المقالات في الصحف المحلية,,, ملف رقم (113)
المقالات في الصحف المحلية
(113)
|
دعم الاستيطان لا يخدم السلام ولا يشجع استمرار التف
حديث القدس
السياسي المفكر والمثقف الرائد محمد روحي الخالدي في
الباحث سعيد مضية
مصر والوسيلة الوحيدة للحل
محمد عبيد
فرص نجاح المفاوضات...؟
نبيل عمرو
نحو تعزيز الثقة بين الجانبين
أ.د. ألون بن مئيــر
المفاوضات.. نموذجان متضادان!
د. ناجي صادق شراب
أطراف النهار...شاب نابه من آل فطافطة؟
حسن البطل
نقد خيار المفاوضات إلى الأبد وبأي ثمن
هاني المصري
يحدث في مصر الآن : الإخوان في خبر كان
رجب ابو سرية
بديل المفاوضات الآن وما بعد الشهور التسعة
مهند عبد الحميد
دفاتر الأيام.... هــنــــا الــقـــدس
زياد خدّاش
نقطة ضوء... سلاح التلميذ النجيب في مفاوضات رام الله وتل أبيب..!!
حسن خضر
حياتنا - التطرف والعنصرية
حافظ البرغوثي
تغريدة الصباح - يوم القدس المستدام
احمد دحبور
الخير: رشوة أم شهرة أم منفعة مستدامة؟
د. صبري صيدم
أنماط جديدة من القيادة
يحيى رباح
أهداف خطة الاولويات الاسرائيلية
عادل عبد الرحمن
ابو عمار.. رحمة بالناس والعباد !!
موفق مطر
مقالات صحيفة القدس
دعم الاستيطان لا يخدم السلام ولا يشجع استمرار التفاوض
حديث القدس
بعد انتهاء الجولة الاولى من المفاوضات والاعداد للجولة الثانية اقرت الحكومة الاسرائيلية خطة تستهدف ما اسموه تطوير بعض "البلدات" ذات الاولوية ومن بينها ٢٠ مستوطنة بالضفة وثلاث بؤر استيطانية اقيمت دون ترخيص، اي ان الدعم لا يشمل المستوطنات القائمة فقط ولكن ترخيص ما هو غير مرخص اي بناء مستوطنات جديدة.
وهذا التطوير الذي يتحدثون عنه يعني الدعم المالي الكبير للاسكان والبنية التحتية والتعليم وغير ذلك من الخدمات والبناء، ويعني آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة.
وقد اثارت هذه الخطوة استياء ليس من الفلسطينيين فقط ولكن حتى من بعض اطراف الحكومة الاسرائيلية نفسها ومن بين هؤلاء الوزيرة المفاوضة تسيبي لفني والوزير عمير بيرتس وقد وصف الاثنان هذه العملية بانها لا تعكس مصلحة عامة وانما مصلحة حزبية ضيقة وتسيء الى جهود السلام، وقال بيرتس ان هناك مواقع اسرائيلية احق بالدعم واحوج اليه من بعض المواقع الاستيطانية التي جاءت بالخطة، مما يؤكد ان الهدف هو تدعيم الاستيطان بالدرجة الاولى وليس مجرد عملية تطوير عادية.
وقد لوحظ كذلك ان غالية المستوطنات المشمولة بالدعم هي من معاقل حزب "البيت اليهودي" الذي يتزعمه المتطرف نفتالي بينيت ويجيء ذلك مقابل صمته عن الافراج عن بعض الاسرى حيث كان نتانياهو قد اكد له ان دعم الاستيطان سيستمر وبقوة وهذا ما حصل فعلا كما نرى في هذه الخطة. ومن المعروف ان بينيت هذا قد دعا الى قتل الاسرى بدل الافراج عنهم.
إن هذه الخطوة تدل بوضوح ان اسرائيل لا ترغب في السلام وانما بالتوسع والاستيطان، لان الاستيطان يلتهم ممساحات جديدة من الارض ويقتل ما تبقى من احتمالات قيام الدولة الفلسطينية ويدخل المفاوضات مرة اخرى، في متاهه من عدم الوضوح والعبثية، ويصبح الحديث عن حدود ٤ حزيران ١٩٦٧ مجرد حديث يتطاير في الهواء ولا قيمة حقيقية له.
ان هذا التصرف الاسرائيلي وفي هذا التوقيت بالزات لا يكون الرد عليه بمجرد الاستنكار والتنديد وقد اعتادت اسرائيل على ذلك، وانما يتطلب توضيحا اميركيا وبصورة خاصة وزير الخارجية جون كيري الذي اتعب نفسه بالسفر والجولات المكوكية حتى حقق هدفه باستئناف المفاوضات، وما هو رد فعل الادارة الاميركية وهي التي تكرر القول ان الاستيطان لا يخدم عملية السلام. كما ان هذه الخطوة تستدعي اعادة تقييم فلسطينية لمجمل الاوضاع والمفاوضات بصورة خاصة، حتى لا تتكرر المراحل السابقة حيث كانت المفاوضات غطاء للاستيطان، واذا اقروا بعد كل جولة من المفاوضات خطة كهذه لدعم الاستيطان، لن تنتهي الاشهر التسعة المقترحة لهذه المفاوضات الا وتكون بقية الارض قد ضاعت، وتكون القدس قد ازدادت احزانها وعزلتها وعمليات تهويدها وتزوير تاريخها ..!
السياسي المفكر والمثقف الرائد محمد روحي الخالدي في الذكرى المئوية لوفاته
الباحث سعيد مضية
هو روحي بن ياسين بن محمد علي بن محمد بن خليل بن صنع الله الدّيري الحنفي الخالدي، عالم بحاثة، سياسي، من رواد النهضة الحديثة. تسلّم والده منصب رئيس بلدية القدس (1898- 1901م) بعد أخيه يوسف ضياء الدين، كما عين عضواً في المجلس العمومي لبيروت. تلقى دروسه الأولى في المسجد الأقصى، وأتمّ دراسته الابتدائية في فلسطين والثانوية في بيروت، التحق بمدارس متنوّعةً وفي أماكن مختلفة. كان أبوه موظّفاً في الدولة العثمانية، يتنقّل من بلدٍ إلى آخر، فكان الابن يرافقه حيثما يعيش ويعمل، كما أن رغبات قوية دفعت بالشاب إلى استانبول أكثر من مرةٍ.
شغل بعض الوظائف البسيطة في مطلع شبابه. كان موظفًا في العدلية وعُيِّن معلمًا، لكن الرجل كان طموحًا يرغب في ما هو أكبر وأنفع.تأثر بعمه يوسف ضياء الدين، الذي تنقل بين وظائف الدولة ورئاسة بلدية القدس (1867- 1873)، ثم نائباً في مجلس المبعوثان (مجلس النواب العثماني)، كما أمضى سنوات عدة مدرّساً في مدرسة اللغات الشرقية في مدينة فيينا، حيث حقق وأصدر ديوان لبيد العامري وطبعه هناك، بعد أن أصدر أول قاموس عربي كردي أسماه: "الهدية الحميديّة في اللغة الكردية". ولازم يوسف المصلح الدينيّ جمال الدين الأفغاني وتوثقت علاقته به، وكان من أجرأ دعاة الإصلاح والمطالبين بالدستور.
وفي مجلس المبعوثان كان مدافعا حازما عن الدستور. غير أن السلطان عبد الحميد حل المجلس وأبعد مدحت باشا، قائد التيار الدستوري, عن الحكم. ولما كانت الكتابة بالنسبة للشيخ يوسف ضياء الدين الخالدي وظيفة علمية، فقد تواصل فيها، ولم يحبطه عدم توفر فرص لنشر إنتاجه. واعتماداً على ذلك يمكن بلوغ بعض أسباب عدم طباعة أو إصدار مؤلفاته اللغوية الكثيرة، وبقائها مخطوطات تتمتع بأهمية مرجعية فائقة على صعيدي الأدب ومقاربة اللغات والألسنية.
التحق عام 1887بـ « الشاهاني المكتب الملكيّ السلطاني » في الآستانة، وأمضى في ذلك المعهد للعلوم السياسية والإدارة ست سنوات، حاز في نهايتها، عام 1893م، على شهادة التخرج. وعما دونه الخالدي في سيرته الذاتية أثناء دراسته في" المكتب السلطاني الملكي"، نقل الباحث يعقوب العودات ( البدوي الملثم) قوله: «كنت في سنة 1889م في الآستانة العلية تلميذاً في المكتب الملكي الشاهاني وكان لي رفيق هو عندي بمنزلة الصديق بل والشقيق، فناولني يوماً من الأيام كتاباً عنوانه «أسس انقلاب» تأليف صاحب العطوفة مدحت أفندي مدير جريدة «ترجمان حقيقت» التركية التي تصدر في مركز الخلافة الإسلامية، وأوصاني بالحرص عليه وتلاوته سراً، لأنه لم يكن يسمح لنا بقراءة الكتب التي ليست رسمية، ولاسيما ما يتعلق منها بمسائل الحاضرة السياسية. فحفظته على صدري بين القميصين، وصرت أطالعه كلما جن الليل ورقدت العيون وانقطعت الحركة واستتب السكون وكان سريري في (القاووش) نمرة مرقماً بعدد (73) وقريباً من فانوس الزيت المعلق وسط الغرفة المشتملة على نيف وثلاثين سريراً.
فبينما كنت ذات ليلة اتصفح الكتاب، سمع رئيس المبصرين، وهو يتجسس أحوال الطلبة، صوت تقليب الورق، ولعل حركته الخفيفة في تلك الليلة الظلماء أخلت بالسكون المستولي على ذلك البناء، فجاء على أثر الصدى وعثر على الكتاب وضبطه مني، وفي الصباح جازاني على ما اقترفته يداي، وتوبني عن العود إلى فعلتي».
بعد تخرجه عاد (روحي) إلى القدس، حيث عُيّن معلماً في مكتبها الإعدادي لكنّه رأى أنّه أجدر بوظيفة أعلى فعاد إلى الآستانة، ومنها سافر إلى باريس، ثم عاد ثانية إلى العاصمة العثمانية. أخذ يتردّد فيها على مجلس المصلح الشيخ (جمال الدين الأفغاني).
وقال يذكر حديثاً بينهما: «دخلت يوماً على السيد جمال الدين الأفغاني وهو في قصر لطيف على بابه الخدم، وتأتيه سفرة من المطبخ العامر فقال: وما فائدتي بهذا القصر والخدم والسفرة وأنا إذا اشتهيت أكلة بفتيك أو نشر فكرة في جريدة أو التنزه في ناحية من المدينة لا أستطيع، أيهنأ عيش الإنسان بغير الحرية؟"
في هذه الفترة اشتدّت مراقبة الجواسيس الذين كانوا يحضرون مجلس الشيخ الأفغاني، وفي أحد هذه المجالس حضر مراسل جريدة (التايمز)، فدار معه حديث أوصله الجواسيس إلى "المابين"، ففرّ إلى باريس هاجرا البلاد العثمانية، والتحق بجامعة السوربون، ودرس فيها فلسفة العلوم الإسلامية والآداب الشرقية، وفي السوربون تعرّف إلى كبار المستشرقين، ثم عُيّن مدرّساً في جمعية نشر اللغات الأجنبية في باريس عام 1897م، ودُعِي إلى الاشتراك في مؤتمرات المستشرقين وإلقاء المحاضرات في اجتماعاتهم، وقد كان أول مثقف عربي يلقي محاضرات بالعربية في ندوات باريس.
الدراسة الجامعية والابداعات الكتابية
انضم روحي إلى حزب الاتحاد والترقّي. وفي باريس التحق بمدرسة العلوم السياسية وأتم دروسها في ثلاث سنوات. ثم التحق بجامعة السوربون ودرس فيها فلسفة العلوم الإسلامية والآداب الشرقية. أتيح له في باريس الاتصال بعلماء المشرقيّات. تزود من معهد استانبول بقضايا الإدارة والسياسة، وأتاحت له السوربون الغوص في أعماق التاريخ والأدب الفرنسي. ويبدو أنه قضى في هذه الدراسة العليا سنتين وبعض السنة، ولما تخرّج سنة 1898، عيّن مدرّساً في جمعية نشر اللغات الأجنبية بباريس. وصفه الدكتور ناصر الدين الأسد في كتاب ألّفه عنه أنه "رائد البحث التاريخي الحديث في فلسطين"
تنبّه له أولو الأمر في عاصمة الدولة العثمانية، فعينوه قنصلاً عامًا للدّولة في بوردو، حيث أمضى في الوظيفة قرابة العشر سنوات. وبفضل مكانته العلمية عرف في عالم الصحافة، توثقت علاقته بصحفيين مصريين، وأثمرت هذه العلاقة المتينة خروجا إلى عالم النشر، الأمر الذي حرم منه عمه يوسف ضياء. حازت الصحافة المصرية على شهرة واهتمام في جميع البلدان العربية، وكنتيجة لهذه المعطيات كان روحي الخالدي قد تمكن من نشر أول إبداعاته الفكرية في مجلة الهلال القاهرية على حلقات بتوقيع "فلسطيني"، (وفي رواية أخرى "كاتب فاضل")، ثم طبع العمل الفكري في كتاب عام 1904. تضمن الكتاب قضايا أدبية غاية في الأهمية. عاش حياة قصيرة، لكنها حافلة بالإنجازات الفكرية ليحمل الكتاب حين طبع عام 1912 اسم الكاتب الفلسطيني "روحي الخالدي".
ركزت دراسة الناقد الفلسطيني، الدكتور فيصل دراج، على قصدية روحي الخالدي في الإشارة إلى تخلف الأدب العربي في ذلك الحين عن عصره، والدعوة إلى" تجديد الحياة العربية التي تسمح بأشكال جديدة من الأدب العربي. وفي مدار الجديد المرغوب تحظى مقولة الاستبداد بمنزلة رفيعة، أي تصبح فكرة الحرية مدخلاً لكل ما يمكن الدخول إليه، بدءاً بإنسان يحسن القراءة، وانتهاء بأدب يلمس الفرق بين الحريري وموليير".
الكتاب دراسة مقارنة أكثر من كونها نقداً أدبيا. وفي إحدى تلك الحلقات يغمز روحي الخالدي من قناة الكوميديا الإلهية أو "المضحكة الإلهية التي هي أشبه برسالة الغفران التي حررها المعري قبل تأليف الكوميديا بأكثر من قرنين" . فقد دفع الشعور القومي العارم الباحث الفلسطيني إلى التركيز على أسبقية العرب على الإفرنج في ميدان الإبداع الفكري.
... الدبلوماسي
أتقن روحي الخالدي لغته العربية وأجاد التّركية وألمّ باللغة الفرنسية، وهذا ما دفعه للانكباب على الاستزادة من المعرفة. لما انتقل إلى بوردو قنصلاً عامًا، اتّسع ميدان نشاطه، ففي الناحية الدبلوماسية، أصبح عميد السلك القنصلي في المدينة ورئيسًا لجمعية القناصل. واشترك سنة 1907 في إقامة المعرض البحري العام في المدينة بمناسبة مرور مئة سنة على تسيير البواخر. لكن أهمّ من ذلك ما كتبه وهو في بوردو؛ فقد كان يزوّد مجلة "الهلال" في القاهرة بالمقالات العلمية رغبةً منه في نقل المعرفة والآراء إلى القارئ العربي. ولم يكتف بذلك، بل طرق سبلاً جديدةً وكَتَب في أمورٍ تعالج لأول مرة باللغة العربية، مثل كتابه عن الأدب المقارن.
وضع روحي الخالدي أفكاره ورؤاه ومفاهيمه وتجربته في كتابه الشهير، الذي قدم فيه فيكتور هوغو الأديب والإنسان، وشذرات عن الأدب الفرنسي ومدارسه واتجاهاته، ثم مجموعة هائلة من المقارنات بين الآداب العربية والآداب الأجنبية. وجد الخالدي في كتابه المتنفس للتعبير عن سخط دفين على نظام الاستبداد، فربط الازدهار الأدبي بالانفتاح السياسي."يقرن الباحث الأدب بالحضارة، فيدحض بذلك بدعة العقل المطبوع، ويلقي بمسئولية جفاف القرائح وتيبس الفكر على الاستبداد السياسي. "…فكلما ارتفعت الأمة في سلم الحضارة كانت أبلغ لسانا وأوسع أدبا وأكمل". وإذا ما تعمق القارئ في جوهر البحث فسيجد أن الكاتب قد "تقنع بمواضيع أدبية. حدّث عن ركود الشرق وتبدّل الغرب، ويشير إلى الفرق بين الحرية والاستبداد، ويؤكد كونية المعرفة، ووحدة الثقافة الإنسانية".
افكاره وآراء لغوية
وقد اشتمل الكتاب على مستوى عال في النقد، كما كان لا يخلو من آراء مشرقة في اللغة. بفضل الكتاب احتل الخالدي مكانة مرموقة بين أقطاب الحداثة في اللغة والأدب. نادى بضرورة تلقيح الأدب العربي بالآداب الأجنبية. وكان يرى أنه لا ضير ولا ضرر من استيعاب اللغة العربية بشكل عضوي لمفردات وتراكيب علمية أجنبية لم تكن موجودة أصلاً في اللغة العربية، وتمكينها من الاحتفاظ بخصائصها الصوتية في اللفظ مع إمكانية توليفها هجائياً وإملائياً في الكتابة. كان موضوع الكتاب عقد مقارنات بين نصوص أدبية عربية وأوروبية، ليتوصل إلى أن الثقافة بعامة تلاقح وتداول. وهو حين يعرض لغة مُضَر يستنتج أنها في مرحلة تاريخية بلغت مستوى أرقى من سائر اقرانها.
لم يحل انبهار الخالدي بثقافة الغرب دون انتقاده لتوجه رأى فيه بثاقب النظرة مكيدة غير ودية. فقد سبق الخالدي إدوارد سعيد بأكثر من نصف قرن في نقد الاستشراق الغربي، إذ بيّن خطورة الحركة الاستشراقية وخصوصاً مؤتمر المستشرقين الحادي عشر الذي انعقد في باريس سنة 1897، وكشف أغراضه العلمية والسياسية عندما دعا إلى إحياء اللهجات العامية، فهي وصفة لشرذمة الأمة العربية تواصلت حتى يومنا هذا؛ حيث احتضنت القطرية وجري الترويج للطائفية والعرقية والعشائرية في كل أرجاء العالم العربي. الدعوة لتبني العامية، لو نجحت، من شانها في نهاية المطاف تفرقة الأمة وإقامة الحواجز بين الشعوب العربية في الوقت الذي يجتهد فيه العلماء والساسة لإزالة الموانع المتسببة عن تباين اللغات بين الأمم، وذلك عن طريق إيجاد وحدة اقتصادية وسياسية لقارات عانت الحروب والكراهية عقودا، بل قرونا عدة.
بدلاً من الذهاب إلى العاميات المنتشرة في المجتمعات العربية، وجد الخالدي بديله العقلاني في ما وصل إليه البحث الاستشراقي من معرفة باللسان الحميري ومفرداته وتراكيبه اللغوية، وكذلك ما اكتشفه من "حقائق ومعلومات في المسند الحميري، كما اتكأ على معلوماته في علم مقارنة اللغات ومقاربتها؛ وبذلك استطاع أن يربط بين المستوى اللغوي وبين المستوى الحضاري للأمة. وهذا الأمر مكّنه أيضاً من وضع مؤلفاته التي لا تزال مخطوطة في ’علم الألسنة أو مقابلة اللغات‘. حاول روحي الخالدي أن يجد لدعوته التجديدية سنداً في جذور اللغة العربية نفسها وفي تاريخها، ولذلك أسهب وأطال في الحديث عن ’لغة مُضر‘ وعن ’لغة حِمْير‘ وخصائص كل منهما والفرق فيما بينهما ومميزات كل منهما (الحضرية) ".
ويقول روحي الخالدي في كتابة الشهير: "لو سعى أهل العلم وأرباب القلم في التقرب من لغة مُضَر المدوّنة وأزالوا منها (العامية) كما أزيلت عامية (الباتوا) من اللغة الفرنساوية وهذبوها من الجناسات والتشابيه الغامضة، واختاروا فيها السهل من الألفاظ والتراكيب، وأصلحوا إملاءها وكتابة أسماء الأعلام فيها، لكان فعلهم على ما نظن أسهل وانجح من تدوين لسان عامي بل ألسن هجينة وإقامة الحواجز بين المتكلمين بها؛ مع أن ازدياد وسائط النقل والمخابرة يستدعي كثرة اختلاط الناس بعضهم ببعض. ولغة مُضَر تجدها في العصر السابق للإسلام على جانب من الفصاحة والبلاغة مشتملة على أنواع التشبيه والاستعارة والبديع، وأكثرها حماسية وفيها من التصورات البديعية والتخيلات الشعرية واللطف والرقة والأدب ما يدلنا على أن اللغة لم تكن إذ ذاك في عهد الطفولة، فإن الفرق بين أشعار الجاهلية وأشعار (التروبادور) الفرنساوية عظيم، لما في الأخيرة من الخشونة وعدم الرقة. وإذا غازل شاعر الجاهلية فتاة الحيّ حسبته أديباً من أدباء باريس. والحاصل كانت فنون أدبهم أتقن من معيشتهم البدوية. وكان لهم مؤتمر وأكاديمية للتفاخر باللسن والفصاحة
ومن جانب آخر فقد مكن الكتاب قُراءه العرب من الاطلاع على الثقافة الغربية، وذلك عبر الصياغة البديعة لأحد ألوان الروابط التي تصل الحياة العربية وآدابها بالحياة الأوروبية والأدب الغربي. وأدخل في الوقت نفسه إلى اللغة العربية مفاهيم نقدية جديدة تزدحم بمفردات وتراكيب لم تكن تعرف من قبل في مجال النقد. استحضر الخالدي كنوز الأدب العربي منذ ما قبل الإسلام، حيث أطلع الأدباء والمثقفين العرب والفلسطينيين على قيم أدبية رفيعة وتراكيب لغوية أبدعتها أجيال التمرس الطويل عبر الأدوار المختلفة لحياة الأدب العربي، ثم طمرت بين طبقات الغثاثة الأدبية والجمود الفكري عبر عهود الظلام. من خلال المقارنة بين حياة الأدب العربي وملابسات ازدهاره. اكتشف الخالدي لغز تطور الأدب والثقافة في كل مجتمع وعصر. استطاع الإمساك بعوامل التماثل وتقارب النماذج من حيث الشكل والمضمون بين الآداب العربية والآداب الأجنبية، الفرنسية والأوروبية الأخرى؛ وما هو متبادل بين الآداب العربية والآداب الأوروبية، وما اقتبسه الأوروبيون عن العرب من الأدب والشعر إبان قيام الغرب بنهضته الحديثة.
امتلك الخالدي القيم الجديدة وأساليب استعمالها في مجال البناء واللغة وما اشتملت عليه من تجارب إنسانية رائعة، وأسس منذ ذلك الحين للأدب المقارن وحملت أفكاره نويّات "اتجاه الواقعية في الأدب".
وارتكازاً على هذا أصبحت المفاهيم اللغوية الحديثة قيد التداول والاهتمام من الكتاب والشعراء والمثقفين العرب والفلسطينيين، وخصوصاً عندما بدأوا يقتنعون بنظرية فيكتور هوغو القائمة على تعريف يقول: "الكلمة كائن حيّ فاعلموه". وبدأوا في الوقت نفسه يميزون أن البلاغة لا تختص باللسان العربي وحده، وأن الأمة كلما ارتفعت في سلم الحضارة كان لسانها أبلغ وأدبها أوسع وأكمل.
إن الاطلاع على مجمل التاريخ الأدبي، وترجمة عيون الأدب العالمي يشكّل إحدى ضرورات النهوض القومي وتوسيع المدارك وتطوير أساليب التعبير. قدم الخالدي نماذج فنية للمبدعين العرب تحثّهم على الانفتاح على الآداب الأجنبية والتعرف على الاتجاهات الأدبية لإغناء مضامين إبداعاتهم الأدبية، والعزوف عن التقليد والتكلف.
يعود الخالدي ويركز على أثر الاستبداد في اندثار الإبداع وجموده. "لو طال على الأندلسيين الأمر في الحضارة وتعاقبت الأدوار على اللغة وتوالت عليهم الانقلابات لأتوا بأحسن مما جاء به فيكتور هوغو وإميل زولا من محصول العقل ومجتنى الفكر البشري. ولكن عاجلهم الانقراض وفاجأهم الاستبداد فأمحلت عقولهم وسدت قرائحهم". فالاستبداد رديف الانقراض، بقدر ما الحرية نظير الإبداع، "وإن هناك نسبة تامة بين الحرية وبين ارتقاء لسان العرب. فكلما اتسع نطاق الحرية في الدولة اتسع معه نطاق الأدب في العربية... وكلما ازداد الاستبداد تقيدت عقول الأدباء بالسلاسل".
إنذار مبكر
بعد الانقلاب التركي وإعلان الدستور في 24 تموز 1908 عاد روحي الخالدي إلى القدس، فانتخبه أهل المدينة نائبًا عنهم في مجلس المبعوثان، إلى جانب سعيد الحسيني، من القدس أيضًا، وحافظ السعيد من يافا. وقد جدّد انتخابه ثانية عام 1912 ، وانتُخِب نائباً للرئيس في الدورة الثانية. وشغل المركز من قبله كل من نائب بيروت سليمان البستاني والشريف عبد الله، نائب مكة ـ ملك الأردن فيما بعد. وبدأت مرحلة المعترك السياسي، حيث تعرّف عن كثب على التطبيق العملي للمشروع اليهودي.
كان من أبعد النواب العرب نظراً في التحذير من الخطر الصهيوني. تعاون مع شكري العسلي نائب دمشق، الذي عمل في فلسطين واطلع على النشاط الاستيطاني في فلسطين. وبسبب مواقف العسلي كان من بين من علّقوا على المشانق في دمشق عام 1916. وربما كان هكذا سيكون مصير روحي الخالدي كذلك لو لم يعاجله الموت.
انتسب روحي الخالدي إلى جمعية «الاتحاد والترقي»، فكان مؤيّداً للحرية والدستور، ليبرالياً في أفكاره بصورة عامة. غير أن ليبراليته لم تورطه في خطيئة استحسان الاستيطان الصهيوني في فلسطين. بالعكس وقف على خطورة الظاهرة وراح يحذر منها. عبّر عن مقاومته لنشاطها في فلسطين في مناسبات ومواقف مختلفة. ففي مقابلةٍ صحفية مع الجريدة العبرية (هتسفي) ـ ومعناها بالعربية (الظبي) ـ في أوائل تشرين الثاني 1909م، عبّر (الخالدي) عن مقاومته المبدئية للحركة الصهيونية ونشاطها الاستيطاني في فلسطين، وحذّر من استمرار النشاط الصهيوني، مبيناً أن الاستيطان المكثّف قد يؤدّي في المستقبل إلى طرد الفلسطينيين، أهالي البلد الأصليين، من بلدهم: «لسنا مدينين لكم بشيء فقد فتحنا هذه البلاد من البيزنطيين وليس منكم»، بتلك الكلمات خاطبهم من على صحيفة جريدتهم العبرية"، مدشنا في ذلك الوقت المبكر معارضة الشعب الفلسطيني للاستيطان الاسرائيلي.
وفي مقالة للكاتب المصري الكبير (جرجي زيدان) بعنوان: «نوابنا في مجلس المبعوثان» نشرها في مجلة «الهلال» في الأول من كانون الأول 1908م ذكر فيها (روحي الخالدي) فقال: «وقد عرفنا أيضاً من نوابنا أرباب القلم في مجلس المبعوثان صديقنا روحي بك الخالدي صاحب مقالة (الانقلاب العثماني) في هذا «الهلال». ويكفي الاطّلاع عليها لمعرفة سعة علمه في أحوال الدولة ودخائل سياستها. وقد عرفه القراء من قبْل باسم (المقدسي) وكذلك سمّى نفسه في كتابه «تاريخ علم الأدب»، الذي نُشِر على حدة، غير مقالاته العديدة في المواضيع المختلفة. وكلّها أبحاث جليلة تدلّ على علمٍ واسعٍ ونظَرٍ صحيح مع إخلاصٍ في البحث. وكان القراء قبل أنْ يعرفوا اسمه يعجبون بعلمه وفضله ويسألوننا عن حقيقة اسمه، ولم يكنْ يأذن لنا بإذاعة ذلك. ومع اعتدال لهجته وتجنّبه الطعن والقرص فقد كان يخاف تأويل أقواله ولا تطاوعه حميته على السكوت ففضّل كتمان اسمه»
وينقل لنا مؤلف كتاب «العرب والترك في العهد الدستوري العثماني» مضمون أحد خطابات روحي الخالدي في البرلمان عام 1911، فيقول: «وألقى خطاباً طويلاً كشف فيه عن أماني اليهود في استعادة مُلْك فلسطين. ثم أخرج من جيبه ورقةً تلا منها نصّ رسالة كتبت بقلم (أوسيشكين)، أحد أركان الحركة الصهيونية، يبيّن فيها الوسائل الواجب أنْ يأخذ اليهود بها كي يبلغوا أمانيهم وهي: نيل الميزة والأفضلية في فلسطين بواسطة الأموال وتوحيد آمال (الإسرائيليين) وجمع شتاتهم، وإنماء روح الوطنية في قلوبهم واستخدام السياسة لبلوغ الأمنية السامية. واستنتج الخالدي من ذلك أنهم لا يريدون أقلّ من أمة لهم في فلسطين واستيطان أرضها. ثم نبّه إلى ازدياد عددهم حتى أصبح في متصرفية القدس وحدها مئة ألف مستوطن يهودي. وأنّ أغنياءَهم ابتاعوا لهم نحو مائة ألف دونم، وأنّ القوانين التي سنّتها الحكومة لهجرتهم وإيجاد جواز السفر الأحمر للأجانب منهم لم تنفعْ في منع هجرتهم إلى فلسطين لأنها لم تُنفّذ. وأمّاالباقون من مهاجري أوروبا، فأنهم أسّسوا بنكاً باسم بنك الاستعمار اليهودي».
حُلّ المجلس عام 1912م، وعاد الخالدي إلى مدينته ، القدس. أجريت انتخابات جديدة وانتخب فيها محمد روحي الخالدي وسافر إلى الآستانة ثانية، واختير روحي في المجلس نائباً للرئيس، فكان من الأعضاء البارزين في ذلك العهد.
دراسات وثائقية رائدة
ولـلخالدي دراسة هامة بعنوان: «مقدمة في المسألة الصهيونية»، وهي تعدُّ اليوم وثيقة تاريخية، ويلاحظ من قراءة الدراسة أن صاحبها كتبها بعد العام 1908م وانتهى من خطوطها العامة في العام 1912م، وأنه قام بزيارة بعض المستوطنات الصهيونية في العام 1913م للاطلاع ميدانياً على تطور الأوضاع ونقل شكاوى المواطنين الفلسطينيين ورصد معاناتهم وتسجيل أخبارهم. وتشير الدلائل أن الباحث كان في صدد تطوير دراسته القيمة في معلوماتها وأرقامها وجداولها، إلا أن الأجل وافاه قبل اكتمال مشروعه؛ إذ توفي بعد تلك الزيارة بقليل فانتهت الدراسة عند «جمعية عزرا» وهي كلمة عبرانية معناها (المعاونة) وتسمى بالألمانية (خلفس فراين ديردويجن يودن) أي «جمعية معاونة اليهود الألمان».
إنّ أهم ما في الدراسة أنها وثيقة تكشف عن إحساس تاريخي عند سياسي فلسطيني واسع الثقافة، التقط مخاطر المشروع اليهودي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى وصدور (وعد بلفور) وافتضاح أمر اتفاقات (سايكس _ بيكو).
قيم الدكتور فيصل دراج في بحثه المنشور بمجلة الكرمل عاليا المكانة التي احتلها الخالدي في المشهد الثقافي الفلسطيني المناهض للحركة الصهيونية، ودوره الوطني الرائد في مواجهتها . فقد رأى أن " الاسم الأول الذي تصافحه الذاكرة الفلسطينية وهي ترى إلى موروثها الثقافي الوطني، الذي قاوم الصهيوني، هو روحي الخالدي".
حرص الخالدي على أن يفرق بين اليهود والصهيونية، ووظّف منهج العلم في مقاربة الأدب أثناء مقاربته لموضوع الاستيطان. اليهود العثمانيون، كما أشار، لا تربطهم بالصهيونية أية صلة، وشكلوا نسبة لا تتجاوز عشرة في المائة من بين اليهود المستوطنين في فلسطين، والباقون من مهاجري أوروبا، وقد أسسوا بنكاً باسم بنك الاستعمار اليهودي، لاستلام إعانات شهرية. وتناول مسألة مستعمرات اليهود وجمعياتهم وتدريباتهم العسكرية، وإنشاء مكاتب بريد وطوابع تحمل رسوم هرتزل ونورداو، ومحاكم وإدارة ذاتية. وذكر أيضا التحضيرات التي أعدها اليهود تمهيدا لإقامة الدولة، كما أتى على ذكر مدارسهم الراقية والأموال الطائلة التي يجمعونها كي ينفقوها على مشاريعهم الاستيطانية، وكلها موثقة.
"كان البارون إدمون دو روتشيلد منهمكا على الاستعمار في فلسطين ويصرف في سبيل ذلك الأموال الكثيرة. ووكلاء الإدارة العثمانية يبذرون ويسرقون، والمستعمرون يعيشون على نفقته عيشة الترف والقصف". حتى الكتابة عن المستعمرات لم يشرع بها الخالدي إلا بعد أن عاينها عن قرب.. " أما المستعمرات التي أسسها في فلسطين اليهود المهاجرون من روسيا وأوروبا الشرقية بأموال روتشيلد وأمثاله من أغنيائهم فعددها في هذه السنين الأخيرة ثمان وعشرون مستعمرة ومساحتها 279491 دونما، اشتروها بثمن بخس بمساعدة ولاة البلاد وأغنيائها، وفيها من اليهود المستعمرين 8000 نفس، ويهاجر إليها في السنة نحو ألفين مع عدم تصريح الدولة، لكنهم يستعملون أنواع الحيل والدسائس والرشوات ولا يخرجون منها بعد دخولهم إليها بصفة زائرين."
مأساة فلسطين لم تقتصر على مأساة الفلاح الفلسطيني، رغم أنها تجلت منذ بداية الاستيطان في عملية تهجير جماعي من القرى وحرمان المزارعين من ممارسة مهنة لم يتأهلوا لغيرها. وظلت مقاومة المزارعين لعمليات التهجير المصاحبة لبيوع الأرض، الدينامو المحرك للنضال الفلسطيني. لدى عرض النظرية اليهودية وسيرة حياة هرتزل التزم الخالدي بالموضوعية، حتى لقد بدا محايدا. عرض نظرية الصهيونية وتطورها على يد هرتزل وسعيه لإنشاء دولة، وتشكيل لجان في أوروبا. امتدح مثابرة هرتزل والأساليب المتبعة داخل المستوطنات الجديدة. زار المستوطنات، واطلع وعاين وخرج بخلاصة تنطوي على قلق شديد من انعدام التكافؤ بين المستوطنين والفلاحين العرب. في مقابل الفلاح الفلسطيني المغتصب تقف، كما يشير الخالدي، مزارع يهودية فيها آلات زراعية من الطراز الأوروبي الجديد ومدارس وأطباء وجمعيات يهودية منظمة .
اذا كانت دراسة الخالدي عن تاريخ الأدب تكشف عن وعي حديث يقرأ أحوال " الأنا المتخلفة " على ضوء أحوال "الآخر المتقدم"، فإن دراسته الثانية توحي بلا ضجيج بمآل القضية الفلسطينية . فإلى جانب غزو يهودي مسلح بالمعرفة والمال والنفوذ كانت السياط العثمانية تنهب من الفلسطيني المحاصر رغيفه الأخير. وفي مقابل بيوت ريفية فلسطينية سيئة الإضاءة كان هيرتسل يقنع السلطان العثماني ب" شراء" فلسطين بمليون من الجنيهات الإنجليزية...". خلص الخالدي من ذلك كله إلى مطالبة الحكومة بأن تبين الإجراءات التي اتخذتها ضد هذا الخطر الذي يهدد فلسطين بشكل خاص. طالب الخالدي ونفر من النواب العرب بسن تشريعات جديدة ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. .
وكثيراً ما ردد "إنني ضد الصهيونية، ولكني لست ضد السامية". والدليل هو الرسائل التي بعثها إلى ا حاخام باشي أزمير وغيره من الحاخامين الذين ناهضوا الصهيونية. تجلت المنهجية العلمية الصارمة في بحث روحي الخالدي في هذا المؤلف. فقد جانب الانفعال واستقرّ على درب الموضوعية، يحقق ويدقق. وهو أول دراسة أكاديمية بالعربية عن الحركة الصهيونية: الأسباب والدوافع التي أدت إلى قيام الحركة الصهيونية في القرن العشرين، وفي علاقة اليهود الدينية بفلسطين، وعلاقتهم بالعرب والدول الإسلامية على مر العصور، وفي مداولات المؤتمرات اليهودية وقراراتها، بدءاً بالمؤتمر الأول، وفي المؤسسات اليهودية في فلسطين.
أقر بما لدى هرتزل من مواهب وحنكة، واعترف بمكابدة اليهود، لكن المشروع الاسرائيلي لا يقدم الحلّ الناجع للمكابدة. واستند إلى المعلومات المثبتة وتطرق إلى الصحافة التي حظيت بأهمية كبيرة لدى مؤسسي الحركة الصهيونية: "استخدم الصهيونيون الصحافة لنشر دعوتهم وانكبوا عليها انكبابا زائدا، وأنشأوا لهم عدة صحف في روسيا والنمسا وإيطاليا وبلغاريا ومصر. ولهم في القدس صحف بالعبرانية.
ولهم في سالونيك والآستانة وأدرنة جرائد بالاسبانية والفرنسية... كما عمدوا إلى شراء الصحف الشهيرة، كحال جريدة ’جون ترك‘ التي أصبحت من أحسن صحف الآستانة وأكثرها انتشارا وأقدرها على استحصال الأخبار.
الوفاة
عاجل الموت المبكر الباحث الفلسطيني الفذّ في 6 آب من عام 1913 م. توفي روحي الخالدي في استانبول، علي أثر حمى تيفوئيدية أصابته ولم تمهله إلا أربعة أيام، ولم يبلغ من العمر الخمسين عاماً.
تشير الكثير من المصادر أن روحي تعرف أثناء إقامته في مدينة «بوردو» على آنسة فرنسية اسمها (هرمانس بنسول) فاقترن بها، وهي من مواليد «بوردو»، توفيت عام 1943م، وأنجبت له صبياً أعطاه والده اسماً عربياً هو (يحيى)، وأعطته أمه اسما فرنسياً هو (جان) الذي ترجمته بالعربية (يحيى).
وبعد وفاة أبيه أنهى (يحيى) دراسته الجامعية وتخرّج مهندساً كهربائياً، وقد زار القدس وعاش فيها ثلاث سنوات، ونال من بني عمومته مبلغاً لقاء ارث والده، ثم عاد إلى بوردو وعين رئيساً لبلديتها. ويرجّح أنّه توفّيَ في أوائل الحرب العالمية الثانية والأرجح أن وفاته وقعت في عام 1932م.
من مؤلفات روحي الخالدي:
1ـ رسالة في سرعة انتشار الدين المحمدي في أقسام العالم الإسلامي،
2 ـ المقدمة في المسألة الشرقية منذ نشأتها الأولى إلى الربع الثاني من القرن الثامن عشر،
3 ـ فيكتور هوغو وعلم الأدب عند الأفرنج والعرب،
4 ـ الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة،
5 ـ تاريخ الصهيونية (مخطوط)،
6 ـ رحلة إلى الأندلس (مخطوط)،
7 ـ الكيمياء عند العرب،
8 ـ كتاب علم الألسنة أو مقابلة اللغات في بضعة مجلدات (مخطوط).
نبضت سطور كتاب روحي الخالدي بالقلق والفزع على مصير بلاده فلسطين. وحمل المؤلَّف تحذيرات من المصير الفاجع الذي ينتظر الشعب الفلسطيني ما لم يرتق من حالته البائسة وعفويته القاتلة إلى نشاط سياسي منظم يسترشد بتفكير استراتيجيي وتخطيط. لكن مسيرة النضال الفلسطيني أخضعت للأهواء وسخّرت للمصالح الشخصية فضاعت بين أرجل العطالة العربية. انتظر الوعي الناضج للباحث محمد روحي الخالدي، والبحث العلمي المتمرّس في زمن مبكر نسبيا، والغيرة الوطنية المتنبهة والنبيهة حتى عام 1997 كي يرى النور.
مصر والوسيلة الوحيدة للحل
محمد عبيد
انقضت ما سمتها قوى الإسلام السياسي تظاهرات الجمعة في مصر، ولم نشهد من التظاهر شيئاً يذكر، إنما رأينا مشاهد مواجهات واشتباكات مع الأمن، ومحاولات لاقتحام مدينة الإنتاج الإعلامي، في سياق عمل مبرمج لترهيب الإعلام والإعلاميين، من جهة، وفي رد فعل أهوج على الرأي المخالف والمعارض .
الحكومة المصرية أحسنت التعامل حتى الآن مع تلك الحركات المنفلتة من أي عقال، والخارجة عن أي عرف أو تقليد أو تعاليم، وتأكيد وزارة الداخلية المتزامن مع تظاهرات الجمعة أنها لن تفض اعتصامي “رابعة العدوية” و”نهضة مصر” بالقوة، ومن ثم مناشدة الحكومة في اليوم التالي أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي فض اعتصامهم، وضمان خروجهم الآمن منه، يكشف عن حس عالٍ بالمسؤولية، ويشكل استجابة لمطالبات المرجعيات الدينية وعلى رأسها الأزهر بالحفاظ على الدم المصري .
في المقابل، يستغل قادة اعتصامي قوى الإسلام السياسي الموقف، وقد يرون فيه ويسوقون أمام أنصارهم أنه يعبر عن عجز الدولة، من جهة، وشرعية مطلبهم من جهة أخرى، وفي سياق ذلك قد يسوقون الفتاوى ويوظفون الدين آياتٍ وأحاديث ليثبتوا لأنصارهم أنهم على “الحق” وأن الآخرين على “الباطل”، وقد يحللون لهم التصعيد أكثر باتجاه المواجهة المباشرة مع الأمن والمعارضين .
على قوى الإسلام السياسي المصرية، وعلى رأسها جماعة “الإخوان المسلمين” أن تتلقف الفرصة، وتلبي نداء العقل والضمير الوطني الذي يتجاوز في حدوده أجندتها السياسية ومصلحتها، وسعيها المحموم للعودة إلى كرسي الحكم الذي ما ملأته ولا كانت على قدره، وما أحسنت خلال جلوسها عليه في حل بعض مشكلات البلاد، ولم تنظر إلى ما حولها إلا من منظارها السياسي الضيق الذي لا يلبي غير مصالحها .
الشعب المصري الذي أطلق ثورة تصحيح المسار نهاية حزيران الماضي، يستحق أفضل من الواقع الحالي بكثير، والمعتصمون في “رابعة” و”النهضة” يستحقون أن يتم إطلاعهم على حقيقة ما يجري، ويستحقون أن يكشف لهم سواد المشهد الداخلي لاعتصامهم الذي أثبتت جهات مستقلة كثيرة ما يحدث فيه من وقائع يندى لها الجبين، من قبيل استغلال الأطفال وتوظيفهم في الصراع السياسي، والتنكيل بكل من أراد ترك الاعتصام، والاعتداء على الوفد الحقوقي الخميس الماضي، ووجود السلاح في أوساط المعتصمين، والتهديد باستخدام الرضع دروعاً بشرية في مواجهة الأمن، والمخفي يبدو أعظم .
هؤلاء الممسكون بزمام الاعتصام في “رابعة” و”النهضة”، لا يهمهم من الأمر إلا عودة الرئيس المعزول إلى سدة الحكم، وفي سبيل هذا لن يتورعوا عن القيام بأي شيء، فهم لا يهمهم الدم، ولا يلتفتون إلى معاناة البسطاء المسحوقين، ولا إلى اعتدائهم السافر على حرمات الساكنين في “رابعة” والجوار .
الحوار الذي دعا إليه شيخ الأزهر أحمد الطيب، هو الوسيلة الوحيدة للحل، والحوار الناجح يتطلب عناصر أساسية أهمها، الاتفاق على مبدأ الحوار، وعدم التمسك بأوراق الضغط أياً كانت، وعدم وضع الشروط المسبقة، ووضع مصلحة البلاد وأهلها فوق كل مصلحة حزبية أو شخصية .
فرص نجاح المفاوضات...؟
نبيل عمرو
عندما تقررت العودة الى مائدة المفاوضات، وأصبحت الشروط القديمة لاستئنافها وراء ظهرنا، بدأت مرحلة طرح الاسئلة، وهي أسئلة من النوع الذي يجاب عنه بالاستنتاج وليس بالمعلومات.
سؤال الاسئلة هو: ما الفرق بين هذه المفاوضات التي حددت لها تسعة أشهر لتتكلل بالنجاح، وبين المفاوضات السابقة التي أخذت وقتاً مفتوحاً، وباءت بالفشل.
وينبثق عن هذا السؤال العام - اسئلة تفصيلية – من نوع ما هي نسبة التفاؤل بالنجاح؟ ونسبة التشاؤم بالفشل؟ وهل هنالك فرص للنجاح، مع وجود حكومة اسرائيلية أهم خصائصها انها يمينية متطرفة يجمعها التشدد وتفرقها المرونة؟
ويبدو على ضوء تجارب الماضي، وخصائص الراهن، ان المجازفة باعلان التفاؤل يبدو ضرباً من ضروب السذاجة، وان المغالاة في التشاؤم لا بد وأن تثير سؤالاً محرجاً للجميع، مفاده اذا كان الانجاز مستحيلاً، فلماذا الذهاب الى هذا المستحيل، بل ودفع رسوم باهظة لقاء المشي على طريقه؟
هذه هي التساؤلات المطروحة بقوة، سواء في اسرائيل أوعندنا هنا في فلسطين، بل انها تساؤلات تفرض نفسها حتى على الاميركيين، أصحاب المقاولة من اولها الى آخرها، وأرباب المجازفة باستيلاد حل خلال تسعة اشهر هي فترة الحمل الطبيعي للولادات السهلة أو الصعبة.
من جانبي، وقد عايشت كل تفاصيل التفاوض مع الجانب الاسرائيلي، سواء بالاشتراك المباشر في المطبخ لفترة ما، أو بمراقبة المجريات عن كثب، فقد تولدت لدي اقتناعات يقينية أحب أن أعرضها على النحو التالي:
أولاً- ان المفاوضات السرية والعلنية وسواء تمت مع حكومات اسرائيلية مرنة أو متشددة لم تترك أمراً الا وناقشته عبر مئات ان لم أقل آلاف الساعات، وفي مراحل عديدة، كان الاتفاق يوشك على الابرام، فتهب عاصفة اسرائيلية تقوض ما تم التفاهم عليه، وتعيد الأمور الى ما دون الصفر، واذا ما أحببنا الافادة من هذا التراث التفاوضي المتراكم، وطلبنا من الأميركيين الذين يحتفظون بأدق التفاصيل حول كل ما جرى في السابق، ان يوظفوا كل هذا في اطار المفاوضات الراهنة، فإن ذلك سيختصر مسافات طويلة، وسيجنبنا البداية من الصفر.
ثانيا: ان المفاوضات ليست مجرد اوراق او مرافعات بليغة حول الحقوق، او مساجلات حول من يتحمل مسؤولية الفشل ومن لا يتحمل، فهذه هي القشرة وليس اكثر. المفاوضات هي صراع معقد ومركب، وغالبا ما تكون الطاولة وأوراقها والجالسون حولها هم جميعا مجرد الجزء اليسير الظاهر من جبل الجليد الغارق في البحر، ما اعنيه ان المفاوض الذي لا يرى ما حوله بصورة واعية ودقيقة ولا يعرف تأثير المتغيرات على الساحة الداخلية والاقليمية والدولية، سيظل مجرد مطالب بشيء، ومسجون داخل هذا الشيء دون ان تفضي مفاوضاته الى اي نتيجة. ولو دققنا في تأثير العوامل المحيطة بالمفاوضات محليا واقليميا ودوليا، لوجدنا انها صاحبة القرار الحاسم في النجاح او الفشل. لقد اهمل هذا الجانب فيما مضى، وكان مفاوضنا يمسك بأوراقه وثوابته، دون الانتباه لما يحيط به، ويسترسل في مرافعاته الاعلامية غير المجدية، وكانت المفاوضات مجرد مناسبة لاثبات قوة الشكيمة والتشدد.
ثالثا: وهنا بيت القصيد، في هذه المرحلة، ان احتمال النجاح الضعيف واحتمال الفشل القوي، يتأثران بصورة مباشرة به. انه القرار الاميركي، فهل يظل قرار هذه القوة الكونية العظمى مجرد وسيط ينقل الافكار والمواقف، ويحاول التقريب بينها؟
وهل سيظل داخل دائرة العمل على الجزيئات لعلها بمجموعها توصل الى اختراق بأي حجم؟
كانت العلة فيما مضى ، تكمن في الأداء الأميركي الذي كان يكبل نفسه بنفسه، حين يعتبر الضغط على اسرائيل واحدة من المحرمات، بينما الضغط على الفلسطينيين واحدة من الضرورات.
ان الرهان الآن، يتجه نحو أميركا وكيف ستدير المفاوضات الراهنة، ولا شك ان هنالك الكثير من الأمور الاجرائية التي يراها الاميركيون ضرورية لتجنب الفشل قد تم الافصاح عنها.الا انه في أمر توليد الاتفاق، ما زالت كلمة السر غامضة، فهل سيفعل الطبيب كيري ما يفعله أطباء التوليد، حين تنقضي الأشهر التسعة وتتعذر الولادة، بأن يقوم بعملية قيصرية اسمها مبادرة أميركية ملزمة لا تقوى اسرائيل على رفضها أو تعطيلها؟
لم ولن يقول الأميركيون شيئاً حول هذا الأمر، الا انهم يواصلون الخطأ لو لم يضعوا ذلك في صلب خططهم، وماذا سيفعلون أولا يفعلون في هذا الأمر، فهذا هو المؤشر الأدق على نجاحهم أو فشلهم.
نحو تعزيز الثقة بين الجانبين
أ.د. ألون بن مئيــر
إذا كان هناك فرصة نجاح بسيطة في المفاوضات الإسرائيليّة – الفلسطينيّة، يجب أن تعتمد هذه على ثلاثة شروط أساسيّة.
أوّلاً- يجب أن تصل هذه المفاوضات لاتفاقيّة حول قضيّة الحدود الحرجة وأن تفصل هذه القضيّة عن قضايا أخرى صعبة متنازع عليها (مثل قضيّة القدس واللاجئين) وتبقى ملتزمة ً بذلك بدلا ً من التطلّع لتحقيق سلام ٍ شامل الذي يتعذّر الوصول اليه في هذه المرحلة. وثانيا ً، يجب أن تبقى الولايات المتحدة مرنة ونشطة وتقدّم أفكارها الخاصّة وتستخدم نفوذها على كلا الجانبين لإبقائهما في مسار التفاوض. وأخيرا ً، يجب تنمية الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال نشاطات التواصل واللقاء من شعب لشعب. وهذه الأخيرة موضوع هذه المقالة.
تشير استطلاعات الرأي المتكررة بأن أغلبية واضحة من الإسرائيليين والفلسطينيين يريدون السّلام. والآن وقد بدأت المفاوضات الرسميّة، يجب ألاّ يبقى الشعبان راضيين عن أنفسهم، إذ هم من يستطيعون البدء بنشاطات التواصل من شعب ٍ لشعب والتي يجب أن تجرى بالتزامن مع مباحثات السّلام. هذه هي الطريقة الوحيدة لبناء الثقة بين الجانبين والسماح لهم مع مرور الوقت برؤية بعضهم البعض بنظرة ايجابيّة مختلفة تماما ً، هذا بدلا ً من الشعور السائد بالتسلّط الذي يتمتّع به الإسرائيليّون والشعور بالإنهزاميّة الذي يعاني منه الفلسطينيّون.
النقاط التالية ليست أفكارا ً ثوريّة، بل أنّ بعض هذه النقاط والإجراءات قد أتّخذ في الماضي ولا تزال تعمل حتّى اليوم ولو على نطاق ٍ ضيّق. غير أنّ هذه الإجراءات والخطوات لم ُتتّخذ أو تُستخدم بطريقة متماسكة وهادفة وثابتة لغرس وتنشئة مجموعة مختلفة من القيم الإيجابية التي ستغذي بدورها الثقة بين الجانبين.
أوّلا ً- الزيارات المتبادلة: يجب أن يطالب الشعبان بأن تسمح لهم حكوماتهم بزيارة بعضهم البعض بسهولة. والقلق أو المخاوف بشأن الأمن يمكن بالتأكيد تسكينها، فإسرائيل في وضع ٍ ممتاز ومميّز في قيامها بالفحوصات الأمنيّة على خلفيّة الزوار مسبقا ً ومنع تسرّب متطرفين إسلاميين وأسلحة. بإمكان إجراء الفحوصات الأمنية عند المعابر على غرار الإجراءات الأمنيّة المتبعة في المطارات، فهذه سريعة ودقيقة. أجل، من الصعب المبالغة بقيمة وأهميّة مثل هذه الزيارات المتبادلة عندما يلتقي الناس العاديّون مع بعضهم البعض ويتبادلون الخبرات والتجارب ويكسبون شعورا ً حقيقيّا ً بإنسانيّة كلّ منهم.
ثانيا ً- النشاطات والفعاليّات النسائيّة: على النساء الإسرائيليّات والفلسطينيّات، وهنّ المتضررات بشكل ٍ خاص من هذا الصراع المستمرّ، أن يستخدمن نفوذهن الهائل في المطالبة بإنهاء الصراع. بإمكانهنّ الإصرارعلى قيام حكوماتهنّ بتسهيل تجمعاتهنّ، سامحين لهنّ بتبادل خبرات الماضي المؤلمة وآمال مستقبل ٍ أفضل. والمعروف أنّ للنساء سلطة أكبر بكثير من الرجال إذا تلاحمت أياديهنّ وخرجن للشوارع بقوّة وبقين متماسكات ومثابرات على المضي قدما ً برسالة التوقّف عن جميع أعمال العنف وإنهاء الإحتلال تدريجيّا ً. ويقدّم دور المرأة في إنهاء الصّراع في ايرلندا الشماليّة وخلال فترات حروب البلقان صورة ً حيّة حول مقدرة النساء على التأثير على مجريات الأحداث.
ثالثا ً- المناسبات الرياضيّة المشتركة: بإمكان فرق كرة القدم وكرة السلّة وفرق رياضيّة أخرى أن تلتقي بالتناوب في إسرائيل وفلسطين للتدريب أو الإشتراك في مباريات وديّة أو لإقامة وتطوير زمالة أو صداقة حميمة. سيدرك الفلسطينيّون أنّ ليس كلّ إسرائيلي يحمل بندقيّة ومتأهب لإطلاق النار على الفلسطينيين، وسيرى الإسرائيليّون أيضا ً الوجه الإنساني المشرق للفلسطينيين وحسن ضيافتهم وسيتوقفون عن مساواة الشباب الفلسطيني بالإرهابيين.
رابعا ً- التبادل الطلابي: حان الوقت للطلبة الفلسطينيين من جميع المراحل (المدارس الإبتدائية والثانويّة والجامعات) أن يختلطوا بأقرانهم الإسرائيليين وأن ينظر الطلبة الإسرائيليون في أعين أقرانهم الفلسطينيين ويتحدّثون معا ً عن طموحاتهم وآمالهم المستقبليّة، متحررين من التشنجات اليوميّة والخوف. لن يُسمح بعد اليوم أن يتغذّى الأطفال الإسرائيليّون والفلسطينيّون بالأفكار السامّة ورفض بعضهم البعض، بل عكس ذلك، يجب تشجيع الطلاب على استعمال أحدث تقنيات التواصل الإجتماعي للتواصل مع بعضهم البعض وتبادل القصص والخبرات ولعب الألعاب. إنّ مستقبل الإسرائيليين والفلسطينيين بأيدي هؤلاء الشباب. وما يتعلمونه اليوم قد يرتدّ على مجتمعاتهم سلبا ً أو يقود إلى مستقبل ٍ يعمّه السّلام والرّخاء.
خامسا ً- المعارض الفنيّة: هناك العشرات من الفنانين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين لم يلتقوا أبدا ً من قبل ويتبادلوا آراء بعضهم البعض لمعرفة مدى انعكاس أعمالهم الفنيّة على حياتهم ومجتمعاتهم. ولذا يجب القيام بمعارض فنيّة مشتركة في إسرائيل وفلسطين تجوب مختلف المدن للسماح للناس، لعامة الشعب، شبابا ً وشيوخا ً، بإحساس ما يجيش في خواطر وعواطف الطرف الآخر من مشاعر. وقد تتسع هذه التبادلات الثقافيّة لتشمل الإحتفالات الموسيقيّة والعروض المسرحيّة وأشكال فنيّة أخرى.
سادسا ً- اللقاءات والندوات الشعبيّة: يجب على الجامعات والمؤسسات الفكريّة وغيرها من المعاهد التعليميّة أن تشجّع الإسرائيليين والفلسطينيين على الإشتراك في مناقشات الطاولات المستديرة حول حتميّة التعايش السلمي والكيفيّة التي بإمكان الطرفين القيام بها لإزالة الحواجز والعوائق بينهما. وبإمكان الطبقة الأكاديميّة التي تلعب دورا ً محوريّا ً في تغيير المفاهيم الشعبيّة أن تقوم بتسجيل مثل هذه اللقاءات والندوات - التي تكون بداية ً على نطاق ٍ محدود – على أشرطة فيديو ونشرها أو إذاعتها بنقل ٍ مباشر (أون لاين) عبر وسائل الإعلام المتعددة لمئات الآلاف من المواطنين. هذا ويجب أن يصبح شعار "حتميّة التعايش السّلمي" شعارا ً منزليّا ً يحتضنه الجميع.
سابعا ً- ندوات لمناقشة القضايا المختلف عليها: يجب إقامة ندوات مشتركة تتألف من أفراد مؤهلين بمختلف الخبرات الأكاديميّة والتجارب الشخصيّة والذين يتمتّعون باحترام وتقدير المجتمع لهم في مجال تخصّصهم ويكونوا مفكّرين مستقلّين ولا يتقلّدون وظائف أو مناصب رسميّة في حكوماتهم ولديهم المعرفة العميقة حول قضايا النزاع. مثلا ً، عند معالجة مستقبل القدس، يجب أن ينضمّ للمشاركين بشكل ٍ خاص علماء دين وأئمّة وحاخامات وكهنة يمثّلون الديانات السماويّة الرئيسيّة الثلاثة، هذا إضافة ً إلى مؤرّخين. وبالرّغم من أنّ القدس قد تصبح عاصمة الدولتين، غير أنّ البحث في إمكانيّات وحلول أخرى أمر مهم، إن لم يكن لأيّ سبب ٍ آخر فعلى الأقلّ لإظهار سبب جدوى أو عدم جدوى خيارات أخرى.
ثامنا ً- تغيير الروايات الشعبيّة: على المسئولين الإسرائيليين والفلسطينيين دور مهمّ جدّا ً ليلعبوه وذلك بتغيير رواياتهم حول القضايا المتنازع عليها. والآن وقد استؤنفت المفاوضات، لزاما ً على الجانبين الحفاظ على موقف شعبي ايجابي ومتفائل. وبصرف النّظر عما إذا كانت هذه المفاوضات ستنجح أو ستفشل، سيواجه الإسرائيليّون والفلسطينيّون بعضهم بعضا ً عاجلا ً أم آجلا ً على طاولة المفاوضات. وكلّما كان الجوّ الذي يخلقانه بينهما أقلّ حدّة ً، يكون من الأسهل عليهما الإجتماع ثانية ً والإستمرار في بناء بلوكات سلام ٍ دائم.
تاسعا ً- دور وسائل الإعلام: على وسائل الإعلام الإسرائيليّة والفلسطينيّة أن تبدأ بالحديث عن التطورات الإيجابيّة بين الطرفين لإعلام الناس بأنّ العلاقات الثنائية ليست جميعها محزنة ومظلمة، بل فيها جوانب ايجابيّة مشرقة. مثلا ً، يمكن أن تتحدّث وسائل الإعلام عن التجارة الجارية والتعاون الأمني والصحّي بين الطرفين وعن الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون في الجامعات الإسرائيليّة وغيرها من الجوانب. بهذا المفهوم يصبح دور وسائل الإعلام مهمّا ً في نشر المعلومات حول الحاجة إلى مزيد ٍ من التواصل بين الشعبين. وعلى وسائل الإعلام أن تذيع الأحداث الإيجابيّة حال وقوعها وعلى المحررين والمعلّقين تشجيع المزيد من هذه النشاطات.
أجل، تستطيع وسائل الإعلام أن تلعب دورا ً محوريّا ً في تشكيل العلاقات الثنائيّة الإسرائيليّة – الفلسطينيّة مؤكدة على حقيقة أنّ هناك شعبان سيعيشان للأبد جنبا ً إلى جنب، رضوا أم أبوا، ولذا فإن التعاون بينهما أمر ٌ لا بدّ منه لخيرهما وازدهارهما مستقبلا ً.
إنّ طموحات الإسرائيليين والفلسطينيين نحو السّلام صادقة ويمكن تحقيقها. ولكن أصاب قادتهم الصّمم وفشلوا مرارا ً في الإستجابة لدعوة الشعب. والآن هي مسئولية الشعب لأخذ زمام المبادرة والتأشير لقادتهم الطريق نحو السّلام.
المفاوضات.. نموذجان متضادان!
د. ناجي صادق شراب
استهل هذاالمقال بعبارة للفيلسوف الانكليزي هوبز أحد أبرز مؤسسي نظرية القوة في العلاقات الدولية والتي يقول فيها : العهود والمواثيق التي لا تظللها السيوف ليست ألا كلمات لا ضمانة لها «لحماية الإنسان». هذه العبارة تنطبق الى حد كبير على كل الإتفاقات التي وقعت بين السلطة الفلسطينية واسرائيل ، والتي لم يبق منها الا الكلمات أو الحبر الذي كتبت به ، ولعل السبب في ذلك فقدان لعناصر القوة المتكافئة القادرة على ضمان تنفيذها والألتزام بها على أرض الواقع ، فالقوة الاسرائيلية حالت دون التقيد بها ، والضعف الفلسطيني أيضا حال دون ذلك . وخضوع هذه الأتفاقات لمنطق القوة من ناحية ، وفقدان عنصر التكافؤ في هذه القوة هو الذي يفسر لنا الى حد كبير أحد اهم اسباب فشل المفاوضات حتى الآن .
لقد إعتمدت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية منذ البداية على النظريتين الرئيسيتين في العلاقات بين الدول وهما: نظرية القوة أو الواقعية، والنظرية المثالية أو السلامية .
اسرائيل بما تمثله من نموذج قوة ، ومن رؤيتها الأمنية المطلقة، ومن تمسكها بنظرية موازين القوة التقليدية التي تقوم على التفوق الاسرائيلي على ما دونه من دول المنطقة ، جسدت وتمسكت بنظرية القوة، وهذه النظرية تقوم على أعتماد الدول على قوتها الذاتية في تحقيق أمنها، ولا تعطي اهتماما كثيرا بمبادئ وقواعد الشرعية الدولية ، وتعتمد على المؤسسة الامنية فيها ، وحيث أن اسرائيل نموذج لدولة القوة ، لأنها قامت أساسا على عنصر القوة ، فهي تعتمد أساسا على قوتها العسكرية الذاتية ، وتربط أي اتفاق توقعه بهذه القوة ، والأولوية هنا لأمنها وقوتها ، بمعنى إذا رأت أن هناك تعارضا بين هذه الإتفاقات وبين اعتبارات الأمن والقوة ، تعطي الأولوية لأمنها ، وخير مثال على ذلك كل الاتفاقات التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية التي لم تلتزم بها ، فلقد أستمرت في مصادرة الاراضي الفلسطينية وتهويد القدس وبناء الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وهي الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية، على الرغم من معرفتها مسبقا أن كل هذه السياسات تتعارض مع إستحقاقات الاتفاقات التفاوضية الموقعة ، وبقيت اسرائيل تمارس سياسة الإحتلال ، وتقليص دور السلطة الفلسطينية وأضعافها ، وتدمير البنية التحتية لأمكانية قيام الدولة الفلسطينية ، وحتى ورقة الاسرى تستغلها بطريقة تتعارض من كسر فجوة عدم الثقة .
هذه النظرية هي التي تحكم السلوك السياسي الاسرائيلي في التعامل مع المفاوض الفلسطيني ، الذي تعامل معه بطريقة فوقية ، أي النظر الى المفاوض الفلسطيني وكأنه مجرد من أي حقوق أو أي قدرة على التفاوض، أي على المفاوض الفلسطيني أن يستمع ويستجيب، لا يملك القدرة على المبادرة أو طرح أي أفكار، واسرائيل من منظور القوة التي تملكها تطرح الخرائط التفاوضية ، وتطرح ما تريد ، وتحدد للمفاوض الفلسطيني حدود مطالبه التي قد لا تخرج عن الحاجات الأساسية في الحياة ، حتى موضوع الدولة الفلسطينية اسرائيل هي من يحدد مواصفات هذه الدولة وشروط قيامها بما لا يتعارض مع أمنها وقوتها .
ولقد ساعد اسرائيل في هذا السلوك ارتباطها بدولة القوة على المستوى العالمي ، وهي الولايات المتحدة التي تربطها علاقات تحالف استراتيجي مع اسرائيل ، وهذا التحالف بين مستوى القوة الاسرائيلية ومستوى القوة على المستوى العالمي هو الذي يفسر لنا الرفض الاسرائيلي لأي التزامات تفرضها عملية مفاوضات متوازنه وتقوم على مبدأ ان هناك شعب فلسطيني محتل وله حقوق مشروعة في قيام دولته .
وقد انعكس هذا التحالف في القوة على تجاهل أو رفض لكل قرارات الشرعية الدولية ، وعدم الألتزام بأي مرجعية دولية غير المرجعية التي تحددها قوة اسرائيل .
وبالمقابل هناك النظرية الأخرى التي تمسك بها الفلسطينيون وهي النظرية السلامية أو المثالية في العلاقات الدولية ، والتمسك بالشرعية الدولية دون توفير عناصر القوة لها ولا خلاف على أهمية هذه النظرية وقدرتها على كسب التاييد والتعاطف الدولي ، وحتى في إستصدار القرارات الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية وخصوصا حقه في تقرير مصيره وبناء دولته ، وفي بطلان كل السياسيات والقرارات التي اتخذتها اسرائيل على الأرض الفلسطينية والتي ترفض أي تغيير في معالم هذه الأرض ، لكن الذي تفتقر اليه هذه القرارات القوة الدولية القادرة على تطبيقها والزام اسرائيل بها ، ولعل نظرية القوة هي التي قد وقفت دون صدور أي قرار له صفة الألزام بسبب الفيتو الاميركي الذي حول كل قرارات الشرعية الدولية بشأن القضية الفلسطينية الى مجرد توصيات غير ملزمة ، وهو ما قد شجع اسرائيل على إنتهاك وعدم التقيد بأي منها ، وشجعها على الإستمرار في سياستها الاحتلالية .
وفي الوقت ذاته فقد ساهم الضعف الفلسطيني والانقسام الفلسطيني ، وفي عدم التكامل ما بين خياري المفاوضات والمقاومة الى ضعف واضح في الموقف الفلسطيني، وعدم قدرته على المساومة ،أضف الى ذلك حالة التراجع في القضية الفلسطينية في أعقاب التحولات العربية ، وتراجعها على المستوى الدولي لبروز أولويات أخرى كالملف النووي الايراني ، وتجدد قضية الإرهاب ، وكلنا يعلم أن المفاوضات هي في النهاية ممارسة للقوة ، وافتقار هذه المفاوضات الى معادلة القوة كان سبب واضحا في فشلها . ومما ساعد على هذا الضعف أيضا ضعف الموقف العربي وعدم قدرته على موازنة القوة الاميركية . نحن إذن أمام نموذج لمفاوضات القوة والضعف ، وحتى تستقيم الأمور لا بد من مراجعة أسس هذه العلاقة ، وتحسين الموقف التفاوضي الفلسطيني ، وتحسين الموقف العربي حتى يمكن الوصول الى درجة أكبر من القدرة على المساومة ومواجهة الضغوطات المفروضة على المفاوض الفلسطيني .
وهذه المعادلة مهمة من أكثر من زاوية ، فمن ناحية تلزم اسرائيل بالالتزام بأي عملية تفاوضية ، ومن ناحية أخرى تقلل من مستوى التنازل الذي يبديه المفاوض الفلسطيني، ومن ناحية ثالثة تقود الى حد كبير الى مفاوضات اكثر توازنا، وتعيد للشرعية الدولية اعتبارها ، فشرعية وقرارات دولية بدون سيوف تظللها على حد تعبير هوبز ليست الا مجرد كلمات ، وقد لا تساوى الحبر المكتوبة به . هذا هو الدرس الأول من وراء فشل المفاوضات فقدان التوازن في عناصر القوة والتي ليس بالضرورة أن تكون عسكرية فقط .وأخيرا يجدر التذكير بهاتين النظريتين مهم والمفاوضات الفلسطينية عادت من جديد، ويبقى التساؤل ما الجديد الذي قد طرأ على بيئة المفاوضات ؟
وهل إستعاد الفلسطينيون قوتهم ، ونجحوا في تحسين مستوى الخلل في موازين القوة مع إسرائيل؟ الإجابة على هذه التساؤلات تفيد في القدرة على التنبؤ بالمفاوضات الحالية ، وإلى أين تتجه للفشل ام النجاح؟
مقالات جريـدة الأيام
أطراف النهار... شاب نابه من آل فطافطة؟
حسن البطل
سموها كما شئتم: هجرة أدمغة، هجرة كفاءات، بطالة خريجين أكاديميين .. لكن، قصة شاب من آل فطافطة في بلدة ترقوميا ربما تجمع المسميات السابقة. قلة من المتقدمين لامتحانات التوجيهي تختار فروع الصناعة والسياحة .. والزراعة أولاً، والحال ليس أسعد حالاً بكثير في الاختصاصات الجامعية الأكاديمية.
شاب ذكي وموهوب من آل فطافطة الفلاحين أحرز معدلاً عالياً في القسم العلمي من شهادة التوجيهي، ثم اختار أن يدرس في جامعة بيرزيت اختصاص الزراعة، ربما متأثراً بوالده المزارع المجد، ثم اختار أن يدرس الماجستير في فرع الهندسة الوراثية.
ماذا حصل معه؟ بحث عن عمل في الوزارات، في المؤسسات غير الحكومية، وأخيراً وبعد مشقة وتعب، قبلت مؤسسة غير حكومية تشغيله براتب مقطوع مقداره ١٥٠٠ شيكل فقط لا غير. الشاب قبل مضطراً لكن استمهلوه زمناً ثم زمناً للتوظيف، وبقي متعطلاً اكثر من سنة.
في غضون فترة البطالة، راح يبحث في الانترنت عن فرصة عمل، فوجدها في إعلان مشترك من منظمة الأغذية والزراعة الدولية ووكالة أميركية، يطلب امتحان ٤٠ متقدماً على نطاق العالم.
ماذا حصل؟ نجح هذا الشاب الفلسطيني - الترقومي - الفطافطي مع أربعة متقدمين فقط .. وكان الأول على الأربعة أيضاً، فنال منحة دكتوراه لدراسة الهندسة الزراعية الوراثية في ألمانيا.
المنحة تشمل مصروف جيب مقداره ١٤٠٠ يورو، وبطاقة تتيح له تناول ثلاث وجبات طعام مجاناً، وتذكرتي سفر سنوياً، وإقامة سكن مجانية .. وهذا لمدة الدراسة على مدى ثلاث سنوات. الذي كان ترتيبه الأول على أربعة ناجحين من أصل ٤٠ متقدماً على نطاق العالم، لفت انتباه منظمة الفاو ومنظمات زراعية أميركية، وعرضوا عليه أن يعمل معهم بعد التخرج براتب شهري مبدئي يقارب الـ ٩٠٠٠ يورو.
القمح، والذرة، والأرز هي السلع الغذائية الرئيسية لسكان المعمورة، ومن ثم تبذل "الفاو" جهودها لرفع إنتاجية الوحدة الزراعية من هذه المحاصيل الأساسية للغذاء البشري، مع وقايتها من الأمراض أيضاً. يعمل هذا الشاب الفلسطيني - الترقومي - الفطافطي على برنامج لزيادة غلة القمح بنسبة ٢٠٪ وذلك عن طريق هندسة وراثية معينة تؤدي إلى وقف معادلة نمو قمح السنابل إذا اصفرت أوراق السنبلة وتوقفت عن النمو، أي زيادة حمولة السنابل من القمح حتى بعد اصفرار الأوراق والى جانب المحاصيل الغذائية الرئيسية من الحبوب (القمح والذرة والأرز) فإن لديه برنامجاً آخر للهندسة الوراثية يتعلق بأكثر الخضراوات استهلاكاً في العالم، أي بالبندورة (الطماطم) وذلك بتعديل في هندستها الوراثية بما يجعل الثمرة أطول فترة في البقاء طازجة، دون حاجة إلى كيماويات زائدة (ومضرة) أو بالتشميع، أو بالتشعيع.
هذا يعني زيادة التجارة العالمية بهذه الثمرة (وهي فاكهة في مسمى خضراوات) وتقليل التالف منها أثناء النقل والتخزين. بماذا يفكر هذا الشاب بعد نيله شهادة الدكتوراه في الهندسة الوراثية؟ هل يعود إلى ترقوميا وفلسطين ليضع خبرته في خدمة بلده وشعبه، أم يتابع في دول خارجية كخبير عالمي فلسطيني في مجاله؟!
هذه حالة من حالات كثيرة عن ضعف بلاده في توظيف مهارته فيها، وعن مواهب كثيرة تتفتح في ديار الغربة بدعم من منظمات غير حكومية ودول تهتم بالنابهين من شعبها وشعوب العالم.
بطيخة فلسطينية
لونها يميل الى الأخضر الداكن. حجمها يقل عن حجم بطيخات أخرى اسرائيلية وتحمل "التمغة" بالعبرية.. وأخيراً سألت في "السوبرماركت" هل هذه بطيخة فلسطينية؟ قالوا: نعم. اشتريتها وتذوقتها وجمعت بزرها الكثير لإعداده كما كانت جداتنا وأمهاتنا وأخواتنا تعدّه "تسالي". لماذا البطيخ الفلسطيني لأسواق المستهلك الفلسطيني بعد غياب عشرات السنين، وبعد تصليبه على نبات اليقطين ذي الجذور القوية، بعد أن انقرض بسبب أمراض في التربة انتقلت إلى النبات.
نقد خيار المفاوضات إلى الأبد وبأي ثمن
هاني المصري
سأناقش في هذا المقال وجهات النظر التي تؤيد استئناف المفاوضات "إلى الأبد وبأي ثمن"، لدرجة أن بعضهم دعا علنًا صاحب القرار الأول إلى تجاوز المؤسسة والإجماع الوطني لأنها لا تزال تنتمي إلى الماضي ومأسورة بالتشدد وإطلاق الشعارات.
إذا دققنا بالحيثيّة الرئيسيّة التي يوردها هؤلاء نجد أنها تكمن في الرهان على الإدارة الأميركيّة، خصوصًا في عهد رئاسة باراك أوباما، وعلى جهود ومثابرة وجديّة جون كيري الذي أظهر إصرارًا عنيدًا، خلال الشهور الماضية، على استئناف المفاوضات، وسيظهر إصرارًا مماثلًا على نجاحها، لأنه لديه حلم ومؤمن بأنه قادر على تحقيق ما عجز أسلافه عن تحقيقه. والحجة المفحمة لأصحاب هذا الخيار أن الولايات المتحدة عقدت عزمها على إقامة دولة فلسطينيّة على حدود 1967 مع تعديلات، وأن أوروبا مضت أبعد من أميركا في هذا الاتجاه عندما أصدرت قرارها الأخير بخصوص الاستيطان.
ويواصلون تقديم براهينهم بالقول: إن أميركا وأوروبا والعالم كله سئموا من استمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ويريدون التوصل إلى حل له لمصلحة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وحفاظًا على نفوذهم ومصالحهم المتداعية في المنطقة في ظل زلزال المتغيّرات والثورات والفوضى الذي لا يعرف أحد ما هي تداعياتها النهائيّة.
لا يتوقف أصحاب الرهان على الأميركيين طويلًا أمام لماذا ستنجح الإدارة الأميركيّة هذه المرة بينما فشلت طوال أكثر من عشرين عامًا منذ عقد مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 وحتى الآن، متجاهلين أنها ستفعل ذلك من أجل توظيف الفوضى العربيّة للضغط على الفلسطينيين للقبول بـ"تسوية تصفويّة"، واستكمال بناء حلف عربي أميركي إسرائيلي ضد إيران، وخشية من انفجار الوضع الفلسطيني الذي سيزيد الوضع العربي تفجرًا على تفجير، وسيجعله ينقلب ضد أميركا وإسرائيل، وورقة الانفجار هذه يجب أن تكون ورقة قوة في يدنا لا ضدنا، وبالتالي علينا إبقاؤها مفتوحة واللجوء إليها إذا احتاج الأمر، وليس إلقاءها على قارعة الطريق مثلما فعلنا بمعظم أوراق القوة التي كانت لدينا.
ولا يتوقفون أمام معنى النجاح الأميركي في التوصل إلى تسوية في ظل تبني إدارة أوباما للرواية الصهيونيّة كاملةً، وتعهدها بعدم الضغط على إسرائيل، وفي ظل الاختلال الفادح في ميزان القوى لصالح إسرائيل، وزيادة الدعم والاعتماد الأميركي عليها بعد أن أثبتت التغييرات العاصفة في المنطقة أن إسرائيل هي الحليف الوحيد الدائم والمستقر الذي يمكن الاعتماد عليه، فكل حلفاء أميركا الآخرين سقطوا أو معرضين للسقوط في أي لحظة.
إن النجاح في الجهود الحاليّة يحمل معنى واحدًا يتجلى في قدرة المفاوض الإسرائيلي المدعوم من الراعي الأميركي على استمرار الوضع الحالي كما هو، أو من خلال فرض حل انتقالي (أسوأ من أوسلو) أو نهائي يصفي القضيّة الفلسطينيّة من جميع جوانبها.
يجهد منظرو المفاوضات أنفسهم للتدليل على أن الواقع الفلسطيني ضعيف وسيئ جدًا، ومدى تأثير الانقسام المدمر عليه، وأن الواقع العربي أسوأ، وأن العالم كله يدفعنا إلى المفاوضات، وأن عدم الانخراط فيها هو خضوع لمنطق الشعارات بدلًا من منطق الحسابات. فالشعارات تريد كل شيء ولا تحقق شيئًا، بينما الحسابات تنجز ما يمكن إنجازه، ويتناسون أن الواقع السيئ يقتضي التعامل معه من أجل تغييره وليس الخضوع له كما يطالبون.
يرددون أن المفاوضات تعني "المساومات" .. نعم، ولكنهم يتجاهلون أن الفلسطينيين بحكم قيادتهم "الرشيدة" قدّموا قسطهم من التنازلات منذ زمن بعيد، وعليهم أن يوقفوا مسلسل "التنازلات" ويبدؤوا بجمع أوراقهم من جديد.
لقد اعترفت القيادة الفلسطينيّة بإسرائيل من دون أن تعترف حتى بالدولة الفلسطينيّة، وتخلت عن الكفاح المسلح وتبنت المفاوضات الثنائيّة كطريق وحيد لحل الصراع من دون أن توقف إسرائيل مخططاتها العدوانيّة والتوسعيّة والاستيطانيّة والعنصريّة.
وحيّدت القانون الدولي وقرارات الشرعيّة الدوليّة والمجتمع الدولي، ووافقت عمليًا على مقايضة الدولة بحق العودة من خلال موافقتها على حل "عادل" متفق عليه لقضيّة اللاجئين، وعلى معايير كلينتون التي في جوهرها تعني حق عودة قسم من اللاجئين إلى الدولة الفلسطينيّة والتعويض، وليس حق العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها.
ووافقت على مبدأ تقسيم القدس الشرقيّة وضم الكتل الاستيطانيّة إلى إسرائيل في مفاوضات "كامب ديفيد" و"طابا" ومع حكومة أولمرت في العام 2008، عبر موافقتها على مبدأ "تبادل الأراضي"، واعتباره جزءًا من مرجعيّة المفاوضات. هذا المبدأ الذي يعطي الشرعيّة لما أقامته إسرائيل، وما يمكن أن تقيمه من حقائق احتلاليّة واستيطانيّة على الأرض، وبعد أن حافظت على التنسيق الأمني في كل الظروف والأحوال، بالرغم من تجاوز إسرائيل لالتزاماتها في اتفاق أوسلو وإصرارها على بدء المفاوضات من نقطة الصفر، ما يعطي الجانب الفلسطيني فرصة للتراجع عن هذا المسار المدمر.
لقد اعتمدت القيادة الفلسطينيّة في مرحلة ما بعد الرئيس الراحل المغتال ياسر عرفات خطة إثبات الجدارة وبناء المؤسسات وتطبيق الالتزامات الفلسطينيّة من جانب واحد لإحراج إسرائيل، ووضع أميركا والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهما وإثبات حسن النيّة كطريق لإقامة الدولة الفلسطينيّة، لتمر السنوات من دون أن يحصلوا على شيء يذكر رغم اعتراف العالم بجهوزيّة الفلسطينيين. فالعالم لم يتحمل مسؤولياته وطلب من الفلسطينيين مواصلة طريقهم وكأنه طريق إلى الأبد أو إثبات لا ينتهي للجدارة.
الدعوة للمساومة في ظل الواقع الفلسطيني والعربي والدولي البائس الذي يشيرون إليه لتبرير استئناف المفاوضات، وفي ظل ما تقوله وتفعله أسوأ حكومة في تاريخ إسرائيل يعني عمليًا دعوة للاستسلام والاعتراف بالهزيمة عبر الاستعداد لتقاسم الضفة الغربيّة مع إسرائيل وتصفية قضيّة اللاجئين مقابل دويلة تقام على الشظايا مقطعة الأوصال، على أساس أن هذا هو الممكن، والسياسة عند هؤلاء هي "فن الممكن"، والممكن هو ما تعرضه إسرائيل فليس، بالإمكان أبدع مما كان، بينما السياسة في الحقيقة هي "فن أفضل الممكنات".
ولا يفوّت بعض منظري المفاوضات نقد الأداء الفلسطيني مستلهمين ما قاله وكتبه الرئيس أبو مازن بُعيد توقيع اتفاق أوسلو بأن هذا الاتفاق يمكن أن يقود إلى دولة أو إلى كارثة، وهذا يتوقف على الأداء الفلسطيني. المشكلة ليست في الأداء فقط وإنما في الطريق الذي سلكته القيادة منذ عشيّة أوسلو وحتى الآن.
ولقد حمل هؤلاء - سابقًا - الرئيس ياسر عرفات وأداءه المسؤوليّة عن فشل أوسلو، لأنه لم يسر إلى النهاية في خط المفاوضات، ولم يترك كليًّا خط حركة التحرر الوطني والكفاح، وعاد إلى استخدام المقاومة المسلحة لتحسين شروط المفاوضات، وحمّلوا "حماس" والجهاد الإسلامي المسؤوليّة لأنهم نفّذوا العمليات الاستشهاديّة لإفشال أوسلو وإثبات جدارتهم بقيادة وتمثيل الفلسطينيين، في حين كان المطلوب من الفلسطينيين السير إلى النهاية في طريق إقناع إسرائيل وأميركا أن قيام دولة فلسطينيّة مصلحة لهما وإثبات أكثر وبصورة لا لبس فيها أنهم قادرون على المساهمة في الأمن والاستقرار بالمنطقة.
ينسى هولاء أن هذا الخط الذي ينادون به جرب بعد اغتيال ياسر عرفات وحتى الآن، ولم يؤد سوى إلى الضياع والانقسام وتعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتقطيع الأوصال والاستمرار به بعد كل ما جرى سيؤدي إلى الاستسلام.
نعم، إن الواقع الفلسطيني والعربي والدولي سيء للقضيّة الفلسطينيّة وهذا يجعل السقف الفعلي للفلسطينيين منخفضًا، سواء إذا فاوضوا أم لم يفاوضوا، ولكنهم إذا فاوضوا وهم ضعفاء ومنقسمون ومن دون إستراتيجيّة تكفل إعادة بناء قدراتهم مهما طال الزمن سيسهل تصفية قضيتهم.
جذر الخلل عند أصحاب خيار المفاوضات إلى الأبد التصور الخاطئ بأن التسوية ممكنة وعلى الأبواب، وأنّ علينا الاكتفاء بالحصول على ما يعرض علينا لكي نحصل على ما تبقى في مرحلة لاحقة، تصور مدمر لأنه يفقدنا ما تبقى من عناصر قوة ووحدة، أهمها عدالة القضيّة الفلسطينيّة وتفوقها الأخلاقي وطابعها التحرري الوطني، وتصميم الشعب الفلسطيني على الكفاح لتحقيق حقوقه رغم كل الهزائم والمعاناة والتضحيات، وبعدها العربي واستمرار وجود حركة تضامن دولي فاعلة، فهناك مظاهر لاستمرار الحيويّة الوطنيّة نراها بكل أشكال المقاومة المثمرة والمقاطعة والحراك في داخل فلسطين والضفة وغزة والشتات، يضاف إلى ذلك أن ليس كل ما يجري في العالم العربي سيئًا، بل هو يفتح آفاقًا رحبة في المدى المتوسط والبعيد، وأن العالم لم يعد أحادي القطبيّة، وهناك تراجع نسبي ملحوظ للدور الأميركي المساند لإسرائيل، وصعود قوى جديدة يمكن أن ننسج العلاقات معها ونراهن عليها.
إذا كانت التسوية المتوازنة ولا أقول العادلة غير ممكنة فليس البديل أن نقبل أو نتعايش مع تسوية استسلاميّة تحقق جوهر الشروط والمصالح والأهداف الإسرائيليّة بحيث تصبح قيدًا على النضال اللاحق.
حتى نحافظ على القضيّة حيّة وعلى الحقوق والأهداف وعلى صمود الشعب الفلسطيني وتواجده على أرض وطنه، لا بد من اعتماد إستراتيجيّات جديدة يمكن أن تكون انتقالية تمهد لنقطة تحوّل حاسمة، إستراتيجّات تقوم في المرحلة الأولى على "درء المفاسد أولى من جلب المنافع" والحفاظ على الحقوق والمكاسب والوحدة، ويمكن فيها الجمع بين المفاوضات والمقاومة مع التركيز على المقاومة، والتحلل التدريجي من قيود والتزامات أوسلو، مع السعي لتقليل الخسائر والأضرار، وعدم التوهم بإمكانيّة التوصل إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينيّة من دون تغيير حقيقي في ميزان القوى، فكيف من الحقوق الفلسطينيّة؟! فالمرحلة ليست مرحلة تسوية متوازنة وإنما مرحلة مجابهة.
بديل المفاوضات الآن وما بعد الشهور التسعة
مهند عبد الحميد
يندر وجود هذا الكم الهائل من المتوقعين فشل المفاوضات في أربعة اركان الارض. توقع الفشل دفع البعض للاعتقاد بأن النجاح ممكن. ففي كل المرات السابقة كان الحديث يدور عن امكانيات النجاح وكان المتفاوضون يحصدون الفشل. في هذه المرة يتبارى كثيرون في توقع الفشل وفي نتائجه وطريقة إخراجه، وفي حالة حدوث العكس فهو استثناء بل هو الجنون بعينه. ولما كانت السياسة علم يخضع لحسبة موازين القوى والمصالح والمقدمات والمقومات والتراكم والنتائج، بعيدا عن الاخلاق والمبادئ والتمنيات فلا مكان للمقامرة بتوقع نجاح بلا مقدمات ومقومات.
استؤنفت المفاوضات على قاعدة تنازلات فلسطينية كثيرة عن شروط الذهاب للتفاوض وتراجع إسرائيلي قليل، وتطمينات أميركية بلا رصيد. اصبح الذهاب الى المفاوضات وراء الظهر. ولا تفيد المراوحة والتثبيت عند موقف الذهاب او عدمه. الان من المفترض أن يتغير الموقف، الى مثلا المطالبة بانسحاب الوفد الفلسطيني ردا على اول إعلان إسرائيلي بإضافة وحدات سكنية داخل المستعمرات وفي مدينة القدس. هذا الموقف هو اضعف بكثير من موقف المطالبة بالامتناع عن الذهاب للمفاوضات ما لم تلتزم دولة الاحتلال بوقف الاستيطان وتعترف بحدود الدولة الفلسطينية وبالافراج عن الاسرى. ورغم ذلك فإن موقف المطالبة بالانسحاب يظل مشروعا في ظل طغيان فشل المفاوضات وافتقادها لكل المقومات.
ما هو اكثر أهمية الان وبعد استئناف المفاوضات هو الاستعداد لما بعد انقضاء مدة المفاوضات المحددة بتسعة شهور. فالذين رفضوا استراتيجية المفاوضات طوال الوقت والان، عليهم الانتقال من الرفض والوعي بالتحديات الى وضع تصورات وبرامج لمواجهة الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري. تصورات قابلة للتطور والاعتراض الفعلي على الاستباحة الاسرائيلية للارض والشعب. تصورات تستقطب وتشرك الفئات المتضررة من الاحتلال وسياساته - السواد الاعظم من الشعب - في إفشال مخططات النهب والاقصاء. وتستقطب الحلفاء الحقيقيين المناهضين للاحتلال وسياساته عربيا وعالميا، وإسرائيليا – الاتجاهات الرافضة للاحتلال والعنصرية - في جبهة عريضة تتولى مهمات الضغط والمقاطعة والعقوبات والعزل لدولة الاحتلال. ان الاكتفاء برفض سياسة التفاوض ورفض الذهاب للمفاوضات بشروط وبغير شروط هو وجه سلبي لا يؤدي الى اي نتيجة غير مزيد من الاحباط واليأس.
إن الوعي بخطر طريق المفاوضات لا يستقيم إلا بشق طريق آخر يضع الشعب أمام خيار حقيقي للاستقطاب خيار، يدرأ الخطر ويقطع الطريق عليه، ويعزز الثقة بقدرات الشعب الفلسطيني على الصمود وانتزاع الحقوق وصونها. وهنا لا بد من الخروج من دوامة عدم امتلاك بديل واقعي قابل للتطور، الذي يجيز للاتجاه المركزي البقاء ضمن استراتيجية فشلت مرة بعد مرة وطوال 20 عاما. الرفض المقرون بعدم امتلاك بديل واقعي مبدئي، والقبول المقرون بعدم وجود خيار آخر والمفتوح على حالة من الانتظار والتآكل الداخلي والتكلس. خياران يجسدان المأزق الفلسطيني منذ عقدين. خياران يعيدان تجديد المأزق بمستوى اكثر عجزا وانحدارا ويأسا.
إن مجرد وجود خيار آخر يتم الاستقطاب على أساسه يخرجنا من ثنائية القبول والرفض التي احدثت شللا في بنية المؤسسة وعزلتها عن المجتمع والقواعد العريضة من المواطنين. ثنائية ساهمت في إقصاء الشعب وأودعته في مقاعد الانتظار. لا ينبغي التسليم بعزل الشعب عن معركة المفاوضات التي تجري فيها محاولة تقرير مصيره. وكل حديث عن سرية المفاوضات والامتناع عن قول اي شيء من قبل المتفاوضين بناء على طلب كيري، لا يستقيم مع ضرورة استنفار الشعب الفلسطيني وتصديه للزحف الاستيطاني وأعمال النهب والخنق التي تمارسها دولة الاحتلال. ولا شك في ان زخم الفعاليات الشعبية سيترك بصماته على طاولة المفاوضات.
لقد سادت ثقافة غطرسة القوة طوال فترات التفاوض السابقة. كمحاولة دولة الاحتلال استبدال القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كمرجعية للمفاوضات، بنصوص دينية توراتية "أرض الميعاد، وشعب الله المختار" هذه النصوص التي تنطلق منها اسرائيل لفرض الامر الواقع الكولونيالي. وتأتي مطالبة القيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة امتدادا لمحاولة وسياسة الاستبدال التي تخيم على أجواء المفاوضات. ويأتي الموقف الاسرائيلي الذي لا يعترف بانطباق القانون الدولي وبخاصة اتفاقيات جنيف على الشعب والارض الفلسطينية، كنتيجة مأساوية لثقافة غطرسة القوة. ان عدم التصدي الدولي لغطرسة القوة واستبدال القانون الدولي كان حافزا مشجعا لدولة الاحتلال لتوسيع أطروحاتها العنصرية، كالتعامل مع مدينة القدس المحتلة "كعاصمة ابدية لاسرائيل".
والتعامل مع الاراضي الفلسطينية باعتبارها "أرض الاباء والاجداد" التي تبرر اقتطاع وسرقة الارض الفلسطينية، كمنطقة الاغوار "وعموم مناطق (ج) التي لا غنى للامن الاسرائيلي عنها كما تزعم دولة الاحتلال، وتبرر بناء جدار الفصل العنصري الذي يقتطع 10% من أراضي الضفة الغربية. وتبرر التعامل مع الاسرى الفلسطينيين ليس كمناضلين من أجل الحرية بل "كإرهابيين ملطخة أيديهم بالدماء" لا تفرج عنهم وتستبقيهم في السجون الى ما لا نهاية.
وإذا كان الموقف الدولي قد شجع دولة الاحتلال على دوس القانون الدولي بمختلف مكوناته وبخاصة قرارات الشرعية الدولية، فان الحركة السياسية والثقافية الفلسطينية لم تخض هذه المعركة بالمستوى المطلوب.
الان وفي ظل المفاوضات التي تحتكر الاشراف عليها الولايات المتحدة من المهم خوض هذه المعركة، معركة اعتماد القانون الدولي وقرارات الشرعية كمرجعية وحيدة للمفاوضات ولحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف.
وانعكست ثقافة غطرسة القوة على مواقف اسرائيلية "لا يوجد مواعيد مقدسة".
وفي كامب ديفيد توجد مواعيد مقدسة إذا انتهت من غير اتفاق انتهت فرصة الوصول الى حل نهائي. "إما ان توافق القيادة الفلسطينية على الصفقة او تتم إزالة الموافقة الاسرائيلية على كل شيء". "إما أن توافق القيادة الفلسطينية على الصفقة او تفقد صفة الشريك".
ولا يوجد في ظل المفاوضات الراهنة ما يشير الى تجاوز سياسة الاستعلاء والابتزاز ومحاولة فرض إملاءات ومحاولة تحميل القيادة الفلسطينية المسؤولية عن إضاعة فرصة الحل والمسؤولية عن بقاء الاحتلال والمسؤولية عن الفشل. هذا ما حدث في كامب ديفيد 2000 وفي أنابوليس 2008 ومن المتوقع تكراره في المفاوضات الراهنة.
ما يهم هو فضح سياسة غطرسة القوة ورفضها وعدم التسليم بالابتزاز.
دفاتر الأيام... هــنــــا الــقـــدس
زياد خدّاش
خرجت من لقاء مطول في مقر المؤسسة الفلسطينية للتنمية الثقافية (نوى) مع العزيز نادر جلال، "مدير المؤسسة"، وأنا فاقد للقدرة على التركيز وأحياناً النطق خجلاً من نفسي، ومتحسراً على وطن لا يعرف شيئاً عن غنى ماضيه وعمق تراثه، أعترف أن ثقافتي الموسيقية ضعيفة "رغم حبي الكبير للموسيقى"، وأنني أحاول دوماً تطويرها وتعميقها، كنت أعرف بشكل عام أن هناك بعض المؤلفات الموسيقية الفلسطينية قبل عام 48، وأعرف عن زيارات قام بها شعراء وفنانون عرب شهيرون الى يافا، والقدس، تأكيداً على مركزية دور المدينتين الكبير ثقافياً وعمرانياً وصناعياً وفنياً قبل 48.
إن حقيقة حجم إسهام الموسيقيين الفلسطينيين في نهضة الموسيقى العربية صعقتني. قال لي نادر: بالصدفة عثرت على هذا البيت واتخذته مقراً للمؤسسة، والمفارقة هي أنني اكتشفت أني من مواليد هذا البيت، وأن أحد أبنائه هو أخي بالرضاعة، هذا كله جعل انتمائي وعلاقتي بهذا المكان حميمياً وخاصاً، وزادني حماسة لموصلة مشروعي في جمع وأرشفة تراث الموسيقيين الفلسطينيين قبل عام 48. أعرف نادر من 20 عاماً، ولكني لم أره بهذا الحجم والحدة في الانفعالات وهو يتحدث عن حلمه الكبير في جمع تراث الفلسطينيين الموسيقي.
يسافر نادر الى العديد من دول العالم بحثاً عن آثار موسيقية وأبحاث وأخبار لموسيقيين فلسطينيين، غادروا عالمنا، لكن أحفادهم وأبناءهم مازالوا يحتفظون بآثارهم وتفاصيل حياتهم، وانجازاتهم. بدأ نادر برنامج استعادة التراث تحت عنوان "هنا القدس"، بدأه مع الفنان "روحي الخماش" الذي كان من أشهر فناني اذاعة "هنا القدس" في الثلاثينات حيث عمل رئيساً للفرقة الفنية التابعة للاذاعة، وغاد الى العراق عام 48، حيث أسهم بشكل كبير في إغناء الحياة الموسيقية العراقية، وعمل مدرساً في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وأسس فرقاً موسيقية قدمت من خلالها مؤلفاته في مجالات موسيقية عدة كالموشحات والأناشيد الدينية والأغاني الوطنية.
أصدرت "نوى" ألبوماً لمؤلفات الخماش الموسيقية في فن الموشحات، واحتفت بذكراه في احتفال غنائي كبير جرى في قصر الثقافة برام الله قبل عام، أربعون اسماً لموسيقيين فلسطينيين، بعد روحي الخماش في قائمة برنامج
"هنا القدس"، يقول نادر إنه شرع في البحث عن أرشيف الفنان محمد غازي، يليه آخرون كان لهم دور عظيم في نهضة فلسطين موسيقياً، قبل نهضات العديد من دول العالم العربي كالقاهرة وبيروت.
من الأسماء: رياض البندك، يحيى اللبابيدي رجب الأكحل، أبوسعيد الحطيني، يوسف بطروني، يوسف خاشو، ابراهيم عبدالعال، جليل ركب، وآخرون كثيرون..
تحية الى شخص نادر جلال الذي مازال صامداً ومتحمساً ومتفرغاً لحلمه، رغم كل المحبطات من نقص التمويل ومن تجاهل المؤسسات الرسمية، كل الحب إلى مؤسسة "نوى".
نقطة ضوء... سلاح التلميذ النجيب في مفاوضات رام الله وتل أبيب..!!
حسن خضر
في كل نظم التعليم، في الشرق والغرب، يوجد شيء اسمه "سلاح التلميذ"، أو ما يشبه هذا الاسم. ووظيفته تبسيط المُقرر، واستنباط أسئلة متوقعة في امتحانات آخر العام، وتقديم إجابات نموذجية تضمن للطالب أفضل العلامات. وغالباً ما يتولى معلمون سابقون مهمة تأليف هذا النوع من الكتب، التي يُقبل عليها الطلاّب، وتعود على مؤلفيها، وناشريها، في مطلع العام الدراسي، أو قبيل الامتحان، بعوائد مالية كبيرة ومضمونة.
وفي السياسة، أيضاً، يوجد ما يشبه "سلاح التلميذ" (يضم "موقفنا"، وبيانات، وخطابات، وتحليلات)، تُختزل فيه القضايا والمسائل السياسية، وتُستنبط منها أسئلة، ويُجاب عنها بطريقة نموذجية، تضمن لصاحبها الصعود في التراتبية التنظيمية، والنجاح في السجال العام.
أما الفرق بين "سلاح التلميذ" في المدرسة، ونظيره في السياسة، فيتمثل في حقيقة أن "مؤلفي" الثاني هم في أغلب الأحيان من كبار العاملين في الحقل السياسي، وهم في الوقت نفسه الناشر، والموزِّع، وغالباً ما يعود عليهم بعوائد رمزية تضمن مكانهم ومكانتهم في الحقل السياسي، ولهذه وتلك عوائد مالية، وامتيازات اجتماعية، أيضاً، طالما أن المؤلفين وأحزابهم جزء من مكوّنات الحقل السياسي في هذا البلد أو ذاك. ولا يندر أن يلتحق بهؤلاء "طرشان الزفة"، والحاوي، والهاوي.
أما إذا كانوا "تحت الأرض"، فإن جائزة الفوز تتمثل في تجنيد المزيد من الأنصار، وفي الحلم بيوم الامتحان الأخير، والخروج إلى السطح، عندما يبرهن الواقع على صدق وصحة الإجابات، وينال مؤلفوها، ومستهلكوها، جزءاً من كعكة السلطة، وربما الكعكة كلها.
كل هذا الكلام يصدق علينا وعلى غيرنا. وتصدق به، ومعه، حقيقة أن وظيفة "سلاح التلميذ" في الحقل السياسي جزء من الاقتصاد السياسي للموالاة والمعارضة على حد سواء. وبقدر ما يتعلّق الأمر بفلسطين والفلسطينيين ثمة مشكلة تتجلى في أن المواد المُقررة، وما تحتمل من إجابات، تغيّرت وتتغيّر باستمرار، إلى حد أصبح معه "سلاح التلميذ"، جزءاً من الخردة الأيديولوجية. يُعاد تدويرها، واستهلاكها، بلا كلل أو ملل.
ولعل استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، مؤخراً، وسيلة إيضاح مفيدة في هذا الشأن. قامت الدنيا بعد الإعلان عن استئناف المفاوضات ولم تقعد. وتسابقنا إلى ما في "سلاح التلميذ" من إجابات. ومن أكثر الإجابات شيوعاً أن تجد بين معارضي العودة إلى المفاوضات القائل: إن الجولة الجديدة "مضيعة للوقت، وعبثية". وفي هذا القول، بالذات، ما يستحق التفكير والتدبير.
ما معنى مضيعة للوقت؟
لو كانت فرقنا المدرعة في الطريق إلى تل أبيب، لقلنا إن الذهاب إلى المفاوضات في هذا التوقيت، بالذات، مضيعة للوقت. لو كان وزير الخارجية الأميركي قد جاء إلى رام الله ليرجو عدم سحب ملياراتنا في المصارف الأميركية، خوفاً، من انهيار الاقتصاد في بلاده، لقلنا إن الذهاب إلى المفاوضات مضيعة للوقت. ولكن لا خيل عندك تهديها ولا مال، كما قال طيّب الذكر، أبو الطيّب المتنبي.
وما معنى عبثية؟
فلو كانت عبثية (أي لا تؤدي إلى نتيجة) هل تستحق كل هذا القدر من الحماسة، وبيانات الإدانة والتنديد، والتحذير من "التفريط" في حق العودة، واللاجئين، والتذكير بالخطوط الحمراء، وكأن القيامة غداً. هذا يتنافى، بالتأكيد، مع معنى العبث، بل إن العبث هو الرد بهذه الطريقة.
والواقع إن عودة أسير واحد إلى ذويه، بعد عقود في السجون الإسرائيلية، حتى وإن كانت النتيجة الوحيدة لاستئناف المفاوضات، أفضل من ألف بيان، وألف مسيرة، وعشرة آلاف تحليل مما تعدون.
في "سلاح التلميذ" السياسي إجابات جاهزة من نوع: انتفاضة جديدة، والمقاومة الشعبية، وإنهاء الانقسام، وتجديد بنية وشرعية السلطة والمنظمة، والذهاب إلى المحاكم الدولية. هذه إجابات تضمن النجاح في الامتحان الشفوي، لكنها لا تضمن النجاح في العملي. وهذه الأشياء كلها لا تتعارض مع المفاوضات، ليست بديلاً لها، ولا تمثل رداً عليها. وبالنسبة لورقة المحاكم الدولية فلن يضرها ولا يضيرها استئناف المفاوضات، ونجاحها، أو فشلها.
اللافت للنظر أن ضرورة تجديد "سلاح التلميذ" الفلسطيني، على ضوء التحوّلات الجارية في الإقليم والعالم، وهي هائلة وماثلة للعيان، لا تلفت النظر. واللافت للنظر، أيضاً، أن الخسارات المتلاحقة (يعني الفشل المتكرر في الامتحان نتيجة الاعتماد على الإجابات النموذجية نفسها) على مدار عقود، أصبحت طويلة، لا يلفت النظر.
مصدر هذه الطمأنينة، علاوة على الإعياء الفكري والسياسي، والإفراط في السياسة اليومية، (أي تأمل الشجرة ونسيان الغابة)، تقاسم الأدوار في الحقل السياسي الفلسطيني، الذي يحول دون بلورة قوى جديدة، على غرار حركة تمرّد المصرية، مثلاً، ويعرقل وصول قيادات شبابية، من النساء والرجال، إلى صدارة المشهد السياسي، وإلى مطبخ صناعة القرار، في الموالاة والمعارضة على حد سواء.
أما لماذا وكيف تحقق الإعياء، ونابت الشجرة عن الغابة، واستقر تقاسم الأدوار في الحقل السياسي على ما هو عليه، فيقع خارج سياق هذه المعالجة. والمهم أن هذا كله يُسهم في إبقاء "سلاح التلميذ" قيد التداول، وتجاهل ما بينه وبين الواقع من فجوات تتسع، ناهيك عمّا نجم عن الثقة المفرطة بما فيه من إجابات جاهزة من فشل في أكثر من امتحان.
وفي هذا، أيضاً، ما يفسِّر، ويُبرر، لماذا لجأ البعض، بقدر مدهش من الطمأنينة، إلى إجابات تقليدية في "سلاح التلميذ" النجيب للتحذير من استئناف المفاوضات بين رام الله وتل أبيب.
مقالات الحياة الجديدة
حياتنا - التطرف والعنصرية
حافظ البرغوثي
المستوطن ايلي بن دهان نائب وزير الاسكان الاسرائيلي اعلن وقاحة وصراحة ان الفلسطينيين ليسوا بشراً ولا يستحقون الحياة، وكان المستوطن المغربي الاصل قال قبل ذلك انه قتل كثيرا من العرب في الحروب ولا يشعر بأي ندم، وينتمي هذا العنصري الكريه الى حزب البيت اليهودي الشريك في حكومة نتنياهو وهو يخرج الفلسطينيين من الجنس البشري ويحيلهم الى الجنس الحيواني، وهذه النظرة الاستعلائية المغرورة المنبثقة عن تطرف ديني متوحش يصل لدرجة الكفر، تشبه التطرف الديني لدى بعض قادة الاسلام السياسي الذين ينزهون انفسهم عن الخطايا ويميزون انصارهم عن بقية الشعب فزعيم حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي وصف مسيرة لحزب النهضة ضد المعارضة بأنها تشبه جموع فتح مكة، وان دعوته الاخوانية مع آخرين عندما انطلقت من غرفة صغيرة تشبه غار حراء حيث انطلقت الدعوة الاسلامية، وحيث كان الوحي ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني ضمناً ان فاتحي مكة هم انصار الغنوشي وان الغنوشي كمن يشبه نفسه بالرسول الكريم، ولكنه لم يتطرق الى الوحي، ربما لأن وحي الاخوان اميركي.
التطرف الديني يؤدي الى الاحادية المطلقة المنفلتة من المبادئ الانسانية والاخلاقية وليس الدينية فقط، وهي تقسم الناس بين مسلم وكافر، وبين يهودي وغير يهودي وبين جنس متفوق وجنس متخلف كما لدى الفاشية ولعل الاحزاب اليمينية الاسرائيلية المتطرفة لديها مخزون عملي وشفوي يكفي لادانتها امام محكمة الجزاء الدولية ومع ذلك فان احداً لا ينتقدها ولا يتذمر منها خاصة في الغرب حيث تكفي كلمة صادرة عن طفل فلسطيني ذبيح او جريح ضد الاحتلال ان تثير ضجة ويتهم الطفل باللاسامية والعنصرية فيما ان القتلة مثل ابن دهان وشيطان يسمح له بالهذيان في كل زمان ومكان.
تغريدة الصباح - يوم القدس المستدام
احمد دحبور
اذا كان الامام الخميني، عليه الرحمة والرضوان قد اقترح يوم الجمعة الاخير من رمضان الفضيل، يوما للقدس العالمي، فلماذا لا نعتبر من باب اليمن والبركة، ان هذا اليوم لا يزال مستمرا ما دامت الجمعة الاخيرة من رمضان لم تنته بعد؟ ولماذا لا تكون هذه الجمعة مناسبة للتقريب الحميد بين اطراف المسلمين جميعا من سنة وشيعة؟ ولعلي لا اتزيد اذا املت بأن يشمل التقريب المنشود حتى اطراف العرب. فالقدس عربية، وجرحها عربي، وعروبتها لا تنتقص لا سمح الله، من اسلاميتها، فهو يوم القدس العالمي بحق..
واذا اتفقت الجماعات على يوم عالمي فمن الطبيعي الا ينتقص ذلك من بقية الايام. ان البشر ليحتفلون بعيد الام، ولكن الام تظل عزيزة غالية قبل ذلك العيد وبعده، ويحتفلون بعيد العمال مع ان الاعتراف بدور العمال في الحياة العامة يتجاوز الاول من مايو، وهو ما ينسحب على مختلف الاعياد والمناسبات الوطنية والقومية والروحية، فإحياء يوم محدد لذكرى محددة ليس الا علامة على اهمية تلك الذكرى وقداستها في الوجدان العام..
وعلى هذا فإن يوم القدس مستدام الاحترام ما دامت القدس ثالث الحرمين وثاني المسجدين وما دامت ان شاء الله قضيتنا جميعا عربا ومسلمين..
دعونا، لهذه المناسبة، نذكر بالتقدير ان اول اجراء كان قد اتخذه صاحب الفكرة، المرحوم الخميني، هو اغلاق سفارة العدو الصهيوني في طهران، واحلال سفارة فلسطين مكانها، ولعلي اذكر لهذه المناسبة ان اول سفير لفلسطين في ايران الاسلامية، هو صلاح الزواوي الشهير بأبي الصلح.
سأذكر بعمق اول حديث لي مع ابي الصلح بعد ان تقلد صفة سفير فلسطين في طهران، فقد كان الرجل مفعما بالمشاعر النبيلة، حتى يكاد لا يصدق هذه الحفاوة التي احاطه بها الشعب الايراني، لمجرد انه يمثل بيت المقدس واكناف بيت المقدس، فالمسألة في جوهرها تتجاوز قرارا مستنيرا من شيخ فاضل مستنير اسمه روح الله الخميني، لتكون مسألة مصيرية تشغل شعبا بأكمله، حتى ليمكن القول إن القدس المقدسة قد انشأت أواصر قربى مجازية بين الفلسطينيين وبين الشعب الايراني الصديق الشقيق..
اقول هذا واعيا لحقيقة ان بعض المياه العكرة قد جرت بعد ذلك التاريخ، بل ان دماء غزيرة اريقت، عربية وايرانية، ولكن هذا المشهد المؤلم المؤسف يحدث احيانا بين البلدان المتجاورة ويظل الاحتكام بعد ذلك، الى العقل والهدى والرغبة في حسن الجوار، وتغليب روح الشقيق على ظاهرة الشقاق. فلنذهب الى ما يجمع الصادقين، بعيدا عن الجراح والمثبطات..
لقد جعل القوم للقدس يوما عالميا، وليس لهم في ذلك مكسب دنيوي او سياسي، وليس لنا إلا ان نرد التحية بمثلها اذ لا يمكن ان يكون ثمة ما هو احسن منها، وفي ذلك منعة وقوة لسكان المنطقة جميعا، ولنذكر ان الصهيوني المقيت صاحب مجزرة دير ياسين، قد فقد صوابه يوما وهو يتوعد بأن يشتت امبراطورية فارس في اصقاع الارض، وما كان لمسعور مهووس مثل مناحم بيغن ان يطلق ذلك التهديد الفارغ المجنون لولا تخوفه من اي تقارب عربي ايراني، ولا سيما بعد اعلان ايران ان تحرير القدس بالنسبة اليها قضية مقدسة وواجب جهادي، ويصح لهذه المناسبة ان نعمل بإخلاص على مبدأ ان عدو عدوي صديقي، فما بالنا وعدو عدونا هذا يتحدى قوى الاستكبار العالمية والصهيونية من أجل قدسنا، فهل كثير ان ينزل عندنا منزلة الشقيق والصديق والحليف الاستراتيجي؟ على ان هذه الحماسة التي ابديها، ويبديها ابناء المنطقة كلهم، للإشادة بالموقف المبدئي من فلسطين والقدس، لا تعني انه لا توجد مشكلات ومعيقات واسئلة متعاقبة. ففي هذه المنطقة من العالم حضارات وثقافات وحتى سياسات مختلفة، وهي امور تسمح لبعض الخلافات او حتى التناقضات ان تطفو على السطح، ولكن العاقل ادرى بمصلحته، واذا اخترنا ان نكون عاقلين فإن مصلحتنا تشير علينا ان نلتقي على كلمة سواء. وما من شك في ان فلسطين هي هذه الكلمة، ولا يمكن الا ان نمد ايدينا بالمحبة والصداقة والتحالف الاخوي الى كل من يناصرنا في كفاحنا العادل ضد المشروع الصهيوني الاستعماري، ولنجدن ايدي مناصرينا هؤلاء تلوح براية يوم القدس العالمي. ولنجعلنه بكل اخلاص: يوم القدس المستدام.
وقد يسأل سائل عن سر هذا الموقف الذي قد يبدو مفاجئا نسبيا في هذه الزاوية التي لم تتميز بالخطاب السياسي المباشر عادة، وواقع الامر انه ما من مفاجأة بالعودة الى السؤال الاول، سؤال فلسطين الذي يضع العرب على مفترق مصيري، فأن تكون مع فلسطين يعني ان تكون مع نفسك، ويحضرني لهذه المناسبة قول الشاعر الأممي بابلونيرودا: .. ولهذا لا اتوقع لنفسي ردة.. فلست ممن يرتدّون عن النور..
الخير: رشوة أم شهرة أم منفعة مستدامة؟
د. صبري صيدم
ينتاب مجتمعنا في شهر الخير الفضيل شعورٌ متصاعد بالعطاء والرغبة بالاهتمام بشرائح منسية من أبناء مجتمعنا. بل ان هذا الاهتمام يشهد ذروته مع قرب انقضاء الشهر الفضيل.
فنشهد حمى الإفطارات والأمسيات الرمضانية والطرود الغذائية والتبرعات التي تطال الأيتام والمعاقين والمرضى والجرحى وأسر الشهداء في مشهدٍ إنسانيٍ يعكس حالة من التضامن والتكافل نتمنى أن تسود شهور العام لا أن تكون طفرة محدودة الزمان والتكرار.
لكن البعض يتهم القائمين على بعض الإفطارات التي تحف وتزف بها منصات الإعلام على اختلافها في عالمي الواقع والافتراض بأنها لا تتعدى كونها افطارات استعراضية تحاول تجسيد مفهوم الرشوة الغذائية والاتجار بمعاناة الناس بحثاً عن استقدام الولاء واستجداء الدعم وشراء الشعبية على قاعدة إطعام الفم يُخجل العين وربما يبني قاعدة جماهيرية للجهات المضيفة من مؤسسات وأفراد!
ومنتقدو هذا التوجه يعتبرون الاستعراض الإعلامي المصاحب لهذه "الاستضافات" لهو الدليل الواضح على هذا النهج وأهدافه خاصة وأن الخير كما يقولون هو لله وعبده المحتاج لا للاستعراض ونفخ الذات ومحاولة لإبراز فرد أو نهج ٍ أو مؤسسةٍ أو تيارٍ ما من خلال خطوات ابتذالية مفضوحة كما يقول أيضاً منتقدوها باعتبار وحسب قولهم أن الهدف من هكذا أمر ليس طاعةً لله وإنما محاولة للضحك على رب الكون رغبة في "استولاء" عباده وشراء جوعهم ودعمهم بكسرات خبزٍ تدفع ثمنها جهة مانحة ما.
وما تلبث تلك الاستعراضات على الانتهاء حسب الرافضين لها حتى تتوالى البيانات الصحفية ممهورة بتصريح فلان ومباركات علان. لذا يتساءل البعض عن مفهومي الرشوة ومحاولة الشهرة وإبراز الذات في كل نشاطٍ وآخر خاصة وأن جوقة "المصرحين الصحفيين" هي ذاتها.
إطعام صائم محتاج وكسوة أهله ورعاية أبنائه وخدمة اليتيم والمريض وأبناء الشهداء من خلال التعطف عليهم يجب أن يكون أمراً مستداماً لا موسمياً أو رمضانياً فقط ويجب أن يكون مستتراً حيثما أمكن فلا تعرف يسارك ما أخرجت يمينك.
الخير أيضاً يحب أن يتبنى مفهوم "تعليم الصيد للمحتاج عوضاً عن إعطائه السمك" خاصة وأن طرود الطعام تنتهي بانتهائها دون أثر فعلي عدا عن أثر معنويٍ مؤقت. فلو أن كل المال الذي ينفق على الطعام والولائم في فلسطين يخصص لدعم مشروعاتٍ تنموية فإن الحال لم يكن ليكون على حاله اليوم.
فليس في الكون ما يسمى بإنسان "نصف خلوق" أو "نصف خيّر" أو "نصف تقي" أو "نصف عاطفي" أوً حتى "نصف إنسان" فإما أن يكون العطاء مستداماً وإما لا يكون.
إن روحانية رمضان ونقاءه وأخلاقه وحكمه وتعاليمه تمكن الناس من مراجعة ذاتها ومشاركة الغير بمشاعرها وهي من تستفز الخير بغرض تحويله إلى ثقافة مستدامة. كما أن شهر العطاء هو فرصة العمل وليس للكسل انسجاماً مع مفاهيم الشهر الفضيل من أخلاق وعبر. فهل نجد الخير في شهر الخير وبقية أيام السنة أم أن حبل الأمل قد انقطع واندثر؟
أنماط جديدة من القيادة
يحيى رباح
التحولات في المنطقة منذ أكثر من سنتين ونصف كبيرة جداً وعميقة وواسعة المدى، بحيث أنها شكلت مفاجأة إلى حد الصدمة حتى للدول الكبرى التي كانت تفرض نفسها راعية لهذه المنطقة، وتنطلق بيدها، من مختبراتها، من أجهزتها الأمنية والسياسية، من منظور مصالحها!مثلما كان يحدث في القرنين التاسع عشر والعشرين!
وأن المنطقة ليست سوى رقعة شطرنج صغيرة يوكل أمرها إلى سفراء الدول الكبرى، يديرونها على هواهم، ويغيرونها باتجاه مصالحهم، فإن كان من يخدم هذه المصالح هو الدكتاتور فأهلاً، وإن كان من يخدم هذه المصالح ليبرالياً أو ديمقراطياً فأهلاً، وإن كان متستراً بالدين وداعياً للعودة ألف سنة إلى الوراء فأهلاً به أيضاً.
ونحن لا نستطيع أن ننكر أن هذه الدول الكبرى كانت موجودة في هاجس ثورات الربيع العربي، ولكن الذي ثبت فيما بعد أن ذلك الوجود لم يكن كاملاً، ولم يكن فاهماً، ولم يكن مسيطراً!
والدليل على ذلك أنه عندما تهاوت الأنظمة المتآكلة، والحكام الذين أحاطوا أنفسهم بشلل مقربة أفقدتهم الإبداع، فإن الدول الكبرى لم تنجح في ملء الفراغ على طريقتها!
وهنا يأتي السقوط المروع والانكشاف الرهيب للإسلام السياسي، فقد ثبت على الفور أن هذا الإسلام السياسي الذي كان يتوعد، وينتظر، ويعد العدة، لم يكن وضعه أفضل بكثير من وضع الأنظمة التي سقطت، كان هذا الإسلام السياسي يعاني من الفراغ، وانعدام الكفاءة في مستوى القيادة إلى درجة محزنة، وتعليق الأمل بالكامل على كاهل الأجهزة الأمنية والسياسية للدول الكبرى تفعل له كل شيء!
وهذا هو السبب أننا في ليبيا رأينا التدخل العسكري للناتو بكل سفور، وسمعنا صرخات التسول السياسي من بعض فصائل المعارضة في سوريا «الفصائل الإسلامية» تطلب التدخل العسكري الأجنبي المباشر، بل ورأينا في مصر التي يوجد فيها زعامة الإسلام السياسي شيئاً عجباً، حيث الإسلام السياسي فقد ملامحه، وفقد شرفه، وفقد ثوابته كلها وهو يتلون ويتلوى لاستدراج التدخل العسكري ابتداءً من رفع وتيرة الإرهاب في سيناء وصولاً إلى شراء وسرقة الأطفال الصغار من ملاجئ الأيتام واللقطاء لاستخدامهم في اعتصاماته ومسيراته الهزلية، بل لقد رأينا ما يفوق العجب في اعتصام رابعة العدوية، حيث يعتلي المنصة نساء سافرات بل مبالغات في السفور كن قبل أيام يوصفن بأفظع الأوصاف، وشباب يرطنون بلغات أجنبية كانوا قبل قليل يوصفون بالكفر أو التخنث!
كل ذلك من أجل إقناع الدول الكبرى بالتدخل، التدخل بأي شيء، بالضغط، بالمال، بالجيوش، فقد اعترف هذا الإسلام السياسي أخيراً أنه لا شيء على الإطلاق دون صانعيه ومستخدميه ومستثمريه!
ما هو الشيء المشترك بين الأنظمة التي أضاء فيها الربيع العربي فإنهارت بسرعة، أو مجموعات الإسلام السياسي التي حصلت على كل شيء قدم لها على طبق من فضة ولكنها سرعان ما انكشفن وانهارت؟
الشيء المشترك هو عدم أهلية القيادة، الهزال في نمط القيادة الموجودة، لأن هذه القيادة في الأنظمة المنهارة، وفي هياكل الإسلام السياسي المنهارة، جميعها تنتمي إلى زمن سابق ومعايير عفا عليها الزمن، وإلى نمط التلقي وليس الإبداع، إلى رؤية ما هو مترسب مسبقاً في الوعي وليس الواقع بتفاعلاته!
من كان يصدق أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر – وعمرها خمس وثمانون سنة – تفشل في حشد أقل من واحد على خمسين مما حشدته حركة تمرد بشبابها الذين لم يمارس أحدهم السياسة قبل أكثر من سنتين ونصف، والذين لم يكن معهم أموال تكفي لأن يدفع أعضاء القيادة، قيادة تمرد، ثمن مواصلاتهم، أو ثمن بعض التجهيزات الصغيرة في الميادين.
نمط القيادة في الأنظمة المنهارة، وفي جماعات الإسلام السياسي، هو أشبه بكائنات منقرضة، معها كل شيء المال والقدرة ولكنها لم تعد تنتمي إلى الزمن الذي تعيش فيه، هواجسها مختلفة، ومحفزاتها مختلفة، خلايا الاستجابة عندها ميتة، عندما تفهم الدعابة وتضحك عليها يكون الوقت قد فات وتحول المشهد إلى تراجيديا مفجعة!
أنماط قيادية تقرأ من نصوص قديمة بلغة لا يتحدث بها أحد.
ولعلنا نلاحظ أن الفترة الانتقالية في عصر ثورة الاتصالات تمر أمامنا بطيئة ومرتبكة بسبب أن نمط القيادة في المرحلة الانتقالية هو من أصحاب الأيدي المرتجفة، قيادة مثقلة بمحاولة إرضاء الجميع، إرضاء الخارج وإرضاء الداخل، إرضاء القتيل وإرضاء القاتل، إرضاء المجرم وإرضاء الضحية!
و لذلك تطول المرحلة الانتقالية، ويحدث فيها لغط كبير وارتباكات، ونتيجة لذلك يتضخم الوهم عند الإسلام السياسي، فهم يراهنون على عودة مرسي، وعلى عودة الجماعة، وعلى الحصول على الحصة والفرصة، ليس لأنهم يملكون أية عناصر تؤدي إلى ذلك، بل لأن القيادة التي أمامهم لم تتعلم فن الحسم، وقرارات الحسم، واعتقد أن هذه المعاناة هي التي تحتم انبثاق عصر نمط جديد من القيادة، ترى الواقع وترى تباشير المستقبل وتقدر الوقت حق تقدير.
أهداف خطة الاولويات الاسرائيلية
عادل عبد الرحمن
صادقت الحكومة الاسرائيلية في جلستها الاخيرة الاحد الماضي على خطة الاولويات «القومية «، تضمنت تحسين شروط الحياة الاقتصادية والاجتماعية في (600) بلدة من بينها (90) مستعمرة إسرائيلية في الضفة الفلسطينية. ورصدت لها موازنة مالية كبيرة لتحقيق الغايات والاهداف السياسية والاقتصادية المحددة.
الخطة الاسرائيلية الجديدة، لا تخرج عن توجهات واهداف قيادة الحكومة اليمينية المتطرفة، والتي تتركز في تعميق خيار الاستيطان الاستعماري في الاراضي الفلسطينية، وضرب خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وبالتالي تحطيم المساعي الاميركية على صخرة الاستيطان، لان الخطة أعطت الأولوية للبؤر الاستيطانية، وتجاهلت بلدات إسرائيلية مثل كريات ملاخي واشكلون وكريات غات واشدود، وهي وغيرها تعتبر وفق مقاييس ومعايير السلم الاجتماعي والاقتصادي الاسرائيلي من البلدات والمدن ذات المستويات الدنيا، وهي احوج من المستوطنات المقامة على الاراضي المحتلة عام 67.
واذا شاء المرء بلورة اهداف حكومة نتنياهو لبيد وبينت وليبرمان، فإنها تتمثل في: أولاً ترسيخ المستوطنات غير المرتبطة بالكتل الاستيطانية الكبرى، وخاصة البؤر الاستيطانية؛ ثانيا العمل على توسيعها من خلال جذب طاقات بشرية جديدة لها، عبر منحها المزيد من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية، لا سيما وان حزب البيت اليهودي اعلن انه سيزيد عدد قطعان المستوطنين الى حوالي المليون مستوطن؛ ثالثا العمل على ربطها بالكتل الاستيطانية الكبرى. بهدف توسيع رقعة الاراضي، التي تنوي السيطرة عليها تحت شعار «تبادل الاراضي»؛ حصول 70% من المستوطنات في الضفة الفلسطينية على امتيازات إضافية مالية واقتصادية وضريبية وترفيهية على حساب مدن وبلدات اساسية في داخل حدود ال 1948 للدولة الاسرائيلية، يدلل على ان الحكومة الاسرائيلية اليمينية المتطرفة، ماضية في مشروع توسيع رقعة الاستيطان الاستعماري على حساب السلام. وتؤكد مجددا إفلاس مقولة «دولة الاستيطان»، التي يسعى البعض لترويجها، على اعتبار ان هناك فصلا بين الدولة ركيزة المشروع الاستيطاني الام وبين التمدد الاستعماري الناشئ بعد العام 1967، وتشير بوضوح الى ان إسرائيل والحركة الصهيونية بأدواتها القائمة، تعملان دون كلل على توسيع رقعة المشروع الاستيطاني لتحقيق قفزة نوعية جديدة في شكل وحدود الدولة الاستعمارية. لان حكومة نتنياهو أسوة بكل الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال الاسرائيلي للضفة والقطاع بما فيها القدس، كانت جميعها الراعي الاساسي للمشروع الاستعماري.
ومع ذلك الخطة الاسرائيلية الجديدة، جاءت متناغمة مع تركيبة الائتلاف الحاكم، حيث تم استبعاد المستوطنات الحريدية (الدينية)، رغم ان اوضاعها لا تقل سوءا اقتصاديا واجتماعيا عن المدن والبلدات المذكورة آنفا. وبالتالي قد تواجه تحفظات من قبل الاحزاب الدينية، مع ان الكل الصهيوني يعمل من اجل تعزيز الاستيطان الاستعماري. كما ان التوزيع الجغرافي والسياسي للبلدات والمستوطنات المحضية ضمن خطة الاولويات الاسرائيلية، يعكس الصراع بين القوى السياسية الاسرائيلية. الامر الذي قد يعمق من حدة الصراعات الاجتماعية في المستقبل المنظور، من دون الاختلاف او التناقض الجدي على الاولوية الممنوحة للمستوطنات الاسرائيلية في الضفة، إلا من باب وزاوية، ان الاجدر بالحكومة ان تمنح البلدات المقامة منذ ستة او خمسة عقود الاولوية في خطتها، وليس من باب التحفظ، فضلا عما ذكر سابقا، ان الحوافز الممنوحة للمستوطنات ستفتح شهية قطاعات واسعة من اليهود لشد الرحال اليها، والاستفادة من تلك الامتيازات.
مع ذلك هناك اصوات محدودة خرجت من داخل الحكومة ترفض الخطة، حيث اعلنت تسيبي ليفني، ان قرار توسيع المستوطنات بدعم من خطة الالويات «القومية» قرار يخرق المصلحة الاسرائيلية». واضافت: من المؤكد انه ليس من مصلحة إسرائيل «القومية» استغلال الاموال المعدة لتقليص الفوارق الاجتماعية من اجل تدعيم الاستيطان في المستوطنات المعزولة»!
وكان الوزير عمير بيرتس، قال: ان المقصود خطة اولويات سياسية، وليست خطة «قومية». والخطة السياسية، التي اشار لها بيرتس، حزب الحركة، هي خطة توسيع وتعميق الاستيطان على حساب خيار حل الدولتين على الرابع من حزيران 67. الامر الذي يفرض على الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي: اولا الضغط على إسرائيل لتجفيف اموال الدعم الحكومية للمستوطنات؛ ثانيا إزالة البؤر الاستيطانية كخطوة على طريق التقدم نحو خيار الدولتين؛ ثالثا وقف الدعم المالي الاميركي للدولة الاسرائيلية في حال استمرت خطة الأولويات؛ رابعا على الاتحاد الاوروبي توسيع نطاق العقوبات المفروضة على الاستيطان الاستعماري، بحيث يتم الضغط الجدي على إسرائيل لوقف خطتها المذكورة؛ خامسا على العرب وقف التبادل التجاري والاقتصادي مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، لتتكاتف الجهود العربية مع الجهود الدولية في الضغط على حكومة نتنياهو، وارغامها على وقف خطتها الاستعمارية الجديدة.
ابو عمار.. رحمة بالناس والعباد !!
موفق مطر
ما عرفت ان ياسر عرفات ابو عمار مولود بتاريخ 4 آب من العام 1929 إلا بعد خروجنا احياء بقدرة الله من جحيم انفجارات الصواريخ والقذائف الاسرائيلية الجوية والبرية والبحرية في شوارع بيروت الغربية..التي بدت حينها وكأن زلزالا قد دكها !.
ربما كان شارون وزير جيش الحرب الاسرائيلي يعلم أن 4 آب هو يوم ميلاد زعيم حركة التحرر الوطنية الفلسطينية، وربما أراد اغتنام فرصة التخلص منه في نفس اليوم المصادف لتاريخ ميلاده.. لكن ياسر عرفات قائد الفدائيين كان يقود في تلك الساعات معركة المتحف الشهيرة حيث لم يستطع جيش الاحتلال الأقوى في الشرق الأوسط التقدم لأكثر من 15 مترا أي طول دبابة كما كان رحمه الله يتهكم على ما سماه شارون انجازا عسكريا في اقتحام بيروت في ذلك اليوم.. فهل كانت الحمم تسقط على بيروت لأن الرابع من آب كان يوم ميلاد ياسر عرفات أم لأنه كان اليوم الذي تجسد فيه الفداء بأعظم صوره، والدفاع عن الحق في الحياة وعن بيروت عروسة المدائن العربية.. للصورة ابعاد وهذان بعدان كلاهما حق وصحيح.
قال ياسر عرفات الزعيم القائد الانسان.. كم تمنيت لو كانت بيروت مدينة فلسطينية حتى لا اخرج منها ابدا..لكنها الشفقة والرحمة بالأبرياء اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء، فهل استغل جنرالات جيش اسرائيل مساحة الانسانية اللا محدودة في شخصية ياسر عرفات، فأمعنوا في استهداف المدنيين، فمن المعروف ان القائد العسكري وتحديدا الميداني لا يرف له جفن ولا يرق له قلب حتى لو صارت الدماء الانسانية سيولا او فاقت المآسي قدر الانسان العادي على التحمل... لكن ياسر عرفات القائد العسكري الميداني، كانت الدماء الانسانية عنده اغلى من النياشين والروايات الصحفية، فقرر ومن معه من القادة الفلسطينيين واللبنانيين بعد أن اخذ التاريخ حقه من وقائع الصمود أن يخرج من بيروت رحمة ببيروت وبالناس والعباد فيها.
لا أدري ان رأى احد ياسر عرفات باكيا.. لكني كشاهد اقسم اني رأيت دموعه في عينيه لحظة قدمت له هدية بعيد ميلاده في الرابع من آب قبل 23 عاما تقريبا في معسكر تدريب الأشبال والزهرات في عدن عندما نظم ابو العبد خطاب قائد الساحة وقائد المعسكر حينها حفلا للقائد مع الأشبال والزهرات لمناسبة عيد ميلاده.. لم تكن هديتي زجاجة عطر، ولا من انواع الهدايا المعروفة بمثل هذه المناسبات، فهذا الشخص ليس عاديا، والمناسبة كانت تتطلب هدية خارقة للعادة.. حينها قررت لف صورة فوتغرافية بمقاس 35 -50سم للقائد الشهيد ابوجهاد كنت التقطتها في تونس وبقيت نيجاتيف الى ما بعد استشهاده بسنتين حتى طبعت اول خمس نسخ منها قبل قدومي من صنعاء حيث اقامتي حينها.
الصورة كانت بالنسبة لي كحلم تحقق حين استطعت اقتناص لحظة جمعت بين القائدين ابو جهاد وأبو عمار، لحظة جمعت خصال وسمات الشخصين، يخطوان خطوة واحدة، كلاهما باللباس الميداني الزيتوني، ياسر عرفات بمسدسه الذي دخل به قاعة الأمم المتحدة عام 1974 ويحمل بيده ورقة وفي جيبه قلم، والأعظم ان الرجلين في الصورة كتوأم. اغرورقت الدموع في مآقي ياسرعرفات لحظة رأى توأمه خليل الوزير ابو جهاد، وأشاد بالصورة أمام قيادات فتحاوية منهم الأخ عباس زكي سفير فلسطين لدى اليمن الجنوبي حينها وقال حرفيا وهو ببالغ التأثر عندما وصلت للسلام عليه في استراحته بعدن: «موفق عامل صورة لي وللي الله يرحمه ابو جهاد.. انما ايه عظيمة» فاستأذنته طباعتها بالآلاف لتدخل كل بيت فلسطيني، فتمنى اجراء بعض التعديلات البسيطة على الصورة، فشرحت أهمية اللحظة والحفاظ على علامات الزمان والمكان فيها، فقال لي: «زي ما انت عايز».
اغرورقت الدموع بعيني وأنا ارى صورة التوأم ياسر عرفات ابو عمار وخليل الوزير ابو جهاد فوق رؤوس العائدين الى ارض الوطن عام 1994، لم اصدق نفسي وأنا ارى ابو جهاد القائد الشهيد عائدا الى فلسطين مع توأمه ابو عمار القائد الحي، فأجمل ما في هذه الحظة التاريخية ( الصورة) أن كلاهما في الصورة على ايقاع خطوة واحدة، حتى ملامح وجهيهما كانت مشبعة بعلامات القائد الانسان.
يوما ما اشتكيت لأبي عمار ظلم (سفير فلسطين) في بلد عربي، حاول انتهاك حقي الانساني وحريتي، ومنعي من تحقيق آمالي الشخصية بالزواج ممن احببت.. فما كان من القائد الانسان إلا ان كتب على ورقة الشكوى التالي: «الى (...........) لانهاء هذا الموضوع رحمة بالناس والعباد» .. فعدت الى حبيبتي مظفرا بمحبة ياسر عرفات.
ما استطعت مواراة دموع فرح لحظة دخول محمود العالول ابو جهاد وشقيقته التي زاد جمالها الفلسطيني جمال ثوب فلسطيني مطرز لفت أنظار الحضور وكلهم من تونس، البلد العربي الذي أعتز بمصاهرته، وبعض اصدقاء فلسطينيين جمعني بهم درب النضال من اجل فلسطين، منهم عمر غيث، لحظتها رأيت كل فلسطين تشاركني فرحتي، رغم ان واحدا من عائلتي في الدم والرحم لم يكن موجودا، فأنا في بلد وهم في بلد، تفصل بيننا الأراضي والبحار، فهلا عرفتم الآن لماذا يحق لنا الاحتفاء بميلاد القائد الانسان؟!