أقلام وآراء
(466)
بعد ايلول دولة محتلة واخرى تحت الاحتلال
بقلم: أحمد فتحي عن القدس العربي
و ما الجديد في أن لا يكونوا 'بلا ذرة ضمير أو أخلاق' هذه المرة؟
بقلم: علي الهيل عن القدس العربي
خطاب تاريخي يتطلّب نقلة وطنية تاريخية
بقلم: ماجد كيالي عن الحياة اللندنية
الدولة الفلسطينية... والهجوم المضاد
بقلم: أحمد يوسف أحمد عن الاتحاد الإماراتية
أسرار تحركات "فتح" و"حماس"
بقلم: أحمد جميل عزم عن الغد الأردنية
أزهار الربيع العربي في الحديقة الفلسطينية
بقلم: عيسى الشعيبي عن الغد الأردنية
وماذا بعد؟
بقلم: حسان يونس عن الوطن القطرية
بعد ايلول دولة محتلة واخرى تحت الاحتلال
بقلم: أحمد فتحي عن القدس العربي
قد يشهد العالم باسره بعد اقل من اسبوع ميلاد الدولة الفلسطينية رقم 194 والعضو الكامل في الامم المتحدة هذا اذا كان هنالك تصويت حقيقي عليها او بعدما تحدث معجزة امريكية في حال ان امريكيا لن تستخدم حق النقد الفيتو في وجه الدولة العتيدة الشعب الفلسطيني برمته في الداخل والخارج يتوق لدولة فلسطينية يعيش فيها بامان مع عدم التفريط بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم هذا فضلا عن ترسيم حدود الدولة الفلسطينية حسب قرارات الامم المتحدة 242 و338.
لقد جاء خطاب الرئيس الفلسطيني كبصيص امل للشعب الفلسطيني وهو ماض الى الامم المتحدة بعزم مدعوما من اكثر من مئة وعشرين دولة في العالم فالصورة بعيد ايلول سوف تكون مختلفة كليا حيث يعتبر الاسرى الفلسطينيين اسرى حرب بالاضافة التى استبدال السلطة الفلسطينية بالدولة الفلسطينية في المخاطبات المحلية في المؤسسات الحكومية وايضا المخاطبات على مستوى العالم وسيكون للدولة الفلسطينية حجة قوية امام العالم لاحراج اسرائيل امام العالم في حال ان تعدت على حدود الدولة الوليدة او وطأ جيشها المدن الفلسطنية اما عن قـــرارات الامم المتحدة ليس هنالك من يعول كثيرا عليها أي ان تنفيذ القــــرار اذا صدر عن الجمعية العامة غير ملزم واما في حال ان صدر عن مجلس الامن فهو ملزم فهنا يكمن الفرق بين الاول والثاني اما الثاني فهو صعب المنال لان امريكيا بالمرصاد وبريطانيا قد تكون ايضا فهذا يقودنا الى طريق مسدود وحسب بعض المراقبيين الدوليين ان النقطة التي سوف ينطلق منها الرئيس الفلسطيني سيعود ليبقى فيها فاسرائيل ابقت الباب مفتوحا امام الفلسطينيين لكي يتوجهوا الى الامم المتحدة فهي تعرف تماما ان النتيجة صفر وفي نفس الوقت اوصدت باب المفاوضات ولا يوجد لديها نية لفتحه قد يصيب الرئيس الفلسطيني في خطوته الى الامم المتحدة ولكن تحركات اسرائيل في السر والعلن له في المرصاد فهي تحشد الدعم العالمي الذي يعطي ايضا الشعب الفلسطيني املا لدعمه هنا يحضرني الحوار الذي جرى بين الحسين بن علي رضي الله عنه والشاعر جرير لقد بدا الحسين يسال جرير عن الوضع داخل العراق هل اهل العراقي معي ام ضدي؟
فرد جرير يقول ان قلوب الناس معك لكن سيوفهم مع بني امية فهذه الصورة تتكرر اليوم في الحالة الفلسطينية قلوب شعوب العالم مع الفلسطينيين لكن سيوفهم مع بني اسرائيل .
نتنياهو وحكومته والصهيونية العالمية يعوا جيدا بان قرار الامم المتحدة غير ملزم ودليل ذلك اعتراف الامم المتحدة بان الجدار الاسرائيلي غير شرعي وقد صدر قرارها دون ان تستطيع ان تجبر اسرائيل على ازالته ولكن اسرائيل تريد من الفلسطينيين عدم التلويح ابدا بالدولة ولا بشيء اخر على اعتبار ان الشعب الفلسطيني مستوطن على ارض اسرائيل ارض الاجداد والاباء واما وطنهم أي الفلسطينيين هو الاردن .
فهذا المسعى التي تهرول خلفه دولة يهود وما التحركات السياسية في الاردن واغراق المجتمع الاردني بالمخدرات وتقويض حكم الملك الا دليل بان الاردن سوف يعيش في الايام القادمة ثورة شبيه بثورة مصر وتونس وسوريا لقد قلت في مقالة سابقة صحيح ان اسرائيل في موقف حرج بعد اصرار القيادة الفلسطينية على طلب العضوية الكاملة من الامم المتحدة ولكن لدى اسرائيل مخططات لخلط الاوراق في المنطقة وان غدا لناظره قريب.
و ما الجديد في أن لا يكونوا 'بلا ذرة ضمير أو أخلاق' هذه المرة؟
بقلم: علي الهيل * عن القدس العربي
مجموعات قوى النفوذ و الضغط ''الأكثر شهرةً ' في الغرب ، و خلاياها النائمة و النشطة حول العالم هي التي ضغطت بدرجات متفاوتة - كما يجادل كثيرون على الحلفاء و القوى المنتصرة في الحرب الكونية الثانية في اتجاه تأسيس ما سُميَ خياليا أو 'فانتازيا' و افتراضيا 'الأمم المتحدة ' و التي لم تَعْدُ منذ إنشائها - و حتى يومنا هذا و إلى أن يشاء اللهُ أمراً كان مفعولا و إخالُهُ قريباً أن تكون سوى 'كلمة حق أريد بها باطل '. 'و لقد نجحت بخبث شديد و موثق تلك الردهات أو اللوبيات عام خمسة و أربعين و تسعمائة و ألف في سرقة (فلسطين) و هي لماَّ تزَلْ تحت ( الإنتداب البريطاني ).
و ثمة جملة إعتراضية هنا نرى لزاماً علينا أن نذكِّر بها ألا و هي أن احتلال أو إستخراب ' إستعمار ' بريطانيا لمصر عام 1881 هو العام نفسه الذي بدأت فيه الهجرات اليهودية تترى كالسيل الجارف على فلسطين و هو ما يقر به الكثير من المحللين القدماء و المحدَثين المعاصرين ، و يثير إستغرابهم كثيراً الدور المريب لبريطانيا في إحتضانها التاريخي لليهود و لا سيما الصهاينة منهم منذ وقت مبكر جداًّ.'
و يعزوا نفر من المحللين ذلك إلى أسباب من أهمها علاقة (السيكوثيربي) و منها العقلية الإستعلائية لكلا الجانبين في نظرتيهما إلى بقية الشعوب و إلى حب السيطرة و الإحتلال و حب المال. 'و بعد اكتشاف شمال أمريكا على يد ( كريستوفر كولمبس ) عام 1492 ( و بالمناسبة هي السنة نفسها التي أخرج فيها الأوروبيون العرب و اليهود معاً من الأندلس و الذين فرُّوا معاً من بطش الأوروبيين ) إنتقلت عدوى اليهود إليها مع هجرات اليهود إلى 'العالم الجديد' كما يخبرنا (تالكِت بارسِنز) العالِم السوسيولوجي الأمريكي الراحل.
و لذلك لم يكن مستغرباً ما نُشر أخيراً في الإعلام الأمريكي خاصة عن أن الأثرياء ( و معظمهم أفراد يهود صهاينة يشكلون السواد الأعظم من مجموعات الضغط و النفوذ و التأثير على القرار السياسي الأمريكي و الغربي 'في الولايات المتحدة الأمريكية حسبما قال جون ميرشيمار و ستيفن وُلت) مدينون بثلاثة تريليونات دولار أي (ثلاثة آلاف مليار دولار) كضرائب للخزينة الأمريكية و التي يحاول الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) مستميتاً تحت وقع الأزمة الإقتصادية الخانقة أن يأخذها منهم لإعطائها كما يبدو للفقراء الأمريكيين و لمن هم تحت خط الفقر و الذين تبلغ نسبتهم زهاء الخمسة و العشرين في المائة في مقابل مقاومة شرسة من الجمهوريين المهيمنين على ( مجلس النواب ) و الأكثر شراسة في دفاعهم عن ' إسرائيل ' و هو لا يعني بالضرورة أن الديمقراطيين عكس ذلك بَيْدَ أنهم أقل سوءاَ في المرحلة الحالية على الأقل.
' إذن بذلك القرار التآمري عُرفت (فلسطينُ ) بأنها أرض بشعب فلسطيني ضارب في جذور ' 'خلاياها الجذعية' 'منذ دخول اليبوسيين العرب إليها - قادمين من (الجزيرة العربية) قبل الميلاد بنحو أربعة آلاف سنة أو ينوفُ و الذين يُجمع المؤرخون الموضوعيون المنزَّهون عن الهوى و منهم أمريكيون و أوروبيون من أمثال (روجيه جارودي) أنهم مَن بنوا القدس تمَّ تقديمها إلى اليهود الذين احتلوها عام 1948 و هم شعب بلا أرض تكفيرا من البريطانيين و الأمريكيين و الأوروبيين بما فيهم الإتحاد السوفييتي السابق و الذي كان أول من اعترف بالكيان الصهيوني الغاصب في خطوة 'كما بدا و كما يتم تأكيده و تكريسه دائما عن ما إقترفه ( أدُّولف هتلر ) النمساوي الأبيض في حق اليهود و الذي كان يمثل ( النازية الأوروبية ) متخذا من ألمانيا مقرا له، و هو ما أشار إليه مفكرون يهود أمريكيون و أوروبيون معادون للصهيونية مثل ( نعومي تشومسكي ) في معرض الحديث عن متاجرة اليهود سياسيا بالهولوكوست.
و رغم أن الفلسطينيين و معهم العرب و المسلمين و حتى ما يوصف من قِبَلِ الغرب في أدبياته السياسية 'أيديولوجيا و استكباريًا ' بالعالم الثالث ' لا علاقةَ جينيةً أو عرقيةً لهم بالنازية الأوروبية إلا أنهم ظلوا يدفعون الإتاوةَ تلو الإتاوة منذ ذلك
التصويت المشؤوم و الذي يُعَدُّ أقل شؤما إذا ما قورن بوعد بلفور الأكثر شؤما في عام 1917 و الذي يُعتقد أن قرار 1945 كان أحد أهم فصوله. فالأول وُعد من خلاله اليهود بوطن في فلسطين و الثاني نفذ القوم أنفسهم و بعون من قوى أوروبية و أمريكية وعدهم لليهود. 'و إنْ كان الأصح أن يقال للصهاينة باعتبار أن ثمة يهودا كثيرين أوروبيين و شرقيين و عرباَ و أفارقة ضد مبدإ الصهيونية و هي بلا ريب أحد أبشع وجوه العنصرية الثقافية و العرقية و الإثنية.' و كما يصف البعض أن ذلك كله و المعلن منه في الحد الأدنى و ما خفي كان أعظم تم تحت تأثير ' التنويم المغناطيسي ' لمجموعات الضغط و النفوذ في أوروبا بما فيها الإتحاد السوفييتي السابق و بعض دوله كأوكرانيا و جورجيا إضافة طبعاً إلى شمالِ أمريكا.
إنها دول بلا 'ذرة ضمير و أخلاق' تلك التي أعطت ما لا تملك لمن لا يملك و هي فلسطين أرض الفلسطينيين و أملاكهم حسب المواثيق البريطانية نفسها و استمرت تلك الدول و واصلت دعمها للباطل الصهيوني ' بلا ذرة من ضمير و من أخلاق ' على الصُّعد كافة. و ثمة احتمال أنها تفعل ذلك باستمراء لأن رقبتها تحت سيف مجموعات الضغط و التخويف ' و الإرهاب ' ذاتها و جندت من العرب و المسلمين رسميين و غير رسميين لعامِل يتعلق بتقاطع المصالح. و اتخذت تلك الدول 'الفيتو' تلو الآخر ضد فلسطين و الفلسطينيين و العرب و المسلمين أحياناً في 'مجلس الأمن الدولي' الذي هو مطيتهم و صنيعتهم و أداتهم و بالأحرى هو وهم تحت سيطرة مجموعات الضغط ذاتها منذ 1945 و حتى قبلها و إلى هذا اليوم و إنْ بدا للقصَّر و للسذج غير ذلك. و عليْه فإن الفلسطينيين و العرب حكوماتٍ و شعوباً و الغرب 'حكومات و شعوباً بنسب متفاوتة أحياناً ربما هم جميعاً ضحية تلك المجموعات المتنفذة و المتشرينة. ''''
مجموعات الضغط ذاتها التي لم تسمح لدولة أوروبية واحدة دعْك عن الولايات المتحدة الأمريكية ( و نعني ما نقول فهو ليس باختيار هذه الدول بل هو مفروض عليها أن تكون ' بلا ذرة ضمير أو أخلاق ' ) أن تدين عشرات المذابح ضد الفلسطينيين منذ 1945 من ( دير ياسين ) إلى ( صبرا و شاتيلا ) مروراً ( بقانا الأولى و الثانية) إلى الحرب على غزة نهاية 2008 و بداية 2009 بكل مجازرها البشعة، و فرضت على 'مجلس الأمن الدولي' و أعضائه الدائمين بأن يكونوا ' بلا ذرة ضمير و أخلاق' و ذلك بإحباط أي قرار يدين ' إسرائيل ' تقدمت به الدول ' الحَتاحيت ' إلى يومن هذا و عوضا عن ذلك فرضت عليهم أن يصفوا محارق '' إسرائيل ' و مجازرها و جرائمها ضد الإنسانية على أنها ' دفاع مشروع عن النفس'، هي نفسها التي ستفرض على الولايات المتحدة الأمريكية و دول الغرب أن تكون كما غمز من قناتها ( الرئيس محمود عباس ) الرئيس الفلسطيني أن تكون بلا ذرة ضمير أو أخلاق، إذا ما صوتت ضد قرار قبول (دولة فلسطين) عضوا دائما في الأمم المتحدة، و لن تصوت لأنها مفروض عليها أن تظل بلا 'ذرة ضمير و أخلاق'.
* كاتب قطري
خطاب تاريخي يتطلّب نقلة وطنية تاريخية
بقلم: ماجد كيالي * عن الحياة اللندنية
عاد الرئيس محمود عباس إلى رام الله بعد إلقائه خطاب عمره، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهو الخطاب الذي كتبتُ عنه - في مادة سابقة - بأنه بمثابة صحوة متأخّرة بمقدار 18 عاماً لكنها ضرورية ومهمّة، واعتبره الكاتب (والروائي) رشاد أبو شاور بأنه الخطاب الذي كان ينبغي للزعيم الراحل ياسر عرفات أن يلقيه في حديقة البيت الأبيض في حفلة التوقيع على الاتفاق المذكور (13/9/1993)، فيما اعتبره عبد الباري عطوان (رئيس تحرير «القدس العربي») بأنه انتصار ديبلوماسي فلسطيني، على أن يكون له ما بعده.
لدى عودته حظي الرئيس باحتفاء لم يحظ به من قبل، فهو لم يكن من «الأبوات» الذين تستهويهم «الشعبوية»، ولا من القادة الذين امتطوا موجة المقاومة المسلحة، ولا من الذين اهتموا برفع الشعارات والخطابات العاطفية، لا في حقبة الكفاح المسلح ولا في حقبة «أوسلو»؛ بدليل اختلافه مع قائده ياسر عرفات (2003)، وبدليل برنامجه للانتخابات الرئاسية (2005).
وفي الواقع فإن احتفاء الفلسطينيين بالرئيس في رام الله، وفي غيرها أيضاً، جاء لأن هؤلاء أحسّوا، هذه المرّة، بأن رئيسهم تحدث بلسانهم وسرد روايتهم وبدا أكثر شبهاً بهم، ولأن لغة التحدي حلّت، بعد طول انتظار، محل لغة الاستجداء، ما أشعرهم بأنهم فلسطينيون أكثر من أي وقت مضى؛ وما دفع الشاعر سميح القاسم الى المطالبة برفع شعار: «ارفع رأسك فأنت فلسطيني».
لكن، وفي غمرة هذا الاحتفاء، والذي روّج له بعض إعلاميي السلطة باعتباره بمثابة «بيعة» للرئيس (وهو ما لفت إليه الكاتب مهند عبد الحميد)، مع ما تعنيه هذه الكلمة من انحطاط في السياسة وفي الإجماعات الوطنية وتقليل من شأن قيمة
الحرية في برامج حركات التحرر الوطني، فقد غاب عن كثيرين بأن هذا الاحتفاء هو بمثابة «بيعة» لمحمود عباس «الجديد»، و «نفي» لمحمود عباس «القديم»، أي إنها كانت بمثابة تصويت على القطع مع نهج «أوسلو» الذي كان هو مهندسه.
المعنى من ذلك أن الفلسطينيين إنما احتفوا صراحة بتأييدهم للخيار السياسي الجديد الذي أطلقه الرئيس ذاته، والمتمثل بنبذ عملية المفاوضات، ما لم تتضمّن مرجعية القرارات الدولية وتحديد جدول زمني ملزم، ووقفاً للاستيطان، وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي المحتلة (1967) وإقامة دولة مستقلة فيها. ولا شكّ أيضاً في أن هؤلاء الفلسطينيين الذين عانوا الأمرّين من تداعيات الانقسام الحاصل عبّروا في ذلك أيضاً عن دعمهم للنداءات التي أطلقها رئيسهم في شأن استعادة وحدة نظامهم السياسي، وتفعيل منظمة التحرير، أو إعادة بنائها.
في المقابل ثمة فلسطينيون آخرون، أيضاً، لم يحتفوا بالخطاب تماماً، بالنظر للتجارب السابقة، وبالنظر لعدم ثقتهم بالبنية السياسية المترهّلة وارتهانها لمسار المفاوضات، وثمة آخرون عارضوه على طول الخطّ، وشكّكوا بمقاصده.
على ذلك فإن اختزال المشهد بمظهر احتفائي، أو حتى بمظهر معارض، وطمس المظاهر أو الأصوات الأخرى، لا يجدي ولا يفيد، بقدر ما يعبّر عن ضعف في إدراك أهمية التنوّع والتعدّدية واحترام الرأي الآخر في الحركة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن أنه ينمّ عن خفّة مضرّة في التعاطي مع تعقيدات قضية الفلسطينيين.
أيضاً، وفي هذا السياق، يجدر الانتباه إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان وسورية لم يحتفوا إلى هذه الدرجة بالخطاب المذكور، وهذا مؤشّر له دلالاته الخطيرة، لأن ذلك ليس له علاقة بالخلافات السياسية، أو النزاعات الفصائلية، بقدر ما له علاقة بقلق اللاجئين على أحوالهم، وعلى تراجع قضيتهم، المتمثلة بحقّ العودة في الأجندة الوطنية لمصلحة الحق في إقامة الدولة في الضفة والقطاع؛ وهو ما يجري التعبير عنه بضياع المنظمة لمصلحة السلطة.
هكذا، ثمة ما هو أهم من الاحتفاء بالخطاب، ثمة ضرورة للتمعّن في الاستحقاقات والتحديات والمتطلّبات التي ستنجم عنه وعن القطع مع عملية أوسلو، فقد اعتاد الفلسطينيون على المكابرة والإنكار لواقع التدهور في أحوالهم؛ ولنتذكّر عبارات من مثل: «كنت الصمود في بيروت»، والتوهّمات في شأن تحويل الضفة وغزة إلى «نمر» آسيوي جديد، من طراز كوريا أو سنغافورة أو تايوان!
ما العمل؟ من كل ما تقدم، ثمة تحديات أساسية تواجه الفلسطينيين بقواهم وكياناتهم السياسية الفاعلة والحيوية، في محاولتهم لتجديد مشروعهم الوطني، ضمنها إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، فمن غير المعقول تغيير المسار، ومواجهة المستجدات، ببنى قديمة، مترهلة ومستهلكة؛ هذا إذا كانت القيادة الفلسطينية مستعدة حقاً للذهاب في المسار الذي أطلقه الرئيس في خطابه إلى نهايته.
أوّل هذه التحديات يتمثّل بإعادة بناء الكيانات السياسية (المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات والاتحادات الشعبية)، ما يعني نبذ احتكار القرارات، وتكريس العلاقات الديموقراطية في الحياة الداخلية، واحترام التعددية والتنوّع والرأي الآخر، وحلّ القضايا الخلافية بأسلوب الانتخابات والاستفتاءات، والقطع مع النظام السياسي المبني على المحاصصة الفصائلية («الكوتا»)، وبناء إطارات منظمة التحرير على قاعدة تمثيلية، بواسطة الانتخابات (النسبية) حيثما أمكن ذلك؛ وما يصحّ على المنظمة يصحّ على كيانات السلطة والفصائل والاتحادات.
ثاني هذه التحديات يتمثّل بصوغ رؤية سياسية جديدة للعمل الوطني، تتأسّس على الاستنتاجات من التجربة السابقة، وتحاول الإجابة على الأسئلة الجديدة، وتجسر الفجوة بين الممكن والمطلوب، وبين الإمكانات والطموحات، وبين الواقعي والمستقبلي، وبين الحقيقة والعدالة (بحسب تعبير لادوارد سعيد). رؤية سياسية تعزّز من وعي الفلسطينيين في أماكن وجودهم بكونهم شعباً واحداً، على تباينات أوضاعهم وأولوياتهم (وضمنهم هذا الجزء الغالي من فلسطينيي 1948)، من دون أن تثير عندهم القلق من إمكان تضييع حق مقابل حق. رؤية سياسية مستقبلية تعيد الاعتبار للتطابق بين أرض فلسطين وشعب فلسطين والمشروع الوطني خاصّته؛ وتأخذ في اعتبارها تعقيدات وإشكاليات هذا الموضوع.
هكذا نصل إلى التحدّي الثالث وهو يتعلق بإعادة الاعتبار لمفهوم وحدة الشعب، بعد كل ما جرى. فليس من الحصافة تجاهل واقع الشروخ بين مختلف تجمعات الفلسطينيين، وهو ما يتبدّى في تنامي حال الاختلاف في مشاعرهم وتعبيراتهم، وفي تباين علاقاتهم مع كياناتهم السياسية، وفي تعارض أولوياتهم الوطنية.
علمتنا التجارب أن ثمة ظواهر ومفاهيم طارئة يمكن أن تتحول إلى وقائع وثوابت، وهو ما يخشى منه في الحالة الفلسطينية، نتيجة الاختلافات السياسية، وتهميش أو تغييب منظمة التحرير باعتبارها الكيان الجامع للفلسطينيين في كافة أماكن وجودهم لمصلحة كيان السلطة، ونتيجة الانقسام الحاصل بين الضفة وغزة وبين حركتي فتح وحماس، وبين الداخل والخارج، وبين اللاجئين والمواطنين، وفلسطينيي 1948 وباقي الفلسطينيين.
هكذا فإن تعزيز شعور الفلسطينيين بكونهم شعباً واحداً، في الحاضر والمستقبل، يتطلب بناء الأطر والمؤسسات والكيانات السياسية على هذا الأساس كما يتطلب صوغ رؤية سياسية وطنية تلبّي ذلك.
ويبقى أن ثمة مهمات أخرى ينبغي الاشتغال عليها وتتعلق برفع الحصار الجائر عن قطاع غزة، واستعادة الوحدة للكيان السياسي الفلسطيني، وتحشيد الجهود للإفراج عن أسرى الحرية في سجون الاحتلال، والقطع مع العملية التفاوضية المذلة والمجحفة والعبثية، وإنهاء التنسيق الأمني وعلاقات التبعية الاقتصادية، ووضع الملف الفلسطيني في عهدة المسؤولية الدولية، وفتح المجال أمام الشعب للتعبير عن مقاومته ورفضه للاحتلال ولنظام الفصل العنصري في إسرائيل.
هذه هي التحديات الإستراتيجية التي تواجه القيادات وكل الوطنيين الفلسطينيين، والتي من دون تأهيل البني اللازمة لها، والاشتغال على تلبية متطلباتها، لا يمكن القول إن ثمة طريقاً جديداً، أو تغييراً ما، في الساحة الفلسطينية.
* كاتب فلسطيني
الدولة الفلسطينية... والهجوم المضاد
بقلم: أحمد يوسف أحمد * عن الاتحاد الإماراتية
أشرت في المقالة السابقة إلى استحالة تحقيق العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة على الأقل بسبب "الفيتو" الأميركي، وإمكان التوصل إلى حل وسط هو وضع "الدولة المراقبة" الذي يوفر للفلسطينيين مزايا معنوية عديدة، ولهذا السبب تعرض رئيس السلطة الفلسطينية لتهديدات وضغوط لم تُلِنْ عزيمته بخصوص التقدم بطلب العضوية. والدليل على أنه حتى وضع "الدولة المراقبة" يزعج إسرائيل وحلفاءها- وعلى رأسهم الولايات المتحدة- أن الهجوم المضاد على الطلب الفلسطيني سرعان ما بدأ من أكثر من اتجاه، مع أن البعض من حَسِنِي النية نظروا إلى تحويل طلب العضوية الفلسطيني إلى اللجنة المختصة باعتباره بادرة طيبة، وليس مجرد ادعاء للجدية والأخذ بالإجراءات المرعية.
انطلقت أول رصاصة في الهجوم على الطلب الفلسطيني من لجنة العضوية ذاتها، التي لابد أن تكون قد خضعت لضغوط هائلة كي تعلن ما أعلنته، وهو أن قرارها في هذا الصدد سيستغرق بضعة أسابيع لإعطاء الفرصة للتفاوض بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، خاصة على ضوء جهود اللجنة الرباعية، فما شأن لجنة العضوية بالتفاوض بين الطرفين؟ المطلوب منها فقط أن تقرر ما إذا كان طلب العضوية الفلسطيني تتوفر فيه الشروط الموضوعية والإجرائية من عدمه.
والسؤال: هل تفلح "أسابيع" قليلة في تسوية صراع دام ستة عقود؟ وما الذي يميز هذه "الأسابيع" عن السنوات الخمس التي منحها إطار كامب ديفيد الأول في 1978 للوصول إلى تسوية، أو العدد نفسه من السنوات الذي منحته اتفاقية أوسلو 1993، أو خريطة الطريق الأميركية في 2002 التي حددت ثلاث سنوات لإنشاء الدولة الفلسطينية، أو مؤتمر أنابوليس في خريف 2007 الذي تصور أن التسوية يمكن أن تأتي في نهاية 2008؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون استخفافاً بالعقول؟
يتحدثون إذن عن مفاوضات في أسابيع قليلة لعبور الفجوة بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني، ويتصورون أننا ننسى أن ثمة مفاوضات تجري دون جدوى بين الطرفين على نحو مباشر منذ وقعت اتفاقية أوسلو في 1993 أي منذ ثماني عشرة سنة، وأنها باءت بالفشل بسبب موقف إسرائيل العبثي الذي يريد كل شيء عدا الفتات الذي يمكن أن يُترَك للفلسطينيين، وبصفة خاصة الاستيطان المتسارع في الضفة خاصة القدس على نحو يحسم يوماً بعد يوم مصيرهما في أية تسوية قادمة إذا
استمر الحال على ما هو عليه، الذي لم يتوقف حتى هذه اللحظة، ولا نجح زعماء سياسيون لهم وزنهم كالمستشارة الألمانية في إقناع نتنياهو بكبح جماحه.
ولنلاحظ أيضاً أن إتاحة الفرصة للمفاوضات أثناء بحث طلب العضوية يمكن أن تكون القصد منها إحراج الجانب الفلسطيني إذا واصل رفضه التفاوض في ظل استمرار الاستيطان، أو استدراجه من جديد إلى فخ المفاوضات ذات الآفاق المسدودة.
أما الطلقة الثانية فجاءت من بندقية الكونجرس الأميركي الذي قرر حجب 200 مليون دولار من المساعدات الأميركية المقدمة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، وقد كتبت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية أن الرئيس الأميركي تجنب الحديث مؤخراً عن معاقبة الفلسطينيين، ولكن الكونجرس الأميركي أقدم على هذه الخطوة تحت وطأة اللوبي الصهيوني، على رغم معارضة بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، فضلاً عن بعض الساسة البارزين السابقين كالرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تحسباً لردود الفعل الفلسطينية والعربية. ومن المعروف أن الولايات المتحدة تخصص سنويّاً حوالي 600 مليون دولار للإنفاق على الخدمات في الضفة وغزة منها 50 مليون دولار لدعم موازنة الحكومة، وقد وصفت الصحيفة البريطانية قرار الكونجرس بأنه "يدعو للخجل".
أما الطلقة الثالثة فأتت من المواقف الوسطية التي يمكن أن نجتزئ منها موقفاً يعبر عنها بدقة هو موقف ساركوزي، ومن المعروف أنه يحاول إثبات أن له سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة، وقد اقترح الاكتفاء الآن بوضع "الدولة المراقبة"، وهو اقتراح معقول على ضوء تحليل الفرص الواقعية للموافقة على طلب العضوية الكاملة، غير أن "الهجوم المضاد" يأتي هنا من اشتراط أن يكون الفلسطينيون واضحين قبل حصولهم على هذا الوضع في التزامهم الاعتراف بدولة إسرائيل وأمنها، وعدم لجوئهم إلى المحكمة الجنائية الدولية قبل انتهاء المفاوضات، وهو ما يعكس مرة أخرى مدى القلق الغربي من الامتيازات التي يتيحها وضع "الدولة المراقبة" لفلسطين.
وتأتي بعد ذلك "النيران الصديقة" من داخل الساحة الفلسطينية، حيث ترى الفصائل التي تعلي من شأن العمل المسلح أنه لا قيمة لأي وضع تحظى به فلسطين في الأمم المتحدة طالما أن الفلسطينيين لا يسيطرون على الأرض ويمارسون السيادة عليها، وتذكر هذه الفصائل بالنتائج العملية لفتوى محكمة العدل الدولية بعدم شرعية بناء الجدار الإسرائيلي العازل، وخطوة طلب العضوية بالنسبة لهم اعتراف بفشل التسوية، وهروب إلى الساحة الدولية، وتذكر أيضاً بما ترتب على إعلان الدولة في 1988 من نتائج عملية في الواقع الفلسطيني، وينعون على عباس الانفراد بقرار طلب العضوية، وينتقدون قوله إن أحداً لا يستطيع نزع الشرعية عن إسرائيل، ويحذرون من أن الاعتراف بدولتين على الأرض الفلسطينية سيعني ضياع الحقوق الفلسطينية إلى الأبد. والواقع أن معظم هذه الحجج -إن لم يكن كلها- سليم، غير أن القائلين بها لا يفرقون بين الاستراتيجية والتكتيك، إذ أنه باستثناء التزام السلطة الفلسطينية بتبني مواقف معينة تضيع ما بقي من الحقوق الفلسطينية ثمناً للحصول على "الدولة المراقبة" يمكن النظر إلى الأمر كله على أنه نوع من تكريس الحضور الفلسطيني في الساحة الدولية، وحشد مزيد من الأنصار -ولو معنويّاً- للحقوق الفلسطينية، وملاحقة إسرائيل عن طريق المحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني.
ويمثل الموقف الإيراني المعروف بتشدده البالغ ضد إسرائيل وتمسكه بالمواقف الحدية كالقول إن إسرائيل إلى زوال وتشجيعه قوى المقاومة المسلحة للكيان الصهيوني -يمثل حالة أخرى من "النيران الصديقة". وقد تزامن افتتاح مؤتمر طهران الخامس لدعم الانتفاضة الفلسطينية في مطلع هذا الشهر مع الجدل الدائر حول العضوية الفلسطينية في الأمم المتحدة، وحضر المؤتمر قادة فصائل فلسطينية وبرلمانيون وشخصيات من مئة دولة. وقد أعلن المسؤولون الإيرانيون على أعلى مستوى بما لا يدع مجالاً لأي شك معارضة طلب العضوية من منظور رؤيتهم لمآل
الصراع، وقد جدد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية في كلمته الافتتاحية رفض أي خطة تؤدي إلى تقسيم فلسطين بشكل دائم، واقترح استفتاء الفلسطينيين في هذا الصدد، وقال إن "حق الفلسطينيين المشروع في عضوية الأمم المتحدة يخفي بين طياته مخطط دولتين، وهو ليس سوى إذعان للمطالب الصهيونية، أو اعتراف بالنظام الصهيوني على أرض فلسطين". وهي رؤية تاريخية مطلقة تصادر دون شك على أي تكتيك بشأن التحرك في الساحة الدولية وينطبق عليها ما سبق ذكره من أن طلب العضوية في ذاته لا يعني استسلاماً لوجهة نظر معينة في مآل الصراع اللهم إلا إذا قدمت السلطة الفلسطينية في سبيل الحصول على العضوية من التنازلات ما يقيد الآفاق المستقبلية لاسترداد الفلسطينيين حقوقهم.
وربما يكون الأقرب للمنطق هو تصريح رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" بأنه حتى لو حصل الفلسطينيون على وضع الدولة في الأمم المتحدة فإن أراضي هذه الدولة ستكون محتلة، ولا وسيلة لتحريرها سوى المقاومة، وهو قول حق، غير أن المعضلة فيه أن الذين يرفعون شعار المقاومة لا يقاومون.
* كاتب مصري
أسرار تحركات "فتح" و"حماس"
بقلم: أحمد جميل عزم عن الغد الأردنية
وجدت قيادات الفصيلين الفلسطينيين الأكبر نفسها أمام مجموعة تحديات الأسبوع الفائت. "فتح" داهمها سؤال: ماذا بعد هبّة 23 أيلول (سبتمبر)؟. فوجئت قيادة الحركة بحجم التجاوب الشعبي مع خطوة رفض النهج الأميركي، وارتاحت للتأييد العالمي، ولكن القلق أنّه بدون تزويد الشارع باستراتيجية تحرك فاعلة واضحة سريعا سيخفُت الحماس، كما أن موضوع المساعدات الأميركية وحسابات التصويت في مجلس الأمن مقلقة.
"حماس" شعرت أنّ خطوة محمود عبّاس في الأمم المتحدة، تضعها أمامها تحديّات، وتجعلها مطالبة بخطة عمل جديدة.
عقدت لجنة "فتح" المركزية اجتماعاً وبدا أن صفحة القيادي محمد دحلان في الحركة طويت، وأن التركيز على مرحلة مختلفة. وعقد في اليوم التالي اجتماع المجلس الثوري للحركة، وكلفت لجنة بوضع برنامج عمل خلال أسبوع، يتضمن خطط العمل الجماهيرية، وتصورا للاستعداد للانتخابات، التي تشكل جزءا أيضا من إعادة بناء مجلس وطني جديد، وبناء الحسابات على أنّ حركة "حماس" ومعها "الجهاد الإسلامي" قوى رئيسية يجب جذبها تحت مظلة المنظمة، مع العمل على الحفاظ على صدارة "فتح".
في لقاء في مقر إقامة الوفد في طهران، على هامش مؤتمر دعم الانتفاضة، اتفقت قيادة "حماس" على تأجيل الحديث بشأن إعادة ترتيب الإطار القيادي فيها. وقدّم أبو الوليد (مشعل) عرضا مفصلا للمسألة السورية، وكان هناك شبه رضا عن تعامل الحركة مع هذه المحطة؛ فلم تصطف مع النظام ضد الشعب، ولم تبرر الحل الأمني. وعندما وصل الأمر لمناقشة خطوة الأمم المتحدة الأخيرة، فإنّ أجواء النقاش اختلفت قليلا. أحد الجالسين قال إنّ الحركة بلورت موقفا متوازنا، مفاده نحن مع دولة فلسطينية شرط عدم الاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن حق العودة. وأقر الآخرون ذلك، ولكنهم توقفوا عند تباين اللهجة بين أطر الحركة.
أحدهم اقترح توضيح أنّ الشخصيات التي أيدت الخطوة في الضفة من وزراء سابقين في حكومات حماس، قريبون من الحركة وليسوا أعضاء فيها. البعض استحسن تباين اللهجة بين من ينتقد بقسوة ومن يعارض بهدوء، وقالوا إنّ هذا مطلوب، ولكن آخرين قالوا إنّ التباين مبالغ به أحيانًا. انتهى النقاش إلى ضرورة إعلان الحركة استراتيجية عمل متكاملة للناس قريبا. وأقروا فكرة اسماعيل هنية، الذي بقي في غزة، بالدعوة إلى لقاء وطني يجمع القوى الفلسطينية، يكون نوعا من اجتماع موسع يعطي رسالة بالوحدة حتى لو كان الفصيلان يميلان عمليا لتأجيل تشكيل حكومة جديدة.
في لقاء مع عدد من مساعديه، أعطى أبو مازن تعليمات بالمضي في خطين متوازيين، الأول تصعيد التعبئة في (فتح) وفلسطينيّا، والثاني التحرك دوليا. وشدد على نبيل شعث بالتحرك بين الناشطين الأوروبيين، وعلى جمال محيسن بتسريع عقد
مؤتمرات أقاليم التنظيم في الدول العربية، وطلب من عباس زكي المزيد من الحركة عربيا خصوصا في دول مثل ليبيا، بعد الثورة، وكذلك التنسيق مع الصين.
وقال أبو مازن إنّ عقد اللقاء الوطني الذي اقترحه هنية، قد يكون بروفة لفكرة القيادة الموسعة الانتقالية للمنظمة، وسيكون تشاوريا يعطي للشعب رسالة بالوحدة، وللأميركان بوجود سيناريوهات تخلط أوراقهم، وطلب من عزام الأحمد التجاوب مع الفكرة، واقتراح القاهرة مكانا للاجتماع خلال شهر، وصمتَ أبو مازن عندما ألمح جالسون مجددا للتبرم في الحركة من دور ياسر عبدربه الإعلامي.
هذه التفاصيل السابقة ليست سوى تخيّل لخطوات قد تسهم في ترتيب البيت الفلسطيني. بعض ما فيها ربما جرى بشكل ما، ولكن الصورة العامة ليست مشجعة كثيرًا، فالناطقون باسم فتح وحماس يستخدمون لغة غير إيجابية في بعض الأحيان، وفكرة اللقاءات وإعادة البناء والاستراتيجيات الواضحة ما تزال عائمة وغامضة.
أزهار الربيع العربي في الحديقة الفلسطينية
بقلم: عيسى الشعيبي عن الغد الأردنية
رغم كل المصدات الاصطناعية والسواتر المرتجلة، التي أقامتها الأنظمة العربية على عجل، أمام هبوب رياح التغيير المشبعة بغبار الطلع، أو قل حبوب اللقاح الديمقراطي، فقد تمكنت العاصفة التي صارت إعصاراً، من اكتساح تلك الأسوار العالية وفتح أبواب القلعة المحصنة بالخوف من الخوف ذاته، فتفتحت أكمام براعم هنا، وأينعت أغصان وارفة الظلال هناك، فيما أثمرت هنالك أشجار كثيرة وطرحت غلال صيف طيبات المذاق.
في حينه، كان السؤال الذي أرّق كثيراً من الفلسطينيين وهم يرنون بأبصارهم إلى ميادين التحرير وساحات التغيير، هو: متى يصل الربيع العربي إلى ديارهم المسكونة بالاحتلال والانقسام؟ وإذا كان من المقدر لهذا الموسم الجميل أن يتأخر حلوله ضيفاً مرغوباً به لبعض الوقت، فكيف يمكن التعجيل بمقدمه دون إبطاء؟ أيكون ذلك بالتهليل له عن بُعد وانتظاره على الرصيف، أم يكون بإعادة ضبط عقارب الساعة الفلسطينية وتوقيتها على إيقاع زمان عربي جديد لم يعد يعرف عادة التوقف في الخمسة دقائق الأخيرة من الوقت؟.
غير أنه بعد تلكؤ لم يطل به المطال، وترقب مشوب بالقلق والاحتدام، هب النسيم العليل من وراء الحدود، منذراً بقدوم الربيع متبختراً ضاحكاً، على حد وصف الشاعر البحتري في مطلع إحدى روائعه (أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً من الحسن حتى كاد أن يتكلما) الأمر الذي تفتحت معه، على التوالي، زهرتان كبيرتان في الحديقة الفلسطينية، كبشارتين على وصول طلائع الربيع الديمقراطي، أخيراً، إلى أشد الخمائل تعطشاً إلى ندى الحرية وندائها الحبيس في الحناجر، فيما تفتحت ثالثة في الجوار.
كانت الزهرة الكبيرة الأولى متمثلة في توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية المفاجئ حتى لأصحابه، تحت ظلال الحديقة المصرية الواعدة بموسم ربيع مديد، قد تطال حبوب لقاحه أصقاعاً أبعد من حدود الأرض العربية المسكونة باليباس الشديد. ومع أن زهرة المصالحة هذه لم تعقد نوارها بعد، ولم تطرح ثمرتها المشتهاة إلى اليوم، إلا أنها تواصل نضوجها البطيء في أعلى الشجرة، في انتظار سطوع شمس قائظة قد تشرق عليها في أي حين.
أما الزهرة الكبيرة الثانية فقد جسدها الهجوم الدبلوماسي الفلسطيني يوم الثالث والعشرين من أيلول الماضي، داخل رواق الأمم المتحدة، في خطوة بدت وكأنها مغامرة سياسية، ما كان لها أن تحدث أبداً لو أن الربيع العربي لم يكن قد اكتسح
الحاكم المصري السابق، الذي كانت له وحده الكلمة المسموعة لدى القيادة الفلسطينية الذاهبة إلى نيل اعتراف دولي بعضوية فلسطين، رغم ضغوط الدولة العظمى، التي كان من المقدر لها، كي لا تتجشم عناء استخدام الفيتو، أن تلقي مهمة وأد الخطوة الفلسطينية هذه على كاهل الحاكم المخلوع.
وقد تكون الزهرة الثالثة التي يتضوع عطرها الآن في سماء فلسطين، مع أنها تفتحت تحت سماوات أخرى في المدار، ماثلة في عزل إسرائيل أكثر فأكثر، وتقويض استراتيجيتها الإقليمية، وذلك بعد أن تجلت وجهة سير المتغيرات الداخلية المصرية الذاهبة نحو استعادة الدور الريادي السابق، وقطعت تركيا مزيداً من الخطوات النوعية على طريق المواجهة مع الدولة التي خسرت سائر تحالفاتها التاريخية القديمة في المنطقة، ناهيك عما قد يترتب من مضاعفات إيجابية بعيدة المدى على نجاح الثورة الشعبية الديمقراطية في سورية.
ومع أن مفاعيل وصول الربيع العربي إلى الحديقة الفلسطينية ما تزال ذات نتائج متواضعة، حيث لم تتفتح سوى قليل من الأزهار، ولم تنضج بعد أي من الثمار، إلا أن هذه المتغيرات الاستثنائية في الحياة السياسية لشعب ارتفعت معنوياته وتوقعاته فجأة، بتداعيات حلول هذا الموسم الجميل في الحديقة التي تصحرت كثيراً، من المقدر لها أن تعزز من كفاحه في سبيل الحرية والديمقراطية والاستقلال، ومن شأنها أيضاً التبشير بزمن فلسطيني من فصيلة جينات الزمان العربي الجديد وجنسه، لا سيما أن تربة هذه الحديقة غنية أصلاً بالمخصبات العضوية، وأن مناخها ملائم لاحتضان كل هبة ريح مواتية للإكثار الصحيح والتلقيح التلقائي القويم.
وماذا بعد؟
بقلم: حسان يونس عن الوطن القطرية
يوم الجمعة الماضي كان يوم فلسطين في الأمم المتحدة بامتياز، لقد كان خطاب السيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بمثابة خريطة طريق، أوضحت للعالم حدود الحل كما أسهبت في فضح جرائم الاحتلال وانتهاكات المستوطنين وعمليات التهويد ومصادرة الأرض.
السيد عباس تألق كما لم يفعل في حياته، كانت لحظته، كما كانت لحظة فلسطين وشعب فلسطين، لكن شيئا لم يكن ليتغير، فهو أول من يدرك بأن الأمور لن تلبث أن تعود إلى لحظة اليأس بمجرد رد مرافعته مشفوعة بالفيتو الأميركي لدى مناقشة الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن والتصويت عليه.
ما الذي حدث إذا مستدعيا كل هذه الاحتفالات والتظاهرات؟
الشيء المرجح هو حاجة العرب عامة، والفلسطينيين خاصة، لحدث يكسر حالة اليأس والحزن والإحباط، والمرجح أيضا حاجة السلطة الفلسطينية وحركة فتح إلى «نصر» يعيد إليها الاعتبار في مواجهة استحقاقات هامة أبرزها الفوز بالزعامة والسلطة بعد سلسلة من الفضائح والنزاعات وتهم الفساد التي نخرت صفوفها.
ما رأيناه إذا هو حملة انتخابية مبكرة، في بعض جوانبه، وحملة علاقات عامة، في جوانب أخرى منه، وعرض للقوة والزعامة في مواجهة حركة حماس في بقية جوانبه.
نعود للسيد عباس والمرجح أن نيته طيبة ومقاصده صادقة، وهو بكلمته الهامة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أوقد «شعلة» فلسطين بعد أن خبت طويلا، والآن فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه للقضية الفلسطينية هو ممارسة الضغط داخل السلطة وصفوف فتح من أجل تمكين الشباب من تسلم زمام المبادرة وتسلم الشعلة التي صفق لها المجتمع الدولي في الأمم المتحدة مرارا وتكرارا.
لقد بلغ السيد عباس نهاية الطريق، وكان من حسن حظه أن حظي بهذه المكانة الدولية عبر كلمة سوف تدخل ويدخل معها التاريخ من أوسع أبوابه، لكن هذه النشوة يجب ألا تلهيه عن الحقيقة وأبرز ما فيها أن الشعب الفلسطيني بحاجة لقيادة شابة تحسن تلمس آلامه وتحسن التعبير عنها، سلما أو حربا، قيادة لم تتعب ولم ترهق، قادرة على حشد هذا الشعب بعيدا عن المصالح الضيقة لحركات ومنظمات وفصائل قامت على هدف وحيد هو تحرير الأرض قبل أن تتحول إلى ما نرى: صراع على النفوذ والمغانم فيما الشعب يرزح تحت وطأة المعاناة وانعدام الأمل واليقين.
ليس مهما أن يوافق مجلس الأمن على طلب العضوية الفلسطينية، ليس مهما على الإطلاق، إن ما هو أهم إدراك الفلسطينيين بأن لحظة التغيير حانت وهي لن تتم إلا عبر سواعد وعقول وقدرات شابة، وعبر وحدة وطنية حقيقية لا مكان فيها لخلاف.
إنه وقت تسليم الشعلة، إن أرادها السيد عباس متقدة متوهجة، كما كان حالها عندما ألقى كلمته التاريخية في الأمم المتحدة.


رد مع اقتباس