المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (192 )
نتنياهو يسير بالأوضاع نحو المجهول
المقالات في الصحف المحلية
السبت
16/ 11 /2013
بقلم: حديث القدس – القدس
هل تصغي اسرائيل الى تحذيرات الوزير الاميركي جون كيري؟
بقلم: المحامي راجح أبو عصب – القدس
إسرائيل الكبرى على الطريق
بقلم: رغيد الصلح – القدس
أصوات وبنادق
بقلم: المحامي جواد بولس – القدس
في ذكرى الاستقلال .. المطلوب انهاء الانقسام
بقلم: راسم عبيدات - القدس
لا يوم عمران حضري عالمي للمقدسيين!!
بقلم: المحامي إبراهيم شعبان – القدس
2 + 2 : يعيد رسم خارطة الشرق الأوسط
بقلم: رجب أبو سرية – الايام
تجليس الهرم على رأسه
بقلم : محمد ياغي- الايام
ما الذي تريده أميركا من إيران وسورية؟
بقلم: هاني عوكل – الايام
الاستيطان مجدداً!
بقلم: سميح شبيب – الايام
حين يبيع المثقف "إسمنتاً" للجدار!؟
بقلم: فاروق وادي – الايام
تغريدة الصباح - ذات الحُسْنِ المُغيّب!
بقلم: عدلي صادق – الحياة
القدس: الاستيطان الاسرائيلي للأرض وللعقول!!
بقلم: د. أسعد عبد الرح – الحياة
هزاع السعدي
بقلم: عيسى عبد الحفيظ –الحياة
مرة يغالط الحقيقة (4)
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
حماس محاصرة بالضرورات الأمنية
بقلم: يحيى رباح – الحياة
نتنياهو يسير بالأوضاع نحو المجهول
بقلم: حديث القدس – القدس:
تعبر المواقف الاسرائيلية داخل غرف المفاوضات مع الفلسطينيين وخارجها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من مخططات استيطانية غير مسبوقة في حجمها وتسامح مع اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم ومزروعاتهم، عن تخبط حقيقي بين رفض اسرائيل قرارات الشرعية الدولية بشكل عملي من ناحية، ورغبة في التظاهر شكليا بأنها مع عملية السلام ومع المفاوضات ولكن على نحو صوري يرتكز على التصريحات والبيانات الفارغة من المضمون والجوهر، من الناحية الأخرى.
ولا يعني هذا أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وحلفاءه من المتطرفين والساعين في ركابهم يفتقرون إلى مخطط مرسوم في تعاملهم مع القضية الفلسطينية، وإنما على العكس من ذلك حتى لو يصرحوا بوجود مثل هذا المخطط. فأفعالهم والحقائق التي يخلقونها على أرض الواقع كلها تنبع من سياسة محددة هدفها تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان، بما يؤدي إلى تهويد الأراضي المحتلة، وتفريغها من أهلها الفلسطينيين بشكل تدريجي وممنهج.
وليس أدل على هذا التوجه من حملات هدم البيوت الفلسطينية في الضفة الغربية وخصوصا في القدس. فليست هناك حكومة أو حتى سلطة احتلال في التاريخ تقدم على تشريد المواطنين دون رحمة بالأطفال والنساء والشيوخ في برد الشتاء وحر الصيف، وتشهد بأم العين الأطفال والنساء يبكون على أنقاض البيوت المهدمة، ويحاولون إخراج ما يمكنهم إخراجه من تحت الجدران المتهاوية. فالسلطات الاسرائيلية لا تتيح الوقت الكافي لأصحاب البيوت المهدومة لاستنقاذ أثاثهم مقتنياتهم، بل تعمل الجرافات عملها فورا تحت حراسة قوات الأمن والقوات الخاصة الاسرائيلية.
وتدرك الحكومة الاسرائيلية، كما أدركت الحكومات السابقة، لها أن الأراضي الفلسطينية المحتلة فيها شعب فلسطيني موجود منذ القدم وهو صاحب كل الحقوق فيها، ومع ذلك تتصرف بهذه الأراضي تصرف المالك دون أي سند من شرعية أو قانون : فتبني المستوطنات وتوسعها، وتقيم الشوارع الالتفافية بين المستوطنات ومع اسرائيل وتحرم الفلسطينيين من استخدامها في حالات كثيرة. ويتنافى هذا التصرف مع المواثيق الدولية، ومع أي نزعة لتحقيق السلام بالحد الأدنى من العدل والقبول لدى الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي.
ولو كانت لدى اسرائيل الرغبة الحقيقية في تحقيق السلام، فإن هذه الرغبة كان من المفروض أن تتجسد خلال المفاوضات الراهنة التي تجري تحت الرعاية الأميركية. غير أن كل الشواهد تدل على أن العكس من ذلك هو الذي حدث، ووصل الأمر حد استقالة المفاوضين الفلسطينيين في المحادثات، لأن اليأس من حدوث أي تقدم قد وصل بهم مداه ومنتهاه.
والسؤال الذي يُطرح في ظل هذه المعطيات هو :إلى أين يقود نتنياهو سفينة الأحداث في المنطقة؟ من الواضح أن هذه السفينة لا تسير في اتجاه شاطىء الأمان والسلام والاستقرار. لأن الوصول إلى هذا الشاطىء يعني الاعتراف بالحقوق الوطنية والسيادية للشعب الفلسطيني، وهو أمر يبدو أن نتنياهو على غير استعداد للقيام به لا في الوقت الحاضر، ولا حتى على المدى البعيد.
رئيس الحكومة الاسرائيلية، بدلا من ذلك، يتجه بالمنطقة نحو المجهول. والمجهول يعني غياب السلام والاستقرار والتعايش بين شعوب المنطقة، ويعني أجواء من التوتر والعنف لا داعي لها لو توفرت لقادة اسرائيل الحكمة والتبصر والنظر إلى المستقبل بموضوعية، والاعتراف بالآخر الفلسطيني وبمصالحه، وتطلعاته المشروعة والعادلة.
هل تصغي اسرائيل الى تحذيرات الوزير الاميركي جون كيري؟
بقلم: المحامي راجح أبو عصب – القدس
في ختام جولته الأخيرة في المنطقة الاسبوع الماضي وعقب لقائه الرئيس محمود عباس مرتين في رام الله والعاصمة الاردنية عمان، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو حذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري اسرائيل من أنه اذا لم يتحقق السلام فإن انتفاضة ثالثة ستندلع وأن الفلسطينيين سيعودون الى العنف. وجاء هذا التحذير الاميركي غير المسبوق من هذه الشخصية الأميركية الرفيعة في مقابلتين تلفزيونيتين الأولى في محطة تلفزيون فلسطين والثانية في مقابلته مع القناة الثانية من التلفزيون الاسرائيلي. ولا شك أن هذا التحذير الجدي الذي أطلقه كيري جاء بعد أن لمس عن قرب أن المفاوضات المستمرة منذ ثلاثة أشهر بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، والتي استجاب لها الجانب الفلسطيني بناء على دعوة الوزير كيري، وبإشراف مباشر من الرئيس الاميركي باراك اوباما.
ان هذه المفاوضات وصلت الى طريق مسدود ولم تحقق اختراقا، وذلك جراء اصرار الحكومة الاسرائيلية على الاستمرار في سياسة التوسع الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية، ورفض هذه الحكومة الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة في الضفة والقطاع بعاصمتها القدس ضمن حدود الرابع من حزيران عام 1967 مع تبادل طفيف للأراضي بذات المقدار وبنفس الأهمية.
وتصريحات وتحذيرات الوزير كيري هذه تؤكد ولو بصورة غير مباشرة أن اسرائيل تتحمل مسؤولية فشل هذه المفاوضات التي حدد لها الجانب الأميركي تسعة أشهر للوصول إلى النتائج المرجوة منها، والتي تتمثل في التوصل الى اتفاق سلام دائم وشامل يؤدي الى اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وذلك وفق قرارات الشرعية الدولية المتمثلة في قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي ترفض مبدأ ضم أراضي الغير بالقوة والتي تعتبر المستوطنات غير شرعية وكذلك ترفض ضم اسرائيل للقدس واعتبارها مع القدس الغربية "عاصمة موحدة وأبدية لاسرائيل". كما أن خطة خريطة الطريق ورؤية حل الدولتين والمبادرة العربية أصبحت هذه كلها في نظر دول العالم قاطبة، الحل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي المستمر منذ أكثر من ستة عقود، وإحلال السلام في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
وجاءت تحذيرات الوزير كيري لإسرائيل بصورة جلية واضحة لا غموض فيها، وذلك حين قال إن البديل عن العودة الى المفاوضات هو فوضى محتملة وتساءل قائلا هل تريد اسرائيل انتفاضة ثالثة؟ وأضاف محذرا إن اسرائيل ستجد نفسها معزولة عن المجموعة الدولية إذا لم تتمكن من صنع السلام، وقال إذا لم نجد السبيل الى تحقيق السلام ستحدث عزلة متزايدة لاسرائيل وستكون حملة متزايدة لنزع الشرعية عن اسرائيل على الصعيد الدولي.
ووجه كيري تحذيره للاسرائيليين قائلا " لا يخدعنكم الآن أنكم في أمان ولستم بحاجة للسلام فغدا قد تتغير الظروف وتعلمون أهمية السلام حينذاك"، وفي هذه العبارة تحذير صريح للاسرائيليين من أن هذه الفرصة الذهبية والنادرة التي تفتح أمام اسرائيل للمرة الأولى قد لا تتكرر إذا لم تقم اسرائيل باغتنامها، وإذا أهدرتها، وذلك أن الشرق الأوسط عامة والعالم العربي خاصة يشهد هذه الايام تطورات سريعة غير مسبوقة لا يمكن لأحد أن يتكهن بنتائجها. إن العالم العربي يعيش فترة حرجة من القلاقل والاضطرابات والثورات العنيفة، ومن هنا جاءت نصيحة الوزير كيري للاسرائيليين بألا ينخدعوا الآن بهذا الأمان الذي يحظون به هذه الأيام والذي قد يصور لهم أنهم ليسوا بحاجة الى السلام.
وانتقد الوزير كيري في المقابلتين التلفزيونيتين سياسة الاستيطان الاسرائيلي والتي يجمع العالم كله بما فيه الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الوحيد لاسرائيل في هذا العالم، أنه غير شرعي وأنه العقبة الكأداء في تحقيق السلام، ومن هنا جاء تساؤل الوزير كيري المستنكر والمتعجب لهذه السياسة الاستيطانية التوسعية " لماذا تبني حكومة اسرائيل المساكن الاستيطانية على أرض ليست لها وتعرف أنها أرض الدولة الفلسطينية؟ ولماذا تبني وتبذر الوقت والجهد والمال وهي تعرف أنها ليست أرضها؟".
وتساؤلات الوزير كيري المستنكرة للاستيطان إنما تتناغم مع الموقف الدولي من هذا الاستيطان، كما أنها تنسجم تماما مع الموقف الفلسطيني الرافض للاستيطان بكل صوره وأشكاله، فقد أكدت القيادة باستمرار وما زالت تؤكد أنها لن توقع أي اتفاق سلام لا يقوم على أساس الانسحاب الشامل من الضفة والقدس وفق حدود الرابع من حزيران، كما أنها تصور على أن الاستيطان غير شرعي لأنه يقام على أراضي الدولة الفلسطينية المستقلة، ومن هنا تبرز أهمية تساؤل كيري حول اصرار اسرائيل على إقامة المستوطنات في أراض ليست لها وانما هي ملك للدولة الفلسطينية، ولماذا وهي تعرف هذه الحقيقة تهدرالوقت والجهد والمال في بناء مستوطنات على أرض لا تملكها؟
ولا جدال في أن السلام ليس مصلحة فلسطينية فقط بل هو في ذات الوقت وبنفس الاهمية مصلحة اسرائيلية، ولذا قال الوزير كيري في هاتين المقابلتين التلفزيونيتين وهو محق في ذلك قال " ان عدم وجود السلام سيكون خطر على حياة كل اسرائيلي وفلسطيني يعيش في هذه المنطقة كذلك سيكون خطرا على الاقتصاد كله".
ولا شك أن السلام لن يكون من ثماره تحقيق الأمن والأمان فقط وإنهاء الصراع، بل سيكون له أيضا وكما قال الوزير كيري فوائد اقتصادية للفلسطينيين والاسرائيليين، حيث ستوجه كل الجهود الى الاستثمار والتنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي، كما أنه سيشجع المستثمرين من خارج المنطقة من عرب وأجانب على استثمار الكثير من الأموال في مشاريع اقتصادية منتجة، مما سيؤدي الى توفير فرص عمل كثيرة ما سيؤدي الى تخفيض نسبة البطالة الى درجة كبيرة، كما سيرفع المستوى المعيشي لسكان المنطقة، وسيكون السلام حينئذ كما قال كيري مشروعا ناجحا تستفيد منه الأجيال القادمة.
والأمر المؤسف أن هناك قيادات في اسرائيل وكما قال الوزير كيري تعتقد أنها ليست بحاجة الى السلام مع جيرانهم وأنهم في مأمن من المخاطر، وقال كيري رافضا هذا الاعتقاد الخاطئ لتلك القيادات الاسرائيلية "هذا كلام فارغ لأن فشل عملية السلام سوف يغير الوضع القائم وحينها تعرف اسرائيل كيف يتغير الجيران وكيف يتغير الوضع القائم".
وقال كيري "يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية قابلة للحياة تنعم بالسلام وتسهم في تعزيز السلم والأمن في المنطقة" ولا شك أن الدولة الفلسطينية حال قيامها ستلعب دورا هاما في تعزيز السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، لأنها ستكون جسراً يربط بين اسرائيل والدول العربية، وكما قال الرئيس عباس مؤخراً، وكما ردد مرارا أنه في حال توقيع اتفاق سلام شامل وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، فإنه سيتم تطبيع العلاقات بين الدول العربية والاسلامية واسرائيل، وهذا حلم كان يبدو مستحيلا بالنسبة لاسرائيل وهو ما كانت تطالب به منذ قيامها عام 1948، وكانت تتهم العرب بأنهم يرفضون اليد الاسرائيلية الممدودة للسلام. وعندما مد العرب أيديهم للسلام وقدموا مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، فإن اسرائيل ورغم مرور أكثر من أحد عشر عاما على هذه المبادرة والتي يقول القادة العرب إنها مازالت على الطاولة فإن اسرائيل ترفض الاستجابة لهذه المبادرة وتفضل سياسة التوسع الاستيطاني على السلام العادل والشامل مع العرب والمسلمين.
وأكد كيري في مقابلته مع تلفزيون فلسطين أن البديل عن الدولة الفلسطينية هو صراع مطول يضغط على الجميع ويخلق مخاطر متزايدة ويحرم شعوب الشرق الأوسط من الأمن، وأضاف قائلا مؤكداً حقيقة لا يرفضها الا اليمين الاسرائيلي المتطرف، " ان فلسطين تعود للمواطنين الذين يعيشون فيها، وتساءل قائلا كيف يمكن أن يقبل الفلسطينيون أن هناك مكانا سيكون لفلسطين ويبني فيه الاسرائيليون مستوطنات
وقال كيري إن أي اتفاق سلام سيعني أنه سيتضح للجميع أين هي فلسطين؟ وأين هي اسرائيل؟ وأضاف لن يكون هناك حل يقوم على أساس دولة واحدة لشعبين. وهو في ذلك إنما يؤكد أن الحل الوحيد للصراع يتمثل في تطبيق رؤية حل الدولتين وهي الرؤية التي طرحها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. إذ أنه وكما قال كيري لن يكون الحل دولة واحدة لشعبين، كما كان الحال سابقا في جنوب افريقيا، وكثير من المفكرين الاسرائيليين وبينهم قادة سياسيون وأمنيون وعسكريون سابقون يقولون إن حل الدولة الواحدة سيجعل اسرائيل دولة عنصرية كما كانت جنوب افريقيا، كما أنهم يرون بحق أن الفلسطينيين سيصبحون خلال فترة قليلة أكثرية في هذه الدولة الواحدة.
وقال كيري لن تكون هناك دولة فلسطينية دون ازالة المستوطنات، وأضاف ان موضوع إزالة المستوطنات سيحل في المفاوضات وستكون هناك دولة فلسطينية قابلة للحياة، وعلينا أن نتعامل مع قضية المستوطنات مع تبادل جزء من الأراضي. وهذا القول لكيري يتطابق تماما مع الموقف الفلسطيني القائل "انه لن يكون هناك وجود للمستوطنات في الدولة الفلسطينية" كما أن القيادة الفلسطينية وأيدتها في ذلك الجامعة العربية تقبل بمبدأ تبادل أراض ولكن على نطاق محدود مع التساوي في المساحة والقيمة.
وكان الوزير كيري قال في مؤتمر صحفي مشترك في عمان الاسبوع الماضي "لقد أحرزنا تقدما مهما في محادثاتنا مع الفلسطينيين والاسرائيليين حول عدة أمور، وأضاف قائلا من المهم لنا أن تكون هناك امكانية للتقدم بحذر وهدوء وأن ما حدث مؤخرا فتح الباب أمام عدد من الاحتمالات لأمور يمكن أن تشملها المحادثات وهي تمضي قدما. فهل تصغي اسرائيل الى تحذيرات ونصائح الصديق الاميركي المخلص؟ هذا ماستجيب عليه الايام القادمة.
إسرائيل الكبرى على الطريق
بقلم: رغيد الصلح – القدس
يتصور العديد من العرب، عموماً، والفلسطينيين، بصورة خاصة، أن المفاوضات الجارية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لا تهدف إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وإنما هي تمهد، في نهاية المطاف، إلى قيام "إسرائيل الكبرى" . الدليل الحاسم على صواب هذه القناعة، من وجهة نظر عربية، هو استمرار أعمال الاستيطان من دون توقف خلال المفاوضات، بل على العكس التعجيل في هذه الاعمال والتوسع فيها كما يدل القرار الإسرائيلي الأخير ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة . هذا القرار يعيد إلى أذهان أولئك العرب والفلسطينيين النهج الاستيطاني الذي نفذ خلال الأربعينات، بينما كانت تجري مساعٍ دولية ودبلوماسية مكثفة من أجل إيجاد حل لمشكلة الصراع العربي الاسرائيلي . منذ ذلك التاريخ تعلم الفلسطينيون والعرب أن البولدوزورات الاستيطانية أخطر بكثير، على أمانيهم الوطنية، من دبابات وآليات القوات المسلحة الاسرائيلية .
إلى هؤلاء العرب والفلسطينيين توجه جون كيري، وزير الخارجية الأمريكية، بكلمات التطمين والتهدئة . قال الوزير الأمريكي خلال جولته الأوسطية الأخيرة إنه في العمليات التفاوضية "تبرز الصعوبات كما تظهر التوترات، ولكننا في النهاية سوف نتمكن من التغلب عليها" . ولكن هذه الكلمات لم تترك، كما تدل ردود الفعل العربية والفلسطينية على سير التفاوض، والمواقف الإسرائيلية التعجيزية تجاه المطالب الفلسطينية، على أن تطمينات كيري كانت في محلها .
لعل من الأسباب الرئيسية على هذا الإخفاق هو أن واشنطن دأبت، كلما واجهت مشكلة من هذا النوع، على ممارسة الضغط على العرب والفلسطينيين لكي يقدموا التنازلات الكبرى، مقابل التنازلات المحدودة أو الوهمية التي تقدمها إسرائيل . هذه الممارسة كلفت الرئيس المصري الأسبق أنور السادات والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات حياتهما، ومن الأرجح أن تسعى إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، رغم الاختلاف الكبير بينها وبين إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، إلى استخدام النهج نفسه مرة أخرى في إدارتها المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل . إذا صح هذا التقدير، فإن الصعوبات لن تبرز بين الإسرائيليين والفلسطينيين فحسب، بل وحتى بين الأمريكيين والفلسطينيين أيضاً . وكعينة من هذه الصعوبات التي تبرز على سكة العلاقات الأمريكية الفلسطينية، فإنه من الممكن الإشارة إلى التباينات التالية بين الجانبين:
* أولاً، قضية الاستيطان - الموقف الأمريكي الرسمي تجاه الاستيطان الإسرائيلي في الضفة والجولان هو أن الولايات المتحدة تعد هذه العملية غير شرعية واستطراداً أن المستوطنات غير شرعية أيضاً . ولكن كيف يصرف هذا الموقف النظري في السوق التفاوضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ تطرق وزير الخارجية الأمريكي إلى هذه القضية خلال جولات التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي عندما قال إنه "كان من المفضل (في التقدير الأمريكي) لو توقفت أعمال البناء على أهميتها، قدر المستطاع، من أجل خلق الجو الملائم لاستمرار المفاوضات بفاعلية" .
هذه الكلمات الملطفة هي أشبه بضوء أخضر لاستمرار عملية الاستيطان ولا تقارب، بأي معيار، عملية الضغط من أجل إيقافها . لقد استخدم كيري وصف البناء -الحيادي- بدلاً من الاستيطان، وأضفى على الاستيطان طابع الأهمية، فأكسبها مشروعية أمريكية بدلاً من أن يتجنب ذلك بقوله إن لهذه العملية أهمية بالمعيار الإسرائيلي . وضمن وزير الخارجية الأمريكية تعليقة طلباً متواضعاً إلى أبعد حد عندما دعا الإسرائيليين إلى وقف الاستيطان "قدر المستطاع"، إن الجواب الإسرائيلي المعتاد على هذا الطلب هو أن الإسرائيليين يمارسون فعلاً الاعتدال والتروي في بناء المستوطنات خاصة أنهم يقومون بتجميد النشاط الاستيطاني بعض الوقت .
تنطلق هذه اللغة "المتفهمة" من موافقة ضمنية أمريكية على المبررات والحجج التي يأتي بها الإسرائيليون للترويج للمشاريع الاستيطانية . وتتمحور عملية الترويج حول ثلاثة تبريرات اساسية، كما جاء في مقال للمعلق الإسرائيلي يوسي ساريد، ألا وهي التبرير الديني بحجة أن الله منح أرض فلسطين كلها إلى اليهود، والتبرير الأمني الذي يجزم بأن إسرائيل بحاجة إلى هذه الأرض لحماية أمنها، وأخيراً التبرير الديمغرافي المستحدث مؤخراً الذي يؤكد أن إسرائيل بحاجة إلى توسيع المستوطنات لأنها باتت تضيق بسكانها .
المواقف الأمريكية المفتوحة على مثل هذه التبريرات تتعارض مع الموقف الفلسطيني الذي ينظر إلى أعمال الاستيطان في الضفة الغربية على أنها من باب "خلق الحقائق" التي ترسخ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والجولان بدلاً من أن تضع حداً له .
* ثانياً، الموقف تجاه الدولة الفلسطينية - فالإدارة الأمريكية تؤكد تأييدها لقيام دولتين في فلسطين التاريخية . ولكي كيف السبيل إلى نشوء الدولة الفلسطينية؟ ترى واشنطن أنه يمر عبر التفاوض الثنائي الإسرائيلي الفلسطيني الذي ترعاه الولايات المتحدة مثلما فعلت في معاهدات السلام العربية الإسرائيلية السابقة .
إن هذه الصيغة ترهن نتائج المفاوضات بموازين القوى بين الطرفين المتفاوضين . ومن البديهي أن موازين القوى هذه تميل بشدة لمصلحة إسرائيل، ليس في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فحسب، وإنما في الإطار الأوسع العربي الإسرائيلي . فضلاً عن ذلك، فإن واشنطن ودول الأطلسي، لا تتوقف عن تحسين موازين القوى لمصلحة إسرائيل على حساب العرب والدول المناهضة لمشاريعها التوسعية . فهي تمارس ضغطاً شديداً على منظمة التحرير الفلسطينية حتى لا تحسن موقعها التفاوضي عبر اكتساب حقوق العضوية في الأمم المتحدة وفي المنظمات الدولية . وتمارس واشنطن حصاراً تسليحياً على الدول العربية، بما في ذلك الدول الحليفة لها لئلا يتأثر ميزان القوى الإقليمي لغير مصلحة إسرائيل .
مقابل هذه الصيغة التي تتبناها واشنطن لقيام الدولة الفلسطينية، والتي سوف تصطدم بالحواجز الاستيطانية والسياسية والعسكرية التي تنصبها إسرائيل في وجهها في سياق التمهيد لتحقيق هدف إسرائيل الكبرى، فإن الدول العربية والسلطة الفلسطينية تجد في المقاربة الدولية الجماعية صيغة أكثر جدية وواقعية لإقامة الدولة الفلسطينية إذا كان لهذا المشروع بعض الأمل في التحقق .
إن هذه المواقف الأمريكية سوف تسبب المزيد من الإحراج للسلطة الفلسطينية، حيث إن أعداداً متزايدة من الفلسطينيين والعرب سوف تجد في المفاوضات بينها وبين الإسرائيليين حلقة جديدة من حلقات التمهيد لإلحاق الضفة الغربية باسرائيل وترسيخ الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وبالتالي تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى . إن هذا المشروع لم يعد مجرد وهم ، بل بات، في ظل التراجع العربي الراهن، مشروعاً قابلاً للتحقيق.
أصوات وبنادق
بقلم: المحامي جواد بولس – القدس
بحدة أوضح من الماضي، عكست معارك الإنتخابات التي جرت في القرى والبلدات العربية في إسرائيل هزلية المشهد وتراجيديته في آن واحد.
بالخلاصة، كانت تلك تجربةً عبثيةً افتقرت إليها مسارحنا فعوّضتنا عنها الحياة بفصول ولا في الخيال .الذروة تجلّت في "القفلة"؛ عندما قررت قيادة جبهة الناصرة التوجه إلى المحكمة بطلب لاستصدار أمر يمنع مأمور الانتخابات من الإعلان عن النتيجة الرسمية وذلك لوقوع خلل، وفقًا لما قدّم من إدّعاءات، في فرز صندوق احتوى على ما أسمي" أصوات الجنود".
هاجت الدنيا وماجت. لم يتخلّف أحد عن توجيه حرابه والانقضاض على الجبهة. كثيرون ممّن انضموا لهذه الجوقة كانوا من المزايدين والانتهازيين.
ومن الواضح أن لجبهة الناصرة حق، كما لكل طرف مدّعٍ بحق ضائع، أن تحاول تحصيل حقها وتأمينه حتى إذا استدعى الأمر التوجه إلى القضاء الإسرائيلي ولكن تبقى الحكمة بإخضاع مجمل القرارات، لا سيّما التكتيكية منها، إلى طائل الربح والخسارة في أبعادها الوطنية العامة والاستراتيجية.
محاولة بعض الناطقين باسم الجبهة تبرير تلك الخطوة بكونها تكتيكًا استهدف كسب الوقت للوقوف واستكشاف بواطن الخطأ والضياع، كان إدّعاءً واهيًا وليس على قدر الصدمة والخيبة. وهو، بمقاسات الربح والخسارة، سبّب خسائر فادحة للجبهة الأم تعدّت أرباح وخسائر جبهة الناصرة المفقودة والمدّعى بها، علاوة على ما تركه ذلك من زعزعة وبلبلة في الموقف الوطني العام.
بالمقابل فإن ما صرّح به النائب حنا سويد بأن جميع القوائم والرؤساء اعتمدت وتعتمد على أصوات جنود ورجال أمن ولذلك لا تنفرد الناصرة بهذه المسألة هو إدّعاء ذو أبعاد مركّبة يستوجب التوقف عنده.
لقد أصاب النائب سويد كبد الحقيقة والواقع. ففي كثير من البلدات والقرى العربية في إسرائيل يشارك جنود ورجال شرطة وأمن وحرّاس مصلحة السجون ورجال حرس الحدود وغيرهم في الانتخابات. بعضهم يشارك كمصوّتين وبعضهم كمرشحين. في جميع الأحوال يمارس جميع هؤلاء أدوارهم كأفراد متساويين بالحقوق والواجبات مع باقي أهل القرى والمدن ويقومون بذلك بانسجام كامل مع قوانين السوق وتفاعلات اللعبة في كل موقع وموقع.
يتحالفون من خلال أطرهم العائلية أو "الحزبية" أو الطائفية في قوائم محلية وأحيانًا تنافس هذه القوائم باسم حزب وطني وحركة قومية وتتشارك مع آخرين لدعم هذا الرئيس أو لإنجاح تلك القائمة. لكثرتها، لا مجال لوضع جدول بأسماء تلك القوائم والشخصيات التي شاركت في قرى الجليل والمثلث والكرمل والنقب وفي بعض المواقع مثلت حركات وأحزابًا شارك قادتها بالهجوم على جبهة الناصرة.
القضية تكمن بما آلت إليه أحوال مجتمعاتنا العربية التي ترزح تحت عبء هذه المستجدات وبعضها أطلقتُ عليه في أكثر من مقالة صفة "الديليما/ الورطات" التي تبحث عن حلول وطنية ومواقف.
قبل أن أشير إلى ما قلته عن تلك المستجدات بالماضي ولم يحظ بأي التفاتة من قادة الجماهير العربية وأحزابها خاصةً ممّن أطلقوا سهامهم على قادة جبهة الناصرة، قبل ذلك، أود أن أقول للنائب سويد: بما أنك قدّمت إدّعاءً واقعيًا صحيحًا وبما أن بعض الرؤساء والقوائم المنافسة في القرى والبلدات العربية تُنتخب وتنتصر بأصوات جنود ورجالات أمن، على تفرعاته، كان من المفترض أن تبلور الجبهة الديمقراطية موقفًا رياديًا سبّاقًا إزاء هذه المسألة ومستجدات أخرى كثيرة تتخبط بها مجتمعاتنا.
لقد دفعت وستدفع الجبهة ثمن عدم "تميّزها" الوطني عن باقي القيادات وما جرى في الناصرة هو أكبر دليل على ضياع البوصلة وإتاحة فرصة لكل "حلق وفم" أن يفتح نيرانه على الجبهة حتى وإن فعل ذلك بعضهم بمسدسه المرخص إسرائيليًا أو كلاشينكوفه. "مثلي مثلكم" ليس بحجة ودفاع مقبولين ممّن يُنتظر منه أن يبقى قائد هذه الجماهير ومخلّصها في زمن الورطات والهزائم.
القضية أكبر من حفنة أوراق ضائعة في هذا الصندوق أو ذاك؛ كانت القضية وما زالت، مَن يقرر لهذه الجماهير ماذا؟ مَن يفتي لها وما تعريف العيب؟ مَن يجيز ومَن يمنع؟ وما تعريف الكبيرة؟ القضية تكمن في ما طرحته شباك حياتنا في هذه الدولة من تشوّهات و"ورطات". حادثة "أصوات الجنود" عرّت واقعًا تعيشه مجتمعاتنا ولم يحظ برعاية ملائمة من قبل مَن تصرّف على أنه قائد لهذه الجماهير.
"هل عمل العربي منّا في وزارة الشرطة متاح ومسموح يا وطن؟ هل نطالب بأن يكون نائب قائد الشرطة العام عربيًا منّا؟ وإن كان ذلك محظورًا وطنيًا فهل نطالب أن يكون قائد المنطقة الشمالية عربيًا منّا؟ هل نقبل أن يكون قائد شرطة مكافحة المخدرات أو قائد شرطة السير عربيًا منا؟ هل قيادتنا تملك موقفًا إزاء كل ذلك؟ وماذا يقول الشيخ والقائد والوطن لجاره السائل: "هل أنا مخطئ أو مَعيب أو خائن إن من أجل عيشي لبست الكحلي وصرت شرطيًا؟!
ماذا نقول لآلاف السواعد التي تخدم في مصلحة سجون الدولة. من أصغر السجّانين إلى أعلى المراتب والسلطة والنفوذ. هل صمت الفراشات حل وموقف؟ وكيف لأولئك أن لا يفهموا صمت الوطن موافقة ورضا؟".
هكذا تساءلت قبل عام. كل القيادات طنّشت وتهرّبت وبضمنها مَن شارك في وليمة الناصرة التي فيها قلت في ذلك المقال: "فأين أيام كانت الناصرة تسطّر بالأحمر ربيع بلادي الأخضر؟ وهذه الناصرة اليوم تزوّدنا بكل أسباب الفرح وأسباب الترح كذلك".
أين هي تلك الأيام؟ درب جماهير هذه البلاد ما زال مليئا بالحفر وجيوش العاطلين عن عمل وطني والانتهازيين والمزايدين تنتظر على حافة البئر. من يقرر ماذا؟ فهل علينا أن ننتظر فصلًا قادمًا من مسرحية المزايدة والسقوط.
في ذكرى الاستقلال .. المطلوب انهاء الانقسام
بقلم: راسم عبيدات - القدس
في الخامس عشر من تشرين الثاني قبل خمسة وعشرين عاماً وقف الزعيم الخالد ياسر عرفات بين إخوانه القادة التاريخيين الفلسطينيين في قصر الصنوبر بالعاصمة الجزائرية التي ساندت نضالنا الفلسطيني منذ تحررها وقيام دولتها الجزائرية الشقيقة، ليعلن من هناك بصوته وباسم شعبنا الفلسطيني قائلا : " "باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني نعلن قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف"، لتجسد حلم الشعب الفلسطيني، بإعلان قيام دولة فلسطين أمام العالم،متوجا بذلك تضحيات شعبه ونضالاته وتتوقه للحرية والتحرر". الذي جاء كثمرة من ثمار نضالنا الفلسطيني وثورتنا المسلحة وانتفاضتنا الشعبية المُعمدة بدماء شهدائنا الأكرم منا جميعاً،وتضحيات أسرانا وجرحانا البواسل .
ومنذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة الراهنة لم يتجسد حلم شعبنا الفلسطيني ولا قادة فلسطين التاريخيين بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف،بل ان غالبيتهم رحلوا قبل تحقيق هذا الحلم،وما زال شعبنا يدفع قوافل الشهداء والجرحى والأسرى في إطار سعيه لتحقيق هذا الحلم،ونحن نشعر ان هذا الحلم في المدى المنظور أبعد من ان يتحقق،وبغض النظر عن ما أعقب ذلك الإعلان من ظروف مجافية موضوعية وذاتية،والخلاف في الإجتهاد حول الإستثمار السياسي لنتائج الإنتفاضة الفلسطينية ،إنتفاضة الحجر الفلسطيني،التي اعادت القضية الفلسطينية ومأساة شعبنا الى موقعها وحجمها الطبيعي على الخارطتين الدولية والعربية،فإن الهزيمة العربية الناتجة عن تدمير العراق قبل إحتلاله وإنهيار دول المعسكر الشيوعي وفي المقدمة منها الإتحاد السوفياتي سابقاً كحاضنة عالمية لمشروعنا الوطني،وإنهيار البرجوازية العربية الوطنية مشروعاً وقيادة،هي من العوامل الهامة التي دفعت بنا كعرب وفلسطينيين الى مؤتمر مدريد،وصولاً الى هزيمة اوسلو،ذلك الإتفاق الذي قسم الشعب والوطن،والذي ما زال شعبنا يدفع ثمنه حتى الان،حيث الإحتلال،لم ينحسر او يتراجع عن ارضنا الفلسطينية،بل ازداد تغولاً ،فالإستيطان منذ اوسلو يتضاعف بأرقام قياسية،والقدس تتعرض لحرب شاملة،يراد منها إحكام سيطرة الإحتلال الكلية عليها،وإخراجها من دائرة أية عملية تفاوضية مستقبلية.
والأقصى معرض فعلياً لمخاطر التقسيم الزماني والمكاني،ووضعنا الفلسطيني يزداد ضعفاً على ضعف،حيث بات من الواضح بأن الإنقسام بين جناحي الوطن يتعزز ويتعمق،لكي يصبح واقعاً،حيث ان طرفي الإنقسام يعظمان مصالحهما الحزبية والفئوية فوق المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني،وكذلك التدخلات الأمريكية والإسرائيلية والعربية والإقليمية الكبيرة في الشأن الفلسطيني من العوامل الكابحة والمانعة لتحقيق المصالح الفلسطينية- الفلسطينية.
ومع قيام ما يسمى بثورات الربيع العربي،والتي كنا نامل ان تشكل رافداً وداعما أساسياً لقضيتنا وشعبنا الفلسطيني،وان تدفع بإتجاه تحقيق حلمه بالدولة المستقلة والحرية والإستقلال،وجدنا أن تلك "الثورات" حرفت عن اهدافها ليجري استثمارها ضد مصالح الشعوب العربية وتطلعاتها،ولتكون جزءا من مشروع معاد يجري تنفيذه بحق الأمة العربية،مشروع الفوضى الخلاقة وانتاج سايكس – بيكو جديد،يقوم على تجزئة وتقسيم وتذرير وتفكيك الجغرافيا العربية وإعادة تركيبها على أسس طائفية ومذهبية وفق الثروات وليس الجغرافيا،وتحويل دولها المركزية الثلاث المركزية،العراق وسوريا ومصر الى دولة فاشلة،وبما يمكن من إبقاء دولة الإحتلال الإسرائيلي شرطي المنطقة القامع لأي حركة تحرر او نهوض عربي ساعية نحو الوحدة والحرية.
وحالة الضعف العربي هذه،شجعت القوى المعادية وفي المقدمة منها اسرائيل وامريكا وبالتعاون مع مشيخات النفط العربي لممارسة ضغوطها على الجانب الفلسطيني،من اجل العودة الى مسلسل المفاوضات العبثية، التي لا يتوقع منها ان تنتج شيئاً مفيداً لشعبنا الفلسطيني،او تلبي الحد الأدنى من حقوقه المشروع بإقامة دولة فلسطينية على 22% من مساحة فلسطين التاريخية،بل مفاوضات يستغلها الإحتلال في تكريس وقائع وحقائق جديدة على الأرض في تصعيد لحربه ضد شعبنا الفلسطيني وكل مقومات وتجليات وجوده،ومتوقع لهذه الحرب ان تتصاعد مع عودة المتطرف ليبرمان الى وزارة الخارجية الإسرائيلية.
الآن بات من الملح والضروري في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات وتغيرات،تطورات وتغيرات نتج عنها بداية تراجع وهزيمة المشروع الأمريكي في المنطقة،حيث تراجع العدوان على سوريا وانحسر دور القوى الظلامية والتكفيرية والإرهابية،وهناك إنفراج في العلاقات الإيرانية- الأمريكية،إنفراجات تقر لإيران بدورها ونفوذها في المنطقة،وكذلك سقوط مشروع الإخوان في مصر،كمقدمة لهزيمة وإنهيار هذا المشروع على المستويين العربي والإسلامي،وعودة روسيا بقوة إلى الساحة الدولية،هي والصين ودول البركس،بما يفقد امريكا دورها القائد والوحيد كشرطي لهذا العالم،بما يؤدي الى تحولات إستراتيجية في المنطقة،ينتج عنها تحالفات وادوار جديدة في المنطقة،تطورات وتغيرات إذا ما أحسن الطرف الفلسطيني قراءتها،وعمل بشكل جدي على ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي،عبر وضع حد لظاهرة الإنقسام المدمرة،كواحدة من العوامل المركزية في حالة الضعف الفلسطيني،وإعادة اللحمة والوحدة للقرار والمؤسسة الفلسطينية،وبنى استراتيجية فلسطينية موحدة وبديلة تلتف حولها كل ألوان الطيف السياسي والمجتمعي الفلسطيني،كبديل لإستراتيجية المفاوضات العبثية،مع اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني.
عندها سنصبح قريبين من تحقيق حلم شعبنا الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف،وبدون ذلك ومع الذكرى الخامسة والعشرين لإعلان الإستقلال،فإن حلمنا سيبقى بعيد التحقيق،وستستمر حالة الإنقسام المدمرة في التعمق،ولتصبح واقعاً قائماً.
لا يوم عمران حضري عالمي للمقدسيين!!
بقلم: المحامي إبراهيم شعبان – القدس
احتفل العالم المتحضر المتمدن بعامة والهندسي بخاصة في الأيام القليلة الماضية بيوم العمران الحضري العالمي، أما الفلسطيني المقدسي الذي عمر بيتا ليأوي إليه ويغدو له موئلا، فقد هدمه بكلتا يديه. وغدا يوم العمران العالمي الذي يشرق حضارة وسكنا لا ئقا كريما، يوم هدم وتخريب له لأنه فلسطيني مقدسي مسكون بالقدس وساكن فيها.
أصابني هذا الإحتفال بيوم العمران العالمي بألم شديد وغصة وحرقة، لا حسدا ولا غيرة للغير وإنما افتقاد وترجمة لهذا اليوم في رحاب القدس إلى تخطيط وبناء وتشييد وعمران. آلمتني بل أبكتني وأقضت مضجعي تلك الخطط الإسرائيلية القائمة والمستمرة منذ عام 1967، لمنع العمران الفلسطيني المقدسي العربي، بل تدمير كل ما هو عربي وفلسطيني في القدس العربية إلى الأبد المحتلة مؤقتا.
كيف يمكن أن يحتفل المقدسيون الفلسطينيون بيوم العمران العالمي في وقت سيطرت فيه عقيدة وآيدولوجيا ابتلاع الأرض الفلسطينية وقضمها من قبل السياسيين الإسرائيليين كافة على اختلاف مذاهبهم، وتوجهاتهم اليمينية واليسارية، متشددين أو معتدلين، رجال بلدية أم وزراء للداخلية أم رؤساء حكومات أم مفكرين وسياسيين. تماما كما حصل بعد عام 1948
حينما تم احتلال القدس العربية عام 1967، بادر المحتل الإسرائيلي إلى تمديد حدود بلدية القدس من 6.5 إلى واحد وسبعين كيلومترا مربعا، أي إلى أحد عشر ضعفا. وما لبث أن صادر واستملك أكثر من أربعين بالمائة من الأراضي التي ضمها وأقام عليها عشرات آلاف الشقق في المستوطنات الإسرائيلية الكبيرة شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، حيث أحاطت بالقدس العربية من كل جانب ومنعت المدينة العربية من التطور والتمدد والعمران. وغدا الطارىء القادم محل الأصيل وفي أرضه وعلى ترابه. ولم يعد صاحب الأرض المصادرة يملك حق البناء والعمران والسكنى عليها أو على غيرها وانضم إلى قائمة الرحل يبحث عن مغارة او كهف يأويه هو وعائلته. واستعمل ذات الآلية الإسرائيلية التي استعملها مع عرب 1948 للإستملاك والمصادرة لأراضي المقدسيين الفلسطينيين العرب.
السؤال الحائر الذي يبحث عن جواب إنساني: كيف يمكن أن يصادر حق العمران والسكنى لفرد مقدسي فلسطيني عربي ما بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه ولغته، لصالح فئة أخرى ولو كانت غازية. أليس هذا تطهيرا عرقيا وإذا لم يكن كذلك فأثبتوا ايها المحتلون أنه خلاف ذلك. وإذا خانتكم الإقتراحات، فخذوا هذا الإقتراح، وابنوا للعرب المقدسيين بيوتا ومنازل أو شققا على أراضيهم المصادرة أو المستملكة التي هم أولى بها قبل الآخرين. ولا تقدموها كرما ومنة بل بيعا وشراء. أليس هذا واجبكم القانوني الأول بموجب قانون الإحتلال الحربي، فإن لم يكن واجبكم فتوقفوا عن التنظير الإنساني وتوقفوا عن احتلالكم.
يوم العمران العالمي أثار الشجن والألم في صدري حينما أرى مناطق عدة في القدس العربية بعد ما يقارب الخمسة عقود من الإحتلال الإسرائيلي للقدس العربية لم تصبها يد العمران والتنظيم والتطوير الحضري وهي بحاجة ماسة وشديدة لها، بينما مناطق كثيرة في القدس الغربية طالتها يد التنظيم والتطوير الحضري وهي في حال أفضل كثيرا من أحياء القدس العربية. بل إن مناطق بدأ تنظيمها ما لبثت السلطات المختصة أن توقفت عن تنظيمها وسحبت خططها في هذا الشأن. وبعد كل ذلك يخرج المنظرون بان وضع المقدسيين هم أفضل حالا من إخوانهم في الدول العربية وقطعا من الضفة الغربية وقطاع غزة. وأي زائر إلى رام الله أو بيت لحم سيرى وسيتحقق أن أسوأ شارع هناك أفضل من أحسن شارع عربي في القدس العربية.
ولعل قولا لرئيس لبلدية القدس العمالي السابق تيدي كوليك من عام 1970-1994 الذي يوصف كذبا وزورا بالليبرالي المعتدل يوضح الموقف الإسرائيلي الرسمي وغير الرسمي من المقدسيين وعمرانهم في القدس العربية. لقد قال في تصريح لجريدة «معاريف» عام 1990 وعقب مجزرة الأقصى " إن رفاهية السكان المقدسيين الفلسطينيين لم تكن ضمن الإعتبارات التي تهمني، وهو أمر لم يكن أساسيا في سياسة البلدية وأنشطتها بل كان هامشيا. وأن قضية المساواة بين اليهود والعرب كلام فارغ وسيبقى العرب مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة. وأنا اقول كلاما وتصريحات للإستهلاك المحلي وللإعلام، ولا أقصد معناها ولا أنفذها. وإن جل اهتمامي هو القدس الغربية وسكانها. فلم يبن في القدس الشرقية شوارع أو مراكز ثقافية أو أرصفة أو إسكانات أو أنابيب مياه، وحينما تم بناء مجار في القسم الشرقي العربي فقد كان ذلك لتجنب اليهود وباء الكوليرا المحتمل انتشاره في القسم العربي من المدينة ". ورغم هذه التصريحات الشوفينية تجاه المقدسيين إلا أن الإسرائيليين خذلوه ولم ينتخبوه لفترة جديدة، وأتوا بإيهود أولمرت الليكودي رئيسا لبلدية القدس والذي لم يكن أفضل من سابقه.
كيف يمكن للمقدسي أن يحتفل بيوم العمران العالمي في وقت يحرم من أبسط حقوقه الإنسانية الحضرية، بينما الإسرائيلي سواء أكان فردا أو منظمة يمنح حق البناء والتشييد والعمران وفي ذات المنطقة. وآخر مثال عملي حتى لا يشوب الأمر التنظير على ذلك، ما طرحته لجنة التنظيم المحلية في بلدية القدس من خارطة هيكلية تقضي بإقامة مبنى من سبع طوابق بالقدس الشرقية قرب باب المغاربة وفي حارة وادي حلوة في سلوان، بمساحة بناء تقدر بحوالي سبعة عشر ألف متر مربع، وتحديدا ب 16491 مترا مربعا، تخيلوا بناء لا يبعد سوى عشرة أمتار عن أسوار القدس بينما من المعروف وفق أنظمة البلدية أن لا رخص بناء تمنح في منطقةأثرية أو موقع أثري ولا قرب أسوار القدس. وبالقطع فإن اللجنة المحلية أيضا لا ترخص بناء في منطقة خضراء بل ترفضه على الفور وترفض استقبال ملف الترخيص من أساسه. تخيلوا أن فلسطينيا تجرأ وقدم طلب بناء لمائة متر مربع على أرضه في ذلك الحي، الجواب واضح ولا يحتاج إلى رد. التمييز واضح وعدم المساواة في الحق في العمران والتخطيط الحضري بين المواطن الفلسطيني ومنظمات الإستيطان اليهودية، تماما كما حصل في رأس العمود والطور سابقا.
يوم العمران العالمي يوم حزين للمقدسيين الفلسطينيين، فهم أمام احتلال طويل الأجل يستخدم قوته العسكرية وصلاحيته الفعلية وأجهزته ووزاراته وبلديته لتغيير الطابع الديموغرافي والإقتصادي والإجتماعي والعمراني والإسكاني للمدينة المقدسة، فمن تخطيط طويل الأجل إن وجد وإن لم يسحب في اللحظة الأخيرة، إلى نسبة منخفضة من البناء في حدود 37.5- 50% من الأرض، إلى رسم عال للترخيص في حدود 40 ألف دولار $ للشقة الواحدة إن أمكن تأمينه. وإن تجرأ المواطن المقدسي على البناء بدون رخصة بناء إسرائيلية فقد عرض نفسه لغرامة عالية تعادل قيمة البناء ذاته وسيف الهدم البتار. ومن ثم يتهم الفلسطيني بحيازته جينات مخالفة القانون بشكل وراثي فهو مجرم بالفطرة مقابل الفرد الإسرائيلي والقانون الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية المتحضرة!!
لا مكان للمقدسي الفلسطيني العربي أن يحتفل بيوم العمران الحضري العالمي في زمن طال فيه الإحتلال الإسرائيلي وامتد. ورغم ذلك فالمقدسيون في زهرة المدائن منزرعون كالشجر فيها قائمون كالطود فيها. وإذا لم يحتفلوا هذا العام بيوم العمران العالمي فإن غدا لناظره لقريب.
2 + 2 : يعيد رسم خارطة الشرق الأوسط
بقلم: رجب أبو سرية – الايام
لا تبدو بأي حال من الأحوال زيارة وزيري خارجية ودفاع روسيا للقاهرة، عادية أبداً، وقبل أن يلتقي وزراء خارجية ودفاع البلدين وقبل أن يعلنوا عما جرى في اللقاءات، ولا عما اتفق عليه البلدان، فإن الزيارة بحد ذاتها مهمة جداً، لكلا البلدين وربما تحدد، الى درجة بعيدة مستقبل التحالفات السياسية ذات الطابع الدولي في المنطقة، التي لا تزال تشهد عدم استقرار ليس على صعيد أنظمة الحكم، الناجم عن الحراكات الشعبية في أكثر من بلد عربي وحسب، ولكن على صعيد الترتيبات الإقليمية، وحجم أو وزن التواجد والنفوذ الإقليمي للدول الكبرى على الصعيد الكوني.
اللقاء الأهم هو الذي سيجمع الوزراء الأربعة معاً، لأنه سيربط بين ما هو سياسي وما هو عسكري، خاصة وأن اللقاء الذي اصطلح عليه إعلامياً بأنه سيكون لقاء 2+2 ضم عن الجانب المصري رجل مصر القوي الآن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، ولأن اللقاء سينجم عنه، كما أعلن على نطاق واسع عن اتفاق روسي / مصري يتم بموجبه تزويد روسيا مصر بمعدات عسكرية متطورة، تشمل أسلحة جديدة، كذلك تحديث الأسلحة المصرية روسية الصنع القديمة والتي كان قد تسلح بها الجيش المصري منذ عقود خلت.
وتبدو أهمية الصفقة ببعديها السياسي، حيث إنها وإن لم تعن ان مصر قد عادت للتحالف مع الشرق، وانها تعيد البوصلة التي حادت عن موقع مصر إبان عبد الناصر، منذ عام 72، حين بدأت بالتحول التدريجي تجاه الغرب وأميركا، سياسيا، ومن ثم عسكريا، فإنها، على الأقل، وكما يعلن القادة المصريون أنفسهم، تهدف الى خلق حالة من التوازن تؤهل مصر لمزيد من " الاستقلال " وعدم الارتهان لمحور دولي دون غيره، بما يذكر بأجواء أوائل خمسينيات القرن الماضي، حين سعت ثورة التحرر المصرية بقيادة جمال عبد الناصر، الى خلق محور ثالث بين المعسكرين، الغربي والشرقي، والذي نجم عنه ما سمي حينها، بعد مؤتمر باندونج، تحالف دول عدم الانحياز، والذي لعب دورا في استقلال عشرات الدول التي كانت مستعمرة للغرب خلال أواسط القرن الماضي.
ما أشبه اليوم بالبارحة، ففي التفاصيل، يبدو أن الدافع وراء توجه مصر الى روسيا، ومن قبلها كانت القاهرة قد توجهت الى الصين أيضا في وقت سابق من هذا العام، لخلق حالة من التوازن التي كانت مفقودة خلال الحكم السابق، منذ كامب ديفيد، وحتى إسقاط حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، يبدو أن الدافع كان قرار واشنطن بتعليق المساعدات العسكرية لمصر، كما سبق وفعلت الولايات المتحدة في النصف الأول من عقد خمسينيات القرن الماضي حين امتنعت عن تمويل السد العالي، ومنعت أسباب القوة عن طموح عبد الناصر ببناء جيش قوي، فكان ان عقد صفقة الأسلحة مع التشيك، ثم كان ان لجأ الى " الاتحاد السوفياتي" وريث روسيا الحالية لتمويل بناء السد.
قيمة الصفقة العسكرية التي تبلغ أربعة مليارات دولار، تشير الى أنها صفقة حاسمة ومهمة للغاية، سيكون من شأنها أن تعيد الاعتبار لأكبر وأقوى جيش في المنطقة، بما يعيد لمصر مكانتها الأقليمية، ويفشل المخطط الغربي بتحويل الجيش المصري، كما الجيوش العربية الأخرى ( العراق، سورية، وليبيا ) من جيش يدافع عن الوطن وعن المصالح القومية المصرية والعربية الى قوات أمن تقمع طموحات المواطنين بالتحرر والحرية، لذا فان فرائص إسرائيل بدأت ترتعد، ولذا سارع نتنياهو الى طلب زيارة موسكو في العشرين من الجاري، في محاولة لثني بوتين عن إتمام الصفقة.
هناك بعد آخر ينطوي على أهمية بالغة _ برأينا _ وهو الدور السعودي في الصفقة، حيث أن الرياض والتي بدورها، فكرت في التوجه لروسيا قبل سنوات، عند زيارة ولي العهد الراحل سلطان بن عبد العزيز لموسكو، والتي يقال ايضا أنها قد أودعت لدى باكستان، مفاعل نووية خاصة بها، للرد على احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي، إضافة الى امتلاك إسرائيل الفعلي للسلاح منذ عقود، حيث انه حين واجهت الصفقة مشكلة قدرة مصر على تسديد قيمتها المالية، رغم التسهيلات الروسية، من خلال تحولها الى قرض يسدد على دفعات ومن خلال تبادل تجاري، أعلن أن الرياض ستقوم بسداد قيمة الصفقة.
طبعا يتعاظم التحدي المصري / السعودي للإدارة الأميركية، بعد أن نجح الطرفان أولا بإسقاط حليف أميركا الجديد في المنطقة والذي كانت قد سوقته قطر، نقصد حكم الإخوان المسلمين، كانت الصفعة التالية، متمثلة برفض السعودية عضوية مجلس الأمن، بسبب اقدام واشنطن على بيع الموقف في سورية لإيران، وردا على التقارب المتزايد بين واشنطن وطهران.
بذلك فأن البعد الإقليمي الذي كان غائباً عن أجندات ثورات الربيع العربي، بدأ في التحقق بعد ثورة 30 يونيو، وهذا يكشف الى أي مدى كانت واشنطن وحلفاؤها الإقليميون الجدد ( قطر، تركيا والأخوان)، قد حاولوا أن يشكلوا المنطقة وفق أهوائهم، وامتطاء ظهور الجماهير العربية التواقة للتحرر والحرية، لكن من الواضح ان الشعوب العربية، وفي المقدمة الشعب المصري قد قلب لهم ظهر المجن، وأعاد الأمور الى نصابها، وليس بعيدا ان يتواصل حراك المنطقة وتفاعلها، على طريق طي ملفات عديدة كانت عناوين لقهر الشعوب العربية، في مقدمتها، القضية الفلسطينية، والوحدة العربية.
تجليس الهرم على رأسه
بقلم : محمد ياغي- الايام
في حزيران 2002 وقف جورج بوش الابن في حديقة البيت الأبيض لُيكيل الاتهامات للرئيس الراحل عرفات متهماً إياه بالفساد وتشجيع الإرهاب، ومطالباً في الوقت نفسه، بتقليص صلاحياته ونقلها لرئيس وزراء، وهو منصب لم يكن موجوداً وقتها في السلطة، وبالعمل على بناء مؤسسات السلطة بحيث تعكس من جهة قدرة السلطة على إدارة الدولة عندما يأتي وقتها، والتزام السلطة بالديمقراطية كنظام سياسي للحكم.
القوى العالمية تحركت لتنفيذ الأجندة الجديدة، وانهالت الضغوط دوليا وإقليميا وفلسطينيا على الراحل عرفات للقبول بما طالب به سيد البيت الأبيض. الضغوط نجحت في استحداث منصب رئيس الوزراء، والعمل على بناء المؤسسات تم بقيادة خبراء عالميين في الأمن والمال والقضاء، وصرفت عليها مئات الملايين إن لم تكن البلايين من الدولارات.
أدى مشروع بوش الابن الى ثلاث علامات فارقة في التاريخ الفلسطيني: مقتل الرئيس عرفات لأن وجوده لم يكن عاملاً مساعداً على بناء مؤسسات الدولة.. انفصال غزة عن الضفة لأن بناء المؤسسات لا يحتمل وجود "حماس" على رأس السلطة.. وتأبيد للمفاوضات كشكل وحيد للنضال الفلسطيني لأن بناء المؤسسات لا يتوافق مع أشكال أخرى من الكفاح الوطني.
ولكن بناء المؤسسات بعد عشر سنوات على بدئها ورغم كل الخسائر الجسيمة التي صاحبتها لم تؤد الى الهدف التي من أجلها، تجرع الفلسطينيون كأس السم بقبول الكوارث التي صاحبتها، وهو نهاية الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وما كان لها نظرياً ان تؤدي الى إنهاء الاحتلال. كل من قرأ تجارب حركات التحرر الوطني في العالم يدرك بأن المؤسسات تبنى بعد نهاية الاحتلال وليس قبله لأن وجودها قبل نهاية الاحتلال يقزم من خيارات الحركة الوطنية في مواجهة الاحتلال.. وكل من يدرس العلوم الاجتماعية يعلم بأن "الديمقراطية" هي نظام سياسي لدولة قائمة.. الشعوب التي تحت الاحتلال لا يمكنها بناء مؤسسات ديمقراطية لأنها لا تسيطر على حدودها وعلى اقتصادها، وعلى حركتها.
الحقيقة أن الفلسطينيين حاربوا ثمانية وعشرين عاماً (1965-1993) ليصلوا الى المفاوضات المباشرة ( أوسلو).. وفاوضوا عشرين عاماً (1993-2013) تحت وهم أن تحقيق الأمن لإسرائيل سيقنع قادتها برد الجميل للسلطة الفلسطينية بإنهاء الاحتلال. تحقيق الأمن لإسرائيل أكد لقادتها حقيقة واحدة فقط: أن لا داعي للخوف من ردة فعل الفلسطينيين على الجرائم التي ترتكب بحقهم لأنهم أصبحوا أسرى للمفاوضات التي لم يعد بمقدورهم الفكاك منها لأسباب بنيوية.
في العشرين سنة الأخيرة لم تؤد مهزلة بناء المؤسسات إلا الى تدجين الحركة الوطنية الفلسطينية وإشغال قادتها ونشطائها بالمناصب، والامتيازات، ومشاريع العلاقات العامة الكاذبة، والاهم بالطبع هو تحويل مئات الآلاف من الفلسطينيين الى أسرى لمرتباتهم الشهرية وعشرات الآلاف غيرهم الى أسرى الى تصاريح العمل المعمدة بالذل في مكاتب الارتباط الإسرائيلية.
وحده عرفات أدرك حقيقة الفخ التي أوقع نفسه فيه العام 1993 عندما قبل بأوسلو وحاول معالجة خطئه بالتحريض على الانتفاضة الثانية، بل وبقيادتها فعلياً، لكنه أيضاً ولأسباب تتعلق بشخصيته الفريدة لم يدفع الى إسقاط أوسلو معتقداً بأن إيصال أوسلو الى حافة الانهيار قد يدفع إسرائيل الى تقديم التنازلات وإنهاء الاحتلال.. لكن ما جرى بعدها يكشف بأن الراحل كان مخطئاً وأن الطريق لإنهاء الاحتلال كان يكمن في تعميق الأزمة أكثر وأكبر والدفع بها الى نهايات لا تريدها إسرائيل ومنها إعلان الطلاق الرسمي مع المفاوضات، وتحويل مؤسسات السلطة الى مؤسسات بلدية تهتم فقط بالتعليم والصحة والزراعة، وحل ما تبقى من مؤسسات تابعة لها، وإعادة القضية الى منظمة التحرير.
لأن عرفات حاول الجمع بين الحفاظ على السلطة بمؤسساتها وبين المقاومة، أمكن الإطاحة به والاحتفاظ بمؤسسات أصبح المشروع الوطني أسيراً لها ويهدف الى خدمتها وإعطائها الحياة بدلاً من أن تكون هي في خدمة المشروع الوطني.
بلغة اخرى، مشروع بناء المؤسسات استهدف تجليس الهرم على رأسه عبر خلق ما هو أهم من مشروع التحرر ينشغل الجميع به ويضيق مساحة خيارات المشروع الوطني، والأهم أن التفكير في إزالة الاحتلال أصبح من خلال مؤسسات تعتمد على الاحتلال في عملها اليومي. كيف يمكن مثلا لوزارة المالية العمل إن لم تستلم المبالغ المالية التي تحول لها شهريا من إسرائيل.. وكيف يمكن لوزارة الشؤون المدنية العمل إن لم تنسق مع إسرائيل لاستلام تصاريح المرور داخل فلسطين.. وكيف يمكن لوزارة الاقتصاد العمل بدون مرور ما تستورده عبر دائرة المقاييس والمواصفات الإسرائيلية.. وكيف يمكن للأمن الفلسطيني أن يعمل وان يحمل السلاح ويفتح السجون إن لم يكن الهدف الحفاظ على أمن الدولة المحتلة.. وقِسْ على ذلك ما تبقى من مؤسسات.
الهرم يجلس على رأسه لأن هذه المؤسسات تحدد خيارات الشعب الفلسطيني في كفاحه بدلاً من ان تكون داعمة لهذا الكفاح.. وهي مسألة بنيوية سببها بناء المؤسسات قبل بناء الدولة. المشكلة بالطبع تكمن في عدم القدرة على الاحتفاظ بتوازن هرم لا يجلس على قاعدته لوقت طويل. لكن بالنسبة لإسرائيل لا توجد مشكلة طالما أن الهرم لا يزال قادراً على الصمود. الوقت يعطيها القدرة على ترسيخ واقع على الأرض يحتاج الى اكثر من حركة وطنية فلسطينية لإنهائه. او لعلنا نقول بصراحة يحتاج الى تحالف بين حركات وطنية فلسطينية وعربية لإنهائه.. وهي مسألة قد تبدو بعيدة الآن، لكن الواقع الإقليمي العربي يفاجئ الجميع دائما. علينا فقط أن نتذكر بأن إسرائيل نفسها لم تتصور أنها ستصل الى يوم يهزها من أعماقها تنظيم صغير مثل حزب الله وهي التي انتصرت على ثلاثة حيوش عربية في ست ساعات!
ما الذي تريده أميركا من إيران وسورية؟
بقلم: هاني عوكل – الايام
تتمتع منطقة الشرق الأوسط باهتمام بالغ لدى القوى الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية التي لديها مصالح استراتيجية هناك، وتربطها علاقات قوية مع العديد من دول المنطقة، لكن لا أحد ينكر أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الملفات بما ينسجم ومصالحها وأولوياتها.
قبل عدة أيام كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري في جولة لعدد من الدول العربية، زار أثناءها رام الله والقدس الغربية، والتقى بالرئيس محمود عباس ومن ثم برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وأعلن من هناك أن الاستيطان غير شرعي.
كيري طار بعدها إلى عمان، وإلى جانب نظيره الأردني صرح عن قرب تحديد موعد عقد جنيف 2، رابطاً ذلك بما سيتمخض عن اجتماع المعارضة السورية الذي عقد في تركيا وتناول فضلاً عن موضوع المشاركة من العدم في المؤتمر الدولي، تشكيل حكومة كفاءات تدير ما يسمى المناطق السورية المحررة.
بعد ذلك وفجأة سمعنا عن اجتماع بين مجموعة 5+1 وإيران، حول إمكانية تخفيف العقوبات المفروضة على طهران، مقابل الحد من نشاطاتها النووية، وكان المجتمعون قريبين من التوصل إلى اتفاق وشيك، لولا ما قيل عن أن تدخلاً فرنسياً في الأوقات الأخيرة عرقل إنجاح الاتفاق.
المغزى من شرح هذا التفصيل في جولة كيري، هو أن الإدارة الأميركية لديها أولويات تخص مصالحها وأجندتها في المنطقة، فحين كان ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي مهماً بالنسبة لها، دخلت ملفات أخرى أكثر أهمية وحيوية بالنسبة للأميركيين، من ضمنها الملف النووي الإيراني وأزمة الصراع السوري.
قبل الملف النووي وأهميته الفائقة، كان الملف السوري يطغى على ملفات كثيرة، خصوصاً حين تعلق الأمر بالسلاح الكيماوي السوري، ذلك أن الولايات المتحدة ترغب بقوة في تأمين حليفها الإسرائيلي، وفي ذات الوقت سحب القوة من تحت البساط السوري ووضعه في بؤرة صراع واقتتال داخلي يطحنه.
أكثر ما يقلق الأميركيين الآن، هو الملف النووي الإيراني، ويبدو أنهم يسعون للعب على حبلين، الأول محاولة إما الاتفاق مع طهران ويشمل ذلك تخفيف العقوبات عليها وتأكيد ضمانات تتصل بعدم سعيها امتلاك قنبلة نووية، أو تغليظ العقوبات وخنق إيران أكثر وأكثر لمنعها من امتلاك هذا السلاح.
الحكومة الإيرانية كانت قد قدمت مؤشرات تستهدف عدم ممانعتها من التقارب مع الغرب، الأمر الذي يعني أنها فعلاً مضغوطة بسبب العقوبات الاقتصادية القوية المفروضة عليها قبل أكثر من عام، من جانب الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
مع ذلك، فإن هذه المؤشرات لم تحقق اتفاقاً يخفف العقوبات على طهران، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالموقف الأميركي، والحديث هنا عن موقف مرتبك من طريقة التعامل مع الملف النووي الإيراني، ذلك أن هناك خلاف بائن بين أركان الإدارة الأميركية والكونجرس في كيفية التعامل مع هذا الملف.
ثمة من يحمل الأميركان مسؤولية عدم الاتفاق مع طهران، ويعتبر هذا الرأي أن الموقف الفرنسي لا يمكنه أن يرفض ما يقبله الأميركي، اللهم أن هذا الأخير ربما وضع الفرنسيين في الواجهة، حتى يمكنه العودة إلى دائرة القرار في واشنطن، والاتفاق على صياغة قرار حاسم، إما الاتفاق أو عدم ذلك.
نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، دخل على خط هذه المفاوضات، وأطلق سهامه وتحذيراته من أن مثل هذه الاتفاق سيكون كارثياً على العالم، على اعتبار أن إيران لن تتوقف عن بناء سلاح نووي فاعل ورادع، وعلى الفور بدأت الحكومة الإسرائيلية تفكر جدياً كيف ترسل طاقمها لحشد حملة في أميركا، هدفها عدم الاتفاق مع طهران.
على الأرجح أن الأميركان استمعوا إلى صوت نتنياهو، وإلى أصوات المعارضين في اللوبي الصهيوني وفي مختلف دوائر القرار الأميركي، الأمر الذي جعل كيري يبذل جهداً إضافياً لتزكية موقفه بشأن قبول اتفاق لا يضمن لإيران الحوزة على سلاح نووي.
إذن هناك ارتباك واضح لدى الأميركيين في التعامل مع الملف النووي الإيراني، لكن وفي كل الأحوال من المستبعد جداً أن تسعى الإدارة الأميركية إلى الموافقة على المطلب الإسرائيلي بضرورة شن ضربة عسكرية إلى مواقع ومنشآت نووية في إيران.
إن الولايات المتحدة تدرك مدى أهمية الحل السياسي على حساب توجيه أي ضربة عسكرية لطهران، لكن الخلاف هو كيف يكون الحل السياسي، وهذا الموقف شبيه إلى حد كبير في طريقة التعامل الأميركي مع الملف السوري.
تريد الولايات المتحدة الأميركية بالوسائل الدبلوماسية والسياسية أن تبقى إيران عند مستوى استخدام اليورانيوم في أغراض سلمية، ويعتقد شخص مثل أوباما وكيري، أن اتفاقاً مع طهران، قد يؤدي بحال من الأحوال إلى إنجاح المسعى الأميركي.
لكن مثلما يوجد جناح حمائمي في صناعة القرار الأميركي، هناك أيضاً جناح صقوري، وهذا الأخير يتفق مع الإسرائيليين على أن العقوبات القاسية إلى جانب توجيه ضربة قوية إلى المنشآت النووية الإيرانية، وحدها تمنع طهران من امتلاك القنبلة النووية.
على كل حال، سيبقى المسعى السلمي هو عنوان سياسة الإدارة الأميركية بخصوص الملف النووي الإيراني، وهذا ينطبق أيضاً على الملف السوري، الذي ارتاحت الولايات المتحدة حين تقدم الروس بمبادرة لنزع السلاح الكيماوي السوري.
لقد حصلت الولايات المتحدة على ما تريده من سورية تقريباً، وهو التأكد من خضوعها إلى قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، يلزمها بتدمير سلاحها الكيماوي، والنظام السوري يقدم كافة التسهيلات والدعم الكاملين لإنجاح مهمة المفتشين الدوليين.
لكن لم تحدد الولايات المتحدة ما الذي تريده من الملف السوري بالضبط، ذلك أنها اتفقت مع روسيا على ضرورة عقد جنيف 2، وسعت في معظم الوقت للضغط على المعارضة من أجل إشراكها في هذا المؤتمر الدولي، وفي اجتماع أصدقاء سورية الذي عقد في لندن قبل أكثر من شهر، اشترطت إلى جانب المجتمعين تشكيل حكومة انتقالية سورية يغيب عنها الرئيس بشار الأسد.
والآن نسمع أن الولايات المتحدة ترحب بما تمخض عن اجتماع الائتلاف السوري المعارض الذي عقد في تركيا منذ أسبوع، وموافقته على المشاركة في جنيف 2، لكنها أي الولايات المتحدة، لم تقل حرفياً أي شي له علاقة بموقفها من الحكومة الانتقالية المستقبلية التي تريدها المعارضة السورية.
نعم هناك ارتباك أميركي وموقف غير واضح تجاه الملفين الإيراني والسوري، وعلى الأرجح أنه إما تعبير عن الخلافات الداخلية في كيفية التعامل مع هذين الملفين، أو أنه انعكاس لخلافات دولية وإقليمية، أو أن الولايات المتحدة قررت استحداث سياسة جديدة تقوم على التعويم وعدم اليقين في مرحلة يسودها التوتر.
الاستيطان مجدداً!
بقلم: سميح شبيب – الايام
استئناف المفاوضات - الاسرائيلية، جاء على أساس اعطاء فرصة لمحاولة جديدة، في مسار مفاوضات طال امدها، دون اعطاء نتائج محددة او ملموسة، السبب الحقيقي والاساسي الذي حال دون ذلك، هو تواصل العمل الاستيطاني، والاستيلاء على المزيد من الارض الفلسطينية، ما هدد مشروع السلام برمته، وفرز وقائع تحول دون اقامة دولة فلسطينية.
توقفت المفاوضات لمدة تزيد على عام ونصف، وتم استئنافها بجهد اميركي - اوروبي - عربي، واستجاب الطرف الفلسطيني لتلك الرغبة، على اساس اعطاء فرصة، قد تكون الاخيرة، لمحاولة التوصل الى اتفاق شامل - عادل، يكفل تحقيق الاهداف الوطنية الفلسطينية، في اقامة الدولة، ذات السيادة، على كافة الارض التي سبق لاسرائيل، وأن احتلتها في الخامس من حزيران ١٩٦٧.
بدأ الجانب الاسرائيلي، في التهرب منذ بدئها، أكان على صعيد، الحدود، او تحديد المرجعيات الدولية، او خلاف ذلك، والاخطر من كل ذلك، كان واضحا للجميع، بأن استخدام سلاح الاستيطان، والاستمرار فيه، كأحد الاسلحة المعتمدة لديه، لتدمير مسار المفاوضات الجارية، وجاء هذه المرة، تحدياً للارادة الوطنية، والاميركية خاصة.
أعلن الجانب الفلسطيني من جهته، بأن تواصل الاستيطان يتناقض مع اي جهد جدي، للتوصل الى اتفاق سلام، وبأن اعلان العطاءات الاستيطانية، في المواقيت التي يعلن عنها، هدفه ضرب عملية السلام، واحباط الجهود الاميركية بشأن دفعها وتقدمها، ووفقاً لذلك، اعلن الرئيس محمود عباس (ابو مازن) بوضوح، بأن استمرار المشاريع الاستيطانية، سيستدعي وقفها، واعتبارها عبثا واضاعة للوقت، وبالتالي فإن وقفها، سيكون اجدى من تواصلها، جاء كلام الرئيس محمود عباس، كلاما جديا للغاية، والتوجه للأمم المتحدة، ومؤسساتها هو كلام جدي للغاية.
مارست الولايات المتحدة، ضغطاً ملحوظاً على اسرائيل، لوقف المشاريع الاستيطانية الاخيرة، وكان من الطبيعي ان تستجيب اسرائيل لذلك، اعطت هذه الخطوة، اشارة واضحة، لا تقبل الجدل، بأن الولايات المتحدة، قادرة على الضغط على اسرائيل - ان هي ارادت - وهنالك شواهد في التاريخ، ما يكفي للتأكيد على هذه الحقيقة.
الآن، اصبحت الامور، اكثر وضوحا وجلاءً، وبات المشهد الاقليمي والدولي، يوحي، بأنه وفي حال تفجير اسرائيل لتلك المفاوضات، ولديها من الاسباب، ما يكفي لذلك، فإن ملامح مرحلة جديدة بدأت ترتسم في الأفق القريب.
مرحلة، ستلعب فيها دولة فلسطين، دوراً مشهوداً وستكون قادرة فعلاً، على اعادة طرح القضية الفلسطينية مجدداً على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفتح الباب على مصراعيه، لدور دولي فاعل في حل قضية، طال أمد ازمتها، بفعل سياسات اسرائيلية، مبنية على العدوان والتوسع والعنصرية.
حين يبيع المثقف "إسمنتاً" للجدار!؟
بقلم: فاروق وادي – الايام
ليست الخيانة وجهة نظر. وليس "التطبيع الثقافي" مع العدو نوعاً من حريّة الرأي والعقيدة. حتى الحديث عن "مواقف وسطيّة" تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يبقى هراء وتضليلا، حين يصدر لا عن مثقف عربي وحسب، بل عن المثقف بشكل عام.
فليس من الحكمة والموضوعيّة الإمساك بالعصا من وسطها إزاء ظلم تاريخي واقع على شعب من الشعوب.
فلا موقف وسطاً بين الظالم والمظلوم، المُضطهِد والمضطهَد، السّارق وطناً والمسروق، القاتل والقتيل.
فأنت إن لم تكن مع الطرف الثاني دائماً، فإنك لا تخرج عن شريعة الثقافة والفن وجوهرهما فحسب، وإنما عن شريعة الإنسانيّة بأسرها.
لا تهمنا العودة إلى قرارات مكتب المقاطعة العربيّة لإسرائيل والاتكاء على عصاها المحدودبة بالغة الهشاشة، لنحاكم من خلالها مثقفاً ومبدعاً تخلى عن الاشتباك مع عدوه ومحتل أرضه، ليتشبث بوجهة نظرٍ بائسة تعتبر الرّقص مع قاهره مجرّد ممارسة حرّة في ساحات الرأي والرأي الآخر.
فما يهمنا هو أن يكون المثقف محصناً من الداخل، بوعيه وقناعاته الراسخة وأخلاقه كمثقف من واجبه الالتزام بقضايا المظلوم والانحياز له.
هل تحتاج "الصدمة" التي تسبب بها المخرج اللبناني زياد دويري، الذي أقام عاماً في تل أبيب لتصوير فيلمه هناك، إلى إعادة تأكيد المؤكّد. ربما. وربما نعيد تكرار حديث الثوابت غير مرّة، لأن "الصدمة" سوف تتكرر طالما أن ثقافتنا حبلى بكلّ مهيِّئات السقوط!
لا نهدف في هذه المداخلة لقراءة فيلم "الصّدمة"، لأن قرار المنع (الذي نرفضه بشدّة من حيث المبدأ) حال دون مشاهدته.
ولا نرغب في التطرُّق لرواية الجزائري ياسمينة خضرا، بالعنوان نفسه، التي استند إليها الفيلم وتناولت جانباً من قضيّة الصراع العربي الإسرائيلي، ولكننا نكتفي بإشارة كاتبها (وفق مصدر صحافي فرنسي أشار إليه صديقنا الجزائري ياسين تملالي)، إلى اعتباره هذا الصراع، بالنصّ، هو مجرّد "سوء تفاهم"!
من هنا، قد نفهم دافع زياد دويري لاختيار هذه الرواية تحديداً.
***
في فيلمه البديع، "بيروت الغربيّة"، كنّا نستطيع أن نتفهّم الموقف الوسطي للدويري، فهو لم يقف مع طرف ضدّ آخر من أطراف الحرب الأهليّة التي شطرت بيروت إلى شرق وغرب، ولكنه وقف بمبدئيّة ضدّ حرب الأخوة نفسها.
الكلّ في مثل ذلك الصراع مدان، كون الوطن والمواطن هما الضحيّة.
لكن الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم ينشأ عن "سوء تفاهم"، وإنما عن غزو أرض وطرد أهلها واحتلالها وإحلال آخرين جاءوا من شتّى أصقاع الأرض، مكانهم، وتهديد الكيان الجديد لكلّ من حوله.
بمعنى أن القضيّة لم تعد قضيّة فلسطين وحدها، بل مسألة هذا الوجود الغريب الذي يشكِّل قاعدة عدوانيّة استيطانية توسعيّة في المنطقة.
وكان على الفنان أن يرى ما جرّه ذلك الوجود على منطقته من ويلات.
دويري ومعه خضرا، يدفعاننا للتكرار، طالما أنهما متشبثان بمنهج قراءة تاريخ الصراع من زاوية أنه مجرّد "سوء تفاهم" زوجي بسيط، ناجم عن أن أحد طرفيّ الصراع ضرب الآخر بمنشّة من ريش النّعام!
تلك جرأة في التحليل لا تعادلها إلاّ "جرأة" زياد في الفن، التي تجعل بعض شخصياته لا تتردد في التلفظ بتلك العبارات التي توصف عادة بأنها "خادشة للحياء".
وكنّا نتفهم بموضوعيّة الدوافع الفنيّة لذلك. وحتّى عندما تلفّظ زياد، في إحدى مقابلاته بعبارات أربكت المذيعة التلفزيونيّة، في معرض حديثه عن تعرّي بطلة فيلمه الباهت "ليلى قالت" Lila Says، قلنا إنه يشبه شخصياته المتمردة على الأخلاق البورجوازيّة.
لكن خدش الحياء، بمعناه السياسي، لا الأخلاقي، جاء من سقوط المخرج في المستنقع الإسرائيلي.
ومع ذلك، فإن ما هو أسوأ من السقوط، دائماً وفي كلّ الأحوال، تبرير السقوط نفسه!
لنستمع إلى زياد دويري وهو يقول إنه لم يرتكب جريمة لتصوير فيلمه في تل أبيب، المدينة العصريّة التي أدهشته، فلم يُجهد نفسه للبحث في زواياها عن آثار البيوت العربيّة المتبقية فيها، والتي تحدّث عنها "إيلان بابه" في كتابه حول التطهير العرقي، فيما أشار إليها "ماريو أوفنبرغ" في فيلمه "فلسطين في إسرائيل".
وزياد يبرِّر التصوير هناك، بدعوى أن البديل عنها كان مستحيلاً. ناهيك عن أنه ما كان عليه أن يتخلّى عن طاقم عمله الإسرائيلي إذا ما صوّر في بيروت.
ولعلّ الأقبح من ذلك، هو أنه يبرِّر عدم إسناده دور البطولة لممثلة فلسطينيّة، بأن ثمّة مشهد تعرٍّ، فاختار إسرائيليّة لا تمانع من ذلك، طالما أن الأمر يتمّ أمام طاقم من أهلها وعشيرتها، ولن يُفرِّط الفيلم في التعاطف مع قضيتها!
أما الخطاب الجوهري الذي يحمله الفيلم، وفق زياد، فهو أنه يشكِّل (فرصتنا) لكي نقول إننا لا نصدِّر الفلافل والحمُّص! لكنه لم ير المصدرين والمسوقين اللصوص الحقيقيين، الذين سرقوا حتّى طعامنا ليصدروه لأوروبا باعتباره ضمن منتجهم الثقافي!؟
وزياد دويري، برؤيته الحليبيّة الصّافية، يقول إن فيلمه ليس مع إسرائيل أو ضدها، رغم تعاطفه مع عريها القبيح، وليس مع الفلسطينيين أو ضدّهم. وبعبارة أخرى إنه لا يتخذ جانب الإسرائيليين ولا الفلسطينيين (يا لها من قسمة ضيزى!)، رغم أن "مسحاته الباطنية" كما قال تميل للفلسطينيين. فشكراً للفنان العربي الذي لم يفرِّط بتلك المسحة الخجولة.
لكنه يعود لاحقاً ليؤكد أنه يأبى على نفسه أن يصور إسرائيل كقوّة شيطانيّة، ربما بعد أن تمكن خلال عام عاشه فيها، من رؤية أجنحتها الملائكيّة التي لا يراها إلاّ من غشي قلبه.
ومن هنا جاء إقراره بأن رد فعل الجمهور الإسرائيلي تجاه الفيلم كان إيجابياً. ولم ينتبه إلى أن هذا الجمهور يأتي إلى الصالة مسلحاً بوعيه الزائف، وبزيّ الميدان.
***
زياد دويري، صانع الأفلام، ينهي كلامه بأنه لو باع إسمنتاً لبناء الجدار، أو تعامل مع جواسيس، فهذا معناه أنه تعامل مع إسرائيل. ولكنه.. "عمِل فيلماً"!.
عمِل فيلماً؟!
يا له من استخفاف بمُنتجٍ خطير اسمه السينما، وبقدرة الثقافة على أن لا تبيع إسمنتاً لبناء جدار الفصل فحسب، ولكن لإقامة جدار أمام الوعي، وتقديم إسمنت يدعم بنية جدران كيان عنصري لم يتوقف عن العدوان يوماً، وتهديد حياتنا.. وأرضنا.. وأوطاننا.
تغريدة الصباح - ذات الحُسْنِ المُغيّب!
بقلم: عدلي صادق – الحياة
في ظهيرة بغدادية باردة، كانت جولتي المكثفة، للتعرف على مفاتن عاصمة الرشيد وبذخ فنونها الذي يغالب حزنها وحصارها آنذاك. تكاد بغداد، لا تخلو من شارع، يحتضن معرضاً دائماً لرسام، أو نادياً ثقافياً، أو ديوان ورّاق، يعرض كتباًً ويُجلّد ويجدد أخرى، وتجتمع فيه ثلاثة أجيال من الخطاطين، من أسرة واحدة. يمسك كل واحد منهم بقصبته المسنونة، يدس رأسها في الحبر الأسود، ويكتب على ورق لامع. كنت برفقة صديقي الناقد حاتم الصكر، ننتقل من مكان الى آخر بسيارته المُجهدة، التي أضْنَتها مثلما أضنت العراقيين، انسدادات الحروب وشقاءاتها!
في شارع المتنبي وسط المدينة، حيث سوقها الثقافي منذ عصر العباسيين؛ اصطحبني حاتم، وهو يعرف شغفي بالشاعر الفيلسوف أبي الطيب المتنبي، قاصداً كبير الباعة العم "أبو ربيع". ذاك ينادي على بضاعته جالساً، فيكرر بإيقاع غنائي بيتاً للمتنبي نفسه:
أعز مكان في الدنيا سرجٌ سابحٌ
وخير جليس في الزمان كتاب!
كان المتنبي يوازي بين سرج الخيل الذي لا يُمتطى - في علوّه العائم - إلا لطلب المعالي!
تُستعاد في المكان، ذكرى مواقف الشموخ في الأيام الخوالي. فقد كان الصاحب بن عباد الأصفهاني، وهو من "نوادر" الوزراء في الفضاء الفارسي؛ قد حظي بمديح خمسمئة شاعر، غير أن المتنبي دون سواه، امتنع عليه، فأرسل له "الصاحب" وكان رقيعاً في سلوكه، من يعرض عليه أن يقتسم معه ثروته مقابل قصيدة في مديحه. لكن العربي الأبي رفض العرض وقال ساخراً:" إن غُليْماً معطاءً يريد ان أزوره وأن أمدحه". وقال شعراً ما معناه، كيف يستوي مديح هذا وقد مدحنا سيف الدولة. فشتّان بين من يدير الجيوش ومن يدير الكؤوس وأوقات المجون:"ما الذي تُدار عنده المنايا، كالذي عنده تُدار الشُمول"!
دلفنا الى ناد ثقافي في حي "الكرادة". خرجنا اليه بعد زيارتنا لشقة ومعرض دائم لفنان تجريدي كانت فيه المساحة من عتبة الدار الى كل موضع فيها، مُستغّلة لعرض ما رسمته ريشة الفنان أو صنعته يداه من زجاجيات وفخاريات. ها هي ساحة النادي المعشبّة والمشذّبة، تعج بمناضد ملونة وكراسٍ، داخل المستطيل ذي الجدران المزينة بلوحات ورمزيات تراثية عراقية. أما الشجرات التي صادف وجودها قبل تهيئة المكان، فقد قُصت من جذوعها لا من جذورها، واستُغلت أسطح الجذوع لرسوم ونقوش. لا ينبعث من مكبرات الصوت، سوى المقامات العراقية، وبخاصة ما يسمونه مقام "الريست" التحريري المخصص للشعر الفصيح. على كل منضدة، يتكئ شاعر تقدم به السن، مع شاعر أو شاعرة شابة. يعرض الثاني أو الثانية، على الأول، المحاولات الأولى، ويدور الحديث حول المآخذ والثغرات. ثمة حالات حب عذري في ذلك الخضيض. كأن حاتم، أوحى لمسؤول "إذاعة" النادي، أن يصدح مطرب بقصيدة للمتنبي. كانت الأبيات تتعلق برسول للغرام، خان مهمته ووقع في حب المرسل اليها. يؤديها مطرب المقامات العراقية يوسف عمر، وقد غناها وديع الصافي فيما بعد: "ما لنا كُلنا جوٌ يا رسولُ، أنا أهوى وقلبك المَتْبولُ/ كلما عاد من بعثت اليها، غار مني وخانَ فيما يقولُ"!
يتبدى الحب في القصيدة المُغنّاة، لا ينغّص عليه انفجار. فـ "إذا خامر الهوى قلب صَبٍ، فعليه لكل عين دليلُ". ويعلل الكبير حبه للصغيرة بلسان أبي الطيب: "صَحَبتني على الفلاةِ فتاةٌ، عادة اللون عندها التبديلُ"!
كانت بغداد، قبل أن يغزوها الأميركيون، وأن تنفجر الأصوليات، المتوقعة بعدئذٍ، وترمي حممها القاتلة؛ حاضنة لجماليات أزلية، قائمة على شموخ من لا يبيع لثري فارسي، سطرا بنصف ثروته. سقى الله على أيام عز بغداد، ذات الحُسْن المُغيَّب!
القدس: الاستيطان الاسرائيلي للأرض وللعقول!!
بقلم: د. أسعد عبد الرح – الحياة
تشن الحكومة اليمينية لرئيس الوزراء الاسرائيلي (بنيامين نتنياهو) اليوم هجمة مركزة على القدس الشرقية بهدف تغيير الواقع الديموغرافي لها على نحو حاسم. بالتوازي، تسرع الدولة الصهيونية في معاقبة المقدسيين المتمسكين في البقاء على أرضهم والرافضين للخروج من المدينة، ومن ضمن ذلك محاولة احتلال وعي وذاكرة الطلبة المقدسيين، ومحاولة شطب الذاكرة والتاريخ الفلسطيني، حيث بدأت سلطات الاحتلال فعليا بعملية تهويد وتحريف للمنهاج الفلسطيني بالقدس المحتلة، واستبداله بالمنهاج الاسرائيلي، الذي يحتوي مواد تعليمية في مقدمتها نشيد اسرائيل عوضا عن النشيد الوطني الفلسطيني، وأن القدس عاصمة اسرائيل، وليست مدينة فلسطينية عربية محتلة، وأن الفلسطينيين ضيوف مؤقتون في دولة اسرائيل. لكن الأخطر من كل هذا، هو الزام الطلبة بدراسة الأساطير والخزعبلات التوراتية اليهودية، خاصة الأعياد والصلوات، والاحتفال بما يسمى "عيد الاستقلال" بدل النكبة الفلسطينية، واستبدال الهيكل المزعوم بالمسجد الأقصى المبارك.
في سياق هذه الحرب الثقافية، تعمد بلدية القدس المحتلة، الى منع بناء المدارس الجديدة، أو التوسع في الابنية المقامة حاليا، الى جانب محاولاتها المستمرة السيطرة على المدارس الخاصة، مع العلم أن قطاع التعليم في القدس يفتقر لأدنى المقومات الأساسية، والبيئة التعليمية بالمدينة سيئة للغاية. من هنا، يأتي الخوف من قيام عدة مدارس في بلدية القدس باستبدال مناهج وزارة التربية الفلسطينية بمناهج اسرائيلية ابتداء من العام الدراسي الحالي 2013. وعن هذا، يقول رئيس مركز المناهج في وزارة التربية الفلسطينية (جهاد زكارنة) إن "سلطات الاحتلال، ومن خلال وزارة المعارف الاسرائيلية، تعتدي على المنهاج الفلسطيني بشتى الطرق عبر طمس وشطب بعض العبارات التي تخص الهوية الفلسطينية بقلم أسود"!! وأضاف أن هذا "الاعتداء تطور الى طباعة الكتاب الذي تصدره وزارة التربية الفلسطينية مرة أخرى بعد ازالة الرسومات والخرائط والصور التي تشير من قريب او بعيد الى مدينة القدس وأرض فلسطين والنشيد الوطني الفلسطيني، والعبارات ذات البعد الوطني والحديث عن الشهداء والاسرى بما يشكل مخالفة قانونية واضحة بحق الوزارة صاحبة الكتاب".
في وجه المخططات والمحاولات الاسرائيلية، تواصل الفعاليات الشعبية والوطنية نضالها لافشال مخطط الاحتلال الذي يدعو للانتماء وتعزيز الصلة والولاء الى اسرائيل والاعتراف بها "كدولة يهودية". واذا كان على المقدسيين خاصة، والفلسطينيين عامة، مقاومة مثل هذه التوجهات الخطيرة التي لا تخدم الا مصالح الدولة الصهيونية وسياستها التهويدية، فان على العرب والمسلمين ان يوفروا لمدارس القدس كافة جميع وسائل الدعم المادية والبنيوية بما يمكنهم من تخطي جميع العراقيل التي تضعها بلدية الاحتلال أمامها ويحول بينها وبين الاندفاع وراء مغريات سلطات الاحتلال المادية والتعليمية. وهنا نتساءل بشكل محدد عن دور وزارات التربية والتعليم في الدول العربية المطالبة بان تسهم في الحفاظ على الهوية العربية في القدس المحتلة من خلال تقديم الدعم المالي وتطوير المناهج الفلسطينية وتدريب المعلمين على زرع القيم الوطنية لدى الطلبة باعتبارهم خط الدفاع الاول عن هويتهم، والسد المنيع امام تهويد المفاهيم والقيم الاخلاقية التي تقوم بها سلطات الاحتلال. كما ينطبق الأمر ذاته على منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) خاصة في نطاق العمل على الزام اسرائيل بالاذعان لقرارات الأمم المتحدة الوقائية التي تطلب من اسرائيل الامتناع عن اجراء أية تغييرات ديموغرافية أو تاريخية أو حضارية أو روحية أو قانونية أو تعليمية.
نعلم أن الاحتلال يسعى، وبكل الوسائل، الى تفريغ فلسطين من أهلها الفلسطينيين مثلما أنه يسعى الى تفريغ الفلسطيني من مقوماته الوطنية والأخلاقية والانسانية، ليصبغه بصبغة صهيونية، تنسجم مع رؤى الاحتلال، وتخضع لاملاءاته. من هنا فان خطة وزارة التربية والتعليم الاسرائيلية ما هي الا جزء من معركة فرض السيادة على المدينة في سياق معركة الأسرلة الكاملة ليس للمنهاج الفلسطيني في مدينة القدس فحسب، بل لكل المدينة. كذلك، تشكل "الخطة" اختراقا صريحا للمجتمع الفلسطيني المقدسي، يتوجب معه رص الصفوف في زهرة المدائن لمواجهة محاولة الاحتلال "استيطان" عقول الأجيال المقدسية، فتشويه الهوية الفلسطينية وخلخلة الوعي للأجيال الناشئة يسهل السيطرة على المدينة: قلب فلسطين النابض.
هزاع السعدي
بقلم: عيسى عبد الحفيظ –الحياة
أخيرا خرج هزاع السعدي من السجن بعد تسعة وعشرين عاما بالتمام والكمال، تسعة وعشرون عاما في غياهب السجون لفتى فلسطيني كان عمره ستة عشر عاما عندما تم اعتقاله وخرج وعمره خمسة واربعون عاما ايضا بالتمام والكمال.
كانت والدته التي تجاوزت الثمانين عاما حاضرة في الاستقبال الذي تم في مقر المقاطعة في رام الله والذي حضره الاخوة الوفد الصحفي العماني الذين لم يملكوا أنفسهم فانخرطوا بحفلة الاستقبال التي امتزجت فيها دموع الفرح بالأهازيج والأشواق التي تفجرت دفعة واحدة في ليل رام الله المتأخر.
وعودة الى والدة هزاع التي كانت تجلس منزوية وأمامها طبق فلسطيني تقليدي للحناء الذي ترقص به النسوة في الأعراس مرصع بالورد والشموع والحلويات.
اقترب منها الزميل الصحفي صالح مشارقة ليتحدث اليها فنهرته قائلة ان اليهود لن يطلقوا سراح ابنها هزاع اذا سمعوها تتكلم وانهم بالمرصاد!
هزاع ابنها الوحيد بين ثلاث بنات كن متواجدات حاولن دون طائل اقناع الأم باضاءة الشموع لكنها رفضت لأن اليهود لن يطلقوا سراح هزاع وليس أكيدا انه سيخرج، اخيرا اقتنعت الأم باضاءة الطبق الفلسطيني تحت الحاح احدى الاخوات ولكي يفرح هزاع عندما يراه مضاء.
وصل هزاع مع الأخوة الأسرى المحررين بعد تسعة وعشرين عاما ليجد الوالدة وأمامها الطبق بانتظاره فانهار أمامها يقبل قدميها، أوليست الجنة تحت أقدامهن؟ لم يتمالك الحاضرون أنفسهم أمام المشهد فبكى الجمع كله وعادت الذاكرة الى أم هزاع التي بدت عجوزا بكامل أحاسيسها، فهذا الطبق جهزته لعرس هزاع.
لله درك أيتها العجوز الفلسطينية يا شجرة الزيتون الضاربة جذورها في الارض منذ آلاف السنين، كان على الجميع ان يقبلوا قدميك، فأنت أمنا جميعا ونحن أولادك الذين ما زالوا على العهد قابضين على الجمر حتى تحقيق أهدافنا بالحرية.
تحية الى الأخوة في عمان الذين أبوا الا ان يشاركوا في هذا العرس الفلسطيني الذي لا يصل الحبيب الى الحبيب فيه الا شهيدا او شريدا، ذاك هو العرس الفلسطيني الذي وصل فيه هزاع الى والدته العجوز في مبنى المقاطعة وهو بكامل قواه الجسدية والنفسية، فلعله جاء لتقبيل قدمي والدته التي تنتظر عرسه بفارغ الصبر فالطبق جاهز يا هزاع وما عليك الا تحقيق رغبة العجوز الوالدة لعلها تحضن قريبا حفيدها الأول ابن هزاع وألف مبروك مقدماً ونحن بانتظار دعوتنا لحضور الفرح.
مرة يغالط الحقيقة (4)
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
حادي عشر: حين يصل رأفت مرة ليلخص سجاله مع ابراهيم الأمين، يدعي زورا وبهتانا أن "التحالفات التي تنسجها حماس" تكون "حول فلسطين والقدس والمقاومة، وتحرير فلسطين وعودة اللاجئين، ورفض المفاوضات مع الاحتلال، وإسقاط مشاريع التسوية...!!!" ما ذكره المسؤول الحمساوي لا صلة له بالحقيقة، لأن كل تحالفات حركة حماس تصب في قناة جماعة الاخوان، وتنفيذ مخططها الفئوي المعادي لمصالح واهداف الشعب الفلسطيني، ولا يمت بصلة للقدس والمقاومة. كما ان مرة يتجنى على المفاوضات، التي باركها رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل وعلى الملأ في الرابع من أيار 2011 في مبنى المخابرات المصرية بعد التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، اضافة الى عشرات اللقاءات الصحفية، التي اكد فيها مشعل وابو مرزوق وهنية وغيرهم عن قبول التسوية مع إسرائيل على اساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967.
ليس هذا فحسب، بل إن قيادة حماس قبلت بالدولة ذات الحدود المؤقتة. واكثر من ذلك قبلوا بخيار إمارة غزة الكبرى، التي اقترحها غيورا ايلاند ويعقوب عميدرور بالتوافق مع مكتب الارشاد في المقطم والرئيس الاخواني محمد مرسي، الذي باع للولايات المتحدة 1600 كيلو من الأراضي المصرية لصالح ذلك المشروع المعادي لمصالح الفلسطينيين ويتناقض مع حق العودة للاجئين.
ثاني عشر: لا يخجل مرة من الافتراء على الحقيقة، حين يتجرأ على لي عنق الحقيقة حول عدم التدخل في الشؤون العربية، فيقول: إن حماس " لا تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، ولا شأن لها بالجوانب السياسية المحلية" والانكى في افترائه على الشواهد والادلة القاطعة في الواقع، حين يدعي أن حركته" ضد سياسة محور مقابل محور، وليست مع اي طرف ضد اي طرف آخر"!؟
كل حرف في نص مرة يتناقض مع الحقيقة، لان حركته الاخوانية متورطة حتى اذنيها في التدخل في شؤون الدول العربية جميعها دون استثناء خاصة مصر وسوريا والاردن وليبيا وتونس والخليج العربي، والجرائم التي ترتكبها ضد ابناء الشعب العربي المصري والجيش خصوصا لدليل قاطع على ذلك، وهناك مئات من عناصر حماس المعتقلين في السجون المصرية، وادلوا باعترافات عن مشاركتهم في جرائم التخريب. كما تورطوا في الصراع الدائر في سوريا وفي ليبيا وغيرها من الدول.
وأما عن التحالفات والمحاور، فالشواهد كلها تكذب مرة، لأن حماس واستنادا الى مواقف قيادييها ومنابرها الاعلامية وناطقيها، اكدت آلاف المرات انها جزء من محور ضد محور مرة باسم "المقاومة" ومرة باسم "الدفاع عن الشرعية" كما حصل في مصر، وهو ما يعني التخندق في خنادق جماعة الاخوان، ولعل الحرب الاعلامية الهوجاء، التي نفذتها منابر حماس الاعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة ضد الثورة المصرية الثانية وخاصة فضائيتي الأقصى والقدس واليرموك الاخوانية الأردنية، لدليل قاطع على هشاشة ووهن الدفاع الساذج عن حركة غارقة في متاهات جماعة الاخوان المسلمين وبرنامجها التخريبي ضد شعوب الأمة العربية كلها. وتمركزها في قطر وتركيا ومصر قبل الثورة الثانية، وتماهيها المطلق مع برنامج جماعة الاخوان لا يحتاج الى المزيد من المحاججة للتأكيد على ان حركة حماس ضربت من خلال سياسياتها الهوجاء مصالح الشعب الفلسطيني، لأنها وضعت كل بيضها في سلة محاور "الشر والارهاب الاسلاموية التكفيرية" وبالتحديد جماعة الاخوان المسلمين المعادية للقوى القومية والوطنية والديمقراطية والمشروع النهضوي العربي.
حماس محاصرة بالضرورات الأمنية
بقلم: يحيى رباح – الحياة
منذ ثورة الثلاثين من حزيران في مصر، التي أسقطت محمد مرسي وحكم الاخوان المسلمين في مصر، بدأ التنظيم الدولي للاخوان يعاني من التآكل. بل أصبح معلقاً في الفراغ، أقدامه لا ترسو على أرض الواقع، لأن مصر بالنسبة للتنظيم الدولي للأخوان المسلمين هي القاعدة الرئيسية التي لا يمكن تقويضها بقاعدة أخرى، لأسباب تتعلق بعبقرية المكان وعوامل استراتيجية أخرى! بل ان بعض الإنجازات التي حققها الاخوان في مواقع أخرى مثل اختطاف قطاع غزة، أو الوصول للحكم في تونس، أو محاولة إثبات الوجود في سوريا، أو بعض الإنجازات في ليبيا أو محاولات الوجود في الكويت والإمارات، هذه الإنجازات قد أصبحت برسم السقوط والفشل.
والسبب وراء هذا المأزق الذي يعاني منه الاخوان المحاولات البائسة التي يبذلها التنظيم الدولي فيغرق بسببها في الأخطاء والفشل أكثر، أن مصر لا يمكن تقويضها بساحات أخرى، ذلك أنه حين تفشل التجربة في الموقع التأسيسي الأول، النبع الأول، وهو مصر، فإن نجاح التجربة في نماذج أخرى يصبح أقرب إلى الوهم، وبالتالي فإن المخطط الذي انخرط فيه الاخوان المسلمون، والتحالف غير الشرعي الذي ارتبطو به وتحالفوا فيه مع اميركا منذ العام 2004 وما قبله، كتجسيد لنظرية الفوضى الخلاقة، ومخطط إسقاط الدولة القومية في العالم العربي عبر التجزئة الطائفية والعرقية التي رسمت خرائظها وتم الإعلان عنها بكل سفور، هذا الانخراط الإخواني أصبح مجانياً، بلا قيمة، بل إن التنظيم الدولي للاخوان في حمى انبهاره بالتحالف مع أميركا، وفي وهم اعتماده بالمطلق على علاقاته التحالفية الجديدة، لم ينتبه أن العالم يتقدم منذ فترة نحو ثورة شاملة في العلاقات الدولية، وأن هذه الثورة في العلاقات الدولية ترتكز إلى حجم كبير من المصالح الضخمة يسيل لها لعاب الدول الكبرى بما فيها حليفهم الأميركي. ولقد رأينا مثلا ان أفيغدور ليبرمان استطاع أن يفهم حجم التغيرات في نمط العلاقات الدولية أكثر من أساطين الاخوان المسلمين، فقد نصح الإسرائيليين ألا يوتروا علاقاتهم مع اميركا على خلفية تعاملهم الجديد مع الملف الايراني بل إن جهابذة التنظيم الدولي لم يقرأوا الصورة جيداً في مصر نفسها، ولم يدركوا حجم التحول بأن الشعب المصري في غالبيته الساحقة يرفضهم، والمنطقة العربية كلها باستثناء بؤر صغيرة سعيدة بما حل بهم، وأن قوى إقليمية ودولية في غاية الأهمية لها مصلحة في هزيمتهم، فظلوا ينكرون الحقيقة، والإنكار معناه الانفصال عن حقائق الواقع وموازين القوى، والانفصال معناه التورط في مزيد من الأخطاء القاتلة.
وكنموذج لهذا العجز عن الفهم، فإن حماس في غزة وجدت نفسها الآن محاصرة بالمطلق بين مثلث الضرورات الملحة للدولة المصرية والدولة الإسرائيلية والدولة الفلسطينية، وأن هذه الضرورات الأمنية لا تستجيب لعناصر اللعبة القديمة، سواء ادعاء المظلومية، أو استدراج واستجداء التصعيد الأمني مع إسرائيل، أو تصدير المأزق إلى الآخرين، فهذه ألعاب لم يعد أحد يتعامل بها، بل إن العودة من هذا التيه يحتاج إلى قرارات شجاعة، وحماس لم تعد تمتلك هذا القرار الشجاع.
حماس لم يعد يفيدها الإنكار بشيء، وحتى قانون العرض والطلب السياسي في المنطقة الذي كانت تستفيد منه في الماضي حين تلجأ إلى التحالف مع هذا الطرف ثم تنتقل إلى طرف آخر لم يعد ممكناً الآن، لأن الاستحقاقات حادة، خاصة أن المشروع الذي كانت تراهن عليه حماس بالتوسع في سيناء على حساب مشروع الدولة الفلسطينية أصبح مستحيلاً بالمطلق، وليس متاحاً سوى أن تعود حماس إلى سقف الشرعية الفلسطينية بشروط هذه الشرعية.


رد مع اقتباس