المقالات في الصحف المحلية 1
|
جاء في صحيفة الحياة الجديدة
|
مبادرة السلام العربية هل جاء أوانها؟
حدود الرهان على القمة العربية
الاعتراف بيهودية أوباما
حياتنا - عالم بلا شعر ومشاعر
في العيد الوطني اليوناني ( 25 آذار)
تغريدة الصباح- بائعَ الورد.. شكراً
مكــــــوى
أوباما : انتهى العرض
أوباما في المنطقة، التحالف مع الأنباط
قمة الدوحة؛ كأننا يا بدر رحنا.. وجينا؟
حق للوطن يضيع، وحق يتم اغتصابه
"كلنا سوريون" ... إسقاط "الأسدية" وإسقاط الطائفية معها
أراء ومقالات صحيفة الحياة الجديدة
مبادرة السلام العربية هل جاء أوانها؟
بقلم: يحيى رباح
مهما تشاءم المتشائمون، ومهما تجاهل المتجاهلون، فان زيارة الرئيس الاميركي باراك اوباما الى المنطقة في بداية فترته الرئاسية الثانية، وهي الزيارة التي اقتصرت على فلسطين وإسرائيل والأردن هي بوابة واسعة لحراك سياسي جديد في المنطقة، وانطلاق هذا الحراك السياسي الاميركي من هذه الدول الثلاث، انما هو تأكيد انه ها هنا تكمن العقدة الصعبة، وانه من هنا ينفجر الصراع او ينطلق السلام بغض النظر عن امتداداته البعيدة وأطرافه المتعددة.
وفي هذه الزيارة انفتح الاهتمام من جديد وبتركيز اقوى، على جوهر المشكلة في هذه المنطقة وهي القضية الفلسطينية، حيث اعيد التركيز على الحلول ذات الاعماق المختلفة، وأبرزها حل الدولتين الذي يعني قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ومبادرة السلام العربية المنبثقة من هذا الحل والمرتبطة به، وإعادة (ركلجة) العلاقات بين اللاعبين الرئيسين حيث كانت اول الثمار المصالحة بين تركيا وإسرائيل بجهد اميركي واضح والتركيز على الوضع السوري المتفاقم بحيث ذهب وزير الخارجية جون كيري الى العراق ليطلب اغلاق الاجواء امام ما يقال عنه انه امداد بشحنات السلاح والأفراد التي تصل الى سوريا، وتحضير القمة العربية في الدوحة التي تنعقد خلال يومين لإعادة التأكيد على مشروع السلام العربي الذي عنوانه مبادرة السلام العربية التي اقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002، وأصرت القمم العربية اللاحقة على الابقاء عليها واستمرار طرحها رغم التعامل السلبي من قبل اسرائيل، وتجاهلها بالمطلق.
ولكن منذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة في النهر ولم يعد أي شيء كما كان !!! ويبدو ان المبادرة التي طرحت في العام 2002 لم يكن اوانها قد حان في ذلك الوقت، ولذلك رأينا اسرائيل ترد عليها باستفزاز شديد، ولكن المجموعة العربية لم تقم بردة فعل سلبية ولم تسحب المبادرة ولعل السبب وراء الاستفزاز الاسرائيلي منذ العام 2002، هو ان التيار المعادي للسلام في اسرائيل ? وهو التيار الاقوى ? كان يفضل ألا يكون هناك مشروع عربي للسلام !!! ولذلك فان هذا التيار المعادي للسلام في اسرائيل تعامل مع المبادرة منذ لحظات اعلانها شكل استفزازي يشجع على ردود افعال سلبية جدا !!! بل ان مبادرة السلام العربية في ذلك الوقت لم تشفع للرئيس عرفات الذي هو المحور الاساسي فيها الذي بقي محاصرا في المقاطعة في رام الله حتى لحظة اغتياله كما اعترف الرئيس الاسرائيلي شمعون بيرس قبل ايام قليلة، ان الخلاص من عرفات قد اضاع كل الفرص الي كانت متاحة في ذلك الوقت.
الآن نحن في زمن آخر:
وقائعه اليومية اكثر غموضا، وآفاقه المرئية اكثر خطرا، وكل من له تأثير سياسي حقيقي، مثل الولايات المتحدة لا بد ان يعيد الحسابات ويضع كل العوامل الجديدة في الحسبان !!!واعتقد ان هذه الزيارة التي بدأها الرئيس اوباما من بوابة الدول الثلاث هي تأكيد لهذه الحسابات الجديدة، اذ لا يمكن البقاء عند نقطة السفر، ولا يمكن الاطلال على بقية القضايا بالمنطقة ابتداء من الملف النووي الايراني والأوضاع في سوريا والمنطقة وإعادة ترتيب التحالفات، بعيدا عن الملف الاول والمشكلة الأولى، والقضية الأم وهي القضية الفلسطينية، والآفاق المرئية لحل هذه القضية ومن بينها مبادرة السلام العربية التي تعرضت خلال السنوات الماضية الى نقد شديد، وتجاهل اسرائيلي مستفز، ولكن الحكمة ورجاحة العقل ابقت على هذه المبادرة مطروحة على الطاولة، اقله ان العالم يرى ان المطالب الفلسطينية العادلة مدعومة بمشروع سلام عربي، بينما اليمين الاسرائيلي ما زال يتخبط ويركض وراء الاوهام.
لقد جرت احداث كثيرة وانفجرت حروب كثيرة منذ طرحت مبادرة السلام العربية فهل وجدت اسرائيل نفسها آمنة ومضمونة؟؟؟
ان الاجابة الحاسمة بالنفي على هذا السؤال تؤكد ان مبادرة السلام العربية هي أثمن ما طرح من آفاق سياسية في السنوات العشر الاخيرة.
حدود الرهان على القمة العربية
بقلم: عادل عبد الرحمن
يأتي انعقاد القمة العربية العادية في خضم تطورات اقليمية متسارعة تهدد الاستقرار الداخلي والقومي والاقليمي. حيث تشهد العديد من الدول العربية وخاصة مصر وتونس وسوريا وليبيا والبحرين وغيرها تفاقم التناقضات الداخلية، التي تبدد الاستقرار السياسي والاقتصادي والسلم الاهلي، وتهدد وحدة البلدان المعنية، وانعكاس تلك التطورات على الامن القومي والاقليمي، أضف الى ما حصل من تطور في إسرائيل في اعقاب انتخابات الكنيست التاسعة عشر، ونشوء وضع غير مستقر تمثل بتشكيل حكومة اكثر يمينية واستيطانية بامتياز، ورافضة لخيار الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وانتهاء حالة التوتر في العلاقات التركية ? الاسرائيلية، وطبعا انعكاسات زيارة اوباما لكل من إسرائل ودولة فلسطين المحتلة والاردن، والملف النووي الايراني، وأثره على الاستقرار الاقليمي... وغيرها من التطورات ذات الصلة.
رغم سخونة الاوضاع العربية، وتضاؤل حدود الاستقرار الوطني والقومي، وفقدان الامل بالتسوية السياسية إلا إن حدثت تطورات غير عادية تلزم إسرائيل باستحقاقات السلام وخيار الدولتين على حدود 67، إلا ان الشارع العربي عموما والمراقبين خصوصا يعيشون حالة اغتراب مع مؤسسة القمة العربية، التي ستبدأ غدا اولى جلساتها في الدوحة.
كأن الشعوب العربية والمراقبين السياسيين والاعلاميين فقدوا الثقة بالقمم العربية وبقراراتها، وبما يمكن ان ينتج عنها. وحتى لو اصدرت هذه القمة اقوى القرارات السياسية او الاقتصادية او الامنية، فإنها لن تكون احسن حالا من سابقاتها من القرارات. لأن التجربة المرة، التي عاشتها الشعوب العربية مع مؤسسة القمة، أكدت غياب الرهان على إحداث اي نقلة على الصعيد القومي.
وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن الملوك والرؤساء والامراء العرب، فشلوا حتى الآن في إعطاء الفلسطينيين الامل بقرارات القمم العربية. ليس لأن القيادة السياسية والشعب العربي الفلسطيني، تدير الظهر للاشقاء العرب او قرارات القمم العربية. ولكن لأن الفجوة التي اوجدها القادة العرب بينهم وبين اشقائهم، اصحاب القضية المركزية للعرب كبيرة، وكبيرة جدا. لا سيما وان قرارات القمم الخاصة بدعم واسناد الشعب وقواه الشرعية في مواجهة دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية على الصعد المختلفة وخاصة في تأمين شبكة الامان المالية، وفي استخدام اوراق القوة العربية مع الراعي الاساسي لعملية السلام، الولايات المتحدة ومع دولة التطهير العرقي الاسرائيلية لتحقيق الاهداف الوطنية، لا بل لاحظ المراقبون ان القادة العرب، يمارسون العكس، فهم يستخدمون سلاح المال لـ"إذلال" اشقائهم الفلسطينيين قبل تسديد التزاماتهم، وان دفعوا، فلا يكون ذلك إلا بعد أخذ الضوء الاخضر من الادارة الاميركية ودولة اسرائيل. مع ان إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 مصلحة قومية واميركية واسرائيلية وطبعا اوروبية غربية. والأنكي والأدهى ان بعض الدول العربية تتآمر على وحدة الشعب والقضية والاهداف الوطنية، وتعمل على تعزيز الانقسام وتأبيد الانقلاب على الشرعية في محافظات الجنوب.
المراقب والمواطن على حد سواء، لا يريدون قرارات وديباجات كبيرة وفضفاضة تجاه شعب فلسطين ودعمه. بل يريدون قرارات مكونة من كلمات عادية وبسيطة، ولكن قابلة للتحقيق والتنفيذ على الارض لدعم معارك التحدي. وما يريده الفلسطينيون ليس سوى الجزء اليسير من الدعم المالي والاقتصادي قياسا باستثمار بعض شيوخ وامراء النفط في بعض الدول الاوروبية، او دعم شبيه بدعم حملات الرئاسة الاميركية او الايطالية او الفرنسية من قبل القادة العرب. والاهم لا يريد الفلسطينيون العبث بمصيرهم ووحدة قضيتهم وشعبهم وقيادتهم، والعمل لدعم التوجهات السياسية للقيادة برئاسة ابو مازن من خلال التلويح بأوراق القوة العربية في وجه اميركا واسرائيل، وكل من يحاول الاساءة للقضية الفلسطينية من الاخوان ومن يناصرهم.
ومع ذلك لا يملك المرء، سوى ان يتمنى للقادة العرب وقمتهم الحالية النجاح وتجاوز حالة الاضطراب والتشرذم، والمواءمة بين القرارات وعملية التنفيذ. وينتهجوا سياسة واضحة وجريئة بغض النظر عن موافقة الفلسطينيين او غيرهم من العرب، سياسة واقعية تقرن القول بالفعل العربي، واعتبار كل القرارات التي لم تنفذ تاريخيا ساقطة بالتقادم، والبدء من جديد، من الصفر، لأن ليس المهم عدد القرارات، ولا كيفية صياغتها، ولا حجم اسطرها، بل قرارات محدودة وملزمة للعرب جميعا، لاعادة الثقة بمؤسسة القمة العربية ولتجسير الهوة بين القادة العرب والجماهير العربية، لأن ذلك في مصلحتهم الخاصة، ومصلحة الشعوب نفسها.
الاعتراف بيهودية أوباما
بقلم: فؤاد أبو حجلة
لو كنت من أصدقاء اميركا لأحرجتني كثيرا زيارة باراك حسين أوباما الى المنطقة وتصريحاته المستفزة وانحناؤه المخزي أمام العصابة الحاكمة في تل أبيب.
تحت شعار الواقعية السياسية كان مطلوبا منا في زمن التسويات وماراثون المفاوضات أن نمكث في المجال الاميركي وأن ننخرط في المشروع التسووي الذي دشنه العرب أقبل أوسلو بسنوات طويلة، وكان مطلوبا منا أن نتعاطى بايجابية مع جيمي كارتر الذي اعترف بحقنا في الحرية بعد خروجه من البيت الأبيض، ثم صرنا مطالبين بأن نتفاعل مع جورج بوش الأب الذي أغدق عليه بعض العرب في الهدايا وفي الثناء على "حكمته"، ثم صرنا مطالبين بأن نحب بيل كلينتون الذي أظهر تفهما غير مسبوق في واشنطن لحقنا في الدولة واحتفظ بتفهمه لنفسه بعيدا عن وزارة خارجيته وبعيدا عن وزارة حربه، وطالبنا بعض العرب بعد ذلك بالرهان على جورج بوش الابن الذي قالوا لنا إنه الرئيس المخلص والقادر على كبح جماح اسرائيل، وأخيرا طالبنا العرب حكومات وجمهورا بالمشاركة في أعراس الترحيب بباراك حسين أوباما الذي يجيد الخطابة ويحتفظ بسواد وجهه وقلبه في تعامله مع قضايا الحرية.
منذ البداية لم أكن معجبا بهذا الرئيس ولا مصدقا لهرائه حول الحرية والديمقراطية وحق الشعوب في الاستقلال، فهو في النهاية مثل غيره من رؤساء اميركا الذين تصنعهم السي آي ايه وتجيرهم لخدمة المشروع الصهيوني في المنطقة.
كان الرهان العربي والاسلامي على أوباما ينطلق من حقيقة كونه من أصل افريقي وحقيقة أن والده مسلم، وقد قيل لنا إن أوباما غير دينه من الاسلام الى المسيحية لكي يستطيع الانخراط في الولايات المتحدة، ولم يكن يعنينا إن كان هذا الرئيس مسلما أم مسيحيا في الأصل لأننا نعرف أنه في النهاية يهودي في الهوى وفي القرار.
في زيارته الأخيرة لبلادنا المحتلة طالبنا أوباما بالاعتراف بيهودية اسرائيل، وبعد هذه الزيارة يحق لنا أن نطالب أصدقاء اميركا في المنطقة الاعتراف بيهودية باراك حسين أوباما.
حياتنا - عالم بلا شعر ومشاعر
بقلم: حافظ البرغوثي
مرسوم الشعر العالمي الذي اعلنته اليونسكو كل عام في 21 آذار بهدوء.. لم يتجمهر لا شعراء ولا عشاق الشعر في عكاظ او كوفة او مربد او حتى على حافة ضريح الدرويش.. كأن الشعر فقد سحره أمام سحرة فرعون وأمثاله من الطغاة.. لم يعد العربي يملك ناصية البيان حتى يعود الشعر ديوان العرب.. ولم يعد الشعراء يقولون من الشعر إلا قليلا.. من خانته اللغة خانه الوطن.. ومن لمن يخنه الوطن خانه كاتم الصوت وارداه في البحر الميت دون البحور كلها.
لم يعد الشاعر متأملا في فيض الدم والحزن والألم فهو غارق كغيره من عامة الناس.. ما الذي تفعله الكلمة وسط ولولة الثكالى وصراخ الاطفال الموءودين والاوطان المدمرة والدمار الشامل المصاحب للدعار الشامل الذي يجتاح الأمة ويزلزل عواصمها وبيوتها؟ فكيف يصمد بيت الشعر فيما تتهاوى بيوت الحجر؟ لا روح جديدة انبثقت ولا جماليات نجت من القبح المهيمن.. تتراجع الحروف الى السنتها المعذبة.. صارت اللغة ضيقة على حجم الحزن والدم والعذاب، كان لا بد من نحت اوصاف اكثر حدة لتنسجم مع الواقع.. حروف من خناجر ومسامير ونقاط متفجرة وجمل محشوة بالغاز وبيوت شعر مصفحة وخوازيق على مقاسات الطغاة والقتلة وباعة الدم والارض والضمير.
ما الذي يقوله شاعر منكوب الروح ومهزوم الوجدان.. ما الذي تفعله الكلمة وسط الاحتفالية المستمرة بالاغتصاب الجماعي للأوطان والشعوب؟ ما من قبيلة تشحذ سيوفها وحناجرها وفرسانها الا لصالح فرس او روم او طغاة.. يتراجع الشعر والشعراء مع تراجع المشاعر.. فالثقافة تحتضر في عالم حضارته مادة القتل. من ذا يجير الضاد من الاضداد! ثمة لا جمال ولا بلاغة ولا بيان في المجمع اللغوي المبرمج بلغة بريل، ما زال رأس ابو العلاء على ارض الشام، ملقى بعد قطعه وابو تمام فقد السيف والحرف تحت سنابك الزط والزنج، والمتنبي ما زال يقرئنا السلام ويردد:
حتى رجعت واقلامي قو ائل لي
المجد للسيف ليس المجد للقلم
في العيد الوطني اليوناني ( 25 آذار)
بقلم: ايفانجيليا علاونة رئيسة المركز الثقافي اليوناني
لم أرغب ولم أستطع طوال حياتي أن اخبئ حبي الخالد لوطني اليونان ومعركته المستمرة من أجل الحرية والديمقراطية، أتألم وأفرح بفرحه وأحتفل باحتفالاته. لقد أصبح متعارفاً بأن التاريخ يزيد المناسبات العظام لمعانا واهتماماً، وينطبق هذا تماما على ما حدث عام 1821 في اليونان، مئة واثنان وتسعون عاماً تفصلنا عن ذلك اليوم العظيم يوم 25/3/1821، حيث بدأ من دير لافرا ابيسكوبوس باليونان بترون جرمنوس المقاومة المشروعة ضد الأتراك بهدف تحرير اليونان وتحرير الشعب اليوناني وإعادة الحرية والعدل والقيم والاحترام إلى أرض هذا الشعب.
لم تكن أسباب ثورة عام 1821 اقتصادية أو اجتماعية تتعلق بتوفير مأكل أو مشرب أو لحل مشاكل وخلافات وظواهر اجتماعية. أن أبطال ثورة عام 1821 لم يطلبوا السلام المشبوه ولم يقبلوا بالاستسلام، بل بالعكس، ضحوا بالسلام الزائف مقابل الحرية، حرية اليونان. لقد عرفوا ووعوا بأن الحرية هي أغلى من السلام المنقوص، وبخاصة إذا كان السلام ناجماً عن تنازلات جوهرية. ومن أجل ذلك ثاروا وقاتلوا وضحوا من أجل الحصول على حياة كريمة لهم وللأجيال من بعدهم.
لقد شكلت ثورة 1821 أسطورة في تاريخ اليونان، حيث كانت بداية لتخليص اليونان مما يزيد على 350 عاماً من الاحتلال والاستعباد من قبل التيران الآسيوي، الذي حاول بالإجراءات القمعية والاذلالية التي تقشعر لها الأبدان القضاء على الحس والشعور الوطني لدى الشعب اليوناني، محاولاً بذلك توجيه سفينة الشعب اليوناني إلى بحر الجهل والظلمات مستخدماً بذلك إغلاق المدارس ومنع التحدث وتعليم اللغة اليونانية. ولم يكتب لمسلسل التجهيل النجاح وذلك لجهود الكثيرين من أبناء اليونان وبخاصة رجال الدين منهم، الذين لجأوا إلى تنظيم التدريس السري في المدارس التي انتشرت في كل مكان على طول وعرض اليونان، كما كان الوضع خلال الانتفاضة الأولى في فلسطين.
لقد بأت أبشع أعمال المحتل وأكثرها شيطانية منذ عام 1453 واستمرت بإصرار وتصميم حتى عام 1826. وقد وصلت هذه الأعمال قمتها فيما يسمى بزوماسوما ينتسري، اللذان تخصصا في اختطاف الأولاد والبنات الصغار من العائلات بقوة وشحنهم إلى أناضوليا من أجل غسل أدمغتهم وفصلهم عن دينهم وأهاليهم وعن بلدهم وتحويلهم إلى جنود دون إحساس يوجهون ضد الشعب اليوناني. ولم تسلم عائلة من هذه الاختطافات إلى درجة أن أصبحت الأمهات تتمنى الموت لفلذات أكبادهن على أن يقعوا في أيدي جنود المحتل، وقد جمع المحتل في السنة الأولى حوالي ألف شاب من أقوى وأجمل الشباب والشابات وحولهم إلى أداة قمع حادة وجهوها ضد الشعب الأصلي، وكان من الصعب على هذه النفوس الناعمة مقاومة هذه المحاولات والوقوف أمامها لأن الموت الأكيد كان البديل الآخر للرفض ناهيك عن أن غسل الأدمغة كان يتم في سن مبكرة قبل وعي هؤلاء الشبان الصغار.
وتشير الإحصائيات المحافظة إلى أن الاحتلال التركي حول مليون شاب يوناني إلى «تيراني تو الينيكو اثنوي» الأمر الذي يظهر كبر وعمق تأثير هذه الجريمة على الشعب اليوناني لعشرات السنين.
أما بالنسبة للشعب اليوناني المزود بالإيمان الأرثوذكسي فلم يتنازل ولم يخسر الشجاعة والاشتياق إلى الحرية بسبب هذه الأعمال، بل ساعدت الأعمال الإجرامية في تعميق وتأصيل وحدتهم وإصرارهم على الحرية أكثر من قبل، حيث كان «الحرية أو الموت» هو شعار الثوار عام 1821. واستمرت الثورة سبع سنوات متتالية مباركة بعيد الست مريم العذراء، عندما انطلقت شرارة الثورة في عيدها الذي يصادف 25 آذار من كل سنة. وكانت النتيجة الحتمية لهذه الثورة والمعارك حصول الأجداد اليونان على أغلى قيم وفضائل الحياة ,على الحرية، وهي فضيلة لا تعطى ولا تمنح وإنما تؤخذ وتنتزع.
في احتفالنا بهذا اليوم العظيم، يؤكد العلم اليوناني باللونين الأبيض والأزرق الحرية والاستقلال التي تعم على جميع أجزاء أرض اليونان وستبقى ذكرى هذا اليوم خالدة في عقول وأذهان الشعب اليوناني مجددة العهد والوعد والوفاء لذكرى الأبطال، أبطال هذه الثورة أمثال «كولوكطرونس، كارايسكاكيس، ابسيلاندس، ماركوس، بوتساريس، كناريس، مياوليس... وغيرهم» إضافة إلى شهداء الشعب اليوناني الذين فاق عددهم المليوني شهيد، وستبقى ذكرى جميع هؤلاء الشهداء منارة للشعب اليوناني ولمحبي الحرية يستنار بها في طريق الكفاح من أجل الحرية.
لهم جميعاً ومن أجلهم نحيي ذكرى يوم الخامس والعشرين من آذار من كل سنة لتجديد الوعد والعهد مؤكدين لأبطال ثورة 1821 أن جوابنا لهؤلاء الأعداء سوف يكون ويبقى دائماً جواب كولوقطرونس لإبراهيم باشا في بيلوبونس حين قال له: حتى لو قطعت جميع الأشجار وهدمت جميع البيوت ولم تبق حجرا على آخر فسوف لن نركع لك أيها المحتل فالأرض التي لا تستطيع مصادرتها وسرقتها هي الكفيلة بإعادة البناء ونمو الأشجار. حتى لو بقي يوناني واحد فقط سوف يستمر النضال من أجل الحرية. لا تحلم بأن تحول الأرض اليونانية إلى ملك لك، اخلع هذا الحلم من رأسك، قال هذا الرد مباشرة قبل أن يقطع رأسه.
ويبدو أن أقوال كولوقطرونس تنطبق على الوضع في الارض المقدسة وتنسجم تماما مع الموقف الوطني لاسرى الحرية الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية الذين يدفعون ثمنا غاليا من حريتهم بسبب مطالبتهم بالحرية والاستقلال، وتعطي قوة وأملا لدولة فلسطين المحتلة المغتصبة والتي تتعرض لأبشع الممارسات المؤدية إلى تقطيع التواصل الفلسطيني والقضاء على الأرض الفلسطينية وخصوبتها حيث تجرف عشرات آلاف الدونمات وتقطع عشرات آلاف الأشجار ويقتل ويجرح عشرات آلاف الشباب والأطفال وتشيد المستوطنات بالرغم من اعتراف المجتمع الدولي بفلسطين كدولة غير عضو في الامم المتحدة في 29 تشرين الثاني من عام 2012. إلا أن أرض فلسطين المقدسة كفيلة بتوفير وتربية المناضلين لإعادة الحرية لهذه الأرض المغتصبة. كما وأنه جدير التذكير بهذه المناسبة في الوقت الذي حولت فيه الدول العظمى النضال من أجل الاستقلال والحرية إلى ممارسات إرهابية وقلبت بذلك الحقائق وشوهت المعاني والممارسات الوطنية الخالصة للشعوب المظلومة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.
تغريدة الصباح- بائعَ الورد.. شكراً
بقلم: محمد علي طه
يفرح المبدع عندما يسمع كلمة إطراء لنصّه من قارئ يلتقي به في المقهى أو المتجر أو سيّارة الأجرة أو محطّة القطار أو الشارع أو أيّ مكان آخر فالكلمة الطيّبة تمدّه بطاقةٍ متجددةٍ لمواصلة مسيرة العطاء. وغاية المبدع الكبرى هي أن يزداد عدد قرّائه. وعلاقة المبدع بالقرّاء مثل علاقة السمكة بالماء فمثلما لا تعيش السمكة بدون الماء فلا حياة للمبدع بدون القرّاء. ولم استغرب حينما قرأت قبل سنوات مقالاً لأحد الكتّاب يتمنّى لو يشتمه مليون إنسان بعد نشر أيّ نصّ أدبيّ له، ولما سُئل عن ذلك أجاب بأن هذا يعني أنّ مليون قارئ قد قرأ نصّه الأدبيّ. فكيف إذا سمع هذا الكاتب كلمة الإطراء لا الشتيمة من عشرات القرّاء لا من مليون قارئ!!؟
والجائزة الأدبيّة هي كلمة إطراء كبيرة وهامّة وقيمّة معنوياً وماديّاً ينشدها المبدع ويظنّ أنّه الوحيد الذي يستحقها، وتمنحها مؤسسة رسمية ذات نظام داخلي، بينما كلمة الإطراء من القارئ تأتي عفوية صادقة من دون توصية من وزير أو وساطة من سفير ومن دون علاقات عامة مع أمير أو مدير.
حينما بدأت الكتابة قبل خمسة عقود ما فكرت وما حلمت بأيّة جائزة أدبيّة، مثلي مثل أبناء جيلي من المبدعين الذين صمدوا في وجه رياح النكبة العاتية وانغرسوا في تراب الوطن، كان الحلم، يومئذٍ، بأيّة جائزة رسمية وهماً وترفاً مريضاً لا يغامر فيه عاقل، ولكنّ مناخ هذا العصر وعوامل الطبيعة المتقلّبة المتعاقبة أثرَّ على الغيوم وعلى المطر وعلى الندى وعلى حرارة الشمس وعلى بزوغ النجوم في السماء.
حصلت على عدّة جوائز أدبيّة ومعنويّة أعتزّ بها مثل جائزة وسام القدس من الرئيس الراحل ياسر عرفات وجائزة وسام الاستحقاق والتميّز من الرئيس محمود عباس ولكن هناك جائزة أدبيّة قيّمة فريدة لها طعم خاص نلتها قبل سنوات وقد أثّرت فيّ وعليّ تأثيراً كبيراً وتركت في نفسي أثراً طيّباً ورشّت في فضائي عبيراً.
في تسعينيات القرن الماضي سافرت إلى مدينة العفولة لأعود أخي وصديقي الشاعر شكيب جهشان، رحمه الله، الذي كان يرقد في المستشفى بعد إجراء عملية جراحية لإحدى عينيه، وفي طريقي عرّجت على دكان أزهار في مدينة الناصرة لأشتري هدية له. وكان الوقت صباحاً، والفصل ربيعاً، والأزهار الطالعة من طفولتها تملأ الحانوت ألواناً زاهية وتعطّر الفضاء بعبيرها.
طلبت من صاحب الحانوت، وهو شاب أسمر في الثلاثينات من عمره، أن يعدّ لي باقة أزهار. تأملني وقال: سوف أعدّ لك باقتين جميلتين.
قلت: يا سيدي أريد باقة واحدة.
*سأعدّ لك باقة كبيرة عبارة عن باقتين اثنتين.
قالها بحزم وإصرار فأيقنت ألا نقاش معه.
*حسناً مثلما تريد.
وقلتُ في سري مبررّاً موقفي: إن من يدفع خمسين شيقلاً ثمن باقة واحدة يستطيع أن يدفع مئة شيقل أيضاً، ولماذا النقاش الذي قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، فالرجل البائع صارم وحازم، والعنف منتشر في مجتمعنا، وابعد عن الشرّ وغنِّ له يا محمد.
ناولني البائع الباقة الكبيرة وهو يقول مبتسماً: تفضل يا أستاذ.
أخرجت محفظتي من جيبي فقال: لا أريد ثمناً. هذه هدية مني إليك.
*لي أنا؟
*نعم. أنا أقرأ قصصك وتعجبني، وأقرأ مقالاتك وأتمتّع بها. فاقبل باقة الورد مني مقابل ما قدمته لي طيلة سنوات.
باقة ورد من رجل لم يسبق لي أن قابلته أو عرفته، ثمنها مئة شيقل قد تكون ثمن الحليب والخبز والخضار والفواكه لعائلته.
باقة ورد على خدود كل وردة منها يمرح الفرح ويرقص الأمل، وتبتسم الدنيا.
شكراً لك سيدي بائع الورد.
مكــــــوى
بقلم: وضاح زقطان
قلة من الشباب كانت تحرص على " كسرة البنطلون " فهي من علامات الأناقة ومؤشر حضاري باهت ولإتمام العملية سيكون هناك مكوى من الحديد ونار من البابور وبخة ميّ من الفم لتبريد الأمر.....
ولم يكن المكوى مزودا بمؤشر للحرارة فيترك ذلك لتقدير المكوجي، إذن وضع " الحيلة والفتيلة " في مهب الريح... والمكوجي صاحب مهنة لا تقل أهمية عن مهنة الحلاق أو الخياط.... ومن كانت يده قصيرة أو كان بلا يد فعليه كان يفرد الملابس تحت الفرشة للحصول على الحد الأدنى من الخطوط....
كان الوصف الذي يحظى به الشاب الأنيق " مشخّص " أو لابس على " سنّكة عشرة " حتى أتى الجينز ودمر الفكرة وهو أمتن وأطول عمراً وبلون موحد وأكثر خبثاً... ولم تنته الأمور عند هذا الحد فقد أجهز الدراي كلين على ما تبقى من المشروع بشكل كامل....
ونحن اليوم ندفع الغالي والنفيس من أجل أناقة مزيفة بعد أن تراجع كل شيء الى الأسفل وتوارى كسراب......
أراء ومقالات صحيفة الأيام
أوباما : انتهى العرض
بقلم: د.عاطف ابو سيف
انتهت زيارة الرئيس الاميركي اوباما للمنطقة وأصبحت شيئاً من الماضي بعد عاصفة النقاش الكبيرة التي دارت حولها وعنها ومعها. والزيارة غير الطموحة من البداية شهدت كلمات ترحيبية تخللتها المواقف السياسية التي لم تعكس مواقف يمكن الاعتداد بها أكثر من الرغبات. ربما كان النقاش الكبير الذي دار حول الزيارة زائداً حيث أخذت الزيارة اكبر من حجمها الحقيقي. لكن في ظل ان هذه أول زيارة للرجل للمنطقة منذ انتخابه في ولايته الاولى وفي ظل حالة الركود العظيم الذي تشهده عملية السلام في المنطقة فإن هذا الحجر الصغير يبدو قنطاراً، وتصير هذه الزيارة فرصة للحديث عن السلام وليس لصناعته او العمل على تحقيقه.
ارتبط النقاش المحلي حول الزيارة بمغالطتين تعودان إلى سوء تقدير السياسة الاميركية او سوء فهم عقلية الرئيس الاميركي. ترتبط الاولى بالمقولة الخاطئة حول "الولاية الثانية" او ما يمكن تسميته خرافة الولاية الثانية. فثمة نوع من الفنتازيا في عقول المراقبين حول الولاية الثانية للرئيس الاميركي التي يكون خلالها أكثر تحللاً وحرية واكثر مقدرة على اتخاذ القرارات التي قد لا تروق لإسرائيل حيث إنه لا يعود طامعاً بولاية أخرى يكون للناخب واللوبي الصهيوني وحلفائه دور كبير في تقرير مصيره فيها. لا تتوافر الكثير من الشواهد التي تدلل على صحة هذه المقولة. وربما إذا أحب احد أن يستعيد فترة ولاية كلينتون الثانية فعليه أيضاً أن يستعيد فترة ولاية بوش الابن الثانية التي لم يحدث فيها شيء. ما أقصده هنا أن الامر يتعلق لا بالولاية الاولى والثانية بل بشخصية الرئيس الاميركي نفسه.
وهذا يقود إلى النقطة الثانية في سوء التقدير هذا. فرغم إعلان البيت الابيض الصريح أن الرجل جاء ليستكشف الآراء حول عملية السلام إلا أن البعض حاول تحميل الزيارة أكثر من طاقتها. وخرجت اهمية الزيارة عن ما قصد من ورائها. وبالطبع عمل النقيض من حيث قيام البعض بتتفيه الزيارة. يبدو باراك اوباما أقل طموحاً في ولايته الثانية منه في ولايته الاولى. تذكروا كيف وقف مثل الفلاسفة خلف منبر جامعة القاهرة وفي اسطنبول في بداية ولايته الاولى وتحدث بعمق وتأمل حول الديمقراطية وحول اميركا الجديدة صديقة الشعوب. يبدو ان السنوات الاربع علمت اوباما الكثير، علمته ان الأفكار لا تنفع وحدها فثمة مؤسسة لها أحكام ونظم وأنه ترس في ماكينة كبيرة. قد يبدو مختلفاً وقد يرغب ان يكون كذلك لكن لا يستطيع ان يغير الماكينة. أوباما يبدو أكثر تواضعاً ولم يقم بتقديم الكثير من الوعود ولا النصائح ولا الاحلام.
في رام الله كما امام القادة الإسرائيليين قال اوباما لكل مضيف ما يريد أن يسمعه. واكل الحمص وشاهد عرض الدبكة في البيرة وقابل ملكة جمال إسرائيل السوداء وضحك، وزار مهد المسيح وعاد إلى بيته. يبدو هذا مثل جدول لزيارة سياحية من الدرجة الاولى. في نهاية المطاف ودعه الجميع والابتسامة على وجوههم. تحدث للإسرائيليين عن التاريخ وعن الفكرة الصهيونية ببلاغة معهودة عنه دون ان ينسى تذكيرهم بالسلام. وربما كان همس لنتنياهو بشيء ولبيريس بشيء آخر. اما للفلسطينيين فقد اسمعهم ما يريدونه: حديثاً عن الدولة الفلسطينية والسلام المنشود وإشارات للاستيطان. وبذلك لم يثر غضب أحد ولم يبتدع إشكالية ما. اما الحديث الجدي عن السلام والمشاريع والمقترحات فسيتم بعد مغادرته. أما أي نوع من المبادرة التي سيخرج بها من باحة البيض الابيض بعد ذلك فستظل رهن المستقبل ورهن التقديرات. لكن المؤكد أن اوباما لن يكون مندفعاً في طرح فكرته او خطته التي أشارت لها بعض وسائل الإعلام ولن يكون طموحاً بشكل كبير. فحقل الألغام يتطلب حذراً.
ربما كانت تلك الزيارة اكبر هدية يتلقاها نتنياهو بعد فوزه في الانتخابات والمخاض العسير لولادة حكومته الثالثة. شهدت العلاقة بين الرجلين توتراً خلال الانتخابات بعد مراهنة نتنياهو على خسارة اوباما وتبادل النقد اللاذع بين الرجلين لم يأبه نتنياهو لعواقبه حتى بعد فوز اوباما. الكاسب الاكبر من الزيارة سيكون نتنياهو الذي لم يتنازل حتى على صعيد الكلمات والمجاملات ولم يقل في حضوره أي شيء يخالف إجماعه الحزبي. والاهم انه ظهر بمظهر المحب للسلام بعد ان ترسخت صورته بوصفه معادياً رافضاً للسلام. وهو بذلك يفي بالتزامه بشكليات عملية السلام ليرضي يائير لابيد، والاهم انه يعيد تحسين صورة إسرائيل في العالم. والاعتذار لتركيا عن واقعة اسطول الحرية جزء من هذه المحاولة فنتنياهو بمساعدة أوباما يريد أن يغير من الصورة النمطية التي رسمت لإسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية.
فلسطينياً، من المرعب كيف نبرع، نحن الفلسطيينين، في تحويل كل شيء إلى ترس من تروس الانقسام. كأننا نملك ماكينة سحرية ندخل الشيء فيها فيتحول إلى موضوع من موضوعات الانقسام ومادة له. خرج الناطقون الرسميون وبدأ السب والشتم ليس على أوباما بل على ابو مازن وعلى السلطة وخرجت المظاهرات في شوارع غزة منددة. وكأننا لا نعرف ان اوباما صديق إسرائيل وانه أقرب للرواية الإسرائيلية من قربه لروايتنا، وكأننا لا نعرف أن الزيارة لن تتمخض عن شيء. تخيلوا لو أن اوباما قال لـ"حماس": أريد أن ألقاكم، لصار قديساً وصار كاسراً للحصار وربما تم تذكيرنا بأن العرق دساس، فجده مسلم أيضاً. بدلاً من التفكير المشترك كيف نواجه السياسات العالمية وكيف نعمل من اجل تثوير المواقف الدولية لصالحنا نبرع كيف نجعل من كل حدث عالمي او زيارة حتى لو كانت بلا اهمية معولاً في هدم الخطاب الوحدوي.
لقد اخذت الزيارة مساحة كبيرة وانتهت واعادت التذكير بأن هناك مشروعاً ميتاً للسلام لكنها لم تقل إن إسرائيل هي من قضت عليه، كما انها ذكرتنا بأننا نبحث عن أي ذريعة لتعميق الانقسام وان خطابنا مازال منخفضاً ومازلنا بحاجة لبحث مشترك عن لغة أقل تواضعاً سواء في التفاؤل أو في التشاؤم.
أوباما في المنطقة، التحالف مع الأنباط
بقلم: غسان زقطان
لم تكن زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة مجرد جهد زائد في برنامج البيت الأبيض للعلاقات العامة، كما بشّر الكثير من المحللين والسياسيين في الإقليم، أولئك الذين فتشوا متاع الرئيس الأميركي وحقائبه بحثا عن "مبادرة " غير مهربة، او الذين اكتفوا بإعلان الزائر انه لا يحمل اشياء من هذا القبيل.
بقليل من الحكمة والتأمل كان يمكن تتبع خط سير الرحلة للعثور على "المبادرة" المفقودة، كان يمكن ربط هذا الخط، هذا يحتاج الى تأمل أيضا، بالمحطات التي لم يتوقف فيها "باراك أوباما".
ببساطة اعاد "أوباما" رسم الحلف الأميركي في المنطقة، أعاد ترميم الثغرات ووضع حدودا للمجال الذي يمكن أن يتجول فيه سلاح الجو الإسرائيلي، والمرحلة التي عليها ان تتجاوز فيه ذلك الخط في طريقها للسماء الإيرانية التي بدأت تلوح بـ "خاتمي" . أعطى الإشارة الأوضح ببدء العد التنازلي لبشار الأسد في دمشق ، أعاد التذكير ب"حل الدولتين" وأعطى اشارة لقمة الدوحة ببذل جهد اكبر في دعم اقتصاد السلطة، والأهم انه اعاد ربط المبادرة العربية بأجهزة التنفس.
في الوقت نفسه، نأى بنفسه عما يحدث في مصر، اذ يبدو ان تقرير وزير خارجيته الجديد حول زيارته الأخيرة للقاهرة كان كافيا ليفكر في مدى جدية الاتفاق مع "الاخوان المسلمين"، الذين اتضح انهم غير قادرين على توفير البضاعة في المنطقة.
2
لم يذهب " باراك أوباما " لزيارة المسجد الأقصى، ولم يعلن الحرب كما هدد المتظاهرون في غزة، ويبدو أن الزيارة نفسها لم تكن مدرجة في جدول أعمال الرئيس، تصريح طائش ومدروس تسبب في تلك الفوضى. الا يذكر هذا بالجنون الذي أصاب المنطقة والعالم عند بث تلك الدقائق السخيفة من الفيلم المسيء للرسول؟ او عندما اعلن القس الأميركي المعتوه عن نيته حرق القرآن الكريم؟!.
اكتفى الرجل بزيارة سريعة لمدينة البتراء، ولم يسجل اي احتجاج من قبل العرب الأنباط هناك، كانوا هادئين تماما وحكماء كعهدهم وراء الصحراء، الأنباط الذين دوخوا روما التي ورثتها أميركا.
3
في لقائه مع الشباب والشابات في مؤسسة شباب البيرة، سمع الرئيس الأميركي كلاما واضحا وبلغة انجليزية بلكنة اميركية واضحة، حول الواقع الفلسطيني، وتطلعات الفلسطينين، اخذ الشبيبة اقتباسات من كتاب "أوباما" وشعاراته، وأعادوها اليه، مثل درس طويل في الإملاء.
وفي كنيسة المهد قال له رجل الدين المسيحي الفلسطيني، "لا تكن كغيرك ، كن مختلفا، لم يعد وقت كثير هنا"،
اول من امس، كرر توماس فريدمان كلاما يشبه هذا في ال "نيويورك تايمز"
وفي القدس قال له شاب فلسطيني، هل جئت لتمنح الاحتلال مزيدا من الأسلحة لقتلنا؟
حظي اللقاء مع الشباب الإسرائيليين باحتفال اعلامي بحيث بدا مثل ايقونة الزيارة، بينما تسبب الفشل الإعلامي النتاتج عن نظرية أمنية هي جزء من أداء سياسي يفتقر للندية، الندية الرائعة التي تمتع بها شبيبة مؤسسة شباب لبيرة ورجل الدين في المهد والشاب الفلسطيني في القدس.
قمة الدوحة؛ كأننا يا بدر رحنا.. وجينا؟
بقلم: حسن البطل
ستكون نكتة خارقة (أو بايخة) لو استمعوا في الدوحة إلى نشيد الكورال العربي: "وطني حبيبي الوطن الأكبر". لا وطن عربي، ولا حتى عالم عربي، بل "بلداننا العربية" في كلمة وزير خارجية قطر، الدولة الرئيسة لقمة الدوحة 2013، وكلمة أمين عام جامعة الدول العربية.
كم تغير العالم العربي بين قمتي الدوحة 2009 و2013، هذا إن تذكرتم تهريج العقيد القذافي في المؤتمر الأول ومشاحنته مع عاهل العربية السعودية عبد الله، علماً أن الغائب القذافي عن الدوحة 2013 كان قد "تنبّأ" في قمة دمشق 2009 بنهاية الزعماء العرب!.. وربما يغيب أسد سورية عن قمة آذارية تعقد بعد قمة الدوحة الآذارية!
يعنينا لفلسطين من قمة تعقد في قطر بالذات، بعد جولة الرئيس أوباما، كيف يعقد أمير قطر الأميركاني قراناً بين مشروع السلام العربي الصادر عن قمة بيروت 2002 والتعديلات الأميركية المقترحة عليه.
قمة بغداد 2012 منحت فلسطين شبكة ضمان مالية عربية لم يتم الالتزام بها، وهي مساعدة بمبلغ 100 مليون دولار في حالة حجز إسرائيل أموال المقاصة، كعقوبة بعد تصويت الجمعية العامة على مشروع قرار يرفع فلسطين إلى دولة ـ مراقبة.
أميركا رفعت عقوباتها المالية بعد زيارة أوباما، وهي تنتظر من قمة الدوحة أن تمنح الفلسطينيين "تفويضاً" بالتفاوض على تعديل مبادرة بيروت: شبكة ضمان مالية وسياسية؟
عشية مؤتمر وزراء الخارجية العرب تمهيداً للقمة، عقد الوزير الأميركي جون كيري اجتماعين مع الرئيس عباس في عمّان ورئيس الوزراء نتنياهو في القدس الغربية لوضع آلية جديدة للعودة إلى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، على قاعدة قبول أميركا مبادرة بيروت معدّلة؛ وقبول إسرائيل التفاوض على المبادرة المعدّلة.
المبادرة السعودية، أو مبادرة الملك عبد الله، أو المبادرة السلامية العربية المقرّة في قمة بيروت، تقول بقبول سلام عربي ـ إسلامي مع دولة إسرائيل شرط الانسحاب التام إلى خطوط 1967 في الجولان وفلسطين، وإقامة دولة فلسطينية؛ الجولان مؤجلة؛ وفلسطين حاضرة!
الأميركيون، كما يقترح كيري، يريدون مفاوضات جديدة على قاعدة جديدة، وهي ترسيم حدود دولة إسرائيل، وبالتالي دولة فلسطين، قبل أي بحث في تجميد الاستيطان رسمياً، وعلى قاعدة حدود جديدة ذات تعديلات جديدة متبادلة وخاضعة للتفاوض.
الفلسطينيون قبلوا مبدأ التعديلات المتكافئة كمّاً ونوعاً، على أن تكون في أصغر نطاق ممكن، ولكنهم يحتاجون تفويضاً عربياً، والأميركيون يريدون ما يشبه "شبكة ضمان سياسي" عربي للفلسطينيين للتفاوض مربوطة بخطوات تطبيع عربية مع إسرائيل تبدأ بالسماح للطيران المدني الإسرائيلي بالتحليق في السماء العربية (السعودية مثلاً) كما هو الحال بين الأردن وإسرائيل.. وتنتهي بتبادل السفراء بعد إقامة دولة فلسطين.
صحيح، أن "الوطن العربي" و"العالم العربي" و"دولنا العربية" تغيّروا منذ أول قمة عربية عقدت 1964 بعد قمة تأسيس الجامعة، والفلسطينيون تغيروا منذ قمة الرباط 1974 بالاعتراف العربي بالمنظمة، لكن التفويض العربي بقيت له مكانة في السياسة الفلسطينية قبل الرباط وبعدها، وقبل أوسلو وبعدها..!
مثلاً، في قمة فاس 1982 لم تقبل القمة "مشروع الأمير فهد" للحل العربي ـ الإسرائيلي، فقال عرفات: ذاهبون الى حرب اجتياح إسرائيلية للبنان.. وهذا تحقَّق، ثم قبلت قمة فاس الثانية 1983 المشروع.. وكانت المنظمة خارج لبنان.
قمة بيروت كانت مهزلة على رغم أهمية مشروعها للسلام، فقد تمّ استبعاد عرفات عنها في ذروة الانتفاضة الثانية بتعطيل مخاطبته القمة من مكتبه المحاصر في رام الله، تحت ضغط سورية وإذعان لبنان.
قمة الدوحة 2013 لن يحضرها الأسد، ولا بالطبع العقيد الليبي، وستخلو من الشعارات الخطابية السورية والتهريج الليبي، والسؤال هو: هل يستجيب القادة العرب إلى الطلب الأميركي بإدخال تعديلين على مبادرة بيروت، خاصة بعد نجاح أميركا في إصلاح العلاقات التركية ـ الإسرائيلية!
نعم، الظل السوري الكالح يُخيّم على المنطقة وعلى قمة الدوحة، وكذلك الشبح النووي الإيراني، ولكن أي إشارة قبول عربية للتعديلات الأميركية على المبادرة العربية ستكون مهمة، أيضاً.
حق للوطن يضيع، وحق يتم اغتصابه
بقلم: طلال عوكل
لم ينقص المواطن الفلسطيني إرباكات حتى يقع في إرباك شديد سببه تأخير صرف الرواتب لموظفي القطاع العام، وما تخلّلها من استقطاعات متفاوتة ومرهقة بعضها وصل إلى مئات الشواقل، بذريعة تحصيل استحقاقات التيار الكهربائي. في غزة فوجئ عشرات آلاف الموظفين بالخصومات الكبيرة التي تم استقطاعها من رواتبهم بدون سابق إنذار وبالإضافة إلى أن الحكومة الفلسطينية في رام الله فعلياً تستقطع منذ آب 2010، من الموظفين مئة وسبعين شيقلاً شهرياً لتسديد فواتير الكهرباء.
وكما العادة، ما على الموظف يدفعه عنوة، وفوراً وما له يحتاج إلى أشهر وربما سنوات حتى يحصل عليه، فبعض الموظفين، له استحقاقات مالية على السلطة، وفق ميزان المدفوعات، والمصروفات التي تتعلق بفاتورة الكهرباء، لكنهم لا يعرفون سبيلاً لاسترجاعها.
التأخير في صرف الرواتب أمر مفهوم، وهو ليس متعمداً من قبل السلطة، ذلك أنه مرتبط بالأزمة المالية التي تعانيها السلطة بسبب الضغوط السياسية والمالية التي تقع عليها. الموظف مستعد لتحمّل تبعات مثل هذا التأخير المتكرر رغم أن البنوك لا ترحم، فالمعروف أن كل تأخير يكلف المقترضين رسوماً إضافية، وفي بعض الأحيان تلجأ البنوك أو بعضها إلى إعادة جدولة القروض بما يحمل المقترضين أعباء إضافية كبيرة وعلى الرغم أيضاً من أن المواطن يشكو من طبيعة الخدمات، وطريقة التعامل التي تدير بها البنوك عملياتها وتقدم من خلالها خدماتها للزبائن.
لا أرغب في هذا المقال أن أتقدم ببلاغ وأن أسرد الشكاوى الحقيقية التي يتكبد نتائجها الزبائن جراء التعامل المجحف من قبل البنوك العاملة في قطاع غزة، والتي ربما يحيلها مدراء البنوك إلى الحصار الإسرائيلي وآثاره على حركة النقد باتجاه القطاع.
عدا عن الإرباك الذي يترتب به تأخير صرف الرواتب، ومفاجأة الاستقطاعات المتفاوتة غير المفهومة، ثمة إرباك آخر ربما يكون محموداً هذه المرة، ويتصل بوقف صرف الرواتب بالوكالة. نفهم أن هذا الإجراء هدفه التأكد من وجود المستفيد الأول من الراتب، في قطاع غزة، حتى لو لم يكن لديه عمل يقوم به بسبب ما نجم عن الانقسام، ولكن هذا الإرباك يفتح على قضية أخرى، تنطوي على أهمية وتستدعي من الحكومة في رام الله، بذل جهد حقيقي إزاء مئات وربما آلاف الموظفين العموميين، الذين غادروا قطاع غزة إما بذريعة الوضع الذي نشأ عن الانقسام، وإما بذرائع الاستفادة من الوقت الضائع، للقيام بأعمال ذات مردود مالي في بلدان أخرى.
نعلم أن الحكومة قد فعلت ذلك سابقاً، ونقصد وقف وترقين قيود المئات إما لأسباب سياسية، أو لأسباب ترك مواقع العمل ولكن هذه العملية لم تستكمل بعد وثمة آلاف الموظفين من مدنيين وعسكريين غادروا قطاع غزة، منذ سنوات، إلى بلدان أخرى، للعمل، وبعضهم يحصل على مداخيل عالية، لا يحتاجون معها راتب السلطة الذي يتراكم في البنوك، أو يجري سحبه كل بضعة أشهر من خلال زيارة سريعة، أو من خلال التوكيلات التي تسمح بسحب هذه الرواتب وهي في الغالب طريقة للتحايل على السلطة. والحقيقة ما إن وصل خبر إلغاء التوكيلات في البنوك، حتى ضج معبر رفح بالعائدين لكي يجدوا طريقة، لتجاوز المعضلة، وضمان استمرار صرف الرواتب.
ثمة ظاهرة فوق ما تتركه من قلق وطني، فإنها تنطوي على شكل من أشكال الفساد والإفساد. بعد أن وقع الانقسام في حزيران 2007، هاجر آلاف من المواطنين وأكثرهم مع عائلاتهم، بذريعة أن الأوضاع في القطاع لم تعد تطاق وأن الانقسام الفلسطيني الذي ألحق أضراراً بليغة بالكثيرين، يخلق ظروفاً تسمح بانتهاك الحريات الإنسانية، وبملاحقة المعارضين الأمر الذي كان تسهل معه، قبول دخولهم إلى بلدان المهاجر الاسكندنافية. نفهم أن يبادر بعض الشباب إلى الهجرة بحثاً عن فرصة عمل في ظل ارتفاع نسب البطالة والفقر، وحتى في ضوء النتائج الكارثية للانقسام والحصار، ولكن من غير المفهوم إطلاقاً ولأي سبب من الأسباب أن تهاجر عائلات بكاملها، ومن موظفي السلطة الذين لا يخضعون للملاحقة من أي طرف، سواء كان هؤلاء متقاعدين أو ما زالوا مسجلين على قوائم الخدمة العامة.
ونلاحظ أن الكثير من هؤلاء من ذوي المرتّبات العالية، وهم إما مهاجر نعلم كيف تتكفل بهم الدول المضيفة، ويبحثون عن جنسية أخرى وعن استقرار، وعمل آخر، وإما غادروا للإقامة في بلدان عربية حيث تكفيهم مرتباتهم للعيش بمستوى جيد، أو غادروا إلى بعض هذه البلدان بحثاً عن العمل، فتتراكم مرتباتهم واستحقاقاتهم في البنوك بينما هم يتدبرون أمورهم بما يحصلون عليه من مداخيل نتيجة أعمالهم. والأنكى من ذلك أن بعض هؤلاء ناضلوا طويلاً حتى يعودوا إلى الوطن، فإذا بهم لا يطيقونه، ويرون أنه لا يتسع لهم، وبعضهم أيضاً مسجل على الوظيفة العامة، ويحصل على رواتب هو وزوجته وربما بعض أبنائه.
إن هؤلاء المتحايلين على القانون والفسدة، يدعون أن لهم استحقاقات على الوطن، وبأنهم آباء الوطنية الفلسطينية، لكنهم غير مستعدين لتحمل الحد الأدنى من أعباء الانتماء الوطني. ما يصرف لهؤلاء أموال مهدورة تستحقها مئات بل ربما آلاف العائلات المسجلة على قوائم الحالات الاجتماعية الصعبة، ولذلك على السلطة أن لا تكتفي بالإجراءات الأولية التي اتخذتها، بل إن عليها التدقيق بأكثر من طريقة وعبر السفارات، لوقف رواتب من لا يستحقونها وهم بالآلاف. في هذا الإطار نرى بأن ثمن الراتب إن لم يكن عملاً يقوم به الموظف العمومي، فعلى الأقل، بما تقتضيه حالة قطاع غزة، أن يصمد الموظف في وطنه طالما أن قضية الأرض والتمسك بها والصمود عليها هو أول الواجبات الوطنية، وأقلها استحقاقا على من يدعون الوطنية، فإن لم يفعل الموظف ذلك فإن الراتب ليس مكافأة على ما مضى من تواريخ وتجارب نضالية، إلاّ بالنسبة للشهداء والجرحى والأسرى.
أما بشأن قطع استحقاقات الكهرباء فإننا نستغرب في الأصل تدخل الحكومة في هذا الشأن لتحصيل استحقاقات شركة خاصة، لقد تغاضى الموظفون عن استقطاع مئة وسبعين شيكلاً، ولكن أن ترتفع المبالغ المستقطعة أكثر من ذلك فإن القانون ذاته سيصرخ لشدة الانتهاكات التي تلحق به.
"كلنا سوريون" ... إسقاط "الأسدية" وإسقاط الطائفية معها
بقلم: د. خالد الحروب
هناك أخبار سورية طيبة من القاهرة: العلويون السوريون يعقدون مؤتمراً معارضاً لنظام الأسد تحت شعار "كلنا سوريون ... معاً نحو وطن للجميع". تأتي هذه الأخبار لتخفف مستويات الإحباط الناجمة عن شبه الانسداد الذي يواجه الثورة السورية لأسباب يعرفها الجميع، وأهمها التدخل الخارجي الروسي – الإيراني لدعم النظام القائم كل لحساباته الإقليمية أو الدولية الخاصة به. وليواجه الإحباط الناجم ايضاً عن تشتت صفوف المعارضة وقياداتها وتناقضاتها. انفلات الطائفة العلوية من السيطرة المفروضة عليها من قبل نظام الأسد وأجهزة أمنه توجه له ضربة قوية، وتنزع منه ورقة هامة ما زال يتمسك بها، وهي ورقة الدفاع عن الطائفة. وتحرر الطائفة العلوية من السيطرة الأسدية وانخراط مجملها في الثورة السورية يخدم المستقبل السوري بشكل كبير، ويقطع الطريق على كل الأصوات الطائفية سواء أكانت علوية، أم سنية سلفية متطرفة، أو غيرها. يشير هذا، وبرغم كل الإحباطات، إلى ان المسار العام للثورة السورية وتضحياتها الهائلة ودماء أبنائها الغزيرة تنبئ بنهاية محتومة لمنظومة الاستبداد الأسدية التي سرقت الوطن السوري، وأخضعت شعبه للقهر والقمع عقوداً طويلة، وتحت مسميات وذرائع عديدة. لم تعد أوراق التوت المتقلصة والمتساقطة قادرة على ستر الانكشاف الكبير الذي يواجهه النظام، وتوالي انتهاء الشرعيات التي كان يزعم الاستناد إليها. انتهت الشرعية المزعومة التي تتلطى وراء شعارات المقاومة ومواجهة إسرائيل. إذ يكفي هنا التأمل في المفارقة المريرة حيث الوقت والجهد والكلفة التي بذلتها دبابات وطيارات النظام الأسدي في مواجهة إسرائيل لا تتعدى واحداً في المائة من الوقت والجهد والكلفة التي بذلتها في قتال الشعب السوري نفسه خلال أكثر من سنتين. وصواريخ سكود التي لم نر لها أثراً في الجولان أو باتجاه إسرائيل طيلة عقود الصراع المديدة وخلال أكذوبة "بناء التوازن الاستراتيجي"، رأيناها تدك الأحياء المدنية وتحيل حياة السوريين العاديين إلى جحيم.
إذن ما يبدد، ولو نسيباً على الأقل، غيوم التشاؤم والإحباط هذه الأيام ان شرعية مزعومة أخرى يستند إليها النظام تتهاوى وهذه المرة يتم هذا التهاوي في قلب المنظومة الأمنية والحلقة الضيقة. إنها تأتي من داخل الطائفة العلوية التي اختطفها النظام الأسدي وحشرها في زاوية قاتلة بزعمه تمثيلها والدفاع عنها، وتخويفها من مصير مجهول إن هي تخلت عن دعمه. الطائفة العلوية في سورية، وبخلاف مزاعم ممثلي الإقطاعية الأسدية واتهامات عمومية فضفاضة تأتي من أعداء الأسد، لم تكن مستفيدة بكليتها من النظام. المستفيدون من النظام كانوا شريحة ضيقة منتفعة وبطانة ضمت في تكوينها علويين وسنة وغيرهم. وربما من الصعب الجزم بأن نسبة التأييد العلوي للنظام كانت أعلى من نسب التأييد ضمن الشرائح السورية الأخرى. ذلك أن إحدى القواعد الصلبة والعريضة المؤيدة تاريخياً للنظام تمثلت في الطبقة السنية الميسورة وغالبها من التجار وأصحاب المصالح الاقتصادية في الشام وحلب، ونعلم جميعاً أن هاتين المدينتين تأخرتا طويلاً في الالتحاق بالثورة. وممن الممكن القول، استرجاعياً، إن ذلك التأخر قد أضر بالثورة وقد يكون قد ضيع عليها انتصاراً مبكراً. غاية القول هنا هي التأكيد على أن معارضة النظام الأسدي او الاصطفاف معه لا يجب ولا يمكن ان يتم اختزالها "طائفياً"، وبالتالي تصوير الثورة على النظام على انها صراع طائفي علوي – سني، فهذا مجاف للواقع أولاً، وهو ثانياً ما يريده النظام، حتى يحشد الطائفة العلوية وراءه، ومن خلفها إيران وحزب الله، بل ويتباكى أمام العالم بكونه يمنع تطهيراً طائفياً قادماً بحق العلويين السوريين.
على ذلك فإن مؤتمر "كلنا سوريون" يعتبر محطة تاريخية فاصلة فعلاً حيث انه يحرر الطائفة او الجزء العريض منها من التمثيل القسري المفروض عليها من قبل الأسد وعائلته. ولأنه يبني جسوراً طال انتظارها خلال السنتين الماضيتين مع الثورة السورية كي يتأكد تمثيلها لكافة أطياف الشعب السوري المعارض للنظام. ولأنه يكسر ايضاً حواجز الخوف التي بناها النظام داخل وحول الطائفة من جهتين: الجهة الأولى هي الزعم بأن سقوط النظام سوف يعني استفراد "السنة" بحكم سورية وقضاءهم على "العلويين"، وهي مقولة طائفية مقيتة بامتياز تخندق الناس بحسب طائفتهم وليس مواطنتهم، والجهة الثانية الخوف العميق الذي زرعه النظام في قلب الطائفة خاصة إزاء كل من يعارض النظام منها. إذ من المعروف ان البطش الذي يواجه به النظام أي معارض علوي مخيف ومقصود، ويهدف به ردع أي معارضة داخلية والحفاظ على "الصورة الطائفية" المساندة للنظام. حواجز الخوف هذه تكسرت الآن، ومعها تتكسر أجنحة النظام.
المطلوب من كل السوريين الآن هو الانتهاء من التخندق الذاتي او خندقة مؤيدي ومعارض النظام بحسب طائفتهم ودينهم. كل مؤيد للنظام، او ربما مجرم حرب، يجب ان يُحاسب فردياً وبعيداً عن أصوله الطائفية وسواها. واليقظة المطلوبة جداً في زخم غزارة الدم والغضب والقهر الناتج عن قمع النظام تتعلق بالخطاب الإعلامي حالياً وضرورة تنقيته من أية أبعاد طائفية. فالتعبيرات والخطابات والأوصاف الإعلامية من مثل "النظام العلوي في دمشق"، أو "حكم العلويين"، أو "جرائم العلويين ضد السنة"، وكل ما هو قريب من ذلك يقع في خانة الجرائم الإعلامية والسياسية. وإلى ذات الخانة تنتمي أية تعميمات عن "جرائم السنة"، و"حكم السنة القادم"، وسوى ذلك. هذه الأوصاف يجب ان تكون مرفوضة ومرذولة تماماً من ناحية مبدئية صرفة، لأنها تقسم المجتمع، وتضع طوائفه ضد بعضها البعض، في حين ان المعركة الحقيقية هي معركة كل هذه الطوائف مجتمعة ضد الاستبداد وتفرد أي شريحة مهما كانت أقلية أو أغلبية في التحكم في الآخرين. سورية الجديدة وبلدان عرب ما بعد الثورات يجب أن تتأسس وفق مفهوم المواطنة والدولة المدنية التي تتراجع فيها الولاءات الاثنية والطائفية إلى الخلف، ويتقدم الولاء لدولة القانون والدستور الذي يساوي بين الأفراد في الحقوق والواجبات. إن استبدلنا طائفة بأخرى، حتى لو كانت أكبر منها وتمثل غالبية، فنحن لا نتقدم نحو الأمام، بل نعيد اجترار الكوارث ذاتها. إضافة إلى ذلك فإن هذه الأوصاف وتكريسها واستمرار استخدامها هي بالضبط ما يريد ان يصل إليه النظام ويحافظ عليه. يريد النظام وبكل الجهد الممكن إبقاء الرعب مسيطراً على الطائفة العلوية في سورية، ولذلك فإن أي تعميم ضد الطائفة، ونسبة جرائم النظام لها، يحقق ذلك الهدف.