المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (277)
|
المقالات في الصحف المحلية
|
الحقوق الفلسطينية الثابتة أولاً وقبل خطة الإطار
بقلم: حديث القدس – القدس
لماذا منطقة الاغوار بهذه الاهمية لنا؟
بقلم: الدكتور عقل أبو قرع – القدس
ســرقــــة الـوقـــــت
بقلم: د. يحيى السلقان – القدس
عن «الخطر الإسلامي»..
بقلم: عبد الإله بلقزيز – القدس
الإسلاميون ومنظمة التحرير الفلسطينية:جدل الفكرة وأفق الرؤية
بقلم: د. أحمد يوسف – القدس
الأقصى عقيدةٌ.. فمن يذودُ عنه؟!
بقلم: عزيز العصا – القدس
أبو مازن المحيِّر؟ شريك ـ لا شريك؛ وسيط ـ لاعب !
بقلم: حسن البطل – الايام
ميركل في إسرائيل: البحث عن دور.. موعود!!
بقلم: هاني حبيب – الايام
القدس: إسرائيل تلعب بالنار
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
عن الرئيس وآخرين
بقلم: محمد نجيب الشرافي – الايام
قــــتـــــل الــــنـــــســـاء
بقلم: توفيق وصفي – الايام
تغريدة الصباح - الروائي العالمي
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
اطلالة عربية - اللقاء الأول مع محمود درويش
بقلم: ابراهيم عبد المجيد – الحياة
القدس: حق فلسطيني وذاكرة عربية
بقلم: هاني فحص – الحياة
براءة "الذئب" من دم ابن يعقوب
بقلم: عدلي صادق – الحياة
اسرائيل اخطر من تحرض على نفسها
بقلم: يحيى رباح – الحياة
خـــــــــدعــة وخـــديـــعـــة
بقلم: بهاء رحال – الحياة
الحقوق الفلسطينية الثابتة أولاً وقبل خطة الإطار
بقلم: حديث القدس – القدس
يشهد الأسبوع القادم في البيت الأبيض بواشنطن، وفقا لتقارير وكالات الأنباء، لقاء بين الرئيس محمود عباس والرئيس الأميركي باراك اوباما ستكون خطة الإطار التي أعدها وزير الخارجية الأميركي جون كيري والتي ستتمحور حولها التسوية النهائية للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي. وهي خطة يتفق المراقبون على أنها تتعارض، كليا أو جزئيا، مع الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة التي ناضل من أجلها شعبنا خلال الستة والأربعين عاما الماضية.
وفي الأسبوع ذاته، يلتقي اوباما رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يرفض عمليا أي خطة ترمي لوقف الاستيطان وانسحاب الجيش الاسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967. وموقف نتنياهو يستند إلى المناورات السياسية ومحاولة إخفاء معارضته الفعلية، حتى للبنود القليلة في خطة الإطار الداعية لإقامة الدولة الفلسطينية بمواصفات متواضعة للغاية. وهو يراهن على ضغوط اللوبي اليهودي اليميني في الولايات المتحدة لتجاوز خطة الإطار، وإطلاق يده في التوسع الاستيطاني وتكريس الاحتلال.
ولم تكن فكرة يهودية اسرائيل إلا نوعا من الشروط التعجيزية التي يُقصد بها إحراج الفلسطينيين، لأن رئيس الوزراء الاسرائيلي يدرك جيدا أن هذه الفكرة لم تطرح على كل من مصر والأردن كشرط للتوقيع على معاهدة السلام بين اسرائيل وهاتين الدولتين. وطرح هذه الفكرة على الفلسطينيين وحدهم يعني، ببساطة، أن نتنياهو لا يريد تحقيق السلام مع الجانب الفلسطيني، وإنما يضع العقبات الكبرى في طريق التسوية السلمية، ما يجعل التوصل إليها في خانة المستحيل.
وقد أوضح الرئيس عباس أكثر من مرة أن الفلسطينيين يرفضون الاعتراف بيهودية اسرائيل، لأنه ليس من شأنهم تحديد هويتها، وليسوا هم الذين يملكون إمكانية المصادقة على أي وصف يتم إطلاقه عليها. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، فإن الاعتراف بهذا التوصيف من شأنه شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، واعتبار فلسطينيي الداخل غير ذوي صلة بالدولة التي يعيشون فيها، وعاشوا على أرض وطنهم قبل قيام اسرائيل وبعد قيامها. وليس لأحد أن يقطع صلة انتمائهم لهذه الأرض، مهما كان الاسم والصفة اللتان تطلق على، أو توصف بها، الدولة المقامة على هذه الأرض.
والتجاهل الذي توليه خطة الإطار لقضية عودة اللاجئين سيكون بمثابة القنبلة الموقوتة التي ستنسف أي اتفاق سلام يخلو من حل قضيتهم وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 194. والسؤال هو : أي تسوية سلمية ستصمد في وجود ستة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين في حالة تشرد وحرمان من الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية؟.
إن شطب قضية اللاجئين سيعيد القضية الفلسطينية إلى المربع الأول، ولما كانت عليه عقب نكبة 1948 مباشرة. والفترة بين عام النكبة هذا وعام النكسة التي وقعت بعد تسعة عشر عاما كانت حافلة بالحروب والعنف، ورفض التفاوض مع اسرائيل. فهل تريد الولايات المتحدة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ستة وستين عاما؟. ولماذا تضيع اسرائيل، بتصلبها ورفضها الاعتراف بالحقوق الفلسطينية الثابتة، فرصة نادرة لإنهاء الصراع وتحقيق السلام؟.
الحقوق الوطنية الفلسطينية هي ركائز السلام، وتجاهلها لن يوصل المنطقة إلى أي مكان. ومن المفروض أن تشملها خطة الإطار وإلا فلن تكون خطة إطار للتسوية، وإنما مدخلا لمرحلة جديدة من التوتر والغموض، والرجوع إلى نقطة انطلاق الصراع من جديد.
لماذا منطقة الاغوار بهذه الاهمية لنا؟
بقلم: الدكتور عقل أبو قرع – القدس
خلال الايام القليلة الماضية، قام اليمين الاسرائيلي، بحملة واسعة تهدف الى الضغط امن اجل التشبث بالاحتفاظ بمنطقة الاغوار الفلسطينية وعدم تركها في حال التوصل الى اي اتفاق سلام فلسطيني اسرائيلي شامل او دائم او حتى الى اتفاق اطار، ولاعجب ان من قام ويقوم بهذه الحملة هم من احزاب او تكتلات سياسية مختلفة، ومن ضمنهم وزراء ونواب وزراء ورؤساء كتل واعضاء في الكنيست، وكل ذلك من اجل التشبث بمناطق بالاغوار وعدم التفكير في الانسحاب منها اوحتى تجميد البناء فيها او التوسع في المستوطنات المعزولة المتواجدة هناك.
ولا عجب بأن يتم المنادة من قبل هذه الاحزاب بأن تبقى منطقة الاغوار جزءاً من ارض او من دولة اسرائيل، الان وللاجيال القادمة كما ترفع حملة اليمين الاسرائيلي هذا الشعار، وهذا كله يؤكد كم هي مهمة او حيوية منطقة الاغوار، ليس للجانب الاسرائيلي، ولكن للمواطن الفلسطيني او للدولة الفلسطينية القادمة في المستقبل، من نواحي عديدة متنوعة، منها المياه والزراعة والسياحة والصناعة والثروات المعدنية والتواصل مع الداخل والاهم البعد النفسي والسياسي من خلال التواصل مع الخارج وما يعنية ذلك من معابر وحدود وسيادة واستقلالية، والتنقل بحرية او بسهولة او بكرامة، بعيدا عن التفتيش والتأخير والانتطار والاهانة.
ومعروف ان منطقة الاغوار تشكل حوالي 30% من مساحة الضفة الغربية، وحسب تصنيف المناطق الى ا، وب، وج، فأنها تشكل نسبة كبيرة من المناطق المصنفة ج، اي المناطق المهمة والاستراتيجية، او المناطق التي بقيت وما زالت وحسب اتفاقية اوسلو تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة، اي التي وبشكل عام لا يستطيع الجانب الفلسطيني استغلالها او التحكم بها استراتيجيا وما لذلك من خسائر فادحة على الاقتصاد الفلسطيني.
وهذا ما اكده تقرير صدر قبل فترة عن البنك الدولي، الذي اشار الى منطقة الاغوار كمناطق لا يمكن للجانب الفلسطيني ان يستخدمها، ومن ضمن ما اشار اليه التقرير هو اهمية الاغوار للاقتصاد الفلسطيني، الذي تمتاز تربته بالخصوبة العالية ، القادرة على انتاج محاصيل متنوعة، للاستهلاك المحلي وللتصدير، والذي يحوي ثلث احتياطات الضفة من المياه الجوفية، وتأكيدا لاهمية مناطق الاغوار للفلسطينيين، فقد اشار تقرير البنك الدولي الى ان انتاج المستوطنات الاسرائيلية في الاغوار فقط في الوقت الحالي، يصل الى حوالي 500 مليون شيكل سنويا، وبأن حوالي 70% من انتاج الاردن من الخضار والفواكه يأتي من الجانب الاردني من مناطق الاغوار، الذي يماثل الجانب الفلسطيني.
وبالتالي فلا عجب من اهمية منطقة الاغوار الزراعية لنا، حيث يمكن ان تكون مناطق الاغوار السلة الزراعية الاساسية للفلسطينيين، اسوة او مقارنة مثلا بمنطقة البنجاب الهندية، التي تعتبر السلة الغذائية لدولة ضخمة مثل الهند، خاصة واننا بحاجة الى توفر المحاصيل الزراعية بالكمية والنوعية وبالسعر المناسب وفي الوقت اللازم، اي اننا بحاجة الى توفر نوعا ما من الامن الغذائي، واننا كذلك بحاجة الى انتاج محاصيل بنوعية متميزة وفي اوقات ملائمة للتصدير، ومنطقة الاغوار هي القادرة على تحقيق ذلك، الان وفي المستقبل.
ومناطق الاغوار تحوي الارض المستوية، اي الاراضي السهلة المتواصلة، اي التي يمكن الاستثمار فيها او اقامة مشاريع استراتيجية كبيرة وبأنواعها، والتي تحتاجها الدولة الفلسطينية القادمة من اجل الانتاج، والاهم من اجل التشغيل او التخفيف من شبح او من غول البطالة الذي بات يشكل هاجسا تقريبا لكل شاب فلسطيني، وبالاخص لكل خريج فلسطيني، ومن هذه المشاريع الضخمة، المطارات والمصانع بأنواعها وشركات التكنولوجيا والخدمات والتصنيع الزراعي وصناعة السياحة.
وفي وضع مثل اوضاعنا من الحاجة المتزايدة للمياه، اي المياه الصالحة، وفي ظل عدم وجود مصادر اساسية للمياه السطحية في بلادنا، وفي ظل انقطاع مياه الامطار واحتمال تواصل هذا الانقطاع، فإن خزانات المياه الجوفية التي تحويها مناطق الاغوار هي الحل، للحياة وللزراعة وللاقتصاد وللنشاط البشري، وكيف للدولة الفلسطينية القادمة بأن تحيا وتتقدم وتزدهر بدون مياه، اي بدون مياه الابار الجوفية التي تتواجد في مناطق الاغوار، وكذلك بدون ذلك الجزء البسيط من المياه السطحية للفلسطينيين اي تلك الحصة من نهر الاردن.
ومعروف ان من مقومات او من مكونات الناتج القومي الاجمالي الفلسطيني التي لم تستغل كفاية هي السياحة، واستغلال السياحة ليس فقط للحفاظ على الوضع الحالي ولكن لتحقيق النمو و الزيادة في هذا الناتج القومي، اي الزيادة في الانتاج وتشغيل الاعداد المتزايدة من حملة الشهادات وبأنواعها، ولكي تنشط السياحة وتحقق الحصة المنشودة في الاقتصاد الفلسطيني فهي بحاجة الى
منطقة الاغوار، التي تشمل اقدم موقع في التاريخ، وتحوي اخفض نقطة في العالم، والتي تحوي كذلك مدينة اريحا ومناخها الشتوي المميز وتحوي قصر هشام وتحوي البحر الميت وما يضمة من ثروات واملاح وموقع ومناخ وكل ذلك عوامل جذب للسياح وبأنواعهم، ومن مختلف الاديان والاجناس والاعمار والدول.
وهناك كذلك الصناعة التي يمكن ان تقوم بالاعتماد على السياحة كما يمكن ان تقوم على الزراعة، اي الصناعة التي يمكن ان تقوم باستغلال الثروات المعدنية بأنواعها من البحر الميت، وهناك الصناعة التي يمكن ان تستغل المناخ الفريد والتربة المتنوعة التي تحويها الاغوار، من زراعة للنخيل ومن ثم انتاج التمور، او من زراعة الموز او الازهار او النباتات الطبية، او محاصيل او انواع محددة من المحاصيل التي يمكن زراعتها ومن ثم استغلالها صناعيا في الاغوار فقط.
وللدولة الفلسطينية، تعتبر مناطق الاغوار هي الحدود الاهم لها مع الجانب الاردني ومن ثم مع العالم، والاهم للتواصل مع الخارج، والاهم من حيث المعابر والتصدير والاستيراد، والاهم من حيث السفر والتنقل للفلسطينيين، ولا اعتقد ان اي شخص منا قد سافر عبر الاغوار في الوقت الحالي ولم يقسم بأنه لن يعاود السفر بسبب ما يتلقاه من التأخير والاحباط والانتظار وخسارة الوقت والتعب.
ولذا، وبالاضافة الى اهميتها الاقتصادية، فإن الاغوار مهمة سياسيا ونفسيا للمواطن الفلسطيني، الذي تمنى وما زال يتمنى بأن يكون اسوة او مماثلاً للناس وللمواطنين في بلدان العالم المختلفة، من حيث السفر والتنقل والاحترام وعدم مشاهدة او التعامل مع قوة اخرى او جهة غريبة، تحكمت و تريد ان تواصل التحكم في مجرى حياته، وللتخلص من هذا الوضع او من هذه العقدة، يمكن تصور اهمية منطقة الاغوار للمواطن الفلسطيني، وللاقتصاد الفلسطيني، وللمستقبل الفلسطيني وللدولة الفلسطينية، وبالتالي فانه ومن المفترض، وكلما ازدادت حملات اليمين الاسرائيلي حدة من اجل مواصلة التمسك بمناطق الاغوار، فإن على الجانب الفلسطيني ان يزداد اصرارا وثباتا بعدم التنازل او التفريط بمناطق الاغوار او بجزء منها، ولو كان ذلك تحت اية مسميات او صيغ او معادلات او مناورات او ترتيبات غير واضحة او غير مقنعة للمواطن الفلسطيني؟.
ســرقــــة الـوقـــــت
بقلم: د. يحيى السلقان – القدس
مخطئ من يعتقد أن سرقة المال فقط هي عنوان الفساد ولكني اعتقد أن سرقة الوقت هي أيضاً ركيزة من ركائز الفساد، ولعل سرقة المال (بسبب شحِّه) تكون أقل شيوعاً وانتشاراً من سرقة الوقت المتوفر دائماً وفي متناول الجميع.
في كثير من الأحيان، وتطبيقاً "للأمانة" و"للشفافية" يقوم الموظف باجراءات صارمة في الدقة وتسير المعاملات خطوات متعددة ومتكررة ويرافقها أوراق واختام وتوقيعات واحياناً اجتماعات ومراسلات ... وفي نهاية المطاف ... وبعد كل ذلك ومضي أشهر ... تكون المعاملات جاهزة ... صحيح بأن "الأمانة" تحققت والشفافية زجاجية الرؤيا ... ولكن أيام وربما أشهر قد سرقت ... وهذا مضاد للكفاءة ... اليس "الاتقان بالعمل" حسب التعريف هو إنجاز العمل بأعلى درجات الجودة وبأقل وقت ممكن ... قد لا يوجد أي تعريف علمي لقياس "الجهد" أو "العمل" أو "الكفاءة" بدون ربط ذلك بالوقت او باستعماله على احسن واقصر حال.
وإذ نحن في الدول النامية بشكل عام، وفي فلسطين بشكل خاص في مرحلة البناء (لا مرحلة الرفاهية) السنا بأمس الحاجة للكفاءة بالعمل وانجاز المهام وأمانة الوقت؟! وهنا سأقف على بعض مظاهر سرقة الوقت المنتشرة في مجتمعاتنا ومؤسساتنا العامة والخاصة:
• تغلق أبواب البنوك في تمام الساعة الثانية والنصف؛ ينتهي دوام الموظفين في المؤسسات الحكومية حوالي الساعة الثالثة والنصف واما في الشركات الخاصة فينتهي بعد الرابعة. وحيث أن غالبية عملاء البنوك من موظفي الحكومة والشركات؛ فمتى سيقوم هذا الموظف بزيارة بنكه للقيام بالبسيط من الأعمال؟ يضطر الموظف الآن إما للمغادرة من عمله أو للإجازة لعمل ذلك، وفي غالب الاحيان يغادرعمله لساعة حسب تقديره ولكنه واقع الأمر يعود بعد انقضائها بكثير بسبب الاكتظاظ! أليس من المنطق ومن الكفاءة في الأداء أن تفتح البنوك بعد ساعات عمل عملائها ؟! أو حتى يوم السبت لساعات معينة!
• عطِّلت المدارس بسبب كسوف الشمس لأكثر من مرة، ففي حين تعتبر الظواهر الطبيعية النادرة فرصة للمعرفة فإن مدارسنا وللأسف ترسخ مفاهيم خاطئة وترسخ الجهل بهذا التعامل!! ولقد عطلت المدارس كثيراً بسبب انخفاض في درجات الحرارة أو ربما توقع هطول الثلوج. قد اتفهم العطلة بعد سقوط الثلوج الكثيفة لعدم جاهزية المدارس والشوارع ، ولكن لماذا قبل يوم أو يومين!!
• أيام العطل الرسمية: "في اجتماع مجلس الوزراء قرر المجلس أن عطلة كذا وكذا ستكون ابتداء من وانتهاء بـ ..." "وفي الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء، قرر المجلس اعتبار يوم كذا يوم عطلة رسمية بمناسبة ..." ،أنا أعرف بأن أيام العطل الرسمية هي أيام معروفة ومحددة سبباً وعدداً، المنطق يقول أن يتم تحديد هذه الأيام ولا حاجة لمجلس الوزراء أن يناقش الأمر في اجتماعاته. أنا ادرك تماماً بأن هناك بعض التفاصيل مثل صعوبة تحديد بدء عطلة عيد الفطر السعيد لعدم معرفة يوم بدء العيد لأرتباط ذلك برؤية الهلال، ولكني مدرك أيضاً أن يتم نقاش ذلك لمرة ويتخذ القرار وينتهي الأمر. اما زيادة يوم احتياط للعطلة أو ما يتم تسميته "وقفة العيد" وكأن عيد الفطر له وقفة مثل وقفة عرفات في عيد الأضحى؛ أو إضافة يوم "تلحيقه" لشبك عطلة العيد بالعطلة الاسبوعية ليس حلاً وليس من الكفاءة في شئ. ولعل ما يخيفني هنا ايضا هو المقارنات والتسابق: "فلماذا لا نعطل نحن مثل غيرنا" وكأن "سرقة الوقت" مسألة يتسابق بها المتسابقون!!
• ساعات العمل: لعل قانون العمل المطبق في فلسطين يحدد هذا الأمر، ولكن: ماذا عن ساعات "القهوة والشاي" وساعات التدخين المنتشرة؟ إذا قام صاحب العمل أو المؤسسة بمنع التدخين داخل اسوار المؤسسة (وهذا باعتقادي قرار سليم) عليه أن يعالج مسألة تكرار التدخين؟! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالتعامل مع الانترنت وخاصة تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والمواقع الاخبارية والتسلية أمر في غاية الأهمية في كثير من المؤسسات. ان لم يكن التعامل مع هذه الظواهر بمنطق الحرص على الوقت وانجاز العمل واعطاء الأولية للكافاءة والاتقان فإن "سرقة الوقت" في متناول الجميع وأصبحت سهلة أكثر من ذي قبل.
اليست سرقة الوقت تعني سرقة الأيام وجزء من سرقة المستقبل، مستقبلنا ومستقبل ابنائنا. لقد شهدت حواراً بين أحد الابناء المتعلمين وأمِّه المثقفة سائلاً ومستنكراً: ماذا فعلتم وماذا أنجزتم أنتم في جيلكم؛ وماذا فعلتم لجيلنا؟!
ان سرقة الوقت تبدأ الآن، وسرقة المستقبل تبدأ الآن وبين متناول اليد، فأين نحن من مستقبلنا ومستقبل ابنائنا ومستقبل الوطن؟
ان اساليب الكفاءة بإدارة الوقت الحديثة تميز تماماً بين ما هو معروف "بساعات التواجد" في العمل ( Face Time) والساعات الفعّالة في العمل (Effective Time) وانه من المعروف أن المؤسسات التي تحرص وتعالج ساعات التواجد في العمل دونما التركيز على الساعات الفعّالة والكفوءة هي بواقع الأمر مؤسسات تسير باتجاه الفشل وبتسارع مثل سرعة الوقت.
انا لست مع الإدارة البوليصية في إدارة الوقت وبالتالي فانا لست مع منع الفيسبوك والانترنت عن الموظفين ومنع التدخين، ولكني أيضاً لست مع سرقة الوقت. وهذا طريق ذو إتجاهين: طريق بإتجاه صاحب العمل أوالمؤسسة أو الحكومة، وطريق بإتجاه الموظف وكذلك الطالب في مقاعد الدراسة، هل قراءة الاخبار يجب أن تكون لحظة بلحظة وكأنك سياسي محترف؟ أم هل متابعة شبكات التواصل الاجتماعي أولاً بأول هي أهم من مصدر رزقك أو دراستك؟! عليك الاختيار "فكلكم راعِ وكلكم مسؤول عن رعيته".
• أخيراً، وليس آخراً،هناك ظاهرة: "بكره ... ان شاء الله ... ما في مشكلة ولا يهمَّك". عند متابعة الكثير من الأمور، أما عبر الاجتماع أو الاتصال الهاتفي أو عبر البريد الالكتروني وبعد عدة محاولات، ان وصلت إلى الشخص الذي تعتقد بانه المسؤول لمعالجة امرك وقضيتك؛ يتم تحويلها إلى شخص آخر وثالث. وعند وصولها إلى الطرف المسؤول فعلا، فالوعد يكون: سيتم معالجة الأمر غداً... وإن شاء الله ما في مشكلة. يأتي غداً وكأن الوعد لم يكن. ويأتي بعد غدٍ والقضية بدون متابعة او حل، ويصبح في مشكلة! وعندها ترفع المشكلة للمسؤول الأكبر، والله أعلم ما يأتي به غداً !! "السنا من الشعوب الذي يومنا أفضل مما يخفيه لنا المستقبل". ورغم ادراكنا وإجماعنا على هذه الحقيقة، ولكن ماذا فعلنا لغدٍ أفضل؟!
ولعل أهم دافع لي لكتابة هذا المقال هو قناعتي بأن شعبنا أفراداً ومجموعات هو شعب يحب وطنه، وشفاف وإيجابي بطبيعته وغير "سارق" وحافظ للأمانة. وآمل أن يصبح التعامل مع "سارق الوقت" مثل "سارق المال" فإذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه.
وأنهي بالتنويه اللغوي التالي: جاء في القرأن الكريم في التشديد على فريضة الصيام في رمضان: "من شهد منكم الشهر فليصمه"، وجاء في الحديث النبوي الشريف في الدعوة والحض على الاتقان: "اذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه". فالآية والحديث إستعمالا نفس الصيغة من التشديد اللغوي لفرض الصيام كما الاتقان بالعمل!
وانا اعتقد مرة اخرى بان سرقة الوقت هي ركيزة من ركائز الفساد كما هو الحال في سرقة المال. آمل ان ارى البنوك تفتح أبوابها ولو جزئيا يوم السبت كما هو الحال في العديد من الدول. كما آمل ان نضع مقياساً لقياس الوقت التي تنتهي بها المعاملات مستنداً بالأساس على الوقت اللازم لانهائها بشكل فعّال. فاذا لزم ثلاث ساعات مثلاً لانجاز مهمة ما وقام الموظف او المسؤول بانجازها في اسبوع فعليه عبء سرقة الفرق من الوقت. وأخيراً فانني تواق لان أرى جدول العطل والأعياد محدد وواضح وبدون "تلحيقات".
ان احترام الوقت والحفاظ عليه واستثماره بالطرق الصحيحة ليس دليلاً على نضوض الافراد والمؤسسات فحسب وانما احد مقاييس حضارة الامم واحترام الافراد لذاتها ولبعضها بعضاً.
عن «الخطر الإسلامي»..
بقلم: عبد الإله بلقزيز – القدس
منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره "الاشتراكي" وزوال ما سمَّتْه الدعاية الغربية طويلاً باسم "الخطر الشيوعي"، انصرف كثير من الباحثين الأمريكيين والأوروبيين، في الجامعات ومراكز الدراسات والأبحاث، ونظيرهم من الصحفيين والإعلاميين في كبرى الصحف وقنوات البث التلفزي الفضائي، إلى التحذير - ابتداءً- من صعود خطرٍ جديد هو "الخطر الأصولي" الإسلامي، وصولاً إلى التهويل منه، وتعزيز ذلك التهويل بانتقاء أحداث عنفٍ بعينها - معزولة عن سياقها ومجمل أسبابها وعواملها - لإقامة الدليل بها شواهد قوية ناطقة بذلك "الخطر" .
ولقد استمرأ إسلاميون عديدون التوصيف الغربي لهم بوصفهم ورثة شرعيين للشيوعيين، فأعادوا تسويق الرواية الأمريكية في أوساطهم ولدى جمهورهم، متباهين بها، متفوقين على أنفسهم في تصديقها، بل ما تردد قسمٌ منهم في تعميم العِلْمِ بها لدى سائر الخليقة في العالم، وخاصة خارج "دار الإسلام"، أعني: في مجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية، متجاهلاً أن ذلك التعميم هو بمثابة الضبط بالجُرم في "حالةِ تلبُّس"، وبمثابة الطعم المسموم الملقى به إليه على سبيل الاستدراج والإيقاع في الشراك، وهذا عينُ ما بلغته الأزعومة الغربية - الأمريكية واستحصلته من غير كبيرِ مشقة وعناء .
في غمرة تلك الحماسة الإسلامية النافرة لتأكيد صك الاتهام الأمريكي للإسلام بالتنزل منزلة "الخطر" الجديد على مصالح الغرب، بعد زوال الخطر الشيوعي، نسي راديكاليو "الإسلام الحزبي" أن يتساءلوا عن دواعي وخلفيات هذا "التشريف" الأمريكي - الغربي لهم بتهمة الضلوع في النهوض بما نهض به الشيوعيون قبلاً، كانوا في عجلة من أمرهم لاحتطاب نتائج رواية زائفة لم يتبينوا فيها ما ينبههم إلى أن الذي احتطبوه ليس أكثر من كومة أعواد يابسة لا تصلح إلا للإلقاء بها في مواقد السياسة الأمريكية المعدة، بإحكام، لمجتمعات العالم الإسلامي .
ولقد دفعت المجتمعات الإسلامية المعاصرة ثمن تينك الحماسة والخفة غالياً وعلى أكثر من صعيد: كان حصار العراق وأفغانستان والسودان وليبيا، وإشعال فتيل الاقتتال الأهلي في بعض تلك البلاد من ثمار ذلك، وكان الاستنزاف الدموي اليومي في الجزائر لوحدة البلاد، واستقرارها السياسي، وسِلْمِها الأهلي، ودورها الإقليمي، طوال سنوات التسعينات، مثلما كان نقل مسرح العمليات الإرهابية إلى المملكة العربية السعودية والمغرب والعراق ولبنان وسوريا، من الشواهد الكبرى على ذلك.
وعلى المنوال نفسه جرت الأمور في مصر، ومنذ النصف الثاني من الثمانينات، وخاصة منذ ازاحة محمد مرسي من السلطة، فلقد أُهْرِق دم غزير من دماء المصريين وضيوفهم بغير حساب، وتعرضت فيه الدولة والاقتصاد والسياحة والأمن لاستنزاف لم يقو على بلوغه حتى الجانب الاسرائيلي من خارج، وما انحصر أمر هذا العقاب على المسلمين في ديارهم فقط، بل طالهم في بلاد المهجر أيضاً، خاصة في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، ويكفي أنهم حوصروا - في بعض دول أوروبا وفي أمريكا - بترسانة من القوانين الجديدة تحد من حقوقهم وحرياتهم، وتضع القيود على مؤسساتهم، ثم تقفل باب الرزق على غيرهم من طالبي الهجرة إلى ديارها، وأكثر تلك القوانين قسوة ما صدر منها بعد هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن وبنسيلفانيا، وبعد الهجمات التي طالت محطات القطار في إسبانيا، ومحطة الميترو في لندن .
لم تكن دول الغرب هي من فتحت على المسلمين دائماً جحيم الموت والمهانة، فعل ذلك معها نشطاء عديدون من الحركات الإسلامية الراديكالية، من خلال حروب "الجهاد" التي فتحوها على دولهم وأجهزة أمنها، بل على شعوبهم، ومثقفيهم، وصحفييهم، ممّن أفتوا بسفك دمائهم كما حصل - ويحصل - في الجزائر ومصر، مثلما فعلوا ذلك من خلال نقلهم ساحة عملياتهم المسلحة إلى أوروبا وأمريكا، بل إلى قلب إفريقيا، كما حصل في نيروبي، ودار السلام . . الخ ولقد أتقنت دول الغرب استغلال سوابق العنف هذه لتُرتِّب عليها حُكماً يقضي بوجود تلازمٍ بين الإسلام والإرهاب، بل ولترتب عليها سياسات عقابية أو إقصائية تجاه قسم كبير من المجتمعات الإسلامية، مثلما وجدت ألسنة لها تسوغ سياسات العدوان تلك (برنارد لويس وتلامذته من المثقفين والإعلاميين) .
ما نسيه الإسلاميون الراديكاليون، في تصديقهم الرواية الغربية بأنهم الخطر الجديد - بعد الشيوعيين - على الغرب، وفي اندفاعاتهم الهوجاء لإقامتهم الدليل المادي على أنهم كذلك، ما نسيه هؤلاء هو أن الغرب استدرجهم، بذكاءٍ واحتيال، إلى ارتكاب مثل تلك الحماقات كي يتخذها ذريعة لشرعنة سياساته العدوانية تجاه العالم الإسلامي، وهي سياساتٌ تتغيّا، في المقام الأول، التضييق على هذا العالم، والسيطرة عليه مباشرة أو وضعه تحت مجهر المراقبة الدقيقة لأسباب تتعلق بشعور قديم لدى دول الغرب بأن هذا العالم الإسلامي بات زاخراً بالإمكانات والطاقات والموارد الهائلة - الطبيعية والبشرية - التي تؤهله للتحوّل إلى قوّة كبرى في العالم المعاصر قد تلعب أدواراً حاسمة في المنافسة الكونية، مع القوى الكبرى الدولية، خلال العقود المقبلة من هذا القرن الجديد، سواء في المجالين الاقتصادي والتجاري أو في المجال العسكري .
لا نتزيَّد فيما نقوله، بل نعرف - على وجه اليقين - أن الغرب يحسب ألف حساب لعالمٍ إسلامي سيشكل - بعد أقل من عقدين - رُبُع ساكنة الأرض، وستدخل خمسٌ من دوله نادي القوى النووية خلال ذينك العقدين، وسيصل فيه عدد الدارسين في الجامعات عدد سكان الولايات المتحدة في منتصف هذا القرن الجديد، وسيظل فيه النفط مصدر الطاقة الرئيسي للصناعة في العالم خلال ثلاثة عقود على الأقل .
إسلاميونا الراديكاليون لا يفكرون إلا في "منافع" هذه اللحظة، أما أعداؤهم فيخططون لعقودٍ مقبلة، لذلك، فالأذكياء يراهنون دائماً على حماقات الأغبياء ليصلوا من طريقها، إلى مبتغاهم .
الإسلاميون ومنظمة التحرير الفلسطينية:جدل الفكرة وأفق الرؤية
بقلم: د. أحمد يوسف – القدس
الإسلاميون ومنظمة التحرير الفلسطينية:
جدل الفكرة وأفق الرؤية
"منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه، فوطننا واحد وعدونا مشترك".
- المادة السابعة والعشرين من ميثاق حركة حماس
مقدمة تاريخية لابدَّ منها
عندما شرع السيد أحمد الشقيري (رحمه الله) بالتحرك لإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في بداية الستينيات، ذكر كما جاء في كتابه - من القمة إلى الهزيمة مع الملوك والرؤساء - أنه "تحاور مع مختلف العقائديين؛ مع البعثيين والقوميين العرب والشيوعيين والإخوان المسلمين، وجبهات فلسطينية متعددة ومنظمات أخرى، ووصف ذلك بقوله: "كان موقف هذه المنظمات يتراوح من المعارضة العنيدة إلى راقب وانتظر، فقد كان البعثيون يرون الكيان الفلسطيني ألعوبة بيد عبد الناصر... وكان موقف جماعة فتح موقف المراقبة، وكان الشيوعيون لا يهضمون تحرير فلسطين، ويخاطبونني وألسنتهم ثابتة في حلق موسكو؛ منطلقاً وجدلاً وفلسفة، وكان "الإخوان المسلمون" لا يؤمنون بأية حركة يساهم فيها الرئيس جمال عبد الناصر من قريب أو بعيد، وكان القوميون العرب يتحدثون من خلال القومية العربية، ولا يؤمنون بتجسيد الشخصية الفلسطينية، وكانت الجبهات والمنظمات الأخرى تسخر من كل عمل يتصل بالجامعة العربية بصورة أو بأخرى".
بالمحصلة؛ لم يستطيع السيد أحمد الشقيري (رحمه الله) من إقناع الجميع، واستمر الهجوم على الكيان الفلسطيني الذي لم يولد بعد، تحت شعارات: "كيان غير ثوري – صنيعة الجامعة العربية – الكيان لا يبنى من فوق بل من تحت – الكيان الفلسطيني لا يفرضه الملوك والرؤساء، فهو يجب أن ينبع من إرادة الشعب – إن الذي يريد أن يبني الكيان الفلسطيني يجب أن يقيم في مخيمات اللاجئين لا في فندق سان جورج في بيروت".
كان هذا هو الموقف من منظمة التحرير، وهو موقف بالغ الالتباس وموغل في التشكيك، ومدعاة للإحباط، ولولا الحماس الذي لقيه الشقيري (رحمه الله) في المخيمات الفلسطينية، وخاصة في قطاع غزة، وهتافات الحشود: "يا شقيري بدنا سلاح"، والتي سمعتها تدوي في جميع أرجاء القطاع، وشاركت فيها عندما زارنا في مدينة رفح قبل نكسة عام 67م بشهور، حيث ألقى خطبة عصماء ألهبت حماس الجماهير في ساحة ملعب البلدية، والذي اكتظ بالألاف من الشباب والشيوخ في عرس وطني ما تزال ذاكرتي عامرة بمشاهده والكثير من تفاصيل أحداثه.
الإخوان في فلسطين ومنظمة التحرير: مسيرة ووقفات
منذ أواخر الخمسينيات، كانت مواقف الحركة الإسلامية وعلاقاتها متوترة مع أولئك الذين تحركوا من داخل تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطيني في الخارج ليؤسسوا حركة فتح.
لاشك أن عناصر الحركة التي غادرت قطاع غزة في الخمسينيات والستينيات إثر الاستدعاءات الأمنية والملاحقات المتكررة لها قد وجدت في بلدان الخليج العربي مكاناً آمناً تأوي إليه، وقد وفرَّ لها البيئة التي شجعتها على التفكير بضرورة قيام حركة تحرر وطني، تعمل من أجل تحريك الأمة وحشدها بهدف تحرير الوطن السليب من براثن الاحتلال الصهيوني البغيض.
لا يمكن لمن يقرأ تاريخ تلك المرحلة - بإنصاف - أن يشكك في توجهات تلك المجموعة أو يطعن في نواياها.. نعم؛ ربما أخذ الخلاف بُعداً أوسع في مداه من كل التوقعات، حيث كانت النقاشات في البداية ذات طابع فكري، حاول فيه أولئك الأخوة إقناع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين وشدها إلى مربع الرؤية التي تبلورت لهم، ولكن كـان الموقف والقـرار لدى الإخـوة فـي قيادة التنظيم – آنذاك - أن هذا المشروع لن يُكتب له النجاح، لأن النظام العربي سيعيق تحركاتهم على أراضيه، كما أنه لن يسمح لهم بممارسة الكفاح المسلح عبر حدوده مع دولة الاحتلال، باعتبار أن ذلك يمكن أن يشكل تهديداً لمصالحه وكيانه السياسي.
على أية حال، انتهت المجادلات أو السجالات الفكرية إلى خروج تلك المجموعة الإسلامية من التنظيم، حيث توسع بعد ذلك مجال عملها وطرائق حشدها لمشروعها الوطني، وتمكنت من استقطاب الكثير من الشخصيات الفلسطينية المقيمة في دول الخليج.. وفعلاً كانت تلك النواة المكونة من: خليل الوزير، صلاح خلف، سليم الزعنون، محمد يوسف النجار، سعيد المزين، رفيق النتشة، محمود عباس، إضافة إلى إخوانهم في الحركة الوطنية؛ ياسر عرفات، صلاح خلف، هاني الحسن، كمال عدوان، فاروق القدومي...الخ هي أول من قام بإنشاء حركة التحرر الوطني (فتح) في العام 1965م.
وحسب رواية د. عبد الله أبو عزَّة في كتابه (مع الحركة الإسلامية في الدول العربية) فإن اعتراض الإخوان لم يكن على الفكرة من حيث المبدأ، وإنما كان وجه الاعتراض هو على الخطة والأسلوب، "إذا اعتبروا أن الخطة مبنية على كثير من التخيلات غير الواقعية، ولذلك فإنها لن توصل إلى هدف التحرير، كما رأوا فيها فتحاً لمعركة من غير أن تكون القوى الأساسية مستعدة لها.. وبناء على الدرس الذي تعلمناه من عدوان سنة 1956م، فإن هناك احتمالاً كبيراً بأن تقدم إسرائيل على احتلال قطاع غزة والضفة الغربية، فيما لو تطورت اشتباكات الحدود إلى حرب لم تهيئ الدول العربية نفسها لها. وبذلك تكون القضية قد انتكست، ويكون هدف التحرير قد أصبح أبعد وأصعب منالاً".
وأضاف أبو عزَّة قائلاً: "إن الإخوان الفلسطينيين كانوا على استعداد لتجميد نشاطهم الإسلامي وتحويل تنظيمهم إلى العمل من أجل تحرير فلسطين، مع إبعاد أية مظاهر قد تربطهم بالإخوان أو بالنشاطات الإسلامية، بشرط واحد فقط؛ هو أن يقتنعوا أن الخطة ستؤدى إلى تحقيق هدف التحرير، فإذا لم يتوفر هذا الشرط بدرجة يقينية فليس أقل من أن يتوفر بدرجة ترجيحية. أما أن يتخلوا عن حركتهم ودعوتهم لمجرد تصورات خيالية يستحيل تحقيقها في عالم الواقع فذاك مالا يرضونه".
وقد توصل الإخوان إلى أن "المشروع سيواجه بعدد من العقبات الكأداء التي لا يمكن تجاوزها، وأنه ينطوي على مخاطر لا تؤدى إلى ضياع الجهد والوقت والمال فحسب، وإنما ترجع بالقضية الفلسطينية نفسها إلى الوراء وتؤخر عملية التحرير".
لم تتوقف القضية عند هذا الحد، بل أخذت أبعاداً أخرى أشار إليها د. عبد الله أبو عزَّة بالقول: "غير أن المشكلة لم تنته بهذا الحسم الذي توصل إليه الإخوان الفلسطينيون عام 1961م، فقد حسموا بقرارهم المشكلة داخل الصف الإخواني، بيد أن المواجهة استمرت بين تنظيم الإخوان المسلمين من ناحية وتنظيم فتح من الناحية الأخرى. ولم تجر تلك المواجهة في صورة حرب للقضاء على الطرف الآخر، ولكنها جرت في صورة ضغط مستمر، ومحاولات دائبة من جهة فتح لانتزاع أفراد إخوانيين من تنظيمهم وتشكيكهم في قياداتهم.. أما في الجانب الإخواني، فقد ظل الإخوان في دفاع لا يتزعزع عن تنظيمهم وعن أنفسهم، وظلوا يبذلون جهداً متواصلاً لتحصين أفرادهم على النحو الذي أوجزناه. وقد حصر الإخوان ردود فعلهم في هذا الإطار الدفاعي، انطلاقاً من أنهم لم يكونوا يعارضون أهداف فتح أو أشخاص قادتها، بل كانوا غير مؤمنين بواقعية المشروع ولا بصلاحية الخطة المطروحة لتنفيذه".. وكان نص قرارهم النهائي هو أن الإخوان لا يعادون فتح ولا يعارضونها أو يحاربونها، ولكنهم غير مقتنعين بمخططها ولا يتعاونون معها.
بعد عام من معركة الكرامة بالأردن، اختير الأخ ياسر عرفات (رحمه الله) رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969م، حيث نجحت حركة فتح في بسط سيطرتها علي المنظمة، ومدِّ أجنحة نفوذها على كل فصائل العمل الوطني المنضوية تحتها.
في أواخر الستينيات، حاول "الإخوان المسلمون" في الأردن ترميم علاقتهم بحركة فتح وبمنظمة التحرير، حينما فتحوا باب التطوع لكوادر الحركة الإسلامية للالتحاق بالعمل المسلح، والذي كان الأردن - بعد نكسة 67 - منطلقاً له.. وقد احتضنت الثكنات التي أقامها الإخوان - وعرفت باسم "معسكرات الشيوخ" - الكثير من أبناء الحركة الإسلامية الذين وفدوا من بلدان عربية وإسلامية مختلفة، ليشاركوا في معركة تحرير بيت المقدس، وفك قيد المسجد الأقصى الأسير.. وقد أقام الإخوان علاقة تنسيقية جيدة مع حركة فتح، من حيث التسليح والتدريب لكوادرها الإسلامية.
ومع أحداث أيلول الدامية من عام 1970م، رحل "مقاتلو الثورة" إلى لبنان، وانفضَّ سامر "معسكرات الشيوخ"، وعاد الخلاف في تفسير وقائع الأحداث، حيث اتخذ الإخوان قراراً بعدم التورط والدخول في الصراع الدائر بين " مقاتلي الثورة " والنظام الأردني، باعتبار أن هذه ليست هي معركتهم أو أرض الوغى التي جاءوا يطلبون الشهادة على ثراها.
خلال فترة السبعينيات - ومعظم سنوات الثمانينيات - كانت معظم انشغالات الإخوان في فلسطين تصب في ساحة العمل الدعوي، وضرورة بناء تنظيم قوي متماسك، يمكن أن يشكل رأس الحربة لأية مواجهات قادمة مع كيان الاحتلال الغاصب للأرض الفلسطينية.
وفي محاولات الحركة الإسلامية في قطاع غزة تثبيت استحقاقاتها النضالية، وتكوين فضاءٍ سيادي لها داخل الساحة الطلابية والأكاديمية في مطلع الثمانينيات، وقعت الكثير من المواجهات داخل ساحات الحـرم الجامعـي، أصيب فيها الكثير من الطلاب واغتيل د. إسماعيل الخطيب القريب جداً من التيار الإسلامي على يد بعض عناصر الشبيبة الفتحاوية.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حالة الاشتباك قد تسبب فيها أيضاً رغبة منظمة التحرير في تقوية مواقعها التي تضررت بعد انتقال مركز الثقل داخل الحركة الوطنية من الخارج إلى الداخل بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان كأحد تداعيات حرب 1982م، حيث كان هناك فراغ سياسي على الساحة الفلسطينية حاولت الحركة الإسلامية ملأه، وهو ما آذن ببدء المواجهات بينهما.
ومع انتفاضة الحجارة في ديسمبر 1987م، اشتد الخلاف داخل الساحة النضالية الفلسطينية بين القوى الإسلامية والوطنية، حيث أرادت حركة حماس - مع انطلاقتها - إثبات الحضور الإسلامي في فعاليات الانتفاضة، والتأكيد على قدرتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق انجازات على أرضية الفعل المقاوم، حيث إن أوزان التنظيمات كانت تقاس بعدد شهدائها وأسراها في سجون الاحتلال.
وفي مشهد حاولت فيه القوى الوطنية الاستئثار بساحة العمل النضالي، وقعت الكثير من الخلافات والملاسنات وتوجيه الاتهامات، حيث أفردت كل جهة نصوصها الجارحة واتهاماتها للتشهير بالآخر.
ومع توقيع اتفاقية أوسلو في أغسطس 1993م، ومجيء الألاف من مقاتلي الثورة إلى قطاع غزة، حاول الرئيس ياسر عرفات (رحمه الله) استيعاب الإخوان وحركة حماس تحت عباءته، إلا أنه لم ينجح في ذلك، بسبب تصادم برنامجه السياسي مع ما كانت ترى فيه حماس حقاً مشروعاً لا يمكن المساومة عليه؛ وهو استمرار المقاومة المسلحة ضد الاحتلال؛ أي أن قيادة حماس في النهاية رفضت محاولة الرئيس ياسر عرفات؛ باعتبار أنها كانت محاولة لطي أشرعة الحركة وتدجين مشروعها الجهادي.
في عام 1996م، تعاظمت الخلافات بين الطرفين، وأخذت طابعاً استفزازياً، حيث شنت السلطة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح حملة اعتقالات واسعة، طالت معظم قيادات حركة حماس وشخصياتها الاعتبارية والإخوانية العريقة، مما عاظم من حالة الخصومة السياسية والتي راكمت فيما بعد - للأسف - عداوات وكراهية كان من الصعب تجاوزها أو نسيانها، وربما كانت أحد الأسباب وراء إخفاق الطرفين - بعد فوز حركة حماس في انتخابات يناير 2006م - في التوصل إلى شراكة سياسية.
محاولات ضم حماس لمنظمة التحرير
في أدبياتنا الإسلامية لم تكن هناك أية طروحات تنادي بأن تكون حركة حماس بديلاً لمنظمة التحرير، وقد ذكرت ذلك في كتاب (حماس: حدث عابر أم بديل دائم)، الصادر في مطلع التسعينيات، حيث أشرت إلى أن هذه المسألة هي قضية متروكة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ولكن المطلوب هو أن تتوسع المنظمة لكي تكون إطاراً جامعاً للهوية الفلسطينية بكل ما يعنيه ذلك من ضرورة استيعاب التيار الإسلامي داخلها باعتبارها الحاضنة الوطنية للجميع.
وقد جرت الكثير من اللقاءات في اليمن (1988م) والسودان (1990م) والتي شاركت فيها قيادات من حركتي فتح وحماس، مثل: الرئيس ياسر عرفات وأكرم هنية والدكتور موسى أبو مرزوق والدكتور خيري الأغا، وأخرى في القاهرة وعمان عام 1993م، بهدف التوصل لتفاهمات حول دخول حركة حماس لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن تباعد المواقف حول نسبة التمثيل حالت دون تحقيق ذلك.
حماس تتهيأ لدخول المنظمة
بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير 2006م، وتشكيل الحكومة العاشرة برئاسة الأخ إسماعيل هنية، بات الحديث عن دخول حركة حماس لمنظمة التحرير أمراً محسوماً، وغدت المسألة بيد الرئيس (أبو مازن) للشروع في كيفية استيعاب حركتي حماس والجهاد الإسلامي داخل إطار المنظمة، كي تصبح ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.
ومن الجدير ذكره، أن الحديث عن عملية إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير - كي تعبر عن الكل الوطني والإسلامي - لم يتوقف منذ إعلان القاهرة في 30 مارس 2005م، ووثيقة الوفاق الوطني في يونيو 2006م، واتفاق مكة في فبراير 2007م، واتفاق المصالحة في مايو 2011م.. ولكن – للأسف - ظل هذا الباب موصداً ولم تُنفذ أيٌّ من هذه الاتفاقيات، برغم الحديث أكثر من مرة عن ترتيب لقاءات بهدف فتح هذا الملف، والسبب كما أورده د. محسن صالح في كتابه (أزمة المشروع الوطني الفلسطيني والأفاق المحتملة)، هو أن قيادة حركة فتح كانت - وما تزال - تحاول إبعاد ملف المنظمة عن عملية تغيير حقيقي، في الوقت الذي تركز فيه أكثر على الملفات المرتبطة بالسلطة الفلسطينية.
لقد أظهرت حركة حماس استعدادها لدخول المنظمة، وتركت مسألة حجم تمثيلها للحوارات التي ستدور بين مختلف الأطراف والفصائل.. لقد تراضى الجميع – الكل الوطني والإسلامي - على مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تعد هذه المسألة إشكالية تدور حولها النقاشات.. ففي حوار مُطوَّل أجرته صحيفة السبيل الأردنية بعنوان: الفكر السياسي لحركة حماس، عام 2012م، عبر الأخ خالد مشعل (أبو الوليد)؛ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عن ذلك بالقول: "لقد قبلنا نحن وغيرنا أن تكون المرجعية الوطنية هي منظمة التحرير، بل نرحب بذلك ونسعى إليه بقوة، خاصة أننا توافقنا فلسطينياً على ذلك مراراً، ولكن الأمر يقتضي إصلاحها وإعادة بنائها ليدخلها الجميع؛ كي تعبر عنا جميعاً وعن شعبنا وقضيتنا.. فلا معنى لمرجعية وطنية لا يشارك فيها الجميع، ولا تسير بالتوافق العام، وبناء مؤسساتها ديمقراطياً. إن مرجعية الأمر الواقع لم تكن ولم تعد مقبولة، ونحن نُصرُّ على بناء مرجعية حقيقية توحد الشعب الفلسطيني، وتضم كل القوى في الداخل والخارج".
وأضاف الأخ أبو الوليد، قائلاً: "نحن ندرك تماماً أن الأمريكيين والإسرائيليين حريصون على طي صفحة منظمة التحرير، ليس لشطب كلمة التحرير التي لا يرغبون بسماعها فحسب، وإنما لأنهم يريدون اختزال القضية في الضفة والقطاع، ليسهل حلَّها حلاً تصفويَّاً يُلغي حق العودة، ويتجاهل حقوق ستة ملايين فلسطيني في الشتات.. ولا شك في أن قيام منظمة التحرير بدورها كمرجعية وطنية حقيقية تضم الجميع، يمثل أحد ضمانات الحفاظ على حق عودة اللاجئين والنازحين، وعلى دور الشتات الفلسطيني في المشروع الوطني".
وفي دراسة أصدرتها بعنوان: (استراتيجية حماس: ملامح ومحددات) في أبريل 2010م، أشرت فيها إلى أن حركة حماس تنظر إلى منظمة التحرير الفلسطينية كإطار ناظم للحالة الفلسطينية، ويمكن التسليم للمنظمة بأنها غطاء الشرعية الفلسطينية، والممثل الوحيد لشعبنا في حال أعيد بناؤها بشكل ديمقراطي يعبر عن الكل الفلسطيني بشقيه؛ الوطني والإسلامي.. ولقد ذكرت أيضاً بأن منظمة التحرير قد غدت - في الخارج - هي العنوان لشعبنا وقضيتنا، وأن دخول التيارات الإسلامية إلى المنظمة - بعد إجراء الاصلاحات اللازمة داخلها - سيشكل رافعة لها، وسوف يضيف لها امتدادات واسعة إلى ساحات العمل الإسلامي وأروقته السياسية في العديد من البلدان العربية والدول الإسلامية، إضافة إلى مراكز الجاليات الإسلامية ومنتدياتها في الدول الغربية، وهي تجمعات ضخمة للإسلاميين ولها تأثير لا يمكن تجاهله في دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة وأوروبا. من هنا؛ تأتي أهمية إصلاح المنظمة وإعادة بنائها لتصبح عنواناً وطنياً للجميع، وممثلاً شرعياً وحيداً لشعبنا بكافة فصائله الوطنية والإسلامية.
حماس والمنظمة: رؤية استشرافية
برغم المسيرة الطويلة والمتعثرة التي صاحبت مواقف الإسلاميين تجاه منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها في الستينيات، وكذلك محاولات حركة حماس المتكررة منذ انطلاقتها في ديسمبر 1987م على دخولها، والتي – للأسف - لم تكلل بالنجاح، إلا أن حرص الحركة على هذا الإطار الوطني الجامع ظل قائماً، حيث لم تنكر الحركة اعتبار منظمة التحرير أنها حاضنة المشروع الوطني ومرجعيته السياسية إلا بسبب غياب التيار الإسلامي من ساحة تمثيلها.
اليوم ليس هناك أية اعتراضات داخل ساحتنا الفلسطينية على مرجعية منظمة التحرير بعد أن أصبح الإسلاميون؛ حماس والجهاد الإسلامي، ممثلين داخل "الإطار القيادي المؤقت" للمنظمة في ديسمبر 2011م، وكل ما هو مطلوب الآن هو إصلاحها وإعادة بنائها وتفعيلها، حتى لا يختلف عليها أحدٌ بأنها بيت الشعب الفلسطيني، وكي تؤدي دورها في قيادته والدفاع عن هويته الوطنية.
وأختم بتلك الرسالة/الوصية التي أرسلها الشقيري (رحمه الله) إلى أحد أصدقائه في الكويت قبل وفاته بثلاثة أشهر، حيث كتب: "أرجوك أنت وإخواننا في النضال أن تُنصبوا أنفسكم حُرَّاساً على القضية الفلسطينية، وأن تداوموا على نُصح إخواننا الذين ألقت المقادير بين أيديهم تولي زمام القيادة الفلسطينية أن لا يفرطوا بأي شبر من وطننا المقدس، ولا ذرة من تراب وطننا الغالي... إن كل تفريط واستسلام يقابله العدو بالمزيد من الأطماع والتوسع والعدوان، وهذه هي وصيتي لشعبنا البطل، أرجو أن تحفظها وتدونها بين أوراقك، وأسأل الله لقادتنا الهدى، ولشعبنا النصر المبين".
اليوم وفي الذكرى الرابعة والثلاثين لوفاة الزعيم أحمد الشقيري؛ الإنسان والمفكر والمناضل السياسي، أبعث برسالته تلك إلى كل قادتنا السياسيين، وعلى رأسهم الرئيس محمود عباس والأخ خالد مشعل من باب "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ".
الأقصى عقيدةٌ.. فمن يذودُ عنه؟!
بقلم: عزيز العصا – القدس
في ظل الظروف المأساوية التي تحياها الأمة، هذه الأثناء، من الطبيعي أن ينتشر "البغاة" في الأرض التي تخلو من حماتها. وأما معنى "البغاة" ووصفهم وسماتهم فقد ورد في المعجم الوسيط: (بغى) فلانٌ بغياً: تجاوز الحدَّ واعتدى، وتسلَّط وظلم، وسعى خارجاً على القانون. ولعل التعريف الأبرز لمعنى البغاة هنا "الجرح: وَرِمَ وأَمَدَّ".
إن ما يقول به نتانياهو وأركان حكومته، ويصرحون به على الملأ، خير دليلٍ على الواقع الموصوف أعلاه. فقد ورد على موقع "المصدر، بتاريخ: 17/2/2014" أن زعيم حزب "البيت اليهودي" ووزير الاقتصاد في حكومة نتنياهو "نفتالي بينيت"، يقول: “اليهود في يهودا والسامرة لن يغادروا لأي مكان، وحينما نشاهد دولا عربية من حولنا تنهار، لا أرى فائدة في التخلي عن المزيد من الأراضي لنعرف ماذا سيجري حين تقام دولة فلسطينية على بعد 10 دقائق من القدس”.
يطل علينا "بينيت" بأقواله تلك، في نفس الوقت الذي تدعو “ربانيم”؛ وهي مرجعيات دينية يهودية، للمشاركة في صلوات يهودية جماعية في المسجد الأقصى بهدف “إنجاح النقاش في الكنيست” بخصوص نقل ”السيادة والولاية” على المسجد الأقصى للجانب الاسرائيلي بدلا من المملكة الأردنية عن: موقع مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، بتاريخ: 17/2/2014).
لا شك في أن ما ورد أعلاه، من بيانات وتحذيرات، مثال صارخ على حجم الصراع الذي تدور رحاه على أرض فلسطين بشكل عام، والقدس والأقصى بشكل خاص. ففي أقوال وزير الاقتصاد الاسرائيلي تحدٍ واضح للأمة بأن "فلسطينهم"، بما فيها من تاريخ وجغرافيا وديمغرافيا، هي قيد "التهويد" الذي لا رجعة عنه. وفي دعوة “ربانيم” استعجال لهدم الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم، كما أن الكنيست الحالية بمشاريعها المذكورة "تقلب ظهر المجن" للأردن الذي عقدت معه اتفاقية سلام، والذي يأخذ دوره الديني والقومي في الإشراف على الأوقاف في القدس منذ عشرات السنين؛ بناءً على اتفاقيات واضحة، ولكن يبقى القرآن الكريم هو الفيصل في وصفه للمؤسسات الاحتلالية وسلوكياتها، بقوله تعالى: "أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم"البقرة: 100.
من جانبٍ آخر يمكننا قراءة المشهد من النواحي التالية:
1) هناك حالة "تناغم" وتبادل أدوار بين أركان المؤسسة الاحتلالية في تعاملها مع الشأن المقدسي، لا سيما فيما يتعلق بالمسجد الأقصى بالذات؛ فالكنيسيت تشرّع القوانين، والحكومة تنفذها، والأجهزة الأمنية توجه ضباطها وعناصرها، وحتى موظفي الدولة الرسميين، لمرافقة المستوطنين وحمايتهم ومؤازرتهم أثناء عمليات الاقتحام المتكررة للمسجد الأقصى.
2) تهدف الاقتحامات، بشكلها الحالي، إلى "جس النبض" وترويض الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي، تدريجياً، للوصول إلى اليوم الموعود؛ الذي يتم فيه "اجتياح" المسجد الأقصى وفعل فعلتهم الموعودة في إقامة الهيكل المزعوم.
3) إن في إلغاء "السيادة الأردنية" عن المسجد الأقصى خطوة "استراتيجية" للانفراد به من أجل تقسيمه؛ زمانياً ومكانياً، لتحويل الاقتحامات إلى حالات استقرار في المسجد الأقصى ووضع قدمهم، بثبات، فيه.
يحدث هذا في المسجد الأقصى إلى جانب عواصف هوجاء تجتاح القدس، فوق الأرض وتحت الأرض، ومن كل الاتجاهات، بما لا يستثني مسجداً ولا ديراً ولا كنيسة ولا منشأة (دينية أو مدنية)، بهدف التهويد وانتزاعها من الجسد الفلسطيني، إلى غير رجعة.
هنا؛ يبقى السؤال الاستراتيجي: من الذي يكابد في مواجهة الإجراءات و/أو يعيق تنفيذها؟
قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من الإقرار بأن الأمة (العربية والإسلامية) أصبحت خارج معادلة الصراع على هذه الأرض؛ بما تعيشه أقطارها من حروب أهلية وخلافات واختلافات بين أركانها السياسية والعسكرية، وبما تعيشه من الهوان والتشتت والرضوخ لإرادة القوى العظمى المسيطرة على تفاصيل شئونها الداخلية والخارجية.
حينئذٍ؛ تأتي الإجابة المشبعة بالألم؛ وهي أن هناك من يحتضن القدس، ويذود عنها كما تذود الأم عن وليدها.. إنهم الأحرار والماجدات "العزل"؛ الرابضين خلف جدار الفصل من المقدسيين وفلسطينيي الداخل المرابطون الذين يمضون النهار وقوفاً، ويقضون الليل سهراً، ويصلون الليل بالنهار؛ دفاعاً عن قدس "الأمة"؛ بأقصاها وقيامتها وكل حبة من ترابها الطهور.
نقول هذا ونحن نرنو إلى الخيرين من أبناء الأمة وننتظرهم أن يهبوا بالمساعدة والإسناد، وأن يتقوا الله في أنفسهم، فالتاريخ لن يرحم متقاعساً عن الذود عن وطنه ومقدسات عندما يصبح الجرح وقد "وَرِمَ وأَمَدَّ". نقول هذا، ونحن نردد قول الشاعر الفلسطيني ماجد الدجاني في قصيدته "ولا عزاء يا قدس":
أنا يوسف الملقى هنا في جبهم والكل ينعى في الدروب مماتي .... قالوا معا اذهب وربك قاتلا إنا هنا نحميك بالدعوات
أبو مازن المحيِّر؟ شريك ـ لا شريك؛ وسيط ـ لاعب !
بقلم: حسن البطل – الايام
هيك في المثل العامي اللبناني: "اللّي ما عندو كبير يستأجر له كبير". كان كبير الفلسطينيين عرفات كبيراً حقاً. في عز حصار بيروت 1982 سألني جاري الماروني إيليا مهنّا: "لو ما طلع أبو عمار بسلام.. شو راح يصير فيكم"؟
قلت ما قاله الشاعر: "شعبنا ليس بعاقر".. عبس العم إيليا وقال مثلاً آخر: شوف..! بطن الأمة مثل بطن الأم ما بيخلّف اثنين كبار وراء بعض.
كان الكبير أبو عمار، بلسانه هو: مصري الهوى من حيث التنشئة، وخَلَفه أبو مازن، الذي يقولون إنه سوري التنشئة، ولكنهما برهنا أن "بطن الأمة" الفلسطينية قادر على إنجاب كبيرين متعاقبين!
أبو عمار تدخّل في سورية (ولو رداً على تدخّل سورية في منظمته وتدخلها في لبنان) واقترف غلطة دعم التمرد في حماة، ودافع بضراوة سياسية وبالكواليس عن "القرار المستقل" لكنه بعد خروج بيروت 1982 ثم خروج طرابلس ـ لبنان مال إلى التوازن في سياسة الخلافات العربية، مع مرارة سياسية ـ شخصية لأن سورية حالت دون حضوره مؤتمر قمة بيروت العربية، حيث طرحت السعودية "مبادرة السلام العربية".
لأبو مازن سياسة عربية أخرى، وربما سياسة فلسطينية أخرى، لأن الظرف العربي والفلسطيني تغير، وربما لأنه يفهم سورية خلاف ما فهمها عرفات، بحكم اللجوء والتنشئة في سورية.
سياسة أبو مازن العربية هي: عدم التدخل في الشؤون العربية وخلافاتها ومعسكراتها، لكن دون إهمال سياسة الوساطة ودبلوماسيتها العلنية والسرية، وإبعاد جاليات اللجوء والعمل الفلسطينية عن الصراعات العربية والإقليمية، التي تأكل من صحن الاهتمام العربي والإقليمي والدولي بالقضية الفلسطينية.
الأزمة السورية شارفت حدود نكبة سورية وعربية .. وفلسطينية، حيث "غابت القضية الفلسطينية عن الإعلام العربي والعالمي لتحل مكانها أخبار الغوطة ودرعا.." يقول أبو مازن!
بينما الدول العربية والإقليمية المجاورة لسورية تتدخّل وتؤجّج أزمتها، فقد اختار الكبير أبو مازن دور "ساعي خير غير منحاز".
كشفت صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله دوراً كبيراً و"سرياً" لعبه الكبير الفلسطيني أبو مازن بين المعارضة ـ المتعارضة لتوحيدها، وبين المعارضة والنظام للوصول إلى حل تفاوضي، وبين النظام والمعارضة والقوى الكبرى الدولية اللاعبة (روسيا ـ أميركا) في الأزمة السورية.
ذروة الوساطة كانت في آذار قبل عام، عندما اهتم الرئيس بوتين بالأفكار الفلسطينية خلال لقائهما في موسكو، وبعد أيام طرح أبو مازن هذه الأفكار على الرئيس أوباما خلال زيارته لرام الله، وأقنعه بتجاوز الشروط المسبقة على ترشيح الأسد لدورة رئاسية جديدة، وصلاحيات الأسد في حكومة انتقالية ذات صلاحيات.
قوة الدفع لدور الوساطة الفلسطينية جاءت بعد نجاحها في إطلاق "مخطوفي اعزاز" اللبنانيين، ثم إلى جانب فكرة حوار سوري ـ سوري، سعى أبو مازن لربط خيوط اتصال بين القيادة السورية وكل من المشير عبد الفتاح السيسي والرئيس أوباما.
لم تكن الوساطة الفلسطينية بعيدة عن حل لمسألة الترسانة الكيميائية السورية، ولا عن عقد جلسة مؤتمر جنيف ـ 2، ولكن مع ترك الإعلان عنهما إلى موسكو.
لم ينجح مؤتمر جنيف ـ 2 لكن لدى أبو مازن خطة أخرى قد تنجح أو لا تنجح، والمهم أن تقدير القيادة السورية لوساطة أبو مازن يفسر "حلحلة" جزئية لأزمة مخيم اليرموك، المسؤول عنها النظام والمعارضة والفصائل الفلسطينية معاً !
الإسرائيليون مختلفون حول أبو مازن "الشريك" أو "اللاشريك" والفلسطينيون مختلفون حول التفاوض والانتفاضة، والطرفان حول دور كيري في الوساطة بينهما.
لكن، وخلافاً للتدخل العربي والإقليمي والدولي لتأجيج الأزمة السورية، فإن أبو مازن يلعب دوراً أفضل من أدوار تهدف لتدمير سورية.
غادرت السلطة سياسة الانخراط والانحياز في الصراعات العربية، ووجهت كل جهودها نحو صراعها مع إسرائيل ودور الوساطة الأميركية المنحازة لإسرائيل.
"صفر مشاكل" مع الدول العربية، لمواجهة "كل المشاكل" في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
في تاريخ الزعامة الفلسطينية أنها ليست "رخوة" لا في القتال، ولا في السياسة، ولا في التفاوض.
كان الكبير أبو عمار يقول: "ما كل طير يؤكل لحمه".
ميركل في إسرائيل: البحث عن دور.. موعود!!
بقلم: هاني حبيب – الايام
بعد حوالي أسبوعين، من إهدار كرامة الاتحاد الأوروبي، والدولة الألمانية على وجه التحديد، تقوم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بزيارة وصفت بالتاريخية إلى إسرائيل، قبل أسبوعين. وفي إطار توطيد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، قام رئيس البرلمان الأوروبي "مارتن شولتس" بزيارة إلى إسرائيل وألقى خطاباً في الكنيست، وعندما حاول تناول جوانب التمييز الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، مشيراً على سبيل المثال ان حصة الإسرائيلي من المياه 70 لتراً، بينما حصة الفلسطيني 17 لتراً فقط، ثارت ثائرة أعضاء اليمين في الكنيست وصرخوا "هذا كذب" وانسحبوا بقيادة رئيس حزب البيت اليهودي "نفتالي بينت" بعد توجيه السباب والشتائم للسيد شولتس، في حين كانت ردود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر سخرية وازدراء من رئيس البرلمان الأوروبي.
يقال إن اليهود عموماً ليسوا على علاقة طيبة مع الألمان، فهم يعتبرون اللغة الألمانية "لغة كريهة"، بل إنهم يزعمون أن واجهة سيارة "بي ام دبليو" الألمانية، تشبه إلى حد كبير شارب هتلر المعروف (!) وأكثر من ذلك، فإن اليهود في معظمهم يضعون كبار الموسيقيين الألمان الكلاسيكيين على قائمة حقدهم الدفين، خاصة الموسيقار ريتشارد فاغنر، وتمنع مقطوعاته الموسيقية الكلاسيكية من أن تعزف في إسرائيل، كما يقاطع اليهود الحفلات الموسيقية التي يتم عزف موسيقاه في أي قاعة استماع في العالم.. لكن للسياسة شأناً آخر وهذا ما يفسر تلك الزيارة التاريخية التي قامت بها ميركل إلى الدولة العبرية مؤخراً.
المهم في هذه الزيارة، هو توقيتها الدقيق، ليس لتأنيب إسرائيل على إهدار كرامة ألمانيا في الكنيست قبل أسبوعين، ولكن لتوجيه كل مقدرات الدعم للدولة العبرية (!) وقبل أن تصل ميركل إلى وجهتها في إسرائيل، أعلنت برلين أن سفراء المانيا سيقومون مقام قنصليات وسفارات اسرائيل، حينما لم يكن هناك تمثيل إسرائيلي في أي دولة من دول العالم، كما أن المانيا ستمنح كل اسرائيلي يريد العمل أو الإقامة في إسرائيل ترخيصاً لمدة عام، وهكذا بدلاً من أن تقوم إسرائيل، بعد إهدارها كرامة المانيا بالاعتذار، تقوم ميركل بهذه الزيارة التاريخية لإبداء المزيد من حسن نواياها لدى الدولة العظمى إسرائيل، وتصطحب معها 16 وزيراً، ولكي تقوم بالتوقيع مع الجانب الإسرائيلي على عدة اتفاقيات امنية وقضائية واقتصادية، وربما تستعجل تسليم غواصات ذرية تم الاتفاق عليها إلى إسرائيل!! وخلافاً لمعظم زوار إسرائيل من قادة العالم، فإن ميركل لن تلتقي بالرئيس أبو مازن في رام الله!
قد يعتبر البعض أن هذه الزيارة تاريخية، ليس فقط لما أسلفنا، بل لأن هذه الزيارة ربما تفسر بتراجع ألماني عن المواقف الذي اتخذها الاتحاد الأوروبي إزاء الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ومع أن ميركل أكدت على دعمها لجهود وزير الخارجية الأميركية جون كيري لإحلال السلام بين فلسطين وإسرائيل، إلاّ أن حديثها عن أن المقاطعة ضد إسرائيل غير أخلاقية ولا ضرورة لها، وعندما تحدثت عن "المقاطعة" لم تتحدث عن مقاطعة إنتاج المستوطنات أو الجامعات أو البنوك، بل عبارة عامة، ترضي الإسرائيليين، لكنها لا تمثل تحديداً بمقاطعة إنتاج المستوطنات التي تعتبر حتى الآن غير قانونية وتتناقض مع قرارات الأمم المتحدة وعقبة أمام السلام. تعميم مصطلح "المقاطعة" بالطريقة التي أشارت إليها ميركل، يشير إلى رغبتها في الوقوف إلى جانب إسرائيل من دون أن يفهم من كلامها أنها ضد مقاطعة إنتاج المستوطنات، وهو شكل من أشكال التحايل الصباغي الذي تبرره العلاقات الدبلوماسية بعض الأحيان.
وكانت ألمانيا قد اتخذت قبل أسابيع قليلة خطوات جدية فعلاً لمناهضة الاستيطان متجاوزة بذلك حتى ما اتخذه الاتحاد الأوروبي من خطوات بهذا الصدد، كنجاح ألمانيا بالضغط، على إسرائيل كي لا تشمل المستوطنات "اتفاق العلوم" بين الدولتين بعد ضغط ألماني هائل على حكومة نتنياهو التي رضخت في النهاية إلى الشروط الألمانية، كما أن أحد أهم بنوك ألمانيا "دويتش بانك" فرض مقاطعة تجارية على بنك هبوعليم ـ العمال، الذي له فروع عديدة في المناطق الاستيطانية في الضفة الغربية.
ويبدو أن هناك تناقضاً في مجمل هذه السياسات الألمانية إزاء إسرائيل، غير أن البعض قد يذهب إلى أن ميركل ظلت صامدة تجاه موقف ألمانيا من الاستيطان ومن دعم جهود كيري، وتمسكها بحل دولتين لشعبين، خاصة أنها أشارت في اجتماعها مع نتنياهو، الى ان هذا الحل هو الذي يوفر الأمن لإسرائيل.. لكن المانيا تريد أن تلعب دوراً مركزياً في عملية السلام عل الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، على ضوء تراجع قوة التأثير الأميركي على كافة ملفات المنطقة، بإمكان ألمانيا أن تقوم بهذا الدور المركزي من خلال علاقات وطيدة مع إسرائيل، والتمسك بمواقفها إزاء الاستيطان، ولعل هذه الزيارة تعتبر تاريخية من خلال هذا الهدف، أي القبول بألمانيا "كوسيط نزيه" يمكنها من أن تكمل الدور الأميركي أو الحلول محله في لحظة ما، فإذا كانت ألمانيا هي القوة البارزة والمؤثرة في اطار الاتحاد الأوروبي، خاصة في الجانب الاقتصادي، فإن هذا الجانب يجب أن يدعم قدراتها في السياسة الخارجية، والملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يمكن أن يشكل محور هذا التوجه، خاصة بعدما باتت من الناحية الفعلية "العضو السادس" في مجلس الأمن، من خلال انضمامها إلى "خمسة زائد واحد" كشكل من أشكال الإسهام السياسي على المستوى الدولي.
ستعود ميركل إلى برلين، حاملة أوسمة إسرائيلية رفيعة، وغضباً فلسطينياً متعاظماً، من دون أي تغيير فعلي على الموقف الإسرائيلي الرافض للتراجع عن الاشتراطات التي أعاقت التوصل إلى نهاية سعيدة وعادلة لجهود أميركا "السلمية"!!
القدس: إسرائيل تلعب بالنار
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
بالأمس طرح موضوع فرض السيادة الإسرائيلية على الحرم القدسي بناء على اقتراح عضو الكنيست من "الليكود موشيه فيغلين اليميني المتطرف الذي كان طوال الوقت يدعو اليهود للذهاب إلى الحرم القدسي بالآلاف لتثبيت سيادة اليهود في الحرم، والذي طالب اليهود الإسرائيليين بالتضحية من أجل هذا المكان المقدس، حتى كتابة هذه السطور ليس واضحاً ما هي نتيجة هذا النقاش، ولكن مجرد الفكرة والموافقة على بحث الموضوع يشكلان استفزازاً كبيراً لكل فلسطيني وعربي ومسلم. خصوصاً وأن المتقدم بالاقتراح هو من الحزب الحاكم حزب بنيامين نتنياهو.
ولا شك هذا البحث يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تتجه إطلاقاً نحو ليس فقط التوصل إلى اتفاق سلام بل إن اتفاق إطار أصبح مستبعداً تماماً.
السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالقدس مبنية على قاعدة القرار الذي اتخذ في الكنيست مباشرة بعد احتلال القدس الشرقية في حزيران العام 1967 بضمها إلى القدس الغربية، والتي أصبحت موحدة عاصمة إسرائيل الأبدية عندما اقر قانون القدس في العام 1980، ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال كان التفكير الإسرائيلي بتوسيع القدس وضم عدد كبير من المستوطنات إليها في مشروع القدس الكبرى وتهويد القسم الشرقي منها داخل البلدة القديمة وخارجها بما في ذلك الأحياء العربية التي تقع في المدينة وحولها.
وكان الهدف الإسرائيلي اخلاء المواطنين العرب من هذه الأحياء والاستيلاء على الأرض والبناء لليهود فيها، وهذا يشمل السيطرة على البيوت الفلسطينية بالشراء أو التحايل أو المصادرة ووضع اليد.
ولكن إسرائيل فشلت في السيطرة بشكل كامل على البلدة القديمة على الرغم من محاولات شراء البيوت هناك ودفع مبالغ أسطورية للمواطنين الفلسطينيين لترك بيوتهم.
والنجاح هنا جزئي فقط شمل بعض ذوي النفوس الضعيفة أو عمليات السمسرة والاحتيال. ولكن بقيت غالبية فلسطينية واضحة في البلدة القديمة. كما أن الفشل الإسرائيلي كان كبيراً في موضوع السيطرة على الحرم القدسي وكل المحاولات التي شملت حتى إحراق المسجد الأقصى لم تنجح في فرض سيطرة وإدارة إسرائيلية كاملة على الحرم.
وإذا كانت السلطات الإسرائيلية بين الحين والآخر تسمح لليهود المتطرفين بزيارة الحرم وأداء طقوس دينية فيه.
وبقي هذا الموضوع بمثابة غصة في حلق كل المتطرفين الذين يدعون أن الاقصى بني مكان الهيكل اليهودي، مع أن كل الحفريات التي أجرتها سلطة الآثار الإسرائيلية والبعثات الدولية لم تجد دليلاً واحداً ولو صغيراً يؤكد الادعاءات الإسرائيلية بشأن مكان الهيكل أو يربط اليهود إلى نفس البقعة. بل إن بعض علماء الآثار الإسرائيليين تجرؤوا على الإعلان صراحة بأن التوراة التي يستند لها اليهود كمرجعية تاريخية لا تصلح للتأريخ، وهي لا تعدو كونها أساطير أو قصصا دينية لا علاقة لها بالواقع أو بجغرافية المنطقة.
وما يدعو أشخاصاً مثل فيغلين وجماعة حزب البيت اليهودي يصعدون في تحركاتهم وتصريحاتهم بخصوص موضوع القدس والذي وصل ذروته بدعوة وزير الإسكان أوري أريئيل لهدم الأقصى وبناء الهيكل اليهودي مكانه، هو طرح مسألة القدس في المفاوضات والموقف الفلسطيني بأنه لا يمكن التوصل إلى سلام دون إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، والموقف الدولي الذي يرى في القدس الشرقية أرضا محتلة كباقي الأراضي التي احتلت العام 1967 و يرفض الاعتراف بالضم الإسرائيلي لها.
ولعل الموقف الأوروبي الذي فرض على إسرائيل إخراج القدس والمستوطنات من مشروع دعم البيئة المسمى هوريزون 2020 كشرط لحصول إسرائيل على التمويل، وقبل ذلك الموقف الأوروبي من مقاطعة بضائع المستوطنات التي تشمل القدس والجولان، ورفض الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل والإصرار على بقاء السفارات في تل أبيب، هو التعبير الأكثر وضوحاً على الرفض الدولي لسياسة التهويد والضم التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية جميعها. لهذا يشعر اليمين الإسرائيلي أنه في سباق مع الزمن لفرض أمر واقع يحاول أن يثبته محلياً ودولياً.
ربما لا يدرك هؤلاء أن موضوع القدس هو من أكثر القضايا حساسية لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين وللمسيحيين، كما هو لليهود ويمكنه أن يفجر الوضع في المنطقة بأسرها إذا فرضت إسرائيل واقعاً لا يقبله الفلسطينيون أو عطلت حل الدولتين الذي يشمل القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين، والعبث بهذه المسألة هو ببساطة لعب بالنار التي قد تحرق كل شيء وأي موقف إسرائيلي رسمي في الكنيست أو الحكومة قد يؤدي إلى تدمير العملية السياسية بصورة تامة ويعيدنا إلى مربع المواجهة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.
وستكون ساحة الأمم المتحدة الساحة المركزية للصراع بيننا وبين إسرائيل، وفي هذا الملعب إسرائيل ستكون خاسرة بالتأكيد.
يكفي الإسرائيليين ما يقوله مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الاراضي الفلسطينية ريتشارد فولك الذي اعتبر في تقريره عن حالة حقوق الإنسان الفلسطيني أن السياسة الإسرائيلية تصل إلى مستوى التمييز العنصري تجاه الشعب الفلسطيني.
ووصف ما يتعرض له الفلسطينون في القدس تحديداً بـ
"التطهير العرقي"، وأن إسرائيل تقسم السكان في الأراضي المحتلة على "أساس عنصري".
ومع موقف دولي واضح كهذا نحو كل سياسات الاحتلال الإسرائيلي ومع الاعتراف الدولي بفلسطين على حدود العام 1967 والتي تشمل القدس الشرقية لن يكون بمقدور إسرائيل أن تعيش خاصة إذا ما ترتب على ذلك مواقف دولية تصل إلى المقاطعة وفرض العقوبات.
وقبل ان نصل إلى ذلك من المفروض أن يكون هناك موقف أميركي صارم إذا كانت واشنطن حريصة على العملية السياسية ومعنية بنجاحها.
ومن المهم أن يكون تجميد ووقف الاستيطان مطروحاً كشرط لا بد منه إذا ما تم طرح خطة إطار للتسوية وإذا ما جرى الحديث عن تمديد المفاوضات.
عن الرئيس وآخرين
بقلم: محمد نجيب الشرافي – الايام
يتعرض الرئيس محمود عباس لانتقادات واسعة وعنيفة إسرائيليا ودوليا ومحليا، كلٌ لديه أسبابه التي يراها وجيهة. هذه الأطراف متصادمة أصلاً لكنها تلتقي عند التعرض للرئيس تارة بالانتقاد وطوراً بالتخوين والتكفير وحتى التحريض بالقتل. رجل يقاتل على عدة جبهات، هجوم بعض أطرافها مبرر لأنهم أصلاً أعداؤه وهو في حالة اشتباك دائم معهم بالطرق السياسية والدبلوماسية، وآخرون يظهرون حيادهم ونزاهتهم، يصفون أنفسهم بالوسطاء، فيما هم لا يستطيعون معاداة أعدائه، وثالث لا يملك إلا النقد والتجريح، لا يتورع أحيانا عن استخدام أقسى مفردات اللغة في التعامل مع الرئيس.
لا يتوقف الرئيس أمام ما يقوله الطرف الأول وان كان يقرأ في مواقفهم ما يفكرون، وهو معنيٌ إلى حد كبير فيما يطرحه الطرف الثاني. يحاول أن يوصل حجم المظالم التي يتعرض لها شعبه عله يكسب تعاطفهم وقرارتهم السياسية والاقتصادية.
أما الطرف الثالث فيبدو موقفه محيراً يبعث على الحسرة حيناً والإشفاق أحيانا. ليس لهم مطلب سوى وقف المفاوضات وعندها يرون – إذا كانوا يرون شيئا – أن كل القضايا قد حُلت: الانقسام وقد انتهى وتحققت المصالحة والوحدة الوطنية.. الحصار وقد زال وتحقق الرغد والعيش والازدهار لغزة، المقاومة وقد انطلقت من جديد دون أن يكبلها أحد، المعارضة وقد أُذن لها أن تقول ما تشاء بلا رقيب، والمظاهرات السلمية تجوب الشوارع دون قمع أو إرهاب ودون اعتقال أو لعلعة رصاص وتلويح هراوات.. المعابر وقد فتحت على مصراعيها.. وشيخنا القرضاوي وقد غبرّ حذاءه بتراب القدس وغزة بعدما يطلق فتاوى النصر والتمكين، الانتخابات التشريعية تجري في موعدها ولا يتم التجديد تلقائيا لأعضائها فيما حكومة شطري الوطن تمارس مهامها بحرية.
لماذا يا سيادة الرئيس أوقفت كل هذه الانجازات وأوقفت حياتنا.!؟ أنت متهم.
نفس التهم، والأشخاص ذاتهم رفعوا عقيرتهم بالصراخ عندما قررت خوض المعركة الدبلوماسية لنيل عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، لدرجة أن أحداً ما لم يجد ما يقوله فأعلن تحفظه على الذهاب إلى الأمم المتحدة لأنها تقع في أمريكا وأن الأخيرة تسيطر عليها.!. وثمة من قال وأضاف واستطرد وتمرد، ولما أُعلنت نتيجة التصويت عدلوا موقفهم بخجل.
الرئيس يخوض معركة مصيرية ينتظر بعض الناس نجاحا ليقولوا إنّا كنا معكم، وينتظر آخرون فشلا ليقولوا إنما نحن مستهزئون وقد حذرنا من قبل !. كيف يمكن أن نشرح للعالم موقفنا ونحن مختلفون إلى هذه الدرجة؟ في رأيي، أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل أحد أكثر الرجال حنكة وبصيرة عندما أعطى الرئيس فرصة أخرى لتجريب المفاوضات، علها تأتي بما يستعصي على المقاومة المسلحة، وإلا لماذا هو صامت، فيما حزبه لا ينام دون تفتيش في قواميس اللغة عن مفردة جديدة لم يطلقها على الرئيس؟ أهي عملية توزيع أدوار، أم أن الرجل يمتلك بصيرة يفتقدها الآخرون؟
أيا ما كان الأمر، فان المفاوضات يمكن أن تكون سرية أو علنية، غير أن النتائج لا يمكن أن تكون سرية، وتطبيقها يحتاج إلى إجماعٍ شعبي علني، دونه السراب.
وفي رأيي، أن الحملة على الرئيس ظناً باحتمال موافقته على مقترحات كيري، قبل إعلانها، كمن طلب منه كتابة ملاحظات على مسرحية لم يشاهدها ولم يقرأ نصها. ولو شاهدها لقال عنزة ولو طارت !
عقلية المناكفات والعناد على رأي يحتمل الخطأ أكثر من اقترابه من الصواب لن تجلب خيراً لفلسطين، ولا مستقبلاً زاهراً لشعبها. هؤلاء أشبه برجل سئُل عن بحثه ليلا عن محفظة نقوده في مكان غير المكان الذي فقدها فيه فقال: لا يوجد ضوء في ذلك المكان. أما هنا حيث أفتش فالضوء موجود!
لا جدال في أن القول بعبثية المفاوضات يقلق الرئيس، قلقٌ يضاف إلى قلق صعوبة المفاوضات وإعيائها، كونها تتم تحت رعاية أميركية وليست دولية، وما يرافقها من ضغط نفسي وتهديد اقتصادي وعسكري واستيطاني، إضافة إلى قلق غياب أو تغييب المصالحة الوطنية، ذلك أن صورة الفلسطيني المنقسم على نفسه
لا تشجع العالم على التعامل مع إسرائيل بطريقة ترضي أحداً منا.
بصراحة أكثر، ما الذي نملكه بديلا عن المفاوضات؟ المقاومة المجمدة أم الانقسام الفصائلي الذي امتد إلى الشعب أم المقاومة الشعبية اللفظية؟ الخدمات المفقودة والحرية المعطلة أم طريقة الحكم الانفرادية؟ أم ماذا؟ المقاطعة الدولية لإسرائيل تؤلمها كما الحصار يؤلمنا، شريطة أن نحقق المصالحة ونجري الانتخابات. عندها يمكن أن نقوم بدور مهم في هذا المجال، ذلك أن ترتيب البيت الفلسطيني سوف يكون مدخلا لترتيب البيت العربي ونقل القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية بدل أن تظل محصورة في يد الحليف الأعمى لإسرائيل.
ربما تكون جهود وزير الخارجية الأميركي هي الفرصة الأخيرة للتسوية قبل أن ينصرف الأميركيون إلى قضايا أخرى يعج بها العالم، ويكون استحقاق الانتخابات الأميركية قد حان، ونضطر للانتظار طويلا قبل أن يحدد الرئيس الأميركي الجديد موقع القضية الفلسطينية على سلم أولوياته.
بعبارة أخرى، كيري وإدارته وحزبه الديمقراطي يريدون عمل شيء ما يفاخرون به.
يؤمن الرئيس أن لا نهاية حاسمة وقريبة لصراعٍ في منطقة تلاقي الأديان والأطماع، لكنه يحاول أن يضع حدا لمعاناة شعبه.
في ظني، أن الرئيس ينتظر اتفاق كيري ويده على قلبه، ليس خوفا من إحراج أو إحباط بقدر ما هي رؤية، في أن يضع أحدٌ ما حدا لحياته السياسية، قبل أن يرى ما كان يحلم به الرئيس الشهيد ياسر عرفات. * رئيس سابق لوكالة الأنباء "وفا".
قــــتـــــل الــــنـــــســـاء
بقلم: توفيق وصفي – الايام
كنت وصديقي الفنان حسني رضوان الرجلين الوحيدين على مائدة عشاء تونسية، تحلقت حولها نحو تسع سيدات من بينهن الكاتبة المعروفة نوال السعداوي والمناضلة الفلسطينية عائشة عودة، اللتان أقيمت الوليمة على شرفهما، بعد عودتهما من الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الجزائرية، قبل نحو ثلاثة عقود.
دار الحديث في السهرة الحميمة عما سيحل بالثورة الفلسطينية بعد رحيل قواتها ومؤسساتها عن بيروت، وأفاضت الأسيرة المحررة الفدائية وعضو المجلس الوطني آنذاك عائشة عودة في الحديث عما يعانيه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ولم تدخر نصيرة النساء الأكثر شهرة ذاك الزمان نوال السعداوي جهدا وهي تربط نضال المرأة الفلسطينية بنضال الرجل كأولى قضاياها، بالرغم من سطوته عليها.
كنت وحسني الأقل كلاما والأكثر استماعا، نكتفي بهز الرأس موافقة أو رفضا، إلى أن استدارت السعداوي لتسألني كمعلمة تفاجئ تلميذا شاردا عن رأيي في "الكلام ده"، فبهتُّ لحظة باحثا عن إجابة تُثبت انتباهي لكل "ما قيل"، وإذ بثقافة الصبا مما قرأته للسعداوي تسعفني لأقول كمن يحفظ تعويذة "إن المرأة الفلسطينية تواجه حربين معقدتين وقدرها أن تناضل على جبهتين، جبهة مواجهة الاحتلال وجبهة مواجهة حرمانها من حقوقها والمساواة مع الرجل"، فأسعدتني وأنقذتني من عيون وآذان الساهرات الللاتي كن يترقبن ما سيقوله "الأخ" قائلة "برافو عليك، أديك اختصرت الحكاية"!
ترد إلى خاطري ذكرى كهذه وأنا أفتقد زمن النسوة الرائعات، اللاتي رحلن ومن زلن على قيد الحياة، وسيرهن المثيرة للفخر، وهي سير معروفة يمكن لمن لا يعرفها أن يبحث على "غوغل" وسيجد ما يشفي الغليل، عن نساء اخترن المواجهة مع الظلم الذي يحل بهن كما حل بأمهاتهن وجداتهن، في محاولة لرسم معالم مستقبل حر لبناتهن وحفيداتهن، يقيهن ظلم الأهل والتقاليد والفقر والاحتلال، الذي تتقاطع سياطه على أجسادهن وتخنقهن وتقيد أرواحهن.
ولا يرد إلى خاطري ما يراود خواطر أكثر الناس بأن ثمة سببا يتعلق بالعرض والشرف وراء أي جريمة قتل تكون ضحيتها أنثى، سواء أكانت طفلة في أول عمر المشي والكلام أو فتاة في عمر الزهور أو امرأة مسنة، حتى لو أبعدت القرائن هذه "الشبهة" عن القتيلة، كالمسكينة التي قتلها أبوها ضربا وتعذيبا بمساعدة زوجته الثانية، قبل نحو أسبوع. لكنني أتميز كالناس غيظا لأن أحدا لا يشفي غليلنا بتصريح أو توضيح، كي لا نظل نهبا للتأويلات والقلق، خاصة عندما تتزامن جريمتا قتل لفتاتين في يوم واحد، إحداهما شمال غزة والأخرى في الجنوب، فالقتل يحدث "من السلك للسلك"، كما يقول أهل غزة!
إذن نساؤنا في مواجهة طامتين يا أستاذة نوال، الأولى عامة تطالهن كما تطال الرجال، مبعثها الاحتلال وتداعيات الحصار والانقسام السياسي، والثانية تخصهن، لأنهن في نظر الرجال الفاشلين في صناعة المستقبل "الحيطة الواطية"، التي عليها أن تكون عبدة صاغرة، حتى لمن يغتصبها ويقرر عند انتفاخ بطنها خنقها أو "شخطها عند البالوعة"، ومهما بلغت تضحياتها في سياق الطامة الأولى لا تنال إلا هامشا في سفر الأمجاد وعبارة في دستور، لزوم المناسبات والذكريات.
أود أن أسخر من قيم القتلة ومن يحميهم بقانون أو "فبركة" لسيناريو القتل ودوافعه، كما قد يحدث عند تغيير تهمة اللوط بقاصر إلى تهمة السرقة أو الشجار، حفاظا على سمعة عائلة اللائط ولاختصار عقوبته من عدة سنوات في السجن إلى عدة أشهر، بالرغم من أن الجميع يعلمون الحقيقة ومكامن الفضيحة والعار.
للحب زمن آخر، فهذا زمان قتل النساء، بذريعة جاهزة تقوم على ادعاء أن القتل جاء على خلفية الشرف، كستار "مُشرّف" للدوافع الحقيقية للقتل، ما يتيح للقتلة رفع شعار "الموت للنساء أولا". أليس على المرأة كضحية مستهدفة أن تصنع قدرها فتقول لا، للشقيق الطامع في إرثها، والأب البخيل الذي يبيعها لصاحبه المسن، والزوج المدمن أو القواد، والابن العاق الذي يعاقبها إرضاء لزوجته؟ وحين تخرج زوجة أو ابنة للمطالبة بحقوقها فإن على الزوج والابن والشقيق أن يخرج معها، ويسابقها لتلقي هراوة أنفار الأمن الذين لا يريدون لها أن تهتف أو تصرخ أو تزغرد أو تنوح، وإلا كان شريكا في ظلمها، لا يستحق حبها، إن كان في قلبها حب!
تغريدة الصباح - الروائي العالمي
بقلم: يحيى يخلف – الحياة
درجت بعض الفضائيات المصرية على تقديم الكاتب والروائي علاء الأسواني بنعته بلقب (الروائي العالمي).. ولا ادري من أين اتت هذه الصفة، وهل وصفه بهذا اللقب يزيد من اهميته ويرفع من مكانته أم هي مجاملة ومبالغة في الإعجاب والمحبة؟
السيد علاء الأسواني يستحق الإعجاب والمحبة، وهو روائي مبدع، وانسان نزيه، ووطني صادق، وقد أتيح لي شرف التعرف عليه قبل عامين عندما زارني في الفندق الذي كنت أقيم به في القاهرة الأستاذ الصديق ابراهيم المعلم وكان الروائي علاء الأسواني بصحبته.
يومها تبادلت معه اطراف الحديث، ووجدت فيه رجلا يتسم بالدماثة والخلق الكريم، ويمثل طموحات جيل الشباب واحلامهم ويتحلى بالتواضع والبساطة، ويبتعد عن الغرور رغم شهرته.
ومن هنا فقد استغربت أن يصفه وائل الإبراشي في استضافته في برنامجه التلفزيوني بالكاتب العالمي، وأن يصفه عمرو الليثي ايضا في برامجه ويطلق عليه اللقب نفسه دون ان يعترض، ودون ان يبدي تواضعه ويصحح صفته ككاتب وروائي معروف، ولا أظن أنّ الأسواني هو من اخترع اللقب أو سعى اليه، وفيما اعلم لم تعطه هذه الصفة أكاديمية تمنح ألقابا، وحتى الأكاديميات تعطي جوائز ولا تمنح القابا، ولا منظمة ثقافية دولية كمنظمة اليونسكو، وحتى اليونسكو تقيم حفل تكريم ولا تمنح لقبا، ولم يبايعه كتاب مصر وكتاب العالم العربي وبعض كتاب العالم بهذا اللقب كما بايع شعراء الأمة العربية الشاعر أحمد شوقي ومنحوه لقب (أمير الشعراء).
ولم يعط نابغ لنفسه لقبا ولم يعطه الآخرون لقبا، وفي الساحة العربية كتاب وادباء وشعراء ونقاد وصلوا الى مساحات واسعة في هذا العالم ولم يوصفوا بلقب الشاعر العالمي أو الناقد العالمي أو عالم الاجتماع العالمي من محمود درويش الى ادوارد سعيد الى الطاهر بن جلون الى أمين معلوف وغيرهم كثر من الذين ترجمت أعمالهم الى لغات عدة أو كتبوا بلغات أجنبية وحصلوا على جوائز وحفلات تكريم ولم يعطوا لقب العالمية على الرغم من أنهم وصلوا اليها. زد على ذلك ان في العالم ظواهر ثقافية عالمية كظاهرة أدب اميركا اللاتينية وواقعيتها السحرية، وظاهرة الأدب الأفريقي، وظاهرة الأدب الياباني، ظواهر باتت معروفة واعمال أدبائها مترجمة ومعروفة في أوروبا وأميركا وعلى امتداد العالم، لكن للأسف لم يمثل الأدب العربي حتى الآن ظاهرة في ساحات العالم الثقافية على الرغم من ان أعمالاً كثيرة في مجال الرواية العربية تتفوق شكلا ومضمونا على كثير من الروايات الأميركية اللاتينية او اليابانية او الأفريقية، لكن مكر السياسة في الغرب وضعف العالم العربي وغيابه عن المشهد الدولي حال دون ذلك، وربما كان منح المبدع الكبير نجيب محفوظ جائزة نوبل هو الاستثناء.
كاتب هذه السطور معجب بروايات المبدع علاء الأسواني وقصصه، ويكن له كل الود والاحترام، ومعجب به أيضا ككاتب وناشط سياسي واعتقد انه يمتلك من التواضع ما يجعله ينأى عن هذا الوصف الذي لا يرفع من مكانته لأن مكانته عالية ورفيعة بدون القاب، وكاتب هذه السطورمعجب ومدمن على مشاهدة برامج السيد وائل الإبراشي، ومعجب ومدمن على برامج عمرو الليثي وخصوصا برنامجه (واحد من الناس)، واتوجه اليهما للكف عن هذه المجاملات التي تصنف ادباء مصر بين عالمي ومحلي فكلهم مبدعون، وكلهم اساتذة لأجيال مصرية وعربية.
اطلالة عربية - اللقاء الأول مع محمود درويش
بقلم: ابراهيم عبد المجيد – الحياة
صار محمود درويش بعيدا عن مصر في الوقت الذي وفدت أنا فيه من الاسكندرية الي القاهرة. بعد اتفاقية كامب ديفيد حدثت القطيعة مع الدول العربية سياسيا وثقافيا. لم تعد المطبوعات العربية وعلى رأسها الفلسطينية التي كانت تصدر في بيروت تدخل الي مصر. والامر نفسه حدث للمطبوعات المصرية في العالم العربي. لكنا كنا نصل الي المطبوعات العربية عن طريق الحاج مدبولي بائع الكتب العظيم. كما أن عددا من الكتاب الفلسطينيين كانوا يفدون الى مصر بين حين وآخر قابلت منهم يحيى يخلف ورشاد ابو شاور واحمد دحبور نفرح بقدومهم كأننا نجد وطنا. لكن محمود درويش لم يعد الى مصر ابدا الا في عام 1984 بعد الخروج الفلسطيني من بيروت واستقراره في باريس. كان حزب التجمع الوطني قد اقام أمسية شعرية كبيرة له. كنت قد انتهيت من رواية قصيرة هي "الصياد واليمام" وحدث ما لم أكن اتصوره. كلما أعطيتها لناشر أذهب اليه في اليوم التالي أطلب استردادها. لماذا ؟ يسألني الناشر. ابتسم وأقول سوف أؤخر نشرها. والحقيقة أنني كنت أعود الى البيت وادخل غرفة مكتبي وما ان أجلس حتى أشعر أن شيئا من روحي ضاع مني. وانتبه الى أنه الرواية. أبحث عنها في الغرفة فلا أجدها. لقد سلمتها للناشر. ورغم وجود نسخة مصورة من النسخة المكتوبة علي الآلة الكاتبة ذلك الوقت الا اني كنت اشعر بفقد شيء عزيز على روحي. تكرر الأمر مع ثلاثة ناشرين ولا أقول لهم السبب الذي سيبدو لهم مضحكا. جاء محمود درويش الى مصر فقررت أن أعطيها له لينشرها في مجلة الكرمل التي كان ممنوعا دخولها الي مصر. انتهت الأمسية الرائعة التي اشعلت فينا الروح وتقدمت اليه طالبا لقاءه منفردا. عرفته بنفسي متأكدا أنه لا يعرف شيئا عني لأن ما نشرته لم يخرج من مصر. وما نشرته خارجها قليل. أعطاني موعدا في الصباح في فندق هيلتون رمسيس حيث يقيم. ذهبت. وجدته في انتظاري. قدمت اليه روايتين نشرتهما قبل ذلك ثم الرواية الجديدة التي لم تنشر قائلا أريد أن أنشرها في مجلة الكرمل. ابتسم وقال: " الكرمل مرة واحدة؟ " أخبرته بما يحدث لي حين اعطيها لناشر في مصر وانك الآن ستسافر ومن ثم لن استعيدها منك ! انطلق يضحك ثم قال لي بالنص: " أنا حيوان قراءة. سأقرأها في الطائرة اذا اعجبتي ستجدها في العدد المقبل من الكرمل. اذا لم تجدها لا تسألني عنها بعد ذلك لان السبب سيكون أنها لم تعجبني " قلت له ضاحكا: حتى اذا لم تنشرها سأتعود على ابتعادها عني وسأنشرها بسهولة بعد ذلك. ضحكنا وتكلمنا في أشياء كثيرة جميلة. سافر درويش وبعد شهرين وجدت العدد الحادي عشر من مجلة الكرمل على فرشة الكتب عند الحاج مدبولي. كان قد سمح بدخول المطبوعات الفلسطينية وكان هذا أول بشائرها. ترددت ثم انحنيت وأمسكت بالعدد أفتحه فوجدت مقدمة العدد لمحمود درويش وبعدها مباشرة الرواية "الصياد واليمام" لابراهيم عبد المجيد. سرت رعشة الفرح في جسدي وأخذت العدد مسرعا الي البيت ولم أغادره لثلاثة أيام اقرأ وأعيد قراءة روايتي وأقلب العدد بين يدى مدركا أنني الآن دخلت عالم الكتابة في العالم العربي وأن مجلة الكرمل هي التي ستضعني بين الكتاب العرب. بعد ذلك صارت صداقة جميلة يطول الحديث فيها. نشرت روايات وقصصا عديدة لكن يظل نشر "الصياد واليمام" في الكرمل هو أبهج ما جرى في حياتي.
القدس: حق فلسطيني وذاكرة عربية
بقلم: هاني فحص – الحياة
كيف يمكن ان تقوم ذاكرة عربية مجدَّدة ومتجددة باستمرار نقطة ارتكازها فلسطين الاكثر كثافة والأبين دلالة (موقعاً وتاريخاً ومصيراً ومساراً).. ذاكرة مفترض فيها ان تكون ام الحلم العربي ومصدر اشتقاقاته، ذاكرة مؤهلة لأن تكون منصة ارشاد للفعل العربي على طريق التحرير والتحرر، وعودة العقل العربي، ثانية، على شرط فلسطين، للاسهام في صياغة اطروحة ثقافية جامعة انسانية تحفظ الاستقطابات المتقابلة وتفكك أو تلطف نظام الثنائيات وترفع التعدد والتنوع إلى مصاف مشروع حضاري عادل؟
كيف يمكن ان تقوم هذه الذاكرة اذا ما بقيت ذاكرة اسلامية محضاً وبامتياز حصري؟ وظل التلوين المسيحي فيها طيفاً أو اضافة غير لازمة الا في حدود الامتاع والمؤانسة للجليس؟ وظل المسيحي عندما يتذكر فلسطين يثير الدهشة والاستغراب كأنه يأتي بغير المتوقع منه ويحمل على المجاملة أو المداهنة!! وظلت المسيحية المشرقية مترددة في تحصين ذاكرة اهلها من الثقوب التي تأتي مع هبات خماسين التغريب أو التغرب ويدلف منها إلى المخزون المسيحي قمع التوراة والتلمود مخلوطاً بالزؤان؟ أليس من وظيفة المسيحية المشرقية، شرط المعنى والدور للاسلامية العربية، أن تعمل على اعادة بناء المسيحية الغربية المقطوعة عن سياقها ومنبتها، على نصاب مسيحي وعلى ذاكرة مسيحية قدسية؟
ليست هذه دعوة إلى «هولوكست» مسيحي، أو مسيحي اسلامي ضد اليهود، وانا اغامر باعلان ميلي الى تفهم –على ريبة ونفور وإدانة - للعملية المعقدة التي انتجت الحركة الصهيونية ومكنتها من ان تصبح اختزالاً قاسياً للجماعة اليهودية أو الجماعات، واقيسها على ضدها الأوروبي الذي عاد فتواطأ معها على مسار واحد، حتى النازية التي أرى انها كانت مطابقة لحالة المانية أو جرمانية وضعها الطموح والطمع والغيرة والاحباط معاً في مُناخ جعلها تعتبر القوة رافعة وحيدة للحضارة والمجد والنفوذ (أحيل هنا على جهود الرئيس محمود عباس المبكرة في متابعة العلاقة التكاملية بين النازية والصهيونية، والى كتاب «الدروب السرية» لبهوشافاط هركابي).. هنا يمكن للوعي العربي المعاصر ان يشتغل على فرضية تحرير اليهود من الصهيونية باعادتهم إلى يهوديتهم التي يمكن ان تسوقهم طوعاً إلى المساحة المشتركة- مساحة التوحيد الابراهيمي- وهذا يستدعي من المسلمين والمسيحيين تصحيحاً في مساحات اشكالية من ذاكرتهم ووجدانهم. ان التعقيد الاعظم الذي اعترض علاقة المسلمين باليهود هو نقضهم لوثيقة المدينة بعد الهجرة اليها، ما دفعوا ثمنه المعروف، ولكن المسلمين عادوا فنسوا وانسوهم، ودخلوا مبكراً مع اليهود والمسيحيين في شراكة حضارية، كان ابرز تجلياتها نموذج الاندلس، وافسحوا في غير مكان وزمان للجميع، حتى المندائيين والمجوس والبراهما، ان يدخلوا في دائرة الثقافة الاسلامية منتجين ومبدعين، متعلمين ومعلمين، رواداً لحقول معرفية شتى ومرتادين، وعندما خرج المسلمون من الاندلس خرج اليهود معهم وتوزعوا على العواصم العربية، من الرباط الى القاهرة ودمشق وبغداد، واسطنبول، مسهمين في ادارتها وحركتها ودورة انتاجها واقتصادها، ولم يحدث المنعطف الحاد في هذا النمط من العلاقة القائمة على التكافؤ التوحيدي، والمعرفي (اهل كتاب) الا عندما دخل الغرب على السياق ليكسره، وفي اللحظة التي تفاقم فيها شعوره بالذنب تجاه اليهود اراد ان يعوض عليهم وان يعطي فسحة لضميره المتعب، فوضعهم في دائرة الذنب الذي عاد فأنتج عقدته التي تعود لتنتجه في آخر صوره في قانا والجليل والصور اليومية في شوارع القدس وازقتها وفي بيت لحم ونابلس ورام الله ليسطروا صفحات ظاهرها سادية مضمونها مازوخية مدمرة للذات والاخر معاً، وللذات في نهاية المطاف دون الاخر. لقد وصلت العقدة عند ماركس- «يهودي وان ألحد» على رأي بن غوريون- إلى حد انه لم ير مجالاً لتحرر اليهودي الا بتحريره من يهوديته, وكانت هذه الوصفة استحالة اخرى من استحالات الماركسية الكثيرة.. اما العلاج الذي يمكن الشغل عليه فهو تحرير اليهود من الصهيونية باعاداتهم إلى الابراهيمية، من القطيعة إلى الحوار.
والا فأن الخوف الحقيقي عليهم كما هو منهم، رغم كل مظاهر القوة البادية والتي تختزن ضعفاً بالغاً، وهي نسبية على كل حال وغير مطلقة.
براءة "الذئب" من دم ابن يعقوب
بقلم: عدلي صادق – الحياة
ما زلت أصر على أن "حماس" بريئة من دم إخوتنا المصريين، باعتبارها حركة فلسطينية لا ينضوي تحت رايتها سوى شبان فلسطينيين، ويقودها فلسطينيون، لكل واحد منهم علاقته الوجدانية الخاصة بالمجتمع المصري، فضلاً عن أواصر النسب والمصاهرة مع مصريين. فلمصر في قلب كل فلسطيني مهابتها وحصانتها. ونضع هذه الحقيقة، بصرف النظر عن رؤيتنا لـ "حماس" في مسائل أخرى، ورؤية من يميلون من بيننا لاتهامها، وهم ممن يرونها ذئباً.
في ذروة أيام "كامب ديفيد" التي كسرت ظهرورنا عندما كسرت معادلة الصراع، وكان المعنيون وقتها بالمساس بوضع مصر الداخلي أقوياء، تناسوا تناقضاتهم وركزوا على حكم "السادات" وكانوا أصحاب مصلحة في زعزعته؛ لم يعثروا على العنصر الفلسطيني الذي يفجر قنبلة تصيب أياً من إخوته المصريين، سواء كانوا جنوداً أو عابري سبيل. فمن الصعوبة بمكان، أن يقتنع فلسطيني منتم لحركة سياسية ونضالية، بسفك دم أخ مصري، لأن في هذا الفعل الشائن، انحطاطا دينيا ووطنيا وقوميا. أما إن كان هناك أفراد، اجتذبتهم السلفية الجهادية في مصر، فإن لهذا تعليلا آخر، لا علاقة له بوجدان شعب، مثلما لا علاقة لمن يمارسون تفجيرات إرهابية في مصر، وهم أشخاص مصريون، بوجدان شعبهم. ثم إن حكاية التطرف والتأخون، كلها اختراعات نشأت ونمت وترعرعت في البيئة المصرية، وقام عليها مصريون، وهنا لا علاقة لأمرهم بوجدان شعبهم!
في هامش هذه القناعة، لا ننكر أن هناك طرفين إعلاميين، يغذيان سوء الفهم هذا ويعكران المياه الصافية، إذ يفتحان المجال لأن يشيطن واحدهما الآخر، لتنطلي الخديعة على البسطاء من الشعبين المصري والفلسطيني. إعلام "حماس" معطوفاً على إعلام "الإخوان" يهاجم القائمين على الأمر في مصر، وينحاز لطرف، بينما الطرف له مشكلة تتداعى في البلاد، ولأن الدم يسيل وبالتالي فإن الأمور تتعقد والمسألة تتحول الى معركة مصيرية بالنسبة للدولة في مصر. وإعلام مصر الخاص وشبه الرسمي يروي الحكايات عن الهجوم الحمساوي تلو الهجوم، وعن المتفجرة تلو الأخرى، مستهدفاً الجيش وأجهزة الأمن، وهذا يجافي الحقيقة. وأعرف شاباً كان عائدا من غزة لدراسته مع زميل له، فوجئ بعد عودته، بجريدة "الوطن" المصرية الخاصة، تنشر أنه ضُبط ومعه صواريخ حمساوية وأنه اعترف وأحيل للنيابة. كانت قوات الأمن المصرية قد استوقفته اثناء مروره بسيناء لعدة ساعات. اتصل الشاب بجريدة "الوطن" وقال للمحرر المسؤول، هأنذا بين يديك، إن كنت فعلاً حملت صاروخاً، فلك أن تسلمني لأجهزة الأمن، لكنني الآن في شقة السكن أطالع برنامج دراستي ولست مفخخاً ولا متقنبلاً ولا معروضاً على النيابة، وإن كنت مقتنعاً بأن لا علاقة لي بمثل هذه المسائل، فأرجو منك مجرد التصحيح دون الاعتذار. هنا، تذرع المحرر المسؤول بالقوات المسلحة، وقال إنني لا أستطيع نفي بيان لها. وفي الواقع لم يكن ثمة بيان للقوات المسلحة في شأن الشاب ومن كان معه. وعندما دقق محسوبكم في الموضوع، بحسه الإعلامي، التقط أصل العلة، وهو أن بعض مراسلي الصحف ووسائل الإعلام، شبان من أهل سيناء، سألت عنهم في بيئتهم الاجتماعية، فإذا هم سليلو عائلات "صديقة" لكوهين أيام احتلال سيناء. وهؤلاء معنيون بجعل الشعب الفلسطيني شيطاناً رجيماً، ويعرفون، مثلما يعرف معلموهم الكبار، أن الحكاية تكون متعلقة بـ "حماس" حصراً، لكنها في تأثيرها الإعلامي وفي محمولات رسالتها، تؤدي الغرض الذي يريدون، وهو أن الشعب الفلسطيني عدو للشعب المصري. ولا أريد هنا، أن أقدم مثالاً آخر، لكنني أتمنى على إخوتنا القائمين على الأمر في مصر، أن لا يأخذوا بهذه الدسائس، وأن لا تختلط عليهم الأوراق. فالفلسطينيون، بمن فيهم منتسبو "حماس" عميقو الوفاء لمصر الدولة والمجتمع والشارع والثقافة والتاريخ!
أما موضوع الإعلام الحمساوي المناوئ لثورة 30/6/2013 وللتغيير في 3/7/2013 فإنه يمثل بالنسبة للشق الفلسطيني من المعادلة سبباً لتسهيل الاتهام الجزافي، وهنا يكمن خطأ "حماس" الذي لا يبرره الارتباط الشرطي بين الحركة و"الجماعة" في المنطقة. فمن خلال نظرة سريعة على أوضاع ومواقف الحلقات الأخرى من "الإخوان" في المنطقة؛ سنلاحظ أنها كلها تمارس ترفاً للحفاظ على صدقيتها أمام قواعدها ومحازبيها، فتهادم الحكم الراهن في مصر، لكنها ليست مسؤولة عن شيء في بلدانها. أما "حماس" فهي تتحمل المسؤولية عن منفذ وحيد للمجتمع الفلسطيني في غزة في ظروف إنسانية عسيرة، وهي في العموم، جزء من المشهد الفلسطيني قاطبةً، إن لم يكن بالمسؤولية المباشرة، فإنه بمعايير واحتمالات التأويل الذي يفاقم محنة الشعب الفلسطيني في الإقليم العربي القاعدة وهو مصر. حتى "إخوان" سوريا، لأنهم لا يريدون أن يخسروا موقف الدولة المصرية الإيجابي من حقوق شعبهم، امتنعوا عن الكلام. فليس ثمة حسبة عقلانية يمكن أن تؤسس "حماس" عليها موقفها الإعلامي!
خطأ الدولة المصرية، الذي لا تبرره تأثيرات الإعلام السلبية على الرأي العام في مصر؛ أنها بالقول وبالممارسة، لم تعلن موقفاً يضع الأمور في نصابها. فالمعبر ما زال مغلقاً، وهذا عنوان الموقف. والدولة تعرف أن "حماس" لا تهاجمها في أمنها، ولا تستطيع أن تزعزع استقرارها، فضلاً عن كونها لا ترغب في دخول هكذا مقامرة!
اسرائيل اخطر من تحرض على نفسها
بقلم: يحيى رباح – الحياة
في ظل الائتلاف الحكومي الاسرائيلي, الذي يقف على رأسه نتنياهو, فان اسرائيل ليست بحاجة الى من يكشف وجهها القبيح, أو يعرض وقائع شذوذ احتلالها لشعب عريق مناضل, أو يبين سقوط خرافاتها التي قامت عليها وها هي الخرافات والأساطير تنهار مثل قصور الاوهام أو قصور الرمال ولا يبقى سوى العربدة المجنونة ولصوص الاستيطان غير الشرعي وتكرار الكذبة التاريخية بان اسرائيل تستطيع ان تعيش ضد التاريخ, وضد الجغرافيا, وضد القانون الدولي والانساني, وضد مصالح الجميع.
قبل ايام سقطت اسرائيل في اختبار جديد, حين تحدث رئيس البرلمان الاوروبي في الكنيست الاسرائيلي, لم يكن الحديث مفاجئا, ولم يكن رجما في الغيب, بل كان حديثا تدعمه كل التقارير الدولية عن الانتهاكات التي تقوم بها اسرائيل يوميا ضد الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه وفي حقوله ومصانعه وفي الطرق التي يسلكها التلاميذ الصغار وهم ذاهبون الى مدارسهم, فيتخطفهم الرصاص وقطعان المستوطنين الذين يعدمون الاشجار الخضراء, ويهددون الفلسطينيين بدفع الثمن لأنهم يجيدون فن البقاء صامدين في وطنهم ودولتهم التي اقرتها لهم كل قرارات الشرعية الدولية.
ويتشنج عدد كبير من اعضاء الكنيست من حديث الضيف الاوروبي, وانتفض وزير الاقتصاد الاسرائيلي, وكان المشهد صارخا بلا رتوش, فهذه هي القيادة الاسرائلية التي لا تطيق كلمة ولا تحتمل اي جرعة من الحقيقة, تريد ان تظل هي وحدها القاضي والجلاد, المجرم والشاهد الوحيد, ولكن هذا الحادث الدبلوماسي الكبير الذي استلزم من اسرائيل اعتذارات حارة, ووساطات كثيرة, وتفسيرات متعددة في بروكسل, لم يكن سوى حادث واحد من مسلسل طويل.
الحكومة الاسرائيلية الآن بقيادة نتنياهو, تركب موجة عالية جدا من التطرف والعنف والعربدة والاستفزاز, يغذيها الوضع العربي فتندفع اكثر وتتنافس قيادتها دون تعقل الى حد المزايدة على بعضها, وتستحضر ذاكرتها الاولى في مرحلة العصابات قبل الدولة, وهذه القيادة الاسرائيلية الحالية مصابة بالذعر من فكرة السلام ومن فكرة الدولة الفلسطينية, فتطرح خيارات تعجيزية ولا يكاد يظهر اي ضوء في نهاية هذا النفق المسكون باشباح العدوان والحقد والجنون .
ماذا نفعل نحن الذين في قلب الاشتباك وفي مواجهة الموجة العاتية وامام انفلات العربدة الاسرائيلية؟ يجب ان نكسر هذه الموجة, وان نكون جاهزين سياسيا لامتلاك البدائل, والسيطرة عللى لحظة الاختناق, وامتلاك القدرة على تعزيز علاقتنا الناجحة مع العالم لطرح الخيارات الافضل, وعدم الارتداد الى الخلف بتسعير خلافاتنا الداخلية المعتادة, فمن الطبيعي ان يكون بيننا خلافات داخلية سواء في فتح او في المنظومة الوطنية كلها, ولكن من الخطيئة الان ان تكون هذه الخلافات المعتادة هي اول الاولويات.
يجب ان نكسر هذه الموجة العاتية من التطرف والعدوان والعنصرية التي تركبها القيادة الاسرائيلية, ولدينا نجاحات كبيرة بصوابية مواقفنا التي يتبناها العالم, ويجب ان نستمر في نفس الاتجاه, وعدم الانزلاق الى الشقوق والزواريب الداخلية التي تبعدنا او تؤخرنا عن عبقرية الهدف.
خـــــــــدعــة وخـــديـــعـــة
بقلم: بهاء رحال – الحياة
حدثني العم صالح هذا الصباح قائلاً: لا أخشى من الاعتراف بيهودية الدولة فقط، بل ما أخشاه أكثر هو ما بعد هذا الاعتراف اذا حصل فإنهم لن يكتفوا بذلك وسوف يطلبون منا ما هو أكثر كأن نشهد لهم مثلاً أنهم أبناء سارة ونحن أبناء هاجر وأن أمنا كانت خادمة لسيدتها وأن نوافق على روايتهم ونعترف لهم بها وحينها سيقولون لنا أنتم أبناء الخادمة والخادمة لاترث ولا تورث ويبتدعون من الخرافات حينها ما لا يعد ولا يحصى، هنا توقف الحديث لحظة ثم اتسع الى ما هو أبعد في اطار الحديث عن دوافع اسرائيل فيما تسعى لتحقيقه من وراء هذه المطالبة التي خرجت بها والتي لم تأت محض صدفة ولم تكن عابرة كما يرى البعض وهي ليست الا خدعة تريد حكومة نتنياهو ايقاع الشعب الفلسطيني وقيادته بها، وإلا فما الحاجة لمطالبتنا بهذا الاعتراف والإصرار عليه ووضعه كشرط مسبق لأي تفاهم، والحقيقة واضحة ولا تحتاج للكثير من التحليلات فهم يدركون في أعماق أعماقهم أننا نحن أصحاب الأرض الحقيقيين وأننا ولدنا هنا قبلهم بالاف السنين وان وجودهم ليس له اي حق وانهم فقط امام العالم وامام التاريخ قوة احتلال عابر لا اكثر ولا أقل، لهذا فهم يريدون منا أخذ شرعية لوجودهم تحميهم وتمنحهم حقاً لا حق لهم فيه من أصحاب الحق الاصليين، ليتسنى لهم بعد ذلك التفرغ الى ما هو أخطر وأبعد من الاعتراف فقط.
الاعتراف بيهودية الدولة فكرة مبنية على التطرف الذي يتعدى حدود العنصرية بكثير، الأمر الذي نرفضه وترفضه معنا كل الشعوب الحرة في العالم وتقبله أميركا وتسعى للضغط على القيادة للقبول به بشتى الطرق والوسائل، وهي تتماشى مع موقف الحكومة الاسرائيلية وتتماهى تماماً عبر محاولات كيري النجاح في انتزاع هذا الاعتراف سواء بطريقة مباشرة او بالتحايل بطرق غير مباشرة وعلى كلتا الحالتين فإن هذا الاعتراف لا يمكن القبول به ولا يمكن أن يكون وسيبقى فقط وهماً يحاول الاحتلال الحصول عليه حتى يأتي اليوم الذي يتبدد فيه هذا الوهم ويتبعثر، وحتى ذلك اليوم لا بد من اليقظة والحذر والاستعداد لأي مواجهة ينوي الاحتلال افتعالها في المستقبل القريب وها هو يزيد من اعتداءاته المستمرة على القدس والمسجد الاقصى وفي البلدة القديمة ويعطي الضوء الأخضر لعصاباته لتدنيس المدينة المقدسة ويتطاول في ممارساته اليومية بهدف تهويد المدينة المقدسة مستفيداً من تشرذم الموقف العربي ومن حالة الانقسام الفلسطيني الحاصل الذي هو أخطر نقاط ضعفنا.