أقلام وآراء

(518)

ــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

درس فتح من صفقة شليط

بقلم: عكيفا الدار عن هآرتس

بفضل الأمل

بقلم: يوسي بيلين عن اسرائيل اليوم

الصباح التالي

بقلم: ناحوم برنياع عن يديعوت أحرونوت

البطل الأكثر مناهضة للبطولة

بقلم: بن كاسبيت عن معاريف

مخاطر الهجوم على ايران

بقلم: أسرة التحرير عن هآرتس

درس فتح من صفقة شليط

بقلم: عكيفا الدار عن هآرتس

من السهل ان نُخمن ما الذي سيخطر ببال أبناء عائلة أسير فلسطيني بقي في السجن، حينما يشاهدون رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (وسارة؟) يتشرف بأول احتضان لجلعاد شليط (لماذا لا يكون الوالدان؟)، ويسمعون صيحات فرح الجيران الذين عاد ابنهم الى البيت؛ لماذا، بدل التجول في العالم وقضاء اوقات في الفنادق، لا يختطف الضعفاء في المقاطعة جنديا اسرائيليا مثل حماس يستبدلون به ابنهم؟ فهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الاسرائيليون. من المؤكد ان عائلات الأسرى القدماء تتذكر كيف ينظر بيبي الى تحرير أعزائها، حينما لا تحتجز منظمتهم رهينة اسرائيليا ولا تشمل الصفقة ميلودراما مغطاة اعلاميا كما ينبغي.

في يوم الاحد القادم سيكون قد مر 13 عاما على اتفاق واي، الذي يحمل توقيع رئيس الحكومة نتنياهو (في الولاية الاولى)، وزعيم م.ت.ف آنذاك ياسر عرفات، والذي كان رئيس الولايات المتحدة، بيل كلينتون. كان الاتفاق يرمي الى بدء فصل جديد في العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين مشتملا على نقل اراض اخرى الى سيطرة السلطة وبدء التفاوض في التسوية الدائمة. وبطلب من نتنياهو، استقر الرأي آنذاك على انشاء لجنة ثلاثية لمنع التحريض (يتجاهل نتنياهو مدة شهور طويلة اقتراح الرئيس محمود عباس تجديد نشاطها). ولتحسين الجو في المناطق ولتجنيد تأييد من الجمهور، طلب عرفات ان تحرر اسرائيل عدة مئات من المخربين كانوا سجناء في اسرائيل. 'أنا نفسي أمرت هؤلاء الناس بتنفيذ عملياتهم'، قال، 'فليس من المقبول في الرأي ان أجلس هنا قربكم وأن نتصافح في حين يذوي هؤلاء الناس في السجن'.

وبعد مساومة طويلة، وافق نتنياهو على اطلاق سراح 450 أسيرا. وافترض الفلسطينيون انه من المفهوم ضمنا ان الحديث عن أسرى امنيين ولا سيما اولئك الذين قضوا سنوات سجن طويلة. وكانوا على ثقة من ان معايير اطلاق سراح الأسرى التي حُددت في الاتفاق البيني نافذة الفعل في الاتفاق الجديد. 'لم يخطر ببالنا ان تشتمل قائمة المحررين في الأساس على لصوص سيارات، ومغتصبين، وماكثين غير قانونيين وأشباههم من الجُناة'، قال أمس هشام عبد الرازق الذي كان آنذاك وزير شؤون الأسرى. كان الغضب على كبار مسؤولي السلطة فقط أشد من الغضب على حكومة اسرائيل. فقد رمى متظاهرون بيت عباس بالحجارة ونشبت أحداث شغب في السجون الامنية. وأصر نتنياهو الذي حظي كما هي الحال دائما بدعم المنسق الامريكي دنيس روس، أصر على موقفه.

'من المؤسف جدا انه يُحتاج الى اختطاف جندي واحتجازه سنين في الخفاء لاحراز اطلاق رفاقنا من شرقي القدس واسرائيل'، يقول عبد الرازق، 'يحسن ان تفهموا ان التخلي عنهم بالنسبة إلينا ليس أقل من خيانة رفاق الطريق'. برغم ان صفقة شليط يُنسب فضلها الى حماس، يؤكد عبد الرازق أنه يشارك الأسرى المحررين فرحتهم. وسيكون فرحه أتم، يضيف فورا نشيط معسكر السلام الفلسطيني، اذا أشركت اسرائيل الرئيس محمود عباس في اختيار الأسرى الـ 550 الذين سيُطلقون في المرحلة التالية من صفقة شليط، ويمكن ان نرتب ايضا لبيبي احتضانا مع عباس.

مباشرة من خشبة القفز

ان استقرار رأي نتنياهو على انشاء فريق للفحص عن سبل لترخيص البؤر الاستيطانية والمستوطنات التي أُنشئت على اراض خاصة لفلسطينيين، يُذكر بالطرفة عن المنقذ الذي وبخ رجلا تبول في البركة. وأجاب الرجل: 'لكن الجميع يفعلون هذا'، فأجاب المنقذ صارخا: 'لا من خشبة القفز'. يصف تقرير جديد كتبه زيف شتيهل من قسم البحث في منظمة 'يوجد حكم'، يصف

طريقة إغماض العين المتواصل من السلطات والترخيص الصامت لمخالفات البناء والسيطرة الزراعية التي ترمي الى توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية. ويتم ذلك في حالات غير قليلة مع سلب اراض فلسطينية خاصة.

في مباحثة تمت في كانون الثاني الاخير في استئناف على بناء خمسة مساكن في مستوطنة بيت إيل، على ارض فلسطيني، قالت رئيسة المحكمة العليا دوريت بينيش: 'نحن نجلس كثيرا على ملفات كهذه، ومن جميع التصريحات عن ترتيبات أفضليات فرض القانون، لم نر انه يوجد تطبيق أوامر في أية قضية. لا توجد أية أفضلية لأنه لا يتم تنفيذ شيء'.

ولم تدقق بينيش اجل ان سلطات فرض القانون لا تنفذ شيئا لكن المستوطنين يستغلون الموافقة الصامتة للسلطات وعجز الدولة استغلالا بعيدا، لتنفيذ اعمال جديدة على الارض.

فعلى سبيل المثال توجه فلسطينيون من قرية عين يبرود الى النيابة العامة طالبين تنفيذ أوامر هدم تسعة بيوت في عوفرا بنيت على اراضيهم، وتنفيذ أمر بيني يأمر بوقف الاعمال ويمنع استعمال المباني. وزعم ممثلو الدولة ان الامر يتناول المدعى عليهم في الاستئناف فقط وزير الدفاع وقائد منطقة المركز ورئيس الادارة المدنية. وعلى حسب تفسير النيابة العامة فان كل شخص (يهودي بالطبع) اذا استثنينا الاشخاص الثلاثة المذكورين آنفا، يستطيع ان يفعل في المباني ما شاء له هواه، واستغل المستوطنون هذا التفسير العجيب لسكنى المِلك المغتصب.

تُستغل طلبات تأجيل مكررة للنيابة العامة هي ايضا لاقرار حقائق جديدة على الارض. فعلى سبيل المثال، في الاستئناف الذي قدمته 'سلام الآن' في ايلول 2005 طالبة أمر الدولة بتنفيذ أوامر هدم صدرت في عدد من المباني في البؤرتين الاستيطانيتين حورشا وهيوفيل، أُجيبت المحكمة العليا عما لا يقل عن 25 طلبا من الدولة بتأجيل موعد تقديم الأجوبة من قبلها. تريد الدولة ان ترخص البناء حينما يحين الوقت. هل يمكن ان يكون موعد نشر القرار على تعيين اللجنة الجديدة عشية نشر صفقة شليط يرمي الى ان يحظى باذن اليمين باطلاق الأسرى الفلسطينيين؟.

بفضل الأمل

بقلم: يوسي بيلين عن اسرائيل اليوم

1. محظور اليأس. غير مرة في السنوات الخمسة والنصف استرق إلينا اليأس. سألت نفسي ماذا يقول لنفسيهما نوعام وأفيفا. هل هما مقتنعان بأنهما سيريان ابنهما؟ وغير مرة تذكرت: هذا بالضبط ما فعلناه سنوات على سنوات في مسعى تحرير رون اراد؛ الموضوع كان عاليا في قائمة مواضيع الحديث مع الرؤساء، رؤساء الوزراء ووزراء الخارجية. كلهم تعاملوا مع الموضوع بجدية كبيرة ووعدوا بالمساعدة. في مرحلة معينة اعتقدنا اننا نؤدي دورنا بلا أمل حقيقي في ان يحصل شيء.

أتذكر في أحاديث مشتركة مع نوعام في خارج البلاد، رئيس الصليب الأحمر، يعقوب كلونبرغ، حين رفع يديه بعد أن تبين له انه لن يسمح لمندوب من منظمته بزيارة جلعاد. أتذكر مساعي وزير الخارجية النرويجي، يوناس ستاور ومساعي ممثله، سوان سابيا، للحصول على شريط صوتي أول. المحادثات مع جيمي كارتر، المحادثات مع وزير المخابرات المصرية السابق، عمر سليمان، والتي وصف لي فيها، منذ أكثر من ثلاث سنوات الصيغة الدقيقة للتبادل الذي تم هذا الأسبوع. المسافة عن اليأس لم تكن واسعة، والعناد فعل فعله.

2. في نهاية المطاف كان من حقق الأمر هما الوالدان. بالطبع ـ محظور حرمان الآخرين من دورهم الهام: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المحافل المختلفة في جهاز الأمن ممن عملوا على ذلك لسنوات، الدول التي ساعدت، وبالأساس ألمانيا ومصر، وسائل الإعلام التي أدت دورا هاما في الكفاح الجماهيري، ألاف الأشخاص الذين تظاهروا، وواظبوا وتكبدوا العناء.

ولكن إذا ما سأل جلعاد من حقاً حرره؟ سيتعين على أحدا ما أن يقول له إنهما اثنان، مجهولان، في لحظة انقطعت حياتهما العادية، وبغير إرادتهما تماماً، وخلافاً لطبيعتهما وجداً نفسيهما يتحدثان ويخطبان، ينزلان في خيمة ويتظاهران، ويقضيان أيامهما ولياليهما في سبيل شيء واحد.

لو أنهما اكتفيا باللقاءات مع الجهات المسؤولة عن مساعي التحرير، لو أنصتا للزعماء، لكان بوسعهما أن يتلقيا الحجة غير الكاذبة بأن «الدولة تفعل كل ما تستطيع كي تحرر جلعاد». الدولة بالفعل قامت بشقلبات في الهواء في عدة مجالات كي تعيد جلعاد. ومن كان مسؤولاً عن تحقيق هذا الهدف يشعر بالفعل بأن الجهود هائلة، وليست كل دولة كانت ستبذل مثل هذه

الجهود. ولكنهما، الاثنان، عرفا جيداً بأنه من أجل تحريره يجب اتخاذ قرار واحد آخر، أصعب القرارات، والذي لم يتخذ منذ سنوات. لم يكن لجلعاد أي فرصة للتحرير دون قرارهما بأن يوقفا حياتهما إلى أن يرياه.

3. زعماء ذوو مسؤولية وطنية لا يمكنهم إلا ان يغيروا مواقفهم السابقة. أوباما لا يغلق غوانتمانو؛ شارون فهم بأن نتساريم ليست تل أبيب، بيغن فهم بأن لا معنى لشراء بيت في سيناء. القرار بعدم القيام بعمل ما اقتنعت بأهميته، فقط لأنك لا تريد أن ينتقدوك، أو يقتبسوا جملة من كتابك، هو قرار ذاتي وعديم المسؤولية الوطنية.

4. لا معنى للتعهد الرسمي من الأسرى المحررين بعدم العودة إلى الإرهاب. تجربة الماضي تقول أن بعضهم سيعود إلى استخدام العنف. هذه ليست مسألة إحصائية. حتى لو كان لا يدور الحديث عن 60 في المائة بل عن 5 في المائة ـ فإن الضرر الذي قد يلحقوه، لا سمح الله، كبير جداً.

ولكن يكاد يكون كل المحررين ينتمون إلى المنظمات الفلسطينية، ولن يعملوا إلا إذا قررت المنظمات العمل. في وضع الهدنة، كتلك القائمة، عمليا، مع حماس، والتهدئة القائمة مع م.ت.ف ليسوا أناساً خطرين. في وضع المواجهة، بعضهم سيكون خطيراً مثل كثيرين آخرين أكثر شباباً ونجاعة منهم. قسم آخر منهم ـ ممن تعلم العبرية في السجن، استغل الوقت للثقافة ولمعرفة الطرف الأخر على نحو أفضل ـ كفيل بأن ينضم إلى جيل سابق من السجناء السابقين الذين أصبحوا الزعامة البرغماتية لـ م.ت.ف ويؤمنون بأن السلام مع إسرائيل هو مصلحة وطنية فلسطينية.

5. واضح بأن من يرغب في أن يرسم خطا، بعد تحرير شاليت، ويقول أن من الآن فصاعداً ستتصرف إسرائيل بشكل مختلف في موضوع تحرير المخطوفين، فإنه يفعل شيئاً صبيانياً، سواء أردنا أم لا، نشأت هنا عادة، في بعضها سابقة، بالنسبة لحجم المحررين وفي سياق شدة الجرائم التي ارتكبوها. موضوع «دم على الأيدي» مثلاً سيسقط من جدول الأعمال في التحريرات المستقبلية. يدور الحديث هذه المرة بحاويات دم وليس بقطرات. السؤال يمكن أن يكون مستوى الخطر وليس شدة الجريمة، وكذا مستوى الخطر ليس مسألة علمية. استنتاجات لجنة شمغار يمكن على ما يبدو، تخزينها حتى قبل أن تنشر.

6. على هذه الخلفية بالذات من المهم المسارعة إلى تخطيط خطوة تحرير سجناء لا تنبع من ابتزاز وتضم أساساً سجناء فتح. على إسرائيل أن تثبت بأن تحرير السجناء الفلسطينيين لا يكون فقط نتيجة لاختطاف إسرائيليين. من المهم أيضاً التوازن في التفوق الكبير لتحرير أكثر من ألف سجين فلسطيني الممنوح لحماس، والإظهار بأن ليس العنف وحده هو المجدي بل والتنسيق الأمني معنا أيضاً.

7. إذا كان موضوع تحرير السجناء حتى الآن مشكلة احتمالية كامنة في سياق الاتفاق الدائم الإسرائيلي ـ الفلسطيني، واضح اليوم أن هذا العائق قد زال. إذا كان هذا هو الثمن الذي وافقت إسرائيل على دفعه لقاء جندي واحد، فلا يوجد أي احتمال إلا يوقع اتفاق السلام بسبب عدم الموافقة على تحرير هذا السجين أو ذاك. مهما كانت مؤبداته المتراكمة.

8. عدم تحرير مروان البرغوثي يعرض كانجاز إسرائيلي. هذا خطأ إسرائيلي وانجاز لحماس. حماس أثبتت بأنها كافحت في سبيل تحريره، ولكن في عدم تحريره تؤجل الدخول إلى الساحة لخصم ذي قدرة سياسية وعطف جماهيري واسع ليس لأي واحد آخر في أوساط الخلفاء المحتملين لعباس. في الانتخابات القادمة لرئاسة السلطة، والتي لن يشارك فيها عباس، سيشارك البرغوثي من السجن. احتمالات انتخاباته كبيرة جداً. بعد أن ينتخب سيمارس على إسرائيل ضغط من جانب العالم لتحرر من السجن الرئيس المنتخب، وتحت هذا الضغط سيتعين عليها أن تفعل ذلك. وكي لا تدخل في هذا الشرك، من الأفضل أن تحرره في أقرب وقت ممكن.

9. حماس هي عنوان يمكن الحديث معه. حماس لا تطلب خوض مفاوضات سلام معنا، والعنوان الفلسطيني كان ولا يزال م.ت.ف قيادة محمود عباس. ولكن حماس تسيطر في غزة، وهي تنجح على نحو كبير، في وقت نار الصواريخ من قطاع غزة على إسرائيل، وهي قادرة على أن تدير مفاوضات على تحرير شاليت وتنفيذ الاتفاق وحسب كل المؤشرات ستبقى في غزة لزمن طويل قادم.

إسرائيل لا يمكنها أن تواصل تجاهل حماس على مدى الزمن. لا مفر من الحديث معها والوصول إلى تفاهمات تسمح للطرفين بالتعايش بأمن أكبر وفتح الحدود لعبور البضائع إلى غزة دون تلك القيود التافهة التي أتاحت ازدهار صناعة الأنفاق.

10. في الصحافة الأجنبية يدور الحديث عن نافذة الفرص لشهرين لعمل إسرائيلي ضد إيران. الشتاء من شأنه أن يجعل النشاط الجوي صعباً فيما أن اتفاقاً بين إيران ومجموعة الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن من شأنه أيضاً أن يجعل صعبة مثل هذه العملية. في الصحافة الأجنبية يربطون بين تحرير شاليت وإمكانية عملية في إيران. ينبغي الأمل في أن يكون هذا إغراقاً في الخيال.

الصباح التالي

بقلم: ناحوم برنياع عن يديعوت أحرونوت

يستيقظ الإسرائيليون اليوم على الصباح التالي. إن الساعات التي قضوها أمس أمام التلفاز جعلتهم يتأثرون حتى البكاء. خفقت قلوبهم للإسرائيلي الشاب الذي انتقل أمام أعينهم من الظلام إلى نور عظيم، ومن طريق نهايتها الاختفاء أو الموت إلى خلاص كامل. شاهدوا معجزة، وولادة من جديد وتجربة شعورية تكاد تكون دينية. أجابت الصور على كل ما هو مهم في أعين الإسرائيليين: حب العائلة، وحب الجنود وحب الوطن. وأنا أُخمن أنهم استيقظوا في هذا الصباح في أكثرهم مع شعور طيب. لم يحبوا الجندي العائد إلى حضن عائلته فقط بل أنفسهم أيضاً. إن الحب شيء ايجابي وكذلك حب الذات. والسؤال إلى أين نمضي به.

اختار أهود باراك في خطبته القصيرة في تل نوف أن يقول إن جلعاد شاليت تبين أنه أكثر حكمة من الصحفيين الذين يستطلعون أحواله. ومن المؤسف انه لم يُتم جملته: فقد تبين أن جلعاد شاليت أكثر حكمة أيضاً من الساسة الذين جاءوا لاستقباله.

تصرف جلعاد بحكمة في صمته وتصرف بحكمة في كلامه. أن أجوبته في المقابلة القسرية التي أجراها مع التلفاز المصري قد صيغت بلا عيب فيها برغم الحرج وبرغم التعب وبرغم حضور آسريه في الغرفة، وبرغم الخوف الذي من المؤكد أنه كان كامناً فيه من أن تؤخر إجابات صادقة جداً مسار التحرير.

خسر وزناً في الأسر لكنه لم يخسر شيئاً من تقديره للأمور. وصفه أبناء عائلته وأصدقاؤه بأنه خجول وانطوائي. وقد ثبت لنا أمس مبلغ كون حيائه رائعاً ومبلغ كونه مؤثراً في القلب. وكأن الأسر قد جمد الزمان: فقد وقع في الأسر إذ كان في العشرين من عمره وبقي بجسمه وسلوكه فتى كابن العشرين.

يجب أن نأمل أن يكون نصيبه من العذاب قد انقضى. انه يستطيع أن يحصر اهتمامه الآن في التأهيل والعودة إلى مسار حياة عادية بعيداً عن الأضواء. كان مئات آلاف الإسرائيليين يودون لمسه والتقاط الصور معه والتهنئة والمباركة بعودته. ويحلم مئات الصحفيين بمقابلة صحفية حصرية ثانية للتلفاز المصري فقط. ويحسن أن يضبطوا أعصابهم.

تستطيع عائلة شاليت أن تغلق البسطة: ولا يستطيع جهاز الأمن. قيل الكثير في الأيام الأخيرة عن ثمن الصفقة وعدد المخربين الذين يعودون إلى الميدان ونوعهم، والإضرار بأجهزة أمن السلطة الفلسطينية والتعاون مع إسرائيل، والدرس الذي تعلمه للشارع الفلسطيني، والزخم الكبير الذي تمنحه لحماس في الضفة والخطوط الحمراء التي اجتازتها بإطلاق سراح قتلة كبار ومواطني إسرائيل. وبرغم كل هذه التكاليف، كانت الصفقة عادلة في الظروف التي نشأت.

بدل وعظ الجمهور مواعظ فارغة عن الأخلاق اليهودية الرائعة كان يجب على رئيس الحكومة ووزير الدفاع أن يقولا الحقيقة للشعب أمس وهي أن الردع الإسرائيلي أُصيب. أن مهمتنا التالية هي إعادة بنائه. وإذا لم يكونا هما فليكن رئيس الأركان فالردع جزء من عمله.

إعوج شيء ما أساسي في طريقة رؤية الشارع الإسرائيلي لجنود الجيش الإسرائيلي. وقد بدأ هذا برسائل منظمة «أربع أمهات»، التي نشأت على أثر كارثة المروحيات وربما قبلها. وقد كان طلب المنظمة الخروج من لبنان عدلاً وكان التعليل مرفوضاً: فقد قالت في واقع الأمر أن حياة الجنود أقدس من حياة المواطنين وان حياة الجنود تقف فوق كل شيء فهم أبناء، ولا يجوز تعريضهم لخطر. وهكذا أصبحت الخدمة القتالية في الجيش تمثيلية في تلفاز.

ليس الحديث عن قضية نظرية: فقد أفضى قلب القيم إلى بعض الأخطاء التي وقعت في حرب لبنان الثانية وضاءل جداً انجازات عملية «الرصاص المصبوب». لم يكن الامتحان الأعلى في العمليتين هو شل العدو أو حماية الجبهة الداخلية بل مضاءلة عدد الخسائر في الجيش الإسرائيلي. والمهمة ـ وكان هذا هو التوقع الذي أثاره الشارع وبلغ إلى الكرياه في تل أبيب ـ يمكن أن يتم تأخيرها، لكن الشيء الأساسي هو أن تعود قواتنا إلى البيت بسلام. هكذا ينتصرون في السياسة لا في الحرب.

إن الحملة الدعائية من أجل جلعاد شاليت زادت هذا المزاج العام عمقاً ولم يكن هذا هو القصد لكن هكذا كانت النتيجة. إن امتحان المجتمع الإسرائيلي في الصباح التالي هو أن يتخلص من الاتجاه المدلل وان يعاود نظام قيم صحيحا.

كان نتنياهو يستطيع أن يجابه التحدي: فهذه هي القيم التي دعا إليها في الماضي والخطابة التي تبناها. وهو يستطيع لكنه لا يريد. خشيت عشية مجيء شاليت أن يسيطر على الحادثة في تل نوف من أجل صورة تأتيه بأصوات انتخابية. وأخطأت فلم تكن صورة واحدة بل صور كثيرة. فنتنياهو قرب الكبش، ونتنياهو يحتضن، ونتنياهو يقود شاليت إلى والديه، ونتنياهو يغطي بجسمه على اللقاء العائلي. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي اخطأ حينما منح جلعاد شاليت رتبة مساعد. كان يجب عليه أن يمنحها لنتنياهو.

البطل الأكثر مناهضة للبطولة

بقلم: بن كاسبيت عن معاريف

ليس هناك من لم يرغب في معانقتك أمس، يا جلعاد. كنت تبدو كقط صغير مبلل، منتفض، مجوع، في ليل عاصف مظلم. انتزعت الدموع منا جميعا أمس يا جلعاد، من أولئك الذين أيدوا صفقة تحريرك ومن أولئك الذين لم يؤيدوها، مثلي. إذ في النهاية نحن بنو بشر، في صدورنا جميعنا يخفق قلب إنساني، ونحن جميعنا نعرف كيف نشخص لحظة إنسانية تقبض الأنفاس حين نلتقي بها. يوم أمس، كله، كان لحظة كهذه. نفوسنا ارتعدت أمس مع صوتك، نفسنا ثقيل مع نفسك. وبالفعل، كم خير أنك جئت إلى الديار.

قبل أكثر من خمس سنوات انتزعت من دبابتك في ظلمة الليل واختفيت في القبو. ذهبت عنا كرجل فريق دبابة مجهول. وأنت تعود، ليس بذنبك، كعظيم. الفائز الأكبر في «نجاة غزة». عندما ذهبت كان يعرفك رفاقك في فريق الدبابة، رفاقك في السرية، وأهالي متسبيه هيلا. أما اليوم وأنت تعود فإن صورتك تبرز من مئات اليافطات في أرجاء البلاد. اسمك على كل لسان. زعماء أجانب يطالبون بسلامتك، مؤثرون عالميون يعنون بك، ونحن، نحن فجأة نعرف بالضبط أين تقع متسبيه هيلا. البلدة الصغيرة هذه، النائية، أصبحت هدفاً محصنا، جادة روتشيلد في الجليل.

أتخيل أن مستوى الاستقبال الذي انتظرك أمس يا جلعاد، فاجأك قليلاً. ولعلك سألت نفسك إذا كنت قد حررت المبكى لتوك؛ أو فزت بجائزة نوبل؛ أو أقنعت حماس الاعتراف بإسرائيل ونزع سلاحها طواعية. لا، كل هذا لم يحصل، لو أنك لا سمح الله قتلت في الدبابة في تلك الليلة إلى جانب رفيقيك حنان باراك وفابل سلوتسكر، وكان وصل إلى متسبيه هيلا مندوبان عن ضابط المدينة، إلى جانب خبير نفسي ليبلغون ذويك. وكان سينشر إعلان صغير عنك في الصحف وكنت ستذوي عن الواقع الجماهيري. ولكن كونك لم تقتل بل مجرد انتزعت من الدبابة وجررت إلى داخل غزة، استقبلك أمس رئيس الوزراء، وزير الدفاع وما لا يقل عن ثلاثة جنرالات.

هكذا نحن، يا جلعاد، لا يوجد توازن. لا يوجد هنا ضبط للنفس. لا يوجد طريق وسط. الاستقبال على شرفك أمس هو النقيض التام لطبيعتك، تواضع وانطواء عائلتك. أي هوة فغرت أمس فاها بين شخصيتك الهشة وبين محبي المتعة ممن أحاطوا بك في الطريق من المروحية إلى أمك. كلهم تمسكوا أمس بأطرافك، كلهم حاولوا أن يقتطعوا لأنفسهم بعضاً من المجد، مجد الاستسلام للإرهاب. وتركزت الكاميرا في الجانب الطيب لرئيس الوزراء عندما أديت التحية له. هذا ليس بالضرورة هو جانبك الطيب، إذ انك أنت بعد خمس سنوات ونصف في القبو، ليس لك جانب طيب الآن، ونأمل أن يكون.

يثور الانطباع يا جلعاد بأنك شاب مثقف، شجاع، وبالأساس متواضع، ليتني أستطيع أن انقطع في السنوات القريبة القادمة عن وسائل الإعلام، إلا اقرأ الصحف وألا أشعل التلفزيون وذلك لأن الضوء الذي يغمرك الآن، هذا الضوء مضلل من شأنه أن يحرقك. أمس تصرفنا هكذا مثلما نتصرف مع قطعة فخار هشة قابل للكسر، غنية الواقع، فريدة النوع. اتروجة حقيقية. المشكلة هي أن أمس قد مر. والآن بانتظارك الغد. إسرائيل تحولت، بفضلك إلى عائلة كبرى، ولكن إسرائيل أيضاً تعرف كيف تكون غابة بلا رحمة.

أنت تعود إلى دولة كافحت في سبيلك خمس سنوات ونصف، ولكن عندما ستنزل لتقود السيارة في طرقها، سيكون غير قليل من السواقين الذين سيسرهم دهسك، وربما أيضاً تركك على قارعة الطريق. إذا كنت مريضاً، يحتمل ألا ينتظرك أطباء (إذ هم مستقيلون). واقعنا هنا يتراوح بين ذروة الرحمة العالمية وبين انعدام الرحمة. وعليه فإن حياتك الجديدة ستكون معقدة جدا، ولن يكون سهلا التصدي لمتطلباتها، وأنا أصلي لنجاحك.

عندما ذهبت كنت ابن أفينا ونوعام. ومع عودتك أنت ابننا جميعناً. التوقعات في السماء، الأذان إلى الحائط والكاميرات في كل ثقب. خمس سنوات ونصف لم يعانقك أحد، أما الآن فقد تختنق بالعناق. خمس سنوات ونصف لم يتحدثوا إليك، والآن قد تتشوش من كثرة المتحدثين. أنت البطل الأكثر مناهضة للبطولة التي يمكن تصورها. أنت تحتفظ برقم قياسي نادر، خاص، لن يحطم أبداً. أنت الشخص الوحيد الذي التقطت له صوراً في نصف ساعة مع رئيسي أركان: لحماس وللجيش الإسرائيلي.

خرجت أمس من المكان الأدنى في العالم مباشرة إلى القمة الأعلى. مهما يكن هنا، يا جلعاد، وليس مؤكداً انه سيكون خيراً، تذكر دوماً أن ليس شيء بذنبك، ليس هناك عبء على كاهلك. لست أنتَ المذنب بل نحن، حافظ على نفسك، خذ كل شيء بخفة، ابدأ حياتك من جديد، عش اللحظة، على الأقل أمس كانت لحظة تستحق العيش.

مخاطر الهجوم على ايران

بقلم: أسرة التحرير عن هآرتس

لنفترض ان اسرائيل (او الولايات المتحدة) تهاجم المنشآت النووية في ايران. وسواء نجح الهجوم أم لا، سترى ايران في هذا الهجوم خطوة شاذة، حربية، تستدعي ردا عسكريا واقتصاديا سياسيا.

هناك عدة امكانيات لرد ايراني في المجال العسكري: اطلاق صواريخ على اسرائيل وعلى اهداف امريكية، مهاجمة اسرائيل بسلاح الجو (باحتمالية متدنية)، او استخدام سلاح البحرية ضد اهداف في الولايات المتحدة وفي اسرائيل.

كما يمكن لايران ان تستخدم ضد اسرائيل حزب الله أو حماس، المبادرة الى عمليات في العراق ضد أهداف امريكية، واهداف للحكومة العراقية المحلية وكذا أعمال ارهابية في ارجاء العالم ضد أهداف يهودية، اسرائيلية وامريكية. امكانية اخرى هي اليوم في احتمالية متدنية، تتمثل باطلاق الصواريخ من الاراضي السورية.

كما يمكن لايران ان تتخذ ردا في المجال الاقتصادي السياسي وحده، او ان يتداخل هذا مع عملية عسكرية. مثل هذا الرد يمكن أن يكون ضرب السفن التي تمر في مضائق هرمز او مكان رسوها. يمكنها أن تقلل حجم تصدير النفط والغاز الامر الذي سيؤدي الى رفع اسعارها في العالم. والرد الاشد الذي يمكن لايران ان تتخذه هو اغلاق مضائق هرمز في وجه النفط. في هذه المضائق تمر كمية نحو 40 في المائة من الطلب العالمي على النفط. أثر اغلاقها سيكون متعلقا على مدى الزمن الذي يمتد فيه الاغلاق.

مهما يكن من أمر اذا ما ردت ايران فان كل المنطقة ستكون في حالة حرب. حسب بحوث أجرتها مؤخرا محافل البحث التي تعمل مع مجلس الامن القومي في الولايات المتحدة، فان من يعتزم مهاجمة المنشآت النووية في ايران يحتاج لان يكون لديه رد على كل امكانيات الرد الايراني. اما من ليس لديه هذه الامكانيات اسرائيل مثلا فمحظور ان يهاجم.

في تقويم الوضع الذي اجري في الولايات المتحدة قبل سنين تقررت عدة أهداف: ضمن اهداف اخرى كان منع ايران من الوصول الى هيمنة اقليمية (والتي يمكن أن تحققها حتى دون استخدام القوة العسكرية)؛ منع سقوط النظام في العراق؛ منع تدخل ايراني عام في العراق؛ لحماية اصدقائها في المنطقة، ولا سيما السعودية واسرائيل، والتأكد من أن النفط يواصل التدفق من الخليج الفارسي وفقا للطلب العالمي.

من هنا، الاستنتاج الوحيد الممكن هو أنه اذا كان هناك هجوم فانه سيتم من قبل الولايات المتحدة التي سيتعين عليها ان تعد ردا مسبقا لامكانيات الرد الايراني. الرد الايراني الاخطر هو اغلاق مضائق تيران.

في هذه الحالة، فان مراحل عمل الجيش الامريكي كفيل بان يكون: 1. مهاجمة الاسطول الايراني، القواعد والوسائل التي تستخدم لاغلاق مضائق هرمز. 2. مهاجمة منظومات مضادات الطائرات، مراكز التحكم والرقابة، مهاجمة سلاح الجو الايراني ومنظومة الصواريخ (مع التشديد على الصواريخ بعيدة المدى). 3. مهاجمة المنشآت النووية (الفرضية هي أن هذه المنشآت 'لا تهرب').

هذه خطة مركبة جدا، تحمل معان قاسية لايران وبقدر هام للعالم ايضا. ثمة من يدعي بان تسريبها جاء لاقناع ايران بجدية الولايات المتحدة. ربما هكذا، اذا ما أعلنت الولايات المتحدة بان في نيتها مهاجمة ايران، ستفضل هذه قبول التعاون الدولي في الموضوع النووي للاغراض السلمية... مهاجمة ايران لمنعها من نيل السلاح النووي ليست مرفوضة مبدئيا ولكنها ليست موضوعا لاسرائيل.