد " تسوية سياسية " بين واشنطن وموسكو، بعد زيارة جون كيري للعاصمة الروسية، والاتفاق على حل سياسي للأزمة، إلا ان النظام السوري، استغل ذلك التوافق لشن معركة، لم يربح فيها معنوياً او عسكرياً وحسب ولكنه كسب موقعاً إستراتيجياً، يبقي على اتصاله اللوجستي / الجغرافي مع حزب الله، الذي دخل الحرب، صراحة هذه المرة، وكان لمقاتليه الدور الرئيسي في حسم المعركة، وبالطبع فإن إيران من وراء حزب الله، لم تعد تخفي هي ايضا مشاركتها في الحرب من أجل عدم سقوط نظام الأسد، والأهم ان روسيا باتت هي أيضا ترفع من عقيرتها في الوقوف الى جانب النظام السوري.
بعد معركة القصير وإزاء ما شعرت به واشنطن من أن موسكو قد خدعتها بعد اتفاقهما الذي سبق تلك المعركة، فإن العاصمة الأميركية، قد تراجعت عن تحفظها في تقديم السلاح للمعارضة السورية، الأمر الذي قوبل من موسكو بالرد الشديد، ومن أعلى المستويات، من الرئيس فلاديمير بوتين شخصياً، حيث قال إن موسكو تقدم الدعم للنظام الشرعي فيما، واشنطن، تقدم السلاح لمن يأكلون الأعضاء البشرية، طبعا في إشارة للجماعات السلفية المتشددة التي تشارك في الحرب السورية.
لسنا هنا بصدد انتقاد تصريح الرئيس الروسي، الذي يغض النظر عن المجازر التي يرتكبها النظام بحق المدنيين، ولسنا بحاجة الى تذكيره، بتاريخ روسيا الداعم للثورات، ولا حتى بأن النظام السوري انما هو نظام مستبد وغير ديمقراطي، ولكن ونظرا الى إصراره على تزويد النظام السوري بصواريخ 300 أس أس، والتي تقابل بالرفض الإسرائيلي، فإن ذلك يعني بأن أجواء الحرب الباردة تعود الآن بين موسكو وواشنطن، وان الحرب في سورية باتت تهدد بأن تكون آخر الحروب الكونية، في الوقت الذي باتت فيه مفترقاً لاصطفافات سياسية، تستخدم أسوأ ما يمكن ان تنطوي عليه الحروب العالمية أو الإقليمية من " أخلاق " منحطة، حيث يتم خلالها تهييج البواعث الطائفية، فوقوف إيران وحزب الله وحكومة العراق مع النظام السوري، يستند الى وحدة المذهب الشيعي، ومحاولة لتحقيق طموح فارسي في وصل القوس الشيعي جغرافيا من إيران الى جنوب لبنان مروراً بالعراق وسورية، وهذا ما أكدته أهمية "القصير" الإستراتيجية في هذا الصراع .
في هذا الصدد، فإن إعلان الرئيس المصري، بعد ان نجحت "تمرد" في الظفر بتوقيع 15 مليون مصري لنزع الثقة عنه بعد مرور عام على توليه الحكم، لم يكن سوى محاولة، لدفع واشنطن وتل أبيب للحفاظ عليه ومنعه من السقوط بعد أسبوعين، ذلك أن الصراع الذي تشارك فيه إيران وحزب الله والمالكي إن كان يهدف الى تحقيق طموحات فارسية قديمة، فإن روسيا تريد العودة مجددا الى المكانة الدولية من هذه البوابة، وتحديدا لشق طريق الغاز، الذي سيكون مصدر القوة في العقود القادمة، أما إسرائيل فبالإضافة الى كونها ستكون قوة الغاز الأولى في العالم، فإن نجاح طهران بإقامة هذا المعسكر، بهذا القوس الممتد من البصرة الى بنت جبيل، يعني أن الدولتين باتتا طرفي الحدود، وحينها فان دولتين نوويتين ( إيران وإسرائيل ) قد تحلان مكان السوفييت والأميركان في الحرب الباردة التي ورثت طرفي الحرب العالمية الثانية.
مأزق حماس واحتمال الانقسام
مهند عبد الحميد
توقف الدعم الايراني لحركة حماس، البعض أشاع بان هناك دعما مستمرا للاتجاه الايراني داخل حماس. وأبلغ حزب الله كوادر وقيادات حماس الموجودة داخل المربع الامني للحزب في ضاحية بيروت الجنوبية بمغادرة المكان سريعا. وكان التطور الابرز والاكثر إحراجا لرئيس المكتب السياسي خالد مشعل وقيادات من حماس هو، خطبة القرضاوي النارية التي هاجم فيها حزب الله وسمّاه "حزب الشيطان" وأفتى بإعلان الجهاد ضد النظام السوري وطالب بالتدخل العسكري الخارجي لاسقاطه.
حركة حماس تنسحب سياسيا وعمليا من محور ايران سورية حزب الله، وتفقد شبكة العلاقات المالية واللوجستية والعسكرية التي وفرها هذا التحالف، وتنحسر قيادتها في قطر وحدها، في الوقت الذي ما زالت فيه غير قادرة على ايجاد موطئ قدم لها في مصر برغم التحالف مع الاخوان المسلمين والحكم الاخواني غير المستقر.
خسارة حماس للمحور الايراني أفقدها عناصر قوة كبيرة ومؤثرة، يأتي في مقدمتها اعتماد "استراتيجية" المقاومة التي ميزتها في الساحة الفلسطينية واسبغت عليها طابعا راديكاليا، مقابل السلطة والمنظمة اللتين اعتمدتا استراتيجية المفاوضات والوساطة الاميركية لانهاء الاحتلال من غير جدوى وحصدتا فشلا ذريعا. صحيح ان حماس لا تملك استراتيجية حقيقية للمقاومة، بل تعتمد المقاومة كتكتيك ضد دولة الاحتلال، له اهداف ووظائف داخلية فلسطينية محورها السيطرة على المجتمع بمعزل عن اي سيادة وطنية حقيقية، واستبدال سيطرة وشرعية المنظمة والسلطة بسيطرة وشرعية حماس. ولهذا التكتيك صلة بسياسة ومفهوم أقطاب المحور الايراني الذين يتعاملون مع المقاومة كورقة للضغط على دولة الاحتلال والغرب بهدف تحسين شروط مساومتهم الجماعية والفردية على الصفقة المأمولة وتكبير حصصهم في الاقليم كحد اقصى.
فقدت حركة حماس امكانية اللعب على التناقض بين المحاور الاقليمية، تلك السياسة التي برعت في استخدامها وفي تحصيل المكاسب من كل الاقطاب تقريبا. فبعد أن حصدت مكاسب من المحور الايراني ومكاسب من قطر والمحور الاخواني، ومكاسب من تركيا والسعودية، تنحسر حماس الآن في الخندق القطري. ووجودها هناك له ضريبة كبيرة وفوائد قليلة. الدوحة والمقاومة لا يلتقيان إلا في برامج الجزيرة. فلا حاجة لقطر لاستخدام المقاومة كورقة ضغط على اسرائيل والامريكان، هي بحاجة لضبط واستئناس المعارضين والمقاومين بما يتفق مع السياسة الامريكية الاسرائيلية، هكذا كان دورها مع الثورات العربية حين وضعت ثقلها المالي لمصلحة الاسلام السياسي وساعدته على إبرام صفقة يلتزم بموجبها بعلاقات التبعية السياسية والاقتصادية والامنية. كان دور قطر ودور مثيلاتها من دول البترودولار هو قطع الطريق على ثورات حقيقية تخلص الشعوب من علاقات التبعية ومن النظم المستبدة في آن. ودعم ثورة مضادة تستبدل نظام مستبد وتابع بنظام مستبد تابع وظلامي.
ان تحرك حماس في الملعب القطري المفتوح امام اسرائيل سيجلب لها المتاعب والشبهات، فالحماس القطري لمبادلة الاراضي الفلسطينية مع اسرائيل وقيادتها للوفد الرسمي العربي الى واشنطن لم يكن له من وظيفة إلا وضع غطاء عربي لنهب الارض الفلسطينية عبر الاستيطان الزاحف بحجة ان هذه الاراضي سيتم مبادلتها بأراضي "إسرائيلية"، والقفز عن المطالبة الفلسطينية بوقف الاستيطان. هذه السياسة تضع حماس على يمين السلطة الفلسطينية حتى وهي تعارض مبدأ تبادل الاراضي. مقابل ذلك اصبح مطلوبا من حماس التعايش مع فتاوي القرضاوي حول التدخل العسكري في سورية وحول "الجهاد" وإرسال "الجهاديين" إلى سورية ومن قبلها الى ليبيا، في الوقت الذي يُطْبِق فيه الصمت عن الاستباحة الاسرائيلية المتواصلة لمدينة القدس، ولا يأتي على ذكر الجهاد والجهاديين عندما يكون العنوان فلسطين.
حماس تخسر ايضا في مصر وتونس وهي تصطف مع الاخوان المسلمين الذين تراجعوا عن فتواهم الدينية السابقة التي حرَّمَتْ اتفاق كامب ديفيد وطالبت بإلغائه. وتراجعوا عن عدائهم اللفظي للولايات المتحدة والتزموا بسياسة السادات ومبارك. والاهم ان حكم الاخوان استبعد تعايش المكونات السياسية والدينية والثقافية لمصلحة دولة الحزب الواحد الاخواني. ان انحياز حماس للاخوان وضلوعها في اشكال من التدخل بحسب قوى الثورة والمعارضة جعلها محط رفض اجزاء اساسية من الشعب المصري وعدم قبول المؤسسة العسكرية والمخابرات المصرية لحركة حماس الذين رفضوا فتح مكتب لخالد مشعل في القاهرة. وكان من شأن ذلك إضعاف التعاطف والانحياز للشعب الفلسطيني وقضيته.
التغير في مواقف ومواقع حماس، هل جاء منسجما مع طبيعتها ام متناقضا معها ؟ ما ينطبق على حركة الاخوان المسلمين الأم والفروع ينطبق على حماس التي تشكل فرعا من فروعها. التغيير لم يكن نوعيا ولا استراتيجيا لا في المعارضة والمقاومة ولا في الانسجام مع السياسة الامريكية الان. فكما يقول المفكر خليل كلفت : "تشكل حركة الاخوان المسلمين إحدى التعبيرات السياسية للرأسمالية التابعة". وهذا يكفي لمعرفة مستوى معارضتها التكتيكية للسياسة الامريكية سابقا، ثم الامتثال للسياسة الامريكية إبان الثورات العربية في لحظة تاريخية فارقة.
الأسئلة التي تطرح بعد كل ذلك : كيف تنعكس التغيرات على حركة حماس هل ستمر بشكل اعتيادي؟ هل تستجيب كل قيادة حماس وكادراتها وجسمها التنظيمي لهذه السياسات؟ هل سيبقى خطاب حماس السياسي الراديكالي على حاله؟ ام ان الحركة ستشهد مخاضا واستقطابات كغيرها من الحركات السياسية ؟ لقد استقطبت حماس كادرات من فتح والتنظيمات الاخرى عندما رفعت شعار المقاومة ورفضت اتفاق أوسلو، وتربى المئات والالاف من اعضائها ومقاتليها على خطاب معادي لاسرائيل والولايات المتحدة. اذكر الشعار الذي طرح في حملة حماس الانتخابية للعام 2006 وفعل فعله : (إسرائيل وأمريكا قالت لا لحماس .. وانت أخي المواطن ماذا تقول؟) . صحيح ان الايديولوجيا تفعل فعلها وتيسر الانضباط للسياسة ولمواقف المركز ومكتب الارشاد والامير. غير ان التناقض في السياسات والانحياز ضد ثورة الشعوب العربية لا يمر من غير تأثير ايضا.
التفاعل الملموس بدأ يتسرب حول رفض بعض قيادات حماس السياسية والعسكرية المتأثرة بحزب الله وبالحرس الثوري الايراني وبالنظام السوري للسياسة الجديدة. ثمة حراك داخلي شل الى حد ما حركة حماس كل فترة التغيير في المواقف. البعض يقول انه سيفضي الى انقسام هذا التيار. ولكن هل تسمح قيادة الحركة بالتعايش مع انقسام يخرج من بنيتها؟ هذا يعتمد على حجم ونوعية الانقسام.
مقالات جريدة الحياة
حياتنا - المغامرة القطرية الفاشلة
حافظ البرغوثي
بات حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر والاب الروحي لتسلم امير قطر الشيخ حمد للحكم من والده في انقلاب ابيض في اواسط التسعينيات الآن خارج السلطة وقطر بعد ان استقال او اقيل بتفاهم مع الامير الشيخ حمد نفسه الذي يخطط للانسحاب نهائيا من الحياة السياسية وتسليم الحكم الى ولي عهده الشيخ تميم وهو ابنه من الشيخة موزة التي لعبت دورا مفصليا في الحياة العامة القطرية منذ تولي الشيخ حمد السلطة.
فما يحدث في قطر هو تغيير وجوه النظام الحاكم بعد فشل ذريع في ادارة الازمات التي ساهمت قطر في اختلاقها عربيا وتصدير الثورات بحقائب المال والتشابكات المخابراتية الدولية وامداد حركات اسلامية وشخوص ورموز بالمال والسلاح من مالي واقصى المغرب في موريتانيا وصولا الى سوريا مرورا بتونس وليبيا ومصر واليمن. ولعل اول تجربة قطرية في قلب الاوضاع انطلاقا من جنون العظمة وغطرسة المال كانت في دعم الانقلاب الحمساوي في غزة حيث وجد القطريون ان بالامكان تكرار ذلك في دول عربية اخرى استنادا الى جماعة الاخوان المسلمين التي احتضنت قطر منظرها الايديولوجي الشيخ يوسف القرضاوي واطلقت قناة الجزيرة كأداة اعلامية غرابية تنعق بالخراب والدمار.
فأحالت دولا الى خراب وفككت شعوبا ضمن المخطط الاميركي وبثت الفتنة والفرقة اينما اراد الاميركيون ذلك. ومنذ البدء قلنا وربما حذرنا المملكة العربية السعودية قبل سبع سنوات من ان قطر تحاول ان تلعب دورا مرجعيا دينيا للاخوان المسلمين في مواجهة المرجعية الدينية الازهرية السنية في مصر والوهابية السنية في السعودية لكن السعودية لم تنتبه الى ذلك الا متأخرة مع دول خليجية اخرى وكما قال دبلوماسي اسرائيلي خدم في قطر ان قطر ليست الا شيكا مفتوحا يحركه الاميركيون.
ويبدو ان الاميركيين قرروا تغيير موقعي الشيك مؤخرا، وكانوا يرصدون اخطاء رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم وحملوه مسؤولية القفز الى الامام وحرق المراحل بتسليم مبكر لجماعة الاخوان للحكم في تونس ومصر ما ادى الى فشلهم في الحكم، فالتجربة الاخوانية ما زالت فاشلة حتى الآن وبدا فشلها في اسقاط حكم الاسد حتى ان حمد بن جاسم اضطر الى التعاون مع السلفية الجهادية المرتبطة بالقاعدة وتسليحها وتدريبها في ليبيا وارسالها الى سوريا بعد ثبوت ضعف جماعة الاخوان في سوريا بهدف اسقاط الاسد لكن نظام الاسد اسقط بن جاسم كما يبدو، فالاميركيون طلبوا تغيير حمد بن جاسم كما ان ولي عهد قطر الموعود بالحكم ووالدته لا يريدانه اضافة الى الوضع الصحي لامير قطر الشيخ حمد بن خليفة لم يعد يسمح له بالاستمرار في خضم الازمات فقرر هو الآخر الانسحاب لكنه سيأخذ رئيس وزرائه معه ايضا حتى يمكن لولي عهده الحكم بهدوء دون مناكفات داخلية.
والاثنان الحمدان سيتفرغان لادارة امبراطورية استثمارية في الخارج يقدر حجمها بمئتي مليار دولار، فالاميركيون استمعوا الى تذمر خليجي مستمر من ان قطر تقوم بدور هدام في المنطقة وتجاوزت الحلفاء التقليديين لواشنطن ولم يبق لها اصدقاء في المنطقة العربية، فايران تتعامل معها باستخفاف حتى ان حمد بن جاسم عندما اراد زيارة طهران مؤخرا قيل له ان ايران ليس فيها مصحات علاج نفسية ملائمة ويمكن ان يعثر عليها في اوروبا وعلاقات قطر مع الجوار الخليجي العربي سيئة وكذلك مع الجناح المتشدد في حماس ومع الشيعة في لبنان ومع اغلب قوى المعارضة السورية ومع تركيا وكذلك خرج النظام المصري من عباءته وصار يتخذ مواقف سياسية مغايرة فيما يخص ايران وسوريا.. فالتأثير القطري ذوى هو الآخر حتى في بلاد الثورات التي دعمتها قطر بمعنى آخر ان الاستثمار القطري في الثورات فشل هو الآخر وبات التغيير الداخلي في قطر حتميا خاصة بعد ان صار التغيير مطلبا اميركيا. فقطر التي صدرت الموت والفتن في حقائب المال الى غزة وتونس ومصر وسوريا واليمن ومالي والمغرب وغيرها ربما تستعيد هدوءها مجددا.. وتخلد الى الراحة من رحلتها الدونكيشوتية التي جلبت الدمار والعار وخربت الكثير من الديار.
تغريدة الصباح - من يجمع العاشقين؟
احمد دحبور
قضيت في احد ايام الاسبوع الفائت، وقتا سعيدا امام التلفزيون، وانا اشهد الحوار الشيق مع محمد هباش حول فرقة العاشقين الفلسطينية، ومحمد ذو موهبة لم تبخل عليه الحياة بالخبرة الموسيقية والصوت الدافئ القوي، ولم تبخل عليه اخلاقه بالوفاء والامانة الموضوعية.
لقد اشار الى الدور المركزي الذي قام به الراحل الكبير عبد الله الحوراني في تأسيس هذه الفرقة، مع ان ذاكرة هذه الايام، ولا سيما الشق السياسي منها، ضعيفة وانتقائية. كما اشار هذا الشاهد الامين الى دور الموسيقي الفلسطيني الفذ حسين نازك في تشكيل هذه الفرقة ورعايتها، واتى على اسماء بعض المؤسسين من امثال الشاعر الكبير الراحل صلاح الحسيني المعروف بأبي الصادق، اضافة الى دور لي اعتز به في هذه التجربة.
ولاستكمال الصورة التي لم يقصّر محمد هباش في تقديمها، اذكر ان هذه الفرقة الفنية التي حازت على اهتمام الفلسطينيين في وقت قياسي، كانت قد تشكلت بما يشبه المصادفة السعيدة. ففي العام 1977، قررت دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، وكان رئيسها الاخ ياسر عبد ربه، اما مديرها العام فهو عبد الله الحوراني، ان تقدم مسرحية بعنوان «المؤسسة الوطنية للجنون» من تأليف الشاعر الكبير سميح القاسم، واخراج العبقري العربي السوري المرحوم فواز الساجر. وقد اراد فواز ان يثري المسرحية ببعض الاغاني التي طلب مني تجهيزها، فكتبت نصوصا تلائم الحدث الدرامي مسبوقة بنص مفتوح متحرر من المناسبة وكان هذا النص هو اغنية والله لازرعلك بالدار يا عود اللوز الاخضر - وقد وضع ابو علي، حسين نازك لهذه الاغنية لحناً ساحرا جعل المستمعين يظنون انه من الفلكلور الشعبي لعراقته ومدى تأثيره، والواقع ان اللحن الفلكلوري الاصلي كان شيئا آخر وهكذا نجحت الاغنية بما يتجاوز مناسبة المسرحية لتصبح عملا شعبيا يحفظه الكثيرون..
لتصبح عملا شعبيا يحفظه الكثيرون..
يومها انتبه ابو منيف، عبد الله الحوراني الى اهمية ان يكون لدينا مشروع موسيقي خاص بفلسطين. فطلب من حسين ومني انجاز هذه المهمة، وعلى الفور، ومن غير تفكير طويل، تساءل ابو علي نازك، عما اذا كان ممكنا ان نسمي الفرقة المقترحة «اغاني العاشقين».
وهكذا، في اسابيع محدودة، ظهرت الى الحياة مجموعة اغان فلسطينية بتوقيع اغاني العاشقين، وقد جمعها ابو علي من كلمات اللوز الاخضر ومختارات من اشعار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وسرعان ما اصبحت تلك الاغاني نواة موسيقية لاول مسلسل تلفزيوني فلسطيني، وهو «بأم عيني» حتى ان المسلسل اصبح اسما لذلك الشريط الجميل..
ولم يكن مشروع حسين نازك بيضة ديك، اذ سرعان ما احتضن قصيدة درامية طويلة من شعر الراحل الكبير توفيق زياد، هي سرحان والماسورة، وابدع ابو علي في هذا العمل حيث جمع الغناء الفردي «الصولو» الى الحوار المسرحي، الى استخدام جملة موسيقية شعبية تتعلق بتشييع الشهيد، ولم يلبث هذا العمل ان اصبح شبه نشيد ملازم لمعظم الاعمال الفلسطينية.
واهتدى ابو علي حسين الى ابي علي آخر، هو ذو الحنجرة الجبلية الفريدة حسين منذر الذي لم يكن مغنيا كبيرا وحسب، بل كان ولا يزال طبعا، يتمتع بطواعية درامية تسبغ الفن والجمال على كل ما ينشده، وحتى تكتمل الحلقة الذهبية، دخل على الخط اخونا ابو ايمن، محمد مسعد ذياب، عازف الفلوت الذي استطاع بمهارته الادارية ان يصنع اسطورة العاشقين، لا سيما بعد ان انضم اليها الفنان الراقص المصمم ميزر مارديني، وهو ما أغرى بتغيير اسم الفرقة الى فرقة العاشقين، لان ما تقدمه ليس مقصورا على الاغاني، ولم يلبث ان رزقت الفرقة بموهبة فريدة هي موهبة شاعرنا الكبير ابي الصادق، صلاح الحسيني الذي قد لا يعرف الكثيرون ان معظم الاغاني التي يترنمون بها هي من شعره الشعبي الجميل، العميق ولا سيما اغاني مسلسل عز الدين القسام، وما تبع ذلك من اعمال متنوعة.
كانت الضربة الكبرى للفرقة عام 1983 يوم قدمت في عدن برنامجها الشهير بالكلام المباح، وهو مواكبة للصمود الفلسطيني اللبناني في بيروت، وكان لي شرف كتابة هذا البرنامج.. من يومها وفرقة العاشقين تتقدم، وتنجز بقدرة كبيرة حتى على ان تتجاوز نفسها..
كان هؤلاء الشباب وفي طليعتهم محمد ابو زيد هباش، تعطي بلا حساب، وبلا مقابل تقريبا، بل كان تجمع آل الهباش، محمد وشقيقاه الكبيران خليل وخالد، ثم انضمت اليهم شقيقتاهم آمنة وفاطمة، مشروعا متكاملا شجع الكثيرين على الانضمام الى هذا المشروع.
وتستمر الحكاية حتى تتحول الى سؤال مشروع: بعد هذا التوزع والتشتت والترحال الفلسطيني.. اما آن لهذه الفرقة ان تستعاد؟ فمن يجمع شمل العاشقين؟
الحكم في قطر.. ترخية الشد لحبلٍ ممتد! 2 من 2
عدلي صادق
خطا الشيخ أحمد بن علي، الذي أورثه أبوه الحكم، خطوات في اتجاه استقلال قطر، لمراكمة عناصر الدولة فيها، قبل أن تجلو عنها بريطانيا. تبنى دستوراً انتقالياً، يدخل به الى دولة اتحادية مع ثماني إمارات أخرى، وفق اتفاقية تمهيدية في العام 1968. كانت تلك الاتفاقية، محصلة امتعاض حكام مشيخات الخليج، من الجلاء البريطاني الذي سيتركهم وحيدين في وجه الرياح الإقليمية العاتية. كان من بين حيثيات الجواب البريطاني على الامتعاض، إقناع الشيوخ بأن يعتمدوا دساتير تؤطر حدود إمارة كل منهم، وتحافظ على بقائها السياسي. ولعل أنبل ما قام به أحمد بن علي، هو القرار نفسه الذي كان السبب في إقصائه فيما بعد. فقد لازمه القلق من "فعلة" أبيه، عندما نكث بالعهد، ولم يولِ ابن أخيه "خليفة" ولاية العهد عندما ينضج.
لذا اتخذ قراره الذي أجهز عليه سياسياً؛ بإحالة صلاحيات الحكومة الى "خليفة" وتسميته نائباً للحاكم. تهيأ هذا الأخير، لتشكيل حكومة جديدة مع إعلان الاستقلال، وطفق يتصرف كوريث شرعي. ونام أحمد بن علي، مطمئناً، على وسادة اليقين، بأن الصيغة الجديدة، للبيعة، التي حددها الدستور، تجعل العشائر على دراية بأن نكث بيعتها للحاكم، تضاهي الارتداد عن الدين. واتكأ "أحمد" على فرضية أن حكمه ينبع من الشريعة الإسلامية. وقد أحسن "خليفة" اختيار اللحظة التي ينقض فيها على ابن العم الذي أتاح له النفوذ ومنحه الصلاحيات. سافر الرجل الى إيران في رحلة قنص، سبقتها خلال العامين الأخيرين من حكمه، مظاهر بذخ لنفسه مع تقتير على الأتباع. كانت وجهة السفر نفسها، غير مرغوب فيها، على مستوى الأوساط الفقهية، باعتبارها دلالة على انفتاح أوسع، على العَجَمْ. وكان "خليفة" صائباً في توقعه بأن إقصاءه لابن العم سيلقى التأييد السعودي، للسبب الإيراني حصراً. غير أن دافع "خليفة" لم يكن الغيرة الوطنية أو القومية، وإنما هو الذي رَشَحَ من القصر الأميري، عن توجه "أحمد" الى توريث ابنه وتنصيبه ولياً للعهد، مستأنساً بعلاقات وثقى، مع حاكم دبي القوي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والد زوجته وجد الصبي لأمه. وبالفعل ساندت المملكة العربية السعودية خطوة "خليفة" ورابطت قوة سعودية على الحدود، تحسباً لتدخل إيراني أو أية ردود أفعال مضادة. ومما بدا لافتاً ـ فيما بعد ـ أن السعودية التي وفرت التغطية لحكم أبناء "حمد" الجد، لم تلق الوفاء من "حمد" الحفيد، على امتداد الحبل المشدود!
ولعل من بين الأخطاء القاتلة التي ارتكبها "أحمد" بحق نفسه، فضلاً عن نزعة الإسراف في أواخر أيامه؛ أنه أحال صلاحيات الحكومة لـ "خليفة" منصرفاً، وهو الحاكم، عن شؤون العامة. فإذا ما اصطدم القطريون بالحكومة، تصرف وكأنه غير ذي صلة. لهذا السبب لم يعترضوا على انقلاب "خليفة" غير الدستوري!
نفذ "خليفه" انقلابه ثم مارس الحكم بذكاء في البدايات. استرضى نواة الجيش والعشائر وارتجل مجلساً للشورى، وخفّض المخصصات المقررة للحاكم، لتصبح ـ فقط ـ تساوي نحو أربعة أضعاف مخصصات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في حينه. ذلك علماً بأن مداخيل النفط والغاز، كانت ترتفع بمعدلات كبيرة. لكن "خليفة" سرعان ما أظهر نزقاً وضيقاً بمجلس الشورى الذي قرر سابقاً زيادة عدده. ومع تذمر شريحة الوجهاء، من سلوكه، لم يجد طريقاً لتعزيز قوته، سوى إرسال نجله البكر "حمد" لكي يتأهل في كلية "ساند هيرست" البريطانية العريقة، ثم يعود ليقف على رأس الجيش. كان ذلك هو خياره لكي يتلافى انقلابا من العائلة، إذ ما زال حبل القلق مشدوداً!
تلك، كانت الخطوة التي رآها "خليفة" ضمانة بقائه حاكماً حتى الرمق الأخير. لم يتخيل أن تجربة الصراع مع أبناء العمومة والعائلة، تصلح للاستفادة منها وأخذ الحيطة لاحتمال نشوء الصراع داخل الأسرة الصغيرة. فما حدث، هو أن خطوة التمكين لـ "حَمَد" هي التي أنهت حكمه، بدل أن تبدد المخاطر من حوله، ومن أهمها خطر ثلاثة من إخوته، هم "سحيم" و"عبد العزيز" و"ناصر". بدأ "حَمَد" في بداية التمكين، بتصفية نفوذ أعمامه الأقوياء وعلى رأسهم "سحيم" وزير الخارجية النشط. فبعد الإعلان عن تعيين "حَمَد" ولياً للعهد؛ اعترض "سحيم" علناً، وتوخى مساندة سعودية مأمولة، وكان رد فعل "حَمَد" أن هاجم بقوة الجيش في شمالي قطر، مجموعة مساندة لعمه "سحيم" وحدث اشتباك. وفي الغضون، أعلن "خليفه" من قصره الأميري، عن نعي شقيقه "سحيم" ذي الثانية والخمسين، إثر إصابته بـ "نوبة قلبية" حسب البيان، وبطلقة نارية، حسب المراجع الأجنبية كلها!
في الغضون كذلك، أصيب عمه "ناصر" إصابات بليغة. وأطلق أبناء "سحيم" النار على عيسى غانم الكواري وزير الإعلام، على اعتبار أن دعاياته كانت سبباً في موت أبيهم، وانتهى الأمر بتصفية الظاهرة المسلحة.
خال "حَمَد" وهو رئيس أركان الجيش حمد العطية، كان مسانداً لابن شقيقته في تلك المعمعة. وعلى الأثر، سيطر "حمد" على شؤون البلاد، وتعمد إظهار التميز عن أبيه. بل إنه دفع 45 وجيهاً قطرياً، الى التقدم بمطالبات سياسية واقتصادية ودستورية، وأشاع في البلاد أنه نصير الروح الشبابية.
ولما رفض أبوه الإصلاحات، تبنى هو ما سماه رغبة "الجيل الجديد" في التغيير لتلبية الحد الأدنى من متطلبات الدولة. أطاح بأبيه في غضون سفر آخر، مثلما فعل الأب مع ابن عمه، ثم اختار صيغة عجيبة للتوازن ولنشدان السلامة: علاقات تجمع النقيضتين إيران وإسرائيل. مع الأولى، يأمن على نفسه من الجوار على باب الدار إقليمياً، ومع الثانية يحقق للأمريكيين أبهج ما يريدون، بل يجعلونه قدوة تُحتذى. أما بين بين، فهو حبيب الجميع، ونصير كل القضايا على تناقضها، وإن عجزت لغته عن التعبير عن شيء؛ تتكفل "الجزيرة" بالأمر، وإن شحّت لغة هذه الداهية، فما أكثر "المفكرين" العرب، الجاهزين للعمل ولتخليق التنظيرات.
اصطدمت العاطفتان، الإسرائيلية والإيرانية، داخل جوف الرجل. فما كان من "حزب الله" وشيعة البحرين، إلا أن يتبنوا نصرة خصومه من أبناء العمومة وأبناء الإخوة.
هدأ الوطيس باختطاف ومحاكمة حمد بن جاسم بن حمد، قائد الشرطة الأسبق، الذي لاذ الى ضاحية بيروت الجنوبية لكي يتدبر أمراً عنيفاً. لكن حبل الحكم ظل مشدوداً، لكن "حَمَد" يحاول الآن، ترخيته، بخطوة رشيقة، ظاهرها الزهد غير المسبوق في تاريخ قطر والعرب، قوامها تنصيب ابنه غير البكر "تميم". لكن في هذه الأفضلية للإبن غير البكر، يكمن سبب أو انشداد، يفتح الباب لقول آخر!
أيها الانقلابيون: ارفعوا ايديكم عن المسيحيين
عادل عبد الرحمن
منذ دق الانقلاب الحمساوي إسفينه الاول في وحدة الارض والشعب والنظام السياسي الديمقراطي، وأحدث تمزقا افقيا وعاموديا في نسيج الشعب، والفلسطينيون عموما واتباع الديانة المسيحية خصوصا يدفعون الاتاوة والضريبة مضاعفة لسياسات وانتهاكات وارهاب قيادة الانقلاب على الشرعية قبل اعوام ستة خلت.
لم تتوقف آلة التخريب الانقلابية لحظة عن ممارسة ابشع اشكال التنكيل بابناء الطوائف والمذاهب المسيحية في محافظات الجنوب (قطاع غزة) تحت ذرائع وحجج واهية، وباسماء وعناوين مختلفة، فمن اختطاف وقتل الشهيد رامي عياد، إلى حرق جمعية الشبان المسيحية؛ الى قصف دير اللاتين في حي الزيتون، إلى اختطاف سيدة وبناتها الثلاث من بيتهم، والادعاء بان السيدة أسلمت، إلى اختطاف شاب من بين ذويه وإرغامه على التأسلم، .... واخيرا إلى منع التلاميذ من ابناء الشعب أتباع الديانة الاسلامية من الدراسة في المدارس المسيحية الخمس، فضلا عن فرض قانون الجور والقهر الذي اصدرته قيادة الانقلاب على تلك المدارس، القاضي بفصل التلاميذ من الجنسين من سن التاسعة عن بعضهم البعض، وإلزام إدارة المدارس بناء أبنية جديدة لتطبيق عملية فصل المدرسين والمدرسات عن بعضهم، وايضا لاستيعاب التلاميذ من الجنسين .. والحبل على الجرار.
النتيجة الماثلة امام الجميع هي انخفاض نسبة تواجد اتباع الديانة المسيحية من خمسة آلاف مواطن إلى حوالي 1300 مواطن. وهذا العدد يميل الى الانخفاض يوميا، فكل مواطن تلوح له في الافق إمكانية الهروب من جهنم الانقلاب الحمساوي مسلما ام مسيحيا لا يتردد لحظة، ولا يصل القطاع سوى المنكوبين من ابناء الشعب الفلسطيني في سوريا او لبنان او من دول الشتات، الذين ضاقت بهم سبل العيش بالحد الادنى الممكن.
كان احد قادة الانقلاب الحمساوي بعد قصف دير اللاتين في حي الزيتون، قال للاب مانويل مسلم: كم عدد المسيحيين في القطاع ؟ أياً كان عددهم، لن يبقى منهم احد بعد عشرين عاما، ومن يبقى عليه ان يتبع الدين الاسلامي!؟ وما يجري على الارض، هو تطبيق منهجي لتلك السياسة التدميرية للنسيج الوطني بدياناته وقطاعاته وتلاوينه المختلفة.
بلد السيد المسيح، بلد الكنائس الثلاث الأم للمسيحية : المهد والبشارة والقيامة، تعيش لحظة فارقة في تاريخها نتيجة ممارسات وارهاب جماعة الاخوان المسلمين، الذين يريدون تطبيق نظام الخلافة في زمن لا يقبل القسمة على اي خلافة لا دينية ولا عائلية ولا حزبية. هذه السياسة، وهذا التصرف الاخواني الانقلابي يتم في وضح النهار، وعلى مرأى من الوطنيين جميعا، ولا احد ينبس ببنت شفة؟ لماذا؟ والى متى؟ وكيف يمكن للقوى المدعية والمتأبطة للديمقراطية والتعددية وحرية الرأي والرأي الآخر والتعبير، والتي ترفض التمييز على اساس الجنس او اللون او الدين او العرق، والمدعية الدفاع عن دولة المواطنة، المؤصلة للهوية الوطنية، كيف لها ان تصمت على جرائم حركة حماس؟ واين هي المبدئية في مواقفها؟ واين هي خلفيتها الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية؟ وإلى متى يمكن لارهاب حركة حماس ان يستمر ويجلد تلك القوى صباح مساء؟ والى متى تبقى حركة فتح خرساء مفككة ومضعضعة امام بلطجة الانقلابيين؟ والى متى القيادة السياسية تبقى تنظر بعيون مفتوحة على المجهول دون ان تحرك ساكنا؟ وهل المصالحة يمكن ان تتم باستجداء حركة الانقلاب الحمساوية وقواها المتنفذة ؟
آن الأوان لنهوض الشارع الفلسطيني والقوى السياسية من مختلف الوان الطيف السياسي والاجتماعي والثقافي في محافظات الجنوب (القطاع) للرد على انتهاكات وارهاب حركة الانقلاب الحمساوي، تلك الحركة، التي شكلت قوات خاصة قوامها (600) عضو لحماية أمن إسرائيل تنفيذا لاتفاق الهدنة، الذي رعته جمهورية مصر العربية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وحماية النسيج الوطني الواحد الموحد، وحماية الهوية الوطنية من التبعثر والتمزق نتاج تلك السياسات التخريبية، التي ينفذها الانقلابيون بخفة تتناقض مع ابسط ملامح الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية.
لا مجال للصمت والتلكؤ والتساوق مع حركة الانقلاب الحمساوية، لأن من يصمت ويتساوق تحت حجج وذرائع واهية، هو شريك مع قيادة الانقلاب الحمساوي في تمزيق وحدة الارض والشعب والنظام السياسي التعددي، ومعاد من حيث يدري او لا يدري للهوية الوطنية وللاهداف والمصالح العليا للشعب.
المسيحيون الفلسطينيون جزء اصيل من الشعب، لا يجوز لكائن من كان التطاول عليهم وعلى ممارستهم لطقوسهم الدينية، كما السمرة في جبل جرزيم وغيرهم من اتباع الديانات والمعتقدات المختلفة. والاعتداء على اي مواطن بغض النظر عن دياناته او معتقده الوضعي، هو خارج عن وحدة الصف الوطني، ولا يمثل الا نفسه. وفلسطين لن تكون يوما دولة خلافة، ولا مصر ولا العراق ولا سوريا. وآن الأوان لوثيقة عصرية جديدة تعزز وحدة الارض والشعب، وثيقة المواطنة والدولة لكل مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم.
وأخيراً ... بيت فلسطيني للعلوم
د. صبري صيدم
بهدوء وظرافة وإصرار, ولد قبل سويعات بسيطة من كتابة هذه الكلمات البيت الفلسطيني الأول للعلوم والذي توج بحضوره مسيرة استمرت لأعوام طويلة جبلت بالإحباط تارة وبالإصرار تارة أخرى.
نعم, بتجرد وعزيمة فلسطينية كبيرة, وبمال فلسطيني أصيل أصبح لدينا بيت فلسطيني للعلوم تحتضنه البلدة القديمة في بيرزيت في منزل قديم لعائلة فلسطينية معطاءة وبقيادة مؤسسة النيزك للتعليم اللامنهجي بعد ثمانية أعوام طوال من المد والجزر.
وتهدف هذه التجربة إلى إتاحة أجنحة متخصصة في مجالات علمية نوعية ومتنوعة لزوار البيت بحيث يتمكن هؤلاء من الاستمتاع بالعلم والعلوم والتعلم التفاعلي عبر مجموعة من المعروضات والتجارب العلمية المذهلة التي تجمع ما بين الخيال العلمي والإثارة المعرفية.
وسيتيح هذا البيت لزواره الإبحار في عالم الاتصالات والصناعات الدوائية والفيزياء والكيمياء والرياضيات وحتى الفلك بصورة تفاعلية متكاملة بحيث يجسد هذا الجهد استفزازاً لدافعية الجميع نحو التعلم والإبداع.
هذا البيت الذي سيشكل نواة علمية فلسطينية والذي ولد بعد مخاض طويل واكب مسيرة السعي لاستحداث المتحف العلمي الفلسطيني الأول سيكون بمثابة البذرة الطيبة نحو إنشاء وتأسيس ذلك المتحف الذي تأخر طويلاً.
وسيثير الاهتمام الذي سيحيط بهذه التجربة الرائعة حمية مدن وبلدات وقرى فلسطينية عديدة رغبة في احتضان المزيد من هذه البيوت التي ستساهم في بناء المجتمع الفلسطيني المنتج للمعرفة وليس المستهلك لها.
المحطة القادمة ستكون في البلدة القديمة في الخليل على أمل أن تلحق بقية الجغرافيا الفلسطينية قاطبة بهذه التجربة لتعزيز مسيرة التحرير القائمة على التسلح بالعلم وإنتاج المعرفة. التحرير الذي لن يكون دون العلم والمعرفة والإبداع .. والثورة على الاستكانة للهزيمة وإحباط المواقف...
زمن الانقسام وزمن الاستيطان
يحيى رباح
اسرائيل مرتاحة بل مرتاحة جدا, وما يتم الحديث عنه بين وقت وآخر من تخوفات من التطرف الاسلامي, والحركات الاسلامية الجهادية في سوريا وغيرها مثل جماعة النصرة او مقاتلي الشام, او الجماعات الاسلامية الجهادية في سيناء, او ادعاء مجموعات جهادية في قطاع غزة! ليس سوى كلام في كلام, كلام تجيده اسرائيل واجهزتها الامنية دائما, وتصدقه الولايات المتحدة الاميركية والغرب دائما, ويطنطن حلفاء اسرائيل وعملائها في المنطقة حول الموضوع لبعض الوقت لاعطاء اسرائيل بعض المصداقية ثم نكتشف بعد ذلك ان كل ذلك ليس سوى كلام في كلام, وان اسرائيل مرتاحة جدا وتنفذ برامجها على الارض حسبما خططت له ميدانيا وزمنيا! ونعود نحن فلسطينيا وعربيا واسلاميا نلوك الاسئلة التي تظهرنا بمظهر المتفاجئين ليس الا!
هل تستمر هذه المعادلة على حالها؟
هذا سؤال صعب للغاية خاصة في هذا الوقت الحرج, لان بقاء اللعبة على حالها يعني بقاء الانقسام الفلسطيني متورطا بدرجة اكثر مما تعودنا عليه, والاحداث الجارية في مصر تؤكد ذلك, فلقد رأينا جماعات الاسلام السياسي تحتشد في القاهرة في مؤتمر علماء المسلمين, وفي جامع عمر بن العاص, وفي استاد القاهرة لاعلان الجهاد واذا به جهاد ضد سوريا, وجهاد ضد الشيعة, وحزب الله, وحركة تمرد, والدولة الفلسطينية من خلال تدعيم الانقسام! اما اسرائيل فهي محيدة, مستثناة, مؤجلة الى اجل غير مسمى, لان جماعات الاسلام السياسي لها منطوق آخر مختلف بان الجهاد داخل البيت له الاولوية الاولى التي تسبق أي شيء آخر.
وعلى سبيل المثال فان القدس ليست موجودة الآن على خارطة الاسلام السياسي, وان الاستيطان اليهودي ليس موجودا الآن على خارطة الاسلام السياسي! وبما ان الاسرائيلين والاميركيين يعرفون هذه الحقيقة, ويشاركون في صنعها والترويج لها لأنها تعتبر نجاحا خارقا لهم دون ثمن، فانهم يحاولون الآن باستثمار رهيب للوقت ان يقلبوا المعادلة رأسا على عقب, فبعد ان كان الاستيطان اليهودي الاسرائيلي هدفا ومحصلة اصبح اليوم صاحب قرار, ولعل دانون نائب وزير الجيش الاسرائيلي قد كشف النقاب في تصريحاته الاخيرة عن هذا التحول الكبير, حين اعلن ان حكومة نتنياهو لا تعترف بحل الدولتين, وان المفاوضات حول الارض يجب ان تجري مع الاردن ومصر! وقبل ذلك وبعده تواصلت عمليات الاستيطان بشراسة واستفزاز, وانتظرنا ردة فعل الادارة الاميركية, فكانت ردة الفعل ان جون كيري اجل او الغى زيارته للمنطقة بحجة انه مشغول في القضية السورية التي تحولت فجأة الى ارض الجهاد لدى الاسلام السياسي! واذا فان الاميركيين والاسرائليين والاسلام السياسي يسيرون على نسق واحد, ويخدم بعضهم بعضا, فهل تستمر اللعبة على هذا النحو؟
صحيح ان منحنى الاسلام السياسي قد بدأ بالهبوط الى درجة الانكشاف والانحدار نحو السقوط والتعرية الفاضحة, من خلال تقديم نفسه بأنه الأكفأ في خدمة الاعداء, فان هذا الاسلام السياسي يواجه مشكلات في كل المواقع والتجارب, وانه على موعد غير عادي ورغما عنه في مصر بعد ايام قليلة كل هذا صحيح, ولكن ما نريده ونتمناه قد يأخذ وقتا اطول, فما هي مساهمتنا فلسطينيا في احداث اختراق جدي في الحالة القائمة؟
كل ما ادعو اليه هو فتح نقاش واسع وجدي وصريح وشجاع حول الوضع القائم, فنحن محاصرون حتى الاختناق بين شقي الرحى, الانقسام والاستيطان, الانقسام هو فعل فلسطيني اسلامي برؤية اسرائيلية, والاستيطان فعل اسرائيلي بهروبية اسلامية,
انظروا مثلا الى المصطلحات السياسية المتداولة الان, جهاد ضد سوريا, جهاد ضد حزب الله, جهاد ضد الروافض, جهاد بعدم القيام بأعمال عدائية ضد اسرائيل, جهاد ضد شباب حركة تمرد «الكفرة», كتائب وألوية تتجه الى سوريا, الرباط في الشام واكناف الشام وفي غوطة دمشق تحديدا وفي حمص حيث قبر خالد بن الوليد وليس في بيت المقدس واكناف بيت المقدس كما ينص حديث الرسول الكريم الصحيح.
تعالوا نفتح نقاشا واسعا، عصفا فكريا شجاعا, لماذا نستصغر انفسنا فلسطينيا؟ اوضاعنا صعبة، لا احد ينكر ذلك ولكن دوننا لا يوجد حضور في هذه المنطقة, بل هروب مستمر, وتقديم اوراق اعتماد من الاسلاميين الجدد للاميركين والاسرائلين تفوق عشرات المرات، اوراق الاعتماد التي قدمتها الدكتاتوريات السابقة! تعالوا نتحاور بما يجب ان نفعله فالاختراق مطلوب, ربما لو فعلنا ذلك سيأتي باراك اوباما لزيارتنا مررة اخرى مصطحبا معه وزير خارجيته جون كيري!


رد مع اقتباس