أقلام وآراء

(506)

تشريح قرار صعب

بقلم: ناحوم برنياع وشمعون شيفر،عن يديعوت أحرونوت

الضرر الأخف

بقلم: اليكس فيشمان،عن يديعوت أحرونوت

ما الذي تفكر به حقاً؟

بقلم: يوسي بيلين،عن إسرائيل اليوم

مولد سياسي

بقلم: أسرة التحرير ـ افتتاحية ـ عن هآرتس

صفقة حياة نتنياهو

بقلم: يوسي فيرتر،عن هآرتس

والى الجحيم بالنتائج

بقلم: بن كاسبيت،عن معاريف

تشريح قرار صعب

بقلم: ناحوم برنياع وشمعون شيفر،عن يديعوت أحرونوت

في يوم الأربعاء في الواحدة بعد منتصف الليل انتهى التصويت في الحكومة. أراد اهود باراك ان يكون رجل بشارة وان يصل الى مظلة الاحتجاج قرب منزل رئيس الحكومة وان يبلغ افيفا ونوعام شاليت خصيا بالأنباء الطيبة ويشاركهم بهجتهما. في ذلك الوقت تلا نوعام شاليت اعلانا مكتوبا شكر كل من أسهم في اطلاق سراح ابنه مبتدئا بعائلة رون أراد ومنتهيا برئيس الحكومة. وكانت المظلة ممتلئة حتى الاختناق. أراد الناس ذات مرة ملامسة التاريخ وهم يكتفون اليوم بالتصوير باجهزة هواتفهم المحمولة.

كانت زيارة باراك السابقة لمظلة الاحتجاج هذه في شباط 2009 حينما عمل وزيرا للدفاع في حكومة اولمرت. آنذاك ايضا أراد باراك ان يكون رجل بشارة فقال للزوجين شاليت: يوجد اتفاق. وفدنا في القاهرة يُتم التفصيلات وجلعاد سيعود الى البيت.

لم يُشرك باراك وسائل الاعلام في البشرى، وبرغم ذلك خرج النبأ الى الخارج. بعد ذلك زعم اولمرت ان وفد حماس جاء الى القاهرة مزودا بقائمة أسماء بديلة لم تشمل كبار السجناء. وفي اللحظة التي علم فيها احمد الجعبري قائد الذراع العسكرية لحماس في غزة ما بشر به باراك في القدس، خزن القائمة البديلة وانفجرت الصفقة. ويزعم باراك ان ذلك لم يكن قط. ويتغذى الجدل بقدر كبير من العداوة الشخصية بين الاثنين والتي مصدرها قضايا اخرى. سنعلم الحقيقة فقط حينما يستقر رأي الجعبري على كتابة مذكراته وليس هذا مؤكدا ايضا.

تحدث باراك هذه المرة مع وسائل الاعلام فقال: «الشيء الأساسي أننا لن نخطيء في الايام القادمة. يجب الحفاظ على برود أعصاب». وقصد الى الخوف من ان الفخر في إسرائيل بالتنازلات التي استخرجتها من حماس قد يجعل الجعبري يعرض طلبا آخر في آخر لحظة، مثل اسم أسير جليل الشأن آخر. وهذه معضلة تقليدية تصاحب اتفاقات بين أعداء وهي كيف يروج للاتفاق بأنه انتصار في حين ان الجانب الثاني ما يزال لم يروج لبضاعته. من الحقائق ان الجعبري (المسمى في «الشباك» «الخليلي» بسبب أصله من الخليل) ظل سنتين ونصفا يصر على اطلاق سراح القياديين الـ 12 كلهم الذين شملتهم قائمته، وظلت الحكومة في إسرائيل التي تغيرت في هذه الاثناء تقول له لا. وجاءت الاشارة الاولى الى ليونة موقفه في تموز هذا العام فقط، برسالة أرسلها رجل حماس بواسطة غرشون باسكن وهو نشيط سلام إسرائيلي. وفي نهاية المطاف قبلت حماس ستة من بين الـ 12. وبقيت الأسماء الأبرز ـ لا الأخطر خاصة ـ في السجن

التفكير مرتين

لا ينوي نتنياهو ان يستقبل الجندي العائد مع عودته الى البلاد. سيكون الاستقبال عسكريا. وبعد بضعة ايام راحة سيستقبله رئيس الحكومة في ديوانه. يريد نتنياهو أن يوحي باتزان لا بنشوة على أية حال من الاحوال. كان القرار صعبا جدا، والثمن باهظا. ومن جهة ثانية يوجد تخفف لأن هذا الفتى الذي أصبح رمزا لكل جندي وكل ولد يعود الى البيت.

وهو يدرك باعتباره سياسيا الطعم الحامض ـ الحلو لهذه الصفقة. فهو من جهة يحظى بموجة طاغية من التشجيع سببها في جزء منها التعاطف مع مصير الجندي وتنبع في الجزء الآخر من تقدير للخطوة القيادية. ومع ذلك فان الكلام الذي قاله في معارضة صفقات أسرى في الماضي يفتح بابا لدعاوى عن عدم المثابرة وعدم الصدقية. فقد تكلم نتنياهو بتشدد معارضا صفقة جبريل. ويمكن ان نتجادل في أي صفقة جرى دفع ثمن أعلى ـ نتنياهو على ثقة من ان ذلك في صفقة جبريل ـ لكن لا يمكن انكار حقيقة ان الصفقتين تأتيان من العائلة نفسها. طُلب اليه حينما كان وزيرا في حكومة شارون ان يصوت على صفقة تننباوم ـ وهي صفقة اذا نظرنا اليها تبدو اسوأ من كل الصفقات. وكان رؤساء الأذرع الامنية مؤيدين لتلك الصفقة. ويجوز ان نُخمن ان رأيهم الاستشاري الذي اعتمد على معلومات مخطئة قد بت الأمر.

كان هناك لقاءان متعلقان بالمخطوفين أثرا فيه تأثيرا خاصا: اللقاء مع باتيا اراد والدة الطيار المختطف التي توفيت في هذه الاثناء. وقد تم في الفترة التي كان فيها في المعارضة؛ واللقاء مع تسفي شاليت، جد جلعاد.

لا ينوي ان يأتي قريبا الحكومة بالخطوط الحمراء التي صاغتها لجنة عينها باراك برئاسة القاضي شمغار لتُجيزها. يبدو انه يفضل سبيلا اخرى لمنع الاختطافات هي الاجراء العسكري. فلو ردت إسرائيل بشدة على كل اختطاف لجعلت الطرف الثاني يفكر مرتين.

وهو لذلك يُسوغ قرار اولمرت في 2006 على مهاجمة حزب الله ردا على اختطاف ريغف وغولد فاسر. وهو يسوغ ايضا رفض اولمرت التوقيع على الصفقة في 2009. وعنده انتقاد ما على المخطط الذي ورثه عن الحكومة السابقة وهو يؤمن بأنه كان يستطيع التوصل الى عدد أقل من المفرج عنهم.

وقد نصب لنفسه ثلاثة أهداف: اطلاق سراح جلعاد؛ ومنع قيادة حماس من ان تُطلق؛ ومضاءلة وصول أسرى خطرين الى يهودا والسامرة (وقد تلقى في الصفقة جلعاد وأطلق نصف القيادة ووافق على ادخال 50 من ناس حماس الخطرين الى الضفة). ولاحراز هذه الأهداف كان مستعدا لدفع أثمان رفض اولمرت دفعها ـ ولا سيما الموافقة على الافراج عن أسرى من مواطني إسرائيل وسكان القدس.

الصفقة تقوم في ذاتها: فهي لا تغير من وجهة نظر نتنياهو نظرة إسرائيل لحماس البتة، ولا تحل مشكلة إسرائيل مع تركيا ولا ترمي الى معاقبة أبو مازن على توجهه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن المؤكد انها لا تتصل بمكافحة المشروع الذري الايراني. وهذه الروابط في نظر نتنياهو ليست أكثر من صحافة خلاقة.

لكن يجوز لنا أن نخمن انه لم يأسف حينما سمع ان السلطة الفلسطينية أضر بها الاتفاق. ان أحد الأثمان الباهظة لهذا الاتفاق هو ازدياد حماس جلالة في الشارع الفلسطيني ونقل رسالة ان إسرائيل تتفضل على من يقتل ويخطف إسرائيليين لا على من يتعاون معها. يستطيع نتنياهو ان يقول لتسويغ موقفه انه لو قبلت حماس كل ما طلبت ولو ان قيادة المنظمة ومئات السجناء الكبار عادوا للعمل في الضفة، لكان عقاب السلطة الفلسطينية أشد كثيرا.

عرف أبو مازن بالتفاوض من المصريين لا من إسرائيل. ففي اطار جهدهم لتقريب حماس من فتح والتحكم بهما جميعا، أبلغوا أبو مازن عن تقدم الاتصالات كل يوم. وأراد أبو مازن جدا أن يعلم أي المسؤولين الكبار سيُفرج عنهم. ولم يستطيعوا ان يقولوا له هذا لأنهم ايضا لم يعرفوا حتى آخر لحظة.

التقدير في الجيش الإسرائيلي هو ان اجهزة الامن الفلسطينية ستستطيع ان تحتوي مقدار المخربين الآخر الذي تُحملهم إسرائيل إياه بصفقة شاليت. لن يكون هذا سهلا لكنهم سيتغلبون عليه. أما السلطة فهي شأن مختلف. في جميع التواءات التفاوض في اطلاق سراح شاليت في الحكومة السابقة كان أحد التقديرات المركزية هو التأثير الممكن في السلطة الفلسطينية. وقد بحث اولمرت عن سُبل لجعل الصفقة متوازنة. فكان يفترض ان يكون الـ 550 السجين الأقل خطرا منتمين لفتح لا لحماس. وقد وضع نتنياهو هذا التقدير جانبا. وربما يتبين ان هذا الجزء من الصفقة مهم في الأمد البعيد.

في جلسة الحكومة يوم الثلاثاء ليلا صدر عن رئيس الاركان السابق بوغي يعلون خطبة المعارضة الأكثر تعليلا. «قُتل 599 إسرائيليا على أيدي الـ 450 الأسير الذين نوشك ان نفرج عنهم»، قال. «حتى لو أجليناهم الى القارة المتجمدة الجنوبية فان العالم الرقمي اليوم سيُمكّنهم من إحداث عمليات موجهة على إسرائيل. ينبغي ألا نوهم أنفسنا: بعد أن نُجيز هذه الصفقة لن نستطيع ان نوجه أي طلب الى الارهابيين حين يريدون المس بنا». واقتنع وزيران فقط بالتصويت معه.

قدّر نتنياهو ان يكون عدد الوزراء الذين سيصوتون معارضين الصفقة، أكبر. وهو يؤمن بأن الامر الذي أقنع الكثرة الغالبة في نهاية الامر بالتصويت تأييدا كان تبيان انه لا بديل: فلا امكانية لاطلاق سراح شاليت بطريقة اخرى ونافذة الفرص قد تغلق. ولا ضمان ألبتة لأن تجند حكومة مصرية في المستقبل نفسها لهذه القضية، ولا ضمان ان يكون لها تأثير كهذا في حماس.

ويجب ان نضيف الى ذلك حقيقة ان رئيس «الشباك» يورام كوهين ورئيس الموساد تمير بردو أيدا الصفقة بخلاف سلفيهما يوفال ديسكن ومئير دغان اللذين عارضا. ولو عارضا لبدا التصويت في الحكومة مختلفا تماما.

ملء حوض الاستحمام

تحدث الطلب الاول الذي نقله مختطفو شاليت بعد زمن قصير من اختطافه عن 10500 أسير لا أقل. وتمت الاتصالات بالذراع العسكرية لحماس بوساطة قادة جهاز الامن المصري الذي كان له في ذلك الوقت حضور كثيف في قطاع غزة. وألقى اولمرت على نائب رئيس «الشباك» السابق عوفر ديكل ممثله في مهام سرية، مسؤولية بدء تفاوض. أعلنت حماس أنها ستحدد أسماء المُفرج عنهم ورد اولمرت بالرفض. وبعد دخول الوسيط الالماني غرهارد كونراد وافقت إسرائيل على مصالحة هي ان يُفرج عن 450 أسيرا. يُقدم الجانبان قائمتي افراج ويكون لكليهما حق اعتراض على الاسماء التي يعرضها الطرف الآخر. «بعد سلسلة لقاءات»، يقول أحد الإسرائيليين الذين شاركوا في التفاوض، «بدأنا نملأ حوض الاستحمام». وقد أملى اولمرت على ديكل ثلاثة خطوط حمراء وهي: انه لن يُفرج عن ارهابيين من مواطني إسرائيل، ولا من سكان شرقي القدس ولا من القياديين من اولئك الذين لُقبوا «رموز ارهاب».

وبدأ ما حظي عند «الشباك» باسم «بازار تركي»: فقد ظهرت أسماء ورُفضت وبينها اسما عبد الله البرغوثي الذي حكم عليه بـ 67 مؤبدا، وابراهيم حامد الذي قتل 82 إسرائيليا. وظهر ايضا اسما مروان البرغوثي من قيادة فتح في الضفة، واحمد سعدات قائد الجبهة الشعبية. وقد عارضوا في جهاز الامن الافراج عنهم لأنهم اعتقدوا انه لا يجوز ان يُفرج عن هؤلاء الاشخاص الذين ما يزال مستقبلهم السياسي أمامهم برعاية حماس.

وعلى نحو منفصل عن الاتصالات بحماس، اتفق اولمرت ومبارك على ان تُفرج إسرائيل عن 550 فلسطينيا تفضلا على أبو مازن. أراد اولمرت ان يساعد أبو مازن. وأراد مبارك ان يمنع حماس حليفة أعدائه من حركة الاخوان المسلمين، انجازا.

في شباط 2009 جاء ديسكن وديكل الى القاهرة. وجاء الجعبري ايضا الى القاهرة. وافق الإسرائيليون على الافراج عن 325 أسيرا من القائمة التي قدمتها حماس ورفضوا الـ 125 الباقين. وقدم قائمة بديلة. وطلب ان يُطرد المحررون الـ 125 الى غزة ودول عربية. وقال الجعبري لا وانفجر التفاوض.

تساءل وزير الاستخبارات المصري في تلك الفترة عمر سليمان مرة بعد اخرى لماذا تصر إسرائيل على ان تضائل قدر المستطاع قائمة المعادين الى الضفة فقال: «أنتم تهيمنون عليهم بصورة قوية جدا في الضفة. فاذا عاد شخص ما من هؤلاء الارهابيين للعمل فلن تكون لكم أي مشكلة في القضاء عليه».

حينما حل نتنياهو محل اولمرت في ديوان رئيس الحكومة، آمن بأنه يستطيع ان يغير مخطط التفاوض من الأساس، ولم يحدث هذا. وقد عمل حاجي هداس الذي عينه نتنياهو بدل ديكل، ودافيد ميدان الذي حل محل هداس في ضمن الاطار نفسه الذي ورثاه عن الحكومة السابقة. وأدرك نتنياهو بالتدريج انه ليست له صفقة اخرى فاما ان يأخذ ما هو موجود وإما ان يتحمل المسؤولية عن خسارة جندي.

مشكلة اخرى

في مطلع 1991 اثناء حرب الخليج، حينما أطلقت صواريخ سكاد عراقية على تل ابيب ورمات غان، قاد نائب رئيس الاركان اهود باراك خطة لهجوم بري على قواعد الاطلاق. وعارض الأمريكيون بشدة: فقد قدروا ان هجوما إسرائيليا لن يحرز كثيرا لكنه سينقض التحالف الذي بنوه بجهد كبير ويوحد العالم العربي من وراء صدام، ووعدوا قائلين: نحن سنعمل. أُرسلت وحدة مغاوير بريطانية الى العراق لمهمة أشبهت الخطة الإسرائيلية. لم يدمروا قواعد الاطلاق لكن على أثر العملية انخفض عدد الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل انخفاضا حادا. بعد ذلك التقى باراك قادة العملية البريطانيين وشكرهم باسم الجيش الإسرائيلي.

مرت عشرون سنة ووجدت الولايات المتحدة وإسرائيل أنفسهما مرة اخرى في مواجهة عدو مشترك، وهما تحضن الواحدة الاخرى وترتاب بها وتكشفان وتخفيان. الأمريكيون غاضبون في هذه الايام على ايران خاصة بعد أن كشفت وكالة الاستخبارات المركزية عن مؤامرة ايرانية لقتل سفير السعودية على ارض الولايات المتحدة وقد هاجم مايك روجرز، وهو جمهوري من ميتشغن ورئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي، هاجم الايرانيين في سلسلة مقابلات صحفية ربط فيها مشاركتهم في الارهاب بالخطر الذري ولخص قائلا: «يجب على العالم ان يجابه ايران».

ان رئيسة اللجنة الموازية في مجلس الشيوخ هي ديان فاينشتاين وهي ديمقراطية من كاليفورنيا. وهي ايضا تتابع في قلق اجراءات ايران لكنها تعبر في أحاديث خاصة عن قلق غير قليل من اجراءات إسرائيل. ولديها ارتياب ان نتنياهو يُعد عملية عسكرية مغامرة تورط أمريكا حتى عنقها.

في مطلع الشهر كان ليون بانته هنا وهو وزير الدفاع الأمريكي. ودعا في المؤتمر الصحفي الى تشديد العقوبات الدولية. وكان هناك من فسر كلامه على انه تحذير لحكومة إسرائيل يحذرها من العمل وحدها. لكن اثنين من الإسرائيليين الذين شاركوا في المحادثات خرجوا بانطباع مختلف. يقولان ان بانته أراد ان يقنع الإسرائيليين بأن الادارة تعمل في مجابهة ايران بجدية، وتبذل جهدا وتُعد خيارات. وفيما يتعلق بالاستعدادات الإسرائيلية فضل ان يتبنى اتجاه: «لن اسأل، ولن تقولوا». فهو لم يسأل، والإسرائيليون لم يقولوا.

يوجد مصدر أمريكي واحد على الأقل قدر ان إسرائيل تخادع وانه لا توجد عملية عسكرية. ان الاشاعات تخدم هدفا واحدا وهو اضطرار أمريكا الى الأخذ بعملية من قبلها. ويردون في جهاز الامن ان هذا غير صحيح. فإسرائيل لا تتحايل على حليفتها.

ان الفروق التي كانت في الماضي بين تقديرات الاستخبارات الأمريكية والتقديرات في إسرائيل قد رُدمت. والدولتان تُبلغان وجود تقدم سريع في البرنامج الذري الايراني. والفرق موجود في صعيد آخر وهو ان أمريكا باعتبارها القوة العظمى تستطيع ان تسمح لنفسها بالانتظار. وتعريفها للحظة التي يكون فيها السيف موضوعا على عنقها مختلف. وربما لا تهاجم البتة: فهي تعايش كوريا الشمالية الذرية والباكستان الذرية والهند كذلك وتستطيع ان تعايش ايران ايضا.

ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ{nl }الضرر الأخف

بقلم: اليكس فيشمان،عن يديعوت أحرونوت

تناول المصريون دورة المحادثات الاخيرة الحاسمة التي أفضت الى توقيع صفقة شاليت باستعداد بصورة أساسية وتصميم أكبر كثيرا من كل محاولات التفاوض السابقة التي توسطوا فيها. وقد حددوا مراكز القوة في الجانب الإسرائيلي وفي حماس ووجهوا اليها جميع السهام ونفذوا معها جميع الحيل واستعملوا كل تلاعب ممكن ـ وفي ضمن ذلك التهديدات وعدم قول الحقيقة ـ ولم يدعوهم يتهربون حتى حصلوا على جواب أرضاهم. وهنا وهناك عرفوا ايضا ان يهمسوا لطرف من الطرفين: إمضوا نحوهم واجعلوا موقفكم مرنا شيئا ما ـ وهم في المقابل سيعطونكم شيئا كبيرا. وهكذا قسموا الكعكة قطعا صغيرة، تنازلا بعد تنازل.

كان المصريون محتاجين جدا الى هذا الاتفاق الذي يُمكنهم من مكسب اقليمي ودولي ازاء الوتد الذي دقته تركيا وايران في الشأن الفلسطيني، وهو وتد تستخدمانه لتعزيز تأثيرهما في العالم العربي على حساب مصر. وبحسب ذلك أقاموا في جبهة التفاوض منتخبا اشتمل على كبار مسؤولي الاستخبارات المصرية وفيهم نائب وزير الاستخبارات الجنرال محمد ابراهيم ـ الذي برغم انه كان يفترض ان يتقاعد منذ زمن، ترفض المؤسسة العسكرية تمكينه من التقاعد لانه لا بديل عنه في الشأن الفلسطيني الإسرائيلي ـ ورئيس «الموساد» المصري رفعت شحاتة.

وفي جانب حماس لم يجعل المصريون هدفهم اقناع رئيس الذراع العسكرية فقط احمد الجعبري وواحدا من نوابه الذين يتولون ادارة ملف شاليط من قرب، بل عملوا مباشرة مع المحيط الأقرب من خالد مشعل في دمشق ـ ومع مشعل نفسه ايضا. وفي الجانب الإسرائيلي لازموا كما ينبغي رجل الموساد دافيد ميدان مبعوث رئيس الحكومة الى التفاوض وأكثر منه رئيس «الشباك» يورام كوهين. وكان واضحا للمصريين انه لن تتم صفقة اذا لم يرض رئيس «الشباك».

زمن مسامحات

بعد غير قليل من لحظات الازمة اثناء المحادثات، جاء الإسرائيليون الى القاهرة يوم الاحد الاخير لاتمام الامر وكانت رؤوس الفصول قد وقعت. بيد أنهم علقوا آنئذ ثلاثة ايام اخرى بسبب اختلافات في الرأي في فصلة هنا وهناك وأكلوا المرار من الوسطاء المصريين.

كانت قلة من الناس في إسرائيل فقط على علم بالتطورات الصاخبة وهم: نتنياهو وباراك وشركائهما المقربون في السر. كانت السرية مطلقة: لا ثمانية ولا مجلس وزاري مصغر، لكن حقيقة ان الصفقة تمت سمعوا بها وبتفصيلاتها قبل ان يُطلب اليهم التصويت على إمضائها ببضع ساعات فقط. ففي نهاية الامر كان رجل واحد هو الذي اتخذ القرار، هو نتنياهو.

ان الشعرة بين قبول الاتفاق ورفضه مرت في نقطة زمنية ما خلال شهر آب. آنئذ قرر نتنياهو ان يتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية التي صاحبت التفاوض في اطلاق سراح شاليط في السنين الخمس الاخيرة. وضعت على مائدة رئيس الحكومة آنئذ وثيقة كتبتها حماس في منتصف تموز ونقلها المصريون الى إسرائيل.

بينت الوثيقة وجود امكانية لتجديد التفاوض بحسب نفس المعايير التي رفضتها حماس في شباط الاخير. وقد وعد المصريون إسرائيل آنئذ من جهتهم بأنهم قادرون على جعل حماس توافق على تسوية. وليس واضحا ما الذي اعتمد المصريون عليه في التزامهم لكنهم عندنا كانوا ينتظرون هذه البشرى فقط.

كانت هذه فرصة ذهبية بالنسبة لباراك وقيادة جهاز الامن تكاد تكون سببا لتوثيق الحوار الاستراتيجي مع المصريين من جديد. وتم الحديث في ذلك الوقت عن ضياع الدعامتين الاستراتيجيتين لإسرائيل، تركيا ومصر وكان لجهاز الامن مصلحة بارزة في تمكين مصر من مكسب دولي للوساطة في صفقة شاليت.

في مقابل الدراما حول الصفقة تم بين مصر وإسرائيل جدل ساخن في قضية المسؤولية عن عملية الشارع 12 في الطريق الى ايلات التي قُتل فيها ثمانية مواطنين إسرائيليين على أيدي سكان من سيناء يسكنون ارض مصر. في الوقت الذي جلس فيه دافيد ميدان ويورام كوهين في حضرة الاستخبارات المصرية في القاهرة، جاء رئيس «أغات» (شعبة التحقيقات)، اللواء أمير ايشل الى القاهرة مع تحقيق الجيش الإسرائيلي. كان كل شيء يقوم آنذاك على دعامة هشة. لم يشأ المصريون النظر في التحقيق وطلبوا الاعتذار لموت الجنود المصريين الذين أطلق الجيش الإسرائيلي عليهم النار في زعمهم، بتبادل النار مع المخربين على ارض مصر.

وفي نهاية المطاف وبرغم ان تحقيق الجيش الإسرائيلي لا يدل على ضرورة ما للاعتذار للمصريين، اعتذرت إسرائيل لأن هذا ما طلبته القيادة المصرية لتهدئة النفوس في الشارع المصري. وحدث هذا في اليوم الذي وقعت فيه صفقة شاليت ولم يكن ذلك صدفة. فقد كان الاعتذار نوعا من التعبير عن الشكر من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي لجهد الوساطة المصرية.

وماذا عن الاتراك

لكن هذا جزء من القصة فقط. فالى جانب الرغبة في توثيق الحلف الاستراتيجي مع النظام العسكري في مصر، يقوم حلف استراتيجي آخر لا يقل أهمية: حلف باراك ـ نتنياهو في القضية الايرانية. فكلاهما شريك في ادراك وعلم انه يوجد في القضية الذرية الايرانية علامة سؤال كبيرة يجب الاستعداد لمواجهتها. وهذا الاستعداد يقتضي اجماعا وطنيا، صفقة شاليت وسيلة مهمة لاحرازه، وعطفا دوليا. ولهذا توجد أهمية عليا لخفض التوتر الذي لا حاجة له بالنسبة لإسرائيل، مع مصر ومع تركيا. ولهذا يصعب عليهم في جهاز الامن ان يفهموا اصرار وزراء في المجلس الوزاري المصغر على عدم الاعتذار للاتراك ـ في حين توضع في كفة الميزان تهديدات أكثر جدية بكثير.

الثمن واضح وهو تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها إسرائيل والتي ثبتت مدة سني التفاوض في اطلاق سراح شاليت الخمس. ففي اللحظة التي أدى فيها رئيس الحكومة الى المتفاوضين توجيهات جديدة ـ انتهى التفاوض خلال اسبوعين.

كان أحد الخطوط الحمراء التي تم تجاوزها في الصفقة الافراج عن سجناء امنيين ذوي جنسية إسرائيلية، وكان هذا امرا محظورا لم يُخل به سنين لا في سياق صفقة شاليت وحدها.

في جميع الاتصالات التي تمت للافراج عن أسرى طوال السنين، رأت إسرائيل الضغط للافراج عن عرب إسرائيليين من السجن من قبل منظمات ارهابية، رأته مسا واضحا بسيادتها ونسيجها السياسي (الداخلي والخارجي). لكن نتنياهو سأل رئيسي «الشباك» والموساد هذه المرة سؤالا واحدا فقط وهو: هل سيحدث ضرر أمني بسبب الافراج عن العرب الإسرائيليين الستة الذين أولاهم «الشباك» درجة خطر منخفضة؟.

تبين ان رئيس الحكومة لم يشاور كبار مسؤولي الاستخبارات في هذا الخط الاحمر حتى تلك النقطة. وفي اللحظة التي أجاباه بأن اولئك الستة ـ ومنهم طاعن في السن في الرابعة والسبعين سجن لاصابته شرطيا ـ لا يشكلون خطرا، وجههما الى الانفاذ. وهذا فرق جوهري اذا قيس بما تم بجولات تفاوض سابقة. آنئذ لعب رجال الاستخبارات دورا أكثر فاعلية لا باعتبارهم مستشارين ولا باعتبارهم مفاوضين فقط. كان لهم دور حاسم في إقرار السياسة ايضا. آنئذ حينما كان رئيس «الشباك» أو رئيس الموساد يقومان على أخامص أقدامهما كان رئيس الحكومة مثبطا. واليوم حينما أصبح هذان الاثنان خارج العمل، يشعر نتنياهو بحرية أكثر في استعمال سلطته بصفته ربانا سياسيا. لا يقوم الى جانبه الآن حراس ملازمون بل متخصصون يعرفون اماكنهم في اللعبة بين المستوى السياسي والمستوى التنفيذي.

ان مخطط الصفقة التي اتخذت هذا الاسبوع هو بالضبط نفس المخطط الذي رفضته إسرائيل قبل سنتين ونصف في آذار 2009. والذي تغير هو عدد من المباديء الحديدية التي كُسرت.

آنذاك، قبل سنتين، حضر المبعوث عوفر ديكل ورئيس «الشباك» يوفال ديسكن الى القاهرة مع علم واضح بأن حماس مستعدة للتوقيع، وكان مطروحا في جدول العمل أسماء أسرى المرحلة الاولى. وكان 325 منهم ممن اتفق عليهم الطرفان. منهم 144 أسيرا من سكان الضفة يطردون الى غزة والى خارج البلاد ويعود الباقون وهم 181 أسيرا الى بيوتهم. وفيما يتعلق بالاسماء الـ 125 الباقية، وجميعهم من الأسرى الثقال جدا ويشملون عربا إسرائيليين وسكان شرقي القدس، أعلنت إسرائيل انه لا نية لها البتة ان تفرج عنهم.

جاء الإسرائيليون آنذاك الى القاهرة مع كل ذلك لانه كانت معلومة ان حماس ستكون مستعدة لاستبدال اسماء اخرى بالـ 125 الأسير اولئك، على نحو لا تشذ معه إسرائيل عن المباديء التي وضعتها لنفسها. بل ان الجعبري جاء الى القاهرة للتوقيع على الاتفاق. لكن حماس قررت ولاسباب ما تزال مختلفا فيها داخل إسرائيل، ان تسحب يدها من الصفقة.

آنذاك دخل نتنياهو ديوان رئيس الحكومة وعين مبعوثا جديدا للتفاوض هو حجاي هداس. وخرج المصريون من الملعب وعُين وسيط الماني كان الطرفان يقبلانه بفضل صيته الذي اكتسبه في التفاوض مع منظمة حزب الله، وفي شباط 2011 عرضت إسرائيل وثيقة أكثر مرونة لكنها لا تختلف في جوهرها. ورفضت حماس الاقتراح وانفجر التفاوض. وأنهى الوسيط الالماني عمله.

خطر لكنه يحتضر

في أيار حل رجل الموساد دافيد ميدان محل حجاي هداس في منصب رئيس فريق التفاوض . مع تولي ميدان المنصب عاد المصريون الى الصورة ايضا. وهنا ايضا بدأ يلوح التغيير في الموقف الإسرائيلي: فقد وافقت إسرائيل على أنها ستكون مستعدة بالنسبة لتلك القائمة التي تشمل 125 أسيرا والتي دار حولها جل الاختلاف، ان تنقل حماس اليها 75 اسما وان تختار منهم 30 شخصا للافراج عنهم. وهنا تجاوزت إسرائيل خطا أحمر آخر لان اولئك «الأسرى الـ في.آي.بي» كما يسميهم نتنياهو ـ وهم الأسرى الأثقل واصحاب الرتب الأخطر العليا من جهة معنوية وموضوعية ـ سيفرج عنهم.

تحدثت إسرائيل في الحقيقة عن الافراج عن 26 مخربا يضاف اليهم 4 آخرون يفرج عنهم لاسباب انسانية. أي أنهم خطرون جدا لكنهم مرضى جدا ايضا. تستطيع إسرائيل ان تعرض هذا باعتباره تنازلا لحماس لانهم في الحاصل العام تنازلوا عن 95 اسما فيهم الاسوأ في أعدائنا. لكن حماس تستطيع ان تعرض هذا باعتباره تجاوز خطوط حمراء في إسرائيل بشأن الافراج عن أسرى هم قتلة خطرون وقادة ايضا.

تم تجاوز خط احمر بعد خط احمر. لم تشأ إسرائيل الافراج عن أسرى من سكان شرقي القدس في اطار الصفقة باعتبار ذلك مرة اخرى جزءا من اظهار سيادتها على القدس. وفي نهاية المطاف وافقت على الافراج عن سكان من البلدة الشرقية. ان 29 منهم هم أسرى ثقال ولهذا سيطردون الى غزة؛ في آذار 2009 لم توافق إسرائيل بأي حال من الاحوال على الافراج عن بعض النساء المسجونات بسبب القتل مثل آمنة منى واحلام التميمي. وفي تشرين الاول 2011 تنازلت إسرائيل: فكل النساء المسجونات بسبب مخالفات امنية سيفرج عنهن.

ووافقت إسرائيل ايضا على الافراج عن عدد أكبر من الغزيين الى بيوتهم مما خططت له. فهي اليوم مستعدة لنقل 131 اسيرا غزيا الى بيوتهم. وقد وافقت في الماضي على الافراج عن 125 فقط. والـ 6 الذين اضيفوا الى القائمة جزء من قيادة حماس العسكرية في السجن التي أُفرج عنها الى القطاع وحينما تنشر الاسماء سيدرك الناس مقدار التنازل لانه يوجد ثم قادة ارهاب بارزون مثل جهاد يرمون وعلي العمودي ووليد عقل وعبد العلي خميس. وبأي صورة نظرت اليهم فان خطرهم حقيقي جدا بحيث لا يهم أين يتجولون في غزة أو في دمشق.

ووافقت إسرائيل ايضا على نقل 110 أسرى من سكان الضفة الى يهودا والسامرة والقدس. وفي هذه المجموعة 61 أسيرا حكم عليهم بالسجن المؤبد. يزعم رئيس «الشباك» انه يمكن العيش مع هذا وانه يمكن التحكم بـ «مقدار خطرهم» بمراقبة تحركاتهم في السنين الثلاث الاولى من مكوثهم في المنطقة ويشمل ذلك مثولا في الادارة المدنية مرة كل شهر.

ويعلم رئيس «الشباك» ايضا ان الافراج عن ناس من هذا النوع يحدث ظواهر مثل صلاح عروري وهو سجين فلسطيني من حماس أُفرج عنه قبل سنة من السجن ويعيش اليوم في دمشق ويعمل تحت كنف خالد مشعل. وبالمناسبة، حاول رئيس «الشباك» السابق ديسكن ان يبقيه في اعتقال اداري بعد الافراج عنه، بلا نجاح. فقد قام القانون الى جانب القاتل.

تحلية الحبة المُرة

استقر رأي إسرائيل ـ ووافقت حماس ـ على ان يطرد من الأسرى الـ 450، 203 من سكان الضفة وشرقي القدس الى قطاع غزة وان يطرد 40 الى الخارج ـ وذلك بأمل ـ كما قال رئيس «الشباك» ـ ان يذوب اولئك الذين يدخلون القطاع في 20 ألفا من ناس عز الدين القسام ولا يشكلوا خطرا. لكن الحقيقة ان إسرائيل ستحرر الى قطاع غزة قيادة حماس العسكرية في السجن. صحيح ان رموزا قومية مثل مروان البرغوثي أو احمد سعدات أو حسن سلامة سيبقون وراء القضبان، لكن مُحدثي عمليات ذوي خبرة سيصبحون أحرارا.

عارضت حماس طوال السنين طرد أسرى الى غزة بأعداد كبيرة كي لا يُعرض انجازها على انه ظاهرة طرد مذلة. ولتحلية حبة الطرد المرة وافقت إسرائيل هذه المرة على صيغة خلاقة فيها خمس مراحل: فهي ستوافق بعد السنة الاولى على ان تعيد من غزة الى الضفة 18 مطرودا، ثم 18 آخرين بعد 13 سنة، وبعد ذلك بثلاث دفعات بين كل واحدة وواحدة خمس سنين سيفرج عن مجموعات من 55 مطرودا كل مرة بحسب الاسماء التي تختارها إسرائيل.

ان معيار الدم على اليدين لم يعد ذا موضوع منذ زمن. فغسل الكلمات يتحدث اليوم عن «مبلغ الخطر». وهذه في واقع الامر صيغ بناها «الشباك« ليثبت لمعاييره الذاتية ومعايير المستوى السياسي.

يشير احصاء «الشباك» الى ان 60 في المائة من المخربين المفرج عنهم يعودون الى نشاط ارهابي ويعتقل نحو ثمن منهم ويعودون الى السجن. تم هذه السنة التعرف على أكثر من 20 تنظيما فلسطينيا لاختطاف جندي أو مواطن إسرائيلي في مراحل استعداد مختلفة ويشمل ذلك تحذيرات ساخنة في هذه الايام حقا. ولا شك عند رئيس «الشباك» بأن تهديدات خالد مشعل بالعودة الى اختطاف جندي ستكون نافذة الفعل ما بقي أسرى امنيون في السجون في إسرائيل. وهو يعلم ايضا ان أكثر من نصف التحذيرات من اختطاف إسرائيلي تأتي من حماس في غزة أو بتوجيه منها. وهكذا فان النشطاء العسكريين الذين هم أكثر من 300 والذين سيعودون الى غزة، وفريق منهم قادة كبار مجربون في منظمة عمليات، قد يسهمون بنصيبهم، مع حافز كبير للافراج عن اخوتهم الذين بقوا في السجن.

تفرج إسرائيل في الحاصل العام في صفقة شاليت عن 279 من السجناء المؤبدين وعلى حسب الحساب عند الجيش الإسرائيلي، قتل هؤلاء الناس 599 إسرائيليا. أما اولئك الـ 1000 أو أكثر من محرري صفقة جبريل، الذين أصبحوا بعد ذلك العمود الفقري للانتفاضة، فقتلوا 178 إسرائيليا «فقط».

على خلفية هذه المعطيات، اتخذ نتنياهو قرارا شجاعا وقيميا جدا على افتكاك أسرى لكنه قرار سياسي ايضا: وهو المخاطرة في شأن ما ليزيل عن جدول العمل سلسلة مشكلات أثقلت الدولة وليوجه انتباهه كله وانتباه الأمة الى شؤون أكثر اقلاقا في جبهة ايران البعيدة والثورة العربية حولنا.

عرف نتنياهو كيف يحدد الفرصة السياسية المتعلقة بحاجة حماس الى الاقتراب من مصر وحاجة مصر الى ان تعرض انجازا باعتبارها وسيطة. عارض الأمريكيون في الماضي اتفاقا مع حماس وليسوا كذلك اليوم. أبو مازن لا يريد الاتفاق ـ لكن الآن لا أحد يحسب له حسابا. وقد لاحظ نتنياهو حقيقة ان العوائق السياسية زالت واستقر رأيه على ان يفعل شيئا. يجب الآن الاستعداد للنتائج الامنية المحتملة لهذا الاجراء.

ــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ

ما الذي تفكر به حقاً؟

بقلم: يوسي بيلين،عن إسرائيل اليوم

ظاهرا، يمكنك أن تنعم في قراراتك الاخيرة. فأيلول مر ولم يقع التسونامي. سافرت الى الأمم المتحدة وفي الوطن احبوا خطابك وغضبوا من عباس. اوباما أصبح معاونك؛ حتى الانتخابات للرئاسة كفيل حتى بان يشتري بيتا للاستثمار في ارئيل، وبعد ذلك الله يعلم: إما ان ينتخب جمهوري، او تكون حاجة الى استخدام ايباك حيال الكونغرس لمنع اوباما من أن يعود الى عادته.

الرباعية دعت الى المفاوضات بدون شروط مسبقة. الاحرف الصغيرة لقرارها لن يقرأها ناخبوك. يمكنك أن تتبناها دون خوف، لعلمك ان الفلسطينيين لن يوافقوا على المفاوضات دون تجميد المستوطنات، ولما كان هذا شرطا مسبقا، فلن يحصل شيء.

من ناحيتك هذا نجاح: مرة اخرى لا يحصل شيء، ومرة اخرى لا تتهم انت بذلك. ميركل يمكنها أن توبخك حتى بعد غد. وفي «نيويورك تايمز» يمكن أن ينشروا مقالات غير مؤيدة. ولكن هذا صغير عليك. ابو مازن يصطدم باوباما، بالكونغرس، يفقد الدعم، اما انت فتمد يدك للسلام ولا تستجب. فهل يوجد أفضل من هذا؟

مرشحتك لرئاسة حزب العمل انتصرت. هذا ما اردت. احد ما اصطدم بلفني التي لا تعتقد بان المستوطنات هي جوهر الشر، ولا يضيرها ان نبني في إسرائيل أو في المناطق التي احتلتها. فهي تؤيد السلام ولكنها تعرف، مثلك، بانه لا يوجد احتمال في أن يأتي، وعليه، فانها كفيلة بان تكون بديلا لباراك في الولاية التالية. في المواضيع الاقتصادية ستتدبرون أمركم. صيف الخيام مر. المتظاهرون ارادوا جدا أن يثبتوا بانهم غير سياسيين، الى أن اخرجوا من المعادلة. وماذا يحصل بعد المظاهرة الاكبر في تاريخ الامة؟ أنت تتعزز في الاستطلاعات. ما الذي يمكن طلبه اكثر من هذا؟

فكرة تعين تريختنبرغ كانت لامعة. القرارات التي اتخذتها اللجنة ـ ممتازة ـ قسمها الاكبر اصفر منذ الان بين صفحات «قوانين التسوية». واذا لم تنجح في اقرار استنتاجات اللجنة في جلسة الحكومة الاولى ـ فخير فقط خرج من هذا. الجمهور يفهم بانك تكافح في سبيل العدالة الاجتماعية في وجه الوزراء الاشرار.

غير أن هذه صورة مشوهة جدا للواقع. في الايام الاقسى لإسرائيل، عندما كان كل الشرق الاوسط ضدنا، كانت ايران الى جانبنا. اما اليوم فايران هي العدو الخطير. فقدنا تركيا، والعلاقات مع مصر والاردن في اسفل الدرك. نحن مكروهون، مقاطعون، منبوذون ومبعدون. التعلق بالولايات المتحدة كبير جدا.

أنت لا تلاحظ، او لا تريد أن تلاحظ، الفارق بين الذريعة والسبب. أنت محق بان النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ليس السبب للسلوك التركي او الايراني. ولكن ليس لهما ذريعة افضل من هذه، وأنت اعطيتهما الذريعة. انت تفوت الاحتمال الوحيد للخروج من الظلمة، وهو ـ اتفاق كامل مع الفلسطينيين. انت تتطرف في العلاقات مع عباس، الذي لن يكون له بديل كشريك للسلام.

على المستوى الاقتصادي لا يمكن للقرارات الرقيقة أن تقلص الفجوة الناشئة غير المعقولة، بقدر كبير بسبب سياستك الاقتصادية. اذا لم تتخذ قرارات بعيدة الاثر، فهذا سينفجر مرة اخرى.

على المستوى السياسي ـ هناك كفيلة بان توجد مفاجأة كبيرة. في الديمقراطية لا يمكنك ان تختار خصومك. بالذات من يخيل لك مريحا جدا يمكن ان يكون التحدي الاكبر. والمشكلة؟ رئيس الموساد السابق، مئير دغان، جعل كل تفكير في خطوة استراتيجية شبه متعذر. «شبه»، أكتب بحذر.

ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ{nl }مولد سياسي

بقلم: أسرة التحرير ـ افتتاحية ـ عن هآرتس

صفقة شاليت ليست عديمة المشاكل. تحرير 1.027 سجين مقابل جندي واحد هو ثمن باهظ، يثبت مرة اخرى، للفلسطينيين وللعالم، بانه يمكن اخضاع إسرائيل بالقوة وممارسة الضغط فقط. كما أن سؤال لماذا تأخرت الصفقة هذا القدر رغم أن صيغتها واضحة منذ زمن بعيد ـ مضن.

مضن بقدر لا يقل هو مسألة المخاطرة، خشية أن يعود المخربون المحررون الى عادتهم وللانشغال بالارهاب. ولكن رغم كل هذا كان التوقيع على الصفقة العمل الصحيح الوحيد الذي كان يمكن عمله. شاليت كان يستحق منذ زمن بعيد الخروج الى الحرية، وجنود الجيش الإسرائيلي وابناء عائلاتهم كانوا يستحقون منذ زمن بعيد ان يعرفوا بانه يوجد في القدس حكومة تحرص على مصيرهم ولا تتركهم عندما يسقطون في الاسر. رئيس الوزراء أثبت لهم، ولعموم الإسرائيليين، بان بالفعل هكذا هو الامر.

صفقة شاليت تثبت أيضا بانه حين يريد يمكن لنتنياهو أن يقود خطوات شجاعة، دون أن تنهض ضده معارضة ذات مغزى. هذا الدرس يجب أن يوجه خطاه ايضا بالنسبة للخطى الاكثر مصيرية من تحرير جندي واحد. كما تثبت الصفقة أيضا بانه في الجانب الاخر، بل وفي حماس، يمكن ايجاد شريك للمفاوضات ـ هذه المرة في موضوع تحرير جندي، ولكن يحتمل أن يكون أكثر من ذلك.

جلعاد شاليت أصبح منذ زمن بعيد رمزا وطنيا، والصفقة لتحريره أثارت انبعاثا لمشاعر الفرح لدى الجمهور الإسرائيلي بأسره، حتى وان كانت هذه تترافق وتخوف ما مما سيأتي وتحفظ ما من الثمن المدفوع. يبدو أن معظم المجتمع في إسرائيل يؤيد الخطوة ـ وحسن أن هكذا. الان ينبغي فقط الامل في أن تخرج الصفقة بالفعل الى حيز التنفيذ، وان يعود جلعاد شاليت الى حضن أبويه، وان الزمن الذي قضاه في الاسر لن يخلف فيه ندوبا عميقة جدا. يوم عودته الى الديار الاسبوع القادم سيكون يوم فرح كبير لإسرائيل.

ـــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

صفقة حياة نتنياهو

بقلم: يوسي فيرتر،عن هآرتس

بت بنيامين نتنياهو الامر. فبعد ثلاثين شهرا وعشرة ايام اخرى في الحكم مثل نتنياهو أمس أمام وزراء الحكومة ـ وقبل ذلك أمام ضميره وقيمه وعقيدته ـ واتخذ القرار الأصعب الذي عرّضته له ولايته الثانية لرئاسة الحكومة. ان صفقة شاليت هي صفقة حياته. والى الآن فان هذا ايضا هو القرار الأهم الذي اتخذه نتنياهو منذ انشأ حكومته قبل سنتين ونصف. لم يخرج لحرب ولم يصنع سلاما وما يزال لم يُسكن حتى الآن الاحتجاج الاجتماعي. لكنه سيُتذكر دائما انه هو الذي أعاد جلعاد شاليت الشاب من أسر قاس لأكثر من خمس سنين.

قيل في نتنياهو أكثر من مرة انه سائس كلمات وخطب أما الاعمال فأقل. وسلك هذه المرة سلوك زعيم فقام بعمل لأحسن أو لاسوأ. ويبدو انه بعد الخير سيأتي الشر. لو أننا كنا من المشاهدين لقلنا فيه «ظهر بطلا».

أمس في جلسة الحكومة بدا نتنياهو متعبا ومستنزفا. ولم ينجح التجميل على وجهه للتغطية على الأكياس الزرقاء تحت عينيه. وتلك نتيجة ليال طويلة مُسهدة، وليالي مباحثات سرية وجلسات سرية وحيرة وقرقرة بطن ايضا. ان عمل رئيس الحكومة مثقَل بالمتاعب واللذات والخيرات على اختلافها. ويشتهيه غير قليل من الساسة. أما القرار من النوع الذي اضطر نتنياهو الى اتخاذه في الايام الاخيرة فلا يُعد من هذه الخيرات. فهو قرار يقلب الأحشاء وتصحبه مرونة ولن نقول انكماش، مع استدارة وادارة ظهر لتصريحات وخطب سابقة.

عرّض القدر نتنياهو في ولايتيه لصفقات كهذه: فقد أُجبر في ولايته الاولى على اطلاق سراح الشيخ احمد ياسين ليعيد الى البيت عميلي الموساد اللذين حاولا اغتيال خالد مشعل في الاردن. وهو هذه المرة يضطر الى اطلاق سراح ألف مخرب وفيهم أشدهم سوءا وخطرا، مقابل جندي واحد. ويبرهن نتنياهو وليس لاول مرة على انه براغماتي أكثر من ان يكون عقائديا.

ستفرح إسرائيل في الايام القريبة لفرح عائلة شاليت (بفرض ان تنفذ الصفقة حقا)، لكن بعد شهرين أو ثلاثة أو ربما اربعة ومن يعلم، قد تتغير الحالة النفسية. اذا تحققت نبوءات الغضب وأغرقت العمليات مدن إسرائيل فسيوجه مؤيدو الاطلاق ايضا اصبع الاتهام الى نتنياهو.

تلقى نتنياهو انتقادا شديدا في الايام الاخيرة من قبل وسائل الاعلام بسبب مشاركته الضئيلة في ازمة الاطباء في طور التخصص. وتبين أمس السبب وهو انه كان مشغولا باتمام صفقة اطلاق سراح شاليت، فربما يتفرغ الآن لازمة الطب.

من المبكر جدا أن نُقدر أي تأثير سيكون لهذه الخطوة الحاسمة في مكانة نتنياهو السياسية وفي استقرار حكومته. سيحظى في المدة القريبة بتأييد الجمهور وشكر أكثر الجمهور الذي كان يأمل الافراج عن شاليت. ماذا سيحدث في المستقبل (لا نعلم). سيكون جلعاد شاليت معنا هنا على الأقل، جزءا منا وجزءا من التجربة الشعورية الإسرائيلية التي لا يوجد فيها لحظة ضئيلة الشأن.

ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ{n l}والى الجحيم بالنتائج

بقلم: بن كاسبيت،عن معاريف

هيا نفترض ان بنيامين نتنياهو ليس رئيس الوزراء بل رئيس المعارضة. وها هو ما كان سيفعله ويقوله عندما تتبين له تفاصيل صيغة صفقة شاليت: «سادتي اعضاء الكنيست»، كان نتنياهو سيتوجه الى نظرائه من على المنصة، «قبل أكثر من 26 سنة، في ايار 1985، عندما كنت سفيرا في الامم المتحدة، وصلتني معلومة عن أن الحكومة تعتزم تحرير الف مخرب في اطار صفقة جبريل. اعتقدت أن هذه ضربة فظيعة للسياسة التي تصدرناها، وأنا ايضا شخصيا قلت مرات عديدة في الولايات المتحدة بانه لا يجب اعطاء جوائز للارهاب بل مكافحته. في 22 ايار 1985، كتبت شخصيا لمسؤولي المباشر، اسحق شمير، الذي كان وزيرا للخارجية. بعد سنوات من الحرب الضروس ضد الارهاب والنموذج الذي ضربناه للعالم بأسره، قلبنا الجرة رأسا على عقب». وفي واقع الامر منحنا م.ت.ف هدية كبيرة. هذه الخطوة من شأنها أن تبعث موجة من القتل وسفك الدماء على نطاق واسع. هكذا كتبت له وهذا بالضبط ما حصل. كنت مستعدا لان يقيلوني في حينه، ولو كنت في المنصب اليوم، لكنت مستعدا ان يقيلوني اليوم.

كيف أعرف ان هذا ما كان سيقوله نتنياهو غدا؟ لان هذا بالضبط ما قاله في اليوم الذي استقال فيه من حكومة شارون، عشية فك الارتباط. «منذ البداية رأيت في صفقة جبريل ضربة قاضية لمساعي إسرائيل لبلورة جبهة دولية ضد الارهاب»، كتب نتنياهو في كتابه «مكان تحت الشمس»، الذي صدر بعد عشر سنوات من تلك الصفقة، «كيف يمكن لإسرائيل أن تحث الولايات المتحدة والغرب على انتهاج سياسة عدم الاستسلام للارهاب، بينما هي نفسها تخضع لهذا الشكل المخجل جدا؟ كنت مقتنعا بان تحرير الف مخرب سيدخلون الى مناطق يهودا والسامرة وغزة سيؤدون الى تصعيد فظيع للعنف، وذلك لان هؤلاء الارهابيين سيستقبلون كأبطال كنموذج اقتداء للشبيبة الفلسطينية، والنتائج لن تتأخر في الوصول. اليوم بات واضحا بان تحرير الف مخرب كان من العناصر التي وفرت مخزونا من المحرضين والزعماء الذين اضرموا نار الانتفاضة». كل ما ينبغي أن يضاف الى اقوال نتنياهو هذه تصبح ذات صلة بالحاضر هي كلمة «الثالثة». في «مكان تحت الشمس» كتب عن الانتفاضة الاولى. اما اليوم، فيدور الحديث عن الثالثة.

وقفة قصيرة: أنا لا أعرف عينا إسرائيلية لن تدمع عندما يهبط جلعاد شاليت، الشاب ابن 25 الذي قضى خُمس حياته الراشدة في قبو مظلم، في إسرائيل ويقع في أذرع عائلته. انا لا اعرف قلبا إسرائيليا لا ينبض عندما يحصل هذا. قلوب كثيرة دقت أمس ايضا، امام شاشات التلفزيون. لا يمكن للمرء الا ينفعل، لا يمكن الا يفرح فرحة العائلة، لا يمكن الا يقول ان حقا، ولكن حقا لا توجد دولة كهذه، ولا يمكن الا نواسي أنفسنا بالخبر اليقين، الصحيح، الحقيقي، بان الف قاتل منهم يساوي جندي واحد منا. هذه حقيقة. هم سيرقصون، سيحتفلون وسيهتفون حتى عنان السماء. ولكنهم لن يغيروا هذه الحقيقة البسيطة. الف قاتل للنساء والاطفال، عديمو الطابع الانساني المنكرون، مقابل جندي واحد منا.

كما أنه لا يمكن الا نمتدح بنيامين نتنياهو على أنه اخيرا اتخذ قرارا صعبا. على أنه ابقي طي الكتمان. على أنه قاده بشجاعة. على أنه في نهاية الامر القلب اليهودي انتصر على العقل، البطن انتصر على الرأس، الشعور انتصر على الايديولوجيا. فقد سار امس ضد عقيدته، ضد رواية حياته السياسية، ضد ما جعله من هو. إذ من أجل هذا يحتاج المرء الى الشجاعة. (آخرون سيقولون بالذات من أجل عدم عقد الصفقة هناك حاجة للشجاعة، ولكن هذا الجدال لم يعد يجدي نفعا).

ولكن، وهذه لكن ضخمة. بعد أن نذرف دموع الانفعال ونتأثر بحصانة المجتمع الإسرائيلي (او ضعفه، الامر يتعلق بزاوية النظر)، يتعين علينا أن نسأل أنفسنا هل بالذات بسبب «القلب اليهودي» هذا نحن بالذات، اليهود، نذبح ونختطف ونقتل اكثر من غيرنا؟

شخصيا، عارضت صفقة شاليت. لدى نتنياهو ولدى اولمرت على حد سواء. عارضت صفقة تننباوم، عارضت صفقة ريغف ـ غولدفاسر، بنيامين نتنياهو قال أمس «نعم« لصفقة قال لها ايهود اولمرت «لا». إذ في نهاية اليوم، امس كان مساء استسلام. مساءا نزلت فيه إسرائيل على ركبتيها أمام حماس. مساءا فشلت فيه قوة الصمود الإسرائيلية. رقة القلب تغلبت على الصلابة اللازمة في حينا. مساءا عقد فيه خالد مشعل، احمد الجعبري واسماعيل هنية مهرجانات النصر وعن حق. مساءا قال لي فيه مسؤول فلسطيني هاتفيا، بصوت مخنوق «ما العمل، انتم لا تفهمون الا لغة القوة». مساءا تآكل فيه الردع الإسرائيلي حتى سحق. بالضبط مثلما حصل في الهروب من لبنان وفي الخروج احادي الجانب من غزة. مساءا ولد الاختطافات التالية (ورجاءا، لا تحاولوا بيعنا استنتاجات لجنة شمغار التي تقول انه من المرة التالية، سيكون الحال مختلفا. حاولوا أن تبيعوا هذا لحماس. هم لن يشتروا. هم سيختطفون).

وينبغي فحص شيء آخر. اذا لم تتغير صيغة الصفقة بشكل كبير (حماس تتفاخر بأنها لم تتحرك ملليمتر واحد) فلماذا انتظرنا سنتين ونصف اخرى؟ اذا كان نتنياهو في النهاية تراجع، ألم يكن من الأفضل ان يتراجع من البداية؟ أليس خسارة على هذا القدر الكثير من الزمن من حياة الرجل الشاب؟ فقد اجتيزت أمس كل الخطوط الحمراء، حُرر سجناء عرب، إسرائيليون. حُرر سجناء من شرقي القدس. حُرر 300 قاتل مقيت. محكومون بالمؤبدات. حُ