أقــــــــــــلام وآراء مـــن الصــــــحــــف الـــــعـــــربــــيـــــة
مــــلــــف رقــــــــــــــــــــــــم (475)
فــــــــي هـــــــــــــــــــــذا الـــــمــــــلـــــــــف :
لماذا هذا الحقد الأمريكي على الفلسطينيين؟
رأي القدس العربي
تفعيل الدور العربي لدعم الشعب الفلسطيني
رأي الدستور
السلطة الفلسطينية وتجاوز الحقبة الأمريكية
ج دار الخليج / بقلم : عبد الزهرة الركابي
القضية الفلسطينية.. التحديات والاحتمالات
ج الشرق الاوسط / بقلم : يحيى الجمل
مفاوضات لقتل الدولة
ج النهار اللبنانية / بقلم : سميح صعب
الاعتذار كمدخل لأنسنة السياسة
ج الحياة اللندنية / بقلم : بشير عيسى - كاتب سوري
كيف ننسى أسـرانا البواسل؟!
ج الدستور الأردنية / بلقم : ياسر الزعاترة
ماذا عن اليوم التالي فلسطينياً؟
ج الحياة اللندنية / بقلم : راسم المدهون – كاتب فلسطيني
لماذا هذا الحقد الأمريكي على الفلسطينيين؟
رأي القدس العربي
اصيبت الادارة الامريكية بصدمة غير مسبوقة جراء استخدام كل من روسيا والصين حق النقض 'الفيتو' ضد مشروع قرار فرنسي ـ بريطاني يطالب بفرض عقوبات على سورية، حتى ان مندوبتها السيدة سوزان رايس انسحبت من مجلس الامن احتجاجاً بطريقة غير حضارية، ولكن هذه الادارة، وفي تناقض مخجل هددت وتهدد باستخدام 'الفيتو' نفسه ضد طلب فلسطيني باعتراف بدولة فلسطينية 'وهمية' وحصولها على عضوية مراقبة في المنظمة الدولية.
والاخطر من ذلك ان هذا العداء الامريكي الحاقد لهذه الدولة الفلسطينية الوهمية والشعب الذي يقف خلفها، ويتطلع اليها، لرمزيتها، لم يتوقف داخل اروقة الامم المتحدة فقط، بل امتدت الذراع الامريكية الطويلة الى منظمة اليونيسكو لمنع قبول المنظمة عضوية فلسطين فيها.
لا نعرف ماذا فعل الشعب الفلسطيني لامريكا لكي تتخذ مثل هذه المواقف المغرقة في عدائها له، فهو لم يحتل امريكا، ولم ينفذ عملية 'ارهابية' واحدة على ارضها، وقبلت سلطته بكل مقترحاتها بل واملاءاتها للانخراط في مفاوضات عبثية مهينة مع اسرائيل.
هذه القوة الاكبر في العالم غزت كلا من العراق وافغانستان وارسلت طائراتها للتدخل في اطار حلف الناتو لتغيير النظام في ليبيا، كل ذلك تم تحت عناوين حقوق الانسان والعدالة والديمقراطية، ودفعت الادارة الامريكية ودافع الضرائب الامريكي اكثر من تريليون دولار خسائر مادية وخمسة آلاف قتيل واربعين الف جريح. ولكن عندما يتعلق الامر بحقوق الانسان الفلسطيني وحقه في قيام دولته، بل ونيل اعتراف رمزي بها يؤهلها الى الانضمام الى المنظمة الدولية تتنمر الادارة الامريكية وتستأسد، وتفرض عضلاتها المالية والعسكرية لمنع هذا الاعتراف.
كان مخجلا ان تقود الادارة الامريكية عملية تحريض في منظمة اليونيسكو
لرفض طلب عضوية فلسطين، وكان معيباً وغير اخلاقي ان يقوم المندوب الامريكي في المنظمة بالاتصال بمندوبي الدول واحداً واحداً في المنظمة لحثهم على رفض توصية المجلس التنفيذي لهذه الوكالة الدولية بمنح فلسطين عضوية كاملة فيها، وفق ما اعلن هذا المندوب امس على رؤوس الاشهاد وكأنه يفتخر بهذا الانجاز العظيم.
منظمة اليونيسكو ليست محكمة جرائم الحرب الدولية، ولا هي منظمة التجارة العالمية، ولا حتى مجلس حقوق الانسان، وانما منظمة حضارية تهتم بالثقافة وموروثاتها، فماذا يضر الولايات المتحدة اذا ما انضمت الى عضويتها دولة فلسطين؟
انها اسرائيل الدولة العنصرية التي توظف القوة الاعظم في التاريخ في خدمة سياساتها وأهدافها العدوانية والعنصرية لطمس هوية شعب وحضارته، وحرمانه من ابسط حقوقه المشروعة، ومن المؤسف ان الادارة الامريكية ترضخ لمثل هذا الابتزاز وتستسلم له بطريقة مهينة ومذلة.
فلسطين كانت مركز اشعاع حضاري وموطن الاديان السماوية قبل ان تظهر الولايات المتحدة الى الوجود بآلاف السنين، وستظل كذلك بعد انهيار القوة الامريكية وأفول امبراطوريتها مثلما انهارت كل الامبراطوريات السابقة، وستنهار اسرائيل ايضاً مثلما انهارت كل الانظمة العنصرية المماثلة، وستعود فلسطين ارضاً وموطناً للتسامح بين الاديان والحضارات دون اي تفرقة او تمييز.
تفعيل الدور العربي لدعم الشعب الفلسطيني
رأي الدستور
في ظل المأزق الذي وصلت اليه العملية السلمية، ورفض العدو الصهيوني الاستجابة للرؤية الدولية، ووقف الاستيطان، ورفع ملف الدولة الفلسطينية الى مجلس الامن.. يصبح لزاما على الدول الشقيقة، اجتراح موقف عربي فاعل وقادر على دعم الشعب الفلسطيني، لتعزيز صموده.. وتفعيل الحراك العربي لاقناع الدول المترددة، بالتصويت على اعلان الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي هذا الصدد، فلا بد من التأكيد بان العدو الصهيوني وحليفته واشنطن يعملان وباصرار لافشال التوجه الفلسطيني والعربي، واجهاض اعلان الدولة بدون اشهار «الفيتو» الامريكي من خلال اقناع اكبر عدد من الدول «9 دول» بعدم التصويت لصالح القرار الفلسطيني وهذا من شأنه ان يعفيها من اللجوء الى «الفيتو» وما يترتب عليه من تداعيات سلبية، ستنعكس على علاقاتها مع الدول العربية الصديقة.
ومن ناحية اخرى، فمع تقديرنا لتصريحات امين عام جامعة الدول العربية، ودعوته للدول الشقيقة الى مضاعفة مساعداتها للشعب الفلسطيني الشقيق كرد على قرار الكونجرس الامريكي القاضي بخفض المساعدات بمقدار مائتي مليون دولار، كعقاب للسلطة، وعلى توجهاتها، ومطالبتها مجلس الامن بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ورفضها وجهة النظر الامريكية بهذا الخصوص، التي عبر عنها الرئيس اوباما في خطابه بالجمعية العامة للامم المتحدة «بان الدولة الفلسطينية يجب ان تعلن بموافقة اسرائيل» فان مطالبة امين عام الجامعة العربية هذه، يجب ان تترجم الى اجراءات وافعال تمشي على الارض، وتصل الى الشعب الفلسطيني في الارض المحتلة، بالسرعة الممكنة، لدعم صموده، وافشال المخططات الصهيونية- الامريكية، التي تهدف الى خلق ضائقة اقتصادية في الارض المحتلة، من شأنها ان تربك عمل السلطة، وتقودها في النهاية الى التسليم بالطروحات الامريكية.
ان وصول القضية الفلسطينية الى هذا المنعطف الخطير، يستدعي عملا عربيا جماعيا، حتى لا ينفرد العدو الصهيوني وحليفته واشنطن بالشعب الشقيق، وهو ما اتضحت شواهده بعد عودة نتنياهو من الامم المتحدة، اذ امر برفع وتيرة الاستيطان، وخاصة في القدس المحتلة «بناء 1100 وحدة سكنية» وضاعف من اقامة الحواجز الثابتة والمتحركة لمنع المصلين من الوصول الى الاقصى لحمايته من اليهود المتطرفين الحاقدين، وقيام عصابات المستوطنين باحراق مسجد في الجليل والاستمرار في اقتلاع اشجار الزيتون وتجريف الاراضي واقامة البؤر الاستيطانية داخل الاحياء السكنية في القدس المحتلة.. وغيرها، لارهاب المواطنين العرب، ودفعهم الى مغادرة منازلهم.
مجمل القول: لقد تنبه الاردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، الى هذا الواقع مبكرا، حينما حذر من فشل المفاوضات ودعا جلالته اكثر من مرة، الاشقاء العرب الى ضرورة تنظيف البيت العربي من الخلافات، وبلورة موقف عربي موحد، للجم المشروع الصهيوني، الذي يهدد المنطقة كلها، ويدفعها الى المجهول، كسبيل وحيد للحفاظ على الحقوق العربية.. وحماية القدس والاقصى وانقاذهما من براثن الاحتلال الصهيوني.
السلطة الفلسطينية وتجاوز الحقبة الأمريكية
ج دار الخليج / بقلم : عبد الزهرة الركابي
لم يثر المحللون في استقراءاتهم وتحليلاتهم، وقفة مهمة بل مهمة جداً في العلاقات الفلسطينية - الأمريكية، وهذه الوقفة تتمثل في قيام السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس في الشهور الأخيرة، برفض النصائح والضغوط الأمريكية على حد سواء، كإعلان مكشوف وحازم من السلطة الفلسطينية مؤداه تجاوز الحقبة الأمريكية وجعلها خلف الظهر منذ إبداء نية التحرك نحو الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 . وقد تعزز هذا التجاوز في تقديم الطلب
الفلسطيني بالشأن المذكور إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ليكون بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على هذه الحقبة التي شهدت انحيازاً أمريكياً أعمى للدولة الصهيونية .
إن علاقة السلطة الفلسطينية بالإدارات الأمريكية من خلال عملية السلام وجولات المفاوضات، شكلت حقبة أمريكية تكون عبرها واشنطن راعية للسلام على الرغم من إدراك الفلسطينيين الموقف الأمريكي المتماهي أصلاً مع الموقف “الإسرائيلي”، وارتكز الموقف الفلسطيني في هذه العلاقة على أن أمريكا هي القادرة على كبح جماح السياسة “الإسرائيلية” بالنسبة لجولات التفاوض، بيد أن الفلسطينيين أخيراً حزموا أمرهم، بعدما يئسوا من توازن الموقف الأمريكي، نظراً لقوة اللوبي الصهيوني التي توضحت أكثر تأكيداً منذ مجيء إدارة أوباما التي راحت تتراجع عن مواقفها المعلنة بين ليلة وضحاها، حتى وصل بها الأمر إلى تسليم قيادة سياستها الشرق أوسطية إلى دينيس روس المسؤول السابق لاستراتيجيات “الشعب اليهودي” في العالم، والذي يُعتبر من أصحاب المواقف الليكودية في سياسة التعامل مع الفلسطينيين، وهو ما أدى بالسلطة الفلسطينية إلى التصادم مع السياسة الأمريكية في المحفل الأممي .
لهذا، نرى أن خلاصة المفاوضات الفلسطينية - “الإسرائيلية” ومنذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 التي حسب النص المكتوب، كانت تقوم على أسس ونقاط لا يمكن تغييرها بتغيير الحكومات “الإسرائيلية” والإدارات الأمريكية، لكن السياسة “الإسرائيلية” مدعومة بسياسة أمريكا، عمدت في محاولات مكشوفة إلى جعل الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية كأنه أمر واقع بصيغة قانونية، من خلال إملاء اتفاقيات مفروضة على السلطة الفلسطينية، وتغيير معالم المناطق والمدن الفلسطينية إلى واقع جديد، لا يتيح قيام دولة فلسطينية جغرافياً ولوجستياً، وهي سياسة من الدولة الصهيونية محسوبة ومتحوطة سلفاً، لاحتمال قيام دولة فلسطينية، وهذا ما يُفسر الإمعان في قضم الأراضي وتغيير هويتها من خلال عمليات الاستيطان التي ازدادت وتسارعت وتيرتها في السنوات الأخيرة .
لا شك في أن السلطة الفلسطينية ومن خلال تعاملها مع الدولة الصهيونية على مسار المفاوضات أو في أشكال أخرى من اللقاءات، اقتنعت تمام التأكيد بأن “إسرائيل” تريد إشغال الفلسطينيين بالمفاوضات إلى ما لا نهاية، بعدما ضمنت التأييد الأمريكي السرمدي وتأييد وتعاطف الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أنها وضعت اللجنة الرباعية في جيبها، كما هو واضح من بيانها الأخير، وبالتالي فإن الدولة الصهيونية تريد وضع الفلسطينيين أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستمرار في المفاوضات كما تريد أو الإذعان لطروحاتها وسياسات الأمر الواقع .
إن السياسة الأمريكية كما تمثلت في إدارة بوش سابقاً وفي إدارة أوباما في الوقت الحاضر، لا يمكن لها التقابل مع السياسة “الإسرائيلية” في الساحة العملية، وقد تكون بعض المواقف الأمريكية العابرة والآنية في الشكل، تختلف مع المواقف “الإسرائيلية” إلى حين، وحتى هذا العابر والآني لن يدوم طويلاً، ولسنا بعيدين عن نموذج ساخن إذا ما أردنا التأكيد على هذا الواقع . وكلنا يذكر أن وقف الاستيطان وارتباطه باستئناف المفاوضات، كانا مطلباً أمريكياً مثلما ورد في خطاب الرئيس الأمريكي أوباما في القاهرة، قبل أن يتنصل منه الأخير خشية من اللوبي الصهيوني، خصوصاً أنه يعدّ العدة لولاية ثانية في البيت الأبيض . واستطراداً لما هو آنف يقول بعض المحللين الأمريكيين على نحو خاص، ان السياسة الأمريكية باتت تابعة للسياسة “الإسرائيلية” وليس العكس، أي إن الصورة الأصل هي “إسرائيل” والصورة المنسوخة هي أمريكا، ولهذا لا نستغرب عندما تطلب الإدارة الأمريكية من نتنياهو مساعدتها لدى أصدقائه أعضاء الكونغرس، حتى لا يتخذوا قراراً بمعاقبة السلطة الفلسطينية، لتجرؤها على التوجه إلى الأمم المتحدة، لكن نتنياهو لم يستجب، وهكذا قام الكونغرس بتجميد مساعدة السلطة الفلسطينية بقيمة 200 مليون دولار .
وعليه، انتهت الحقبة الأمريكية بالنسبة للسلطة الفلسطينية التي اتخذت خيار انتزاع الحقوق الفلسطينية على نحو تدريجي ومعنوي في الوقت نفسه، بادئة بتمزيق البساط الأمريكي - “الإسرائيلي” من على الساحة الأممية، وصولاً إلى سحبه من تحت ركائز السياسات الأمريكية و”الإسرائيلية” مستقبلاً .
القضية الفلسطينية.. التحديات والاحتمالات
ج الشرق الاوسط / بقلم : يحيى الجمل
لم تشهد القضية الفلسطينية زخما على الساحة الدولية قدر الذي تعيشه هذه الأيام وذلك رغم كل المخططات الصهيونية التي كانت تعمل جاهدة على أن يتجاهل المجتمع الدولي هذه القضية حتى يأتي وقت ينساها تماما. ولكن - ولأول مرة - حدث عكس ما تخطط له إسرائيل وأصبحت القضية الفلسطينية شغلا شاغلا للعالم كله.
ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نعود إلى جذور هذه القضية التي بدأت في صورتها الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى وقرار عصبة الأمم بانتداب بريطانيا العظمى - آنذاك - على فلسطين التي كانت جزءا من إقليم الشام الذي كان تابعا كله للإمبراطورية العثمانية.
ولما هزمت الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى هزيمة منكرة وجرى توزيع تركتها وفق معاهدة «سايكس بيكو» كانت فلسطين وشرق الأردن من نصيب الانتداب البريطاني على حين كان لبنان وسوريا من نصيب الانتداب الفرنسي. هذا عن منطقة الشام بما فيها فلسطين.
وفي تلك الآونة وتحت ضغط الحركة الصهيونية أصدر وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور وعده الشهير بإقامة وطن قومي لليهود على جزء من أرض فلسطين.
وفتح ذلك الوعد الباب أمام حركة هجرة منظمة لكثير من يهود العالم إلى ما اعتبروه أرض الميعاد: أرض إسرائيل. وبنى المهاجرون عشرات المستوطنات على أجزاء كثيرة من أرض الانتداب. وكانت المستوطنات في نفس الوقت وحدات اقتصادية وثكنات عسكرية لإدراك إسرائيل أنها تقيمها في مناخ يرفضها ولا يريدها وسط الشعب العربي في فلسطين.
وتكاثرت الهجرة. وقامت الثورة الفلسطينية الأولى ضد الانتداب والهجرة معا عام 1932 وعام 1936 وأدى ذلك إلى تشكيل لجان دولية لبحث المشكلة وكان اتجاه هذه اللجان في توصياتها إلى توطين اليهود على جزء من الأرض الفلسطينية دون المساس بالتزامات الدولة المنتدبة - بريطانيا - التي كان يفترض في صك الانتداب أن تأخذ بيد الشعب الفلسطيني لتحقيق استقلاله ولم يكن يتفق مطلقا مع هذه الغاية من غايات الانتداب أن يقتطع جزء من أرض فلسطين ليكون بمثابة «غيتو» يهودي جديد.
وقامت الحرب العالمية الثانية عام 1939 وراهنت الصهيونية العالمية على قوة الحلفاء وعلى نفوذها في الولايات المتحدة التي انضمت إليهم - معسكر العالم الحر كما كان يقال له - وانتهت الحرب بهزيمة ساحقة ماحقة لكل من ألمانيا وإيطاليا واليابان.
وقامت في أعقاب الحرب العالمية الثانية منظمة الأمم المتحدة. وعقدت الشعوب كثيرا من الآمال في السلام والعدل على المنظمة الجديدة.
وعلى أرض فلسطين تصاعدت الهجرة اليهودية وتصاعد الصدام بين السكان الأصليين والمهاجرين الوافدين. ومرة أخرى شكلت لجان لدراسة المشكلة. وكما حدث في المرات السابقة استطاعت الحركة الصهيونية مدعومة بالولايات المتحدة أن تستصدر قرارا من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم أرض فلسطين إلى دولتين دولة إسرائيل الجديدة ودولة فلسطين الأصلية.
وفي الخامس عشر من مايو (أيار) 1948 أعلن قيام دولة إسرائيل وتوالى اعتراف العالم بها وفي مقدمة من اعترف - في نفس يوم الإعلان عن قيام الدولة - الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي - آنذاك - وتبعتها دول العالم واحدة واحدة.
وفي المقابل فإن العرب إذ رفضوا قرار التقسيم ولم يعلنوا قيام دولة فلسطينية على أساسه فقد ظلوا في نظر المجتمع الدولي الذي تمثله منظمة الأمم المتحدة كيانا بغير شخصية دولية.
وبدأت إسرائيل إنشاء دولة حديثة تقوم من الأساس على مبدأ عنصري يقضي بإقامة دولة يهودية نقية وعلى إقصاء كل العرب عن كل أرضهم التي عاشوا عليها قرونا بدعوى أن هذه الأرض هي الأرض التي وعد بها الله إبراهيم لتكون وطنا لأبناء إسرائيل. ومضى اليهود في تنفيذ مخططهم خطوة خطوة حتى اقتضموا أكثر من خمسة وسبعين في المائة من الأرض الفلسطينية.
ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.
ورفض الشعب الفلسطيني هذا الواقع وبدأ يقاومه. وقامت منظمات فلسطينية، كان أهمها في البداية منظمة فتح التي قادها ياسر عرفات والتي بدأ تكوينها في القاهرة حيث كان يدرس في كلية الهندسة ثم في الكويت حيث كان يعمل هناك ثم انتقلت المنظمة إلى مكانها الطبيعي على أرض فلسطين.
ولما كان لكل فعل رد فعل - حتى ولو لم يكن على قدره من القوة - فإن التمدد الإسرائيلي والسعي إلى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية جزءا جزءا بكل الوسائل المشروعة - بالشراء من قلة من العرب - أو غير المشروعة كالاستيلاء بالقوة، والواقع أن الوسائل غير المشروعة وهي الغصب والاستيلاء كانت هي السائدة وهي التي حققت ما حققته من هذا الوضع المخيف. العرب يضعون يدهم على نحو 22 في المائة من أرضهم وإسرائيل تضع يدها على قرابة ثمانين في المائة من أرض فلسطين الأصلية.
وكان الرهان الإسرائيلي على أن الشعب العربي في فلسطين شعب هامد قريب من الموت، وأنه إما أن يرضخ للغطرسة الإسرائيلية ويعيش ذليلا في كنفها وإما أن يرحل، والثانية أفضل بطبيعة الحال، ولكن لم تسر الأمور على هذا النحو. انتفض الشعب العربي في فلسطين أكثر من انتفاضة ووجه ضربات موجعة لدولة البغي - دولة إسرائيل.
تكونت منظمات فلسطينية أخرى إلى جوار فتح، كان أهمها منظمة حماس التي استطاعت أن تحقق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية أغلبية ساحقة في قطاع غزة. ونشأ عن ذلك وضع خطير - هو من أخطر التحديات للقضية الفلسطينية - ذلك هو قيام وحدتين فلسطينيتين وحكومتين فلسطينيتين وتوجهين فلسطينيين، واحد في الضفة وآخر في غزة. وهو الأمر الذي لا يمكن أن تتحمله مراحل التحرير التي تحتاج إلى أن يقف الفلسطينيون جميعا صفا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
وناديت ونادى كثيرون غيري بذلك.
وبعد مشاحنات ومصادمات بدأت الإفاقة وبدأ إدراك أن الصلح بين الفريقين وتوحيد الصف أمر لا غنى عنه إذا أردنا للقضية الفلسطينية حلا يحفظ ماء الوجه.
والحقيقة أن التحدي الأول الذي كان يقف أمام الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية كان هو الانقسام الفلسطيني. وقد بدأ هذا الانقسام الآن في الانحسار وإن لم ينته تماما.
والتحدي الثاني هو الهوان والتشرذم العربي وغياب مصر في الفترة الماضية غيابا شبه كامل عن المشهد العربي. وقد بدأت أطراف كثيرة في المنظومة العربية تدرك أن الخطر الصهيوني ليس فقط على فلسطين فقط، وأن الأطماع الصهيونية بغير حدود وتريد السيطرة على المنطقة بالكامل من الناحية الاقتصادية أولا وبالتالي من الناحية السياسية.
وكان يساعد على قوة هذا التحدي وجود أنظمة حكم لا صلة لها بشعوبها، بل إنها كانت مسلطة على شعوبها، ولكن الأمور تغيرت وبدأت الثورات الشعبية تجتاح العالم العربي وتنقل السلطة تدريجيا من يد الطغاة إلى يد الشعوب، وهذا أمر بالغ الخطر على إسرائيل بعد أن كان حكم الطغاة مناسبا لها وبالغ الخطر على القضية الفلسطينية في نفس الوقت.
أما المجتمع الدولي، فالذي يشاهد الساحة الدولية الآن يلاحظ عددا من الملاحظات. العمى الأميركي والانحياز الكامل لإسرائيل يزداد كلما اقتربت الانتخابات التشريعية أو الرئاسية ثم ينحسر قليلا بعد ذلك وتظهر بعض الأصوات العاقلة التي تنادي بأن مصالح الولايات المتحدة هي مع الجانب العربي وليست مع إسرائيل.
وهنا يجب أن يقوم العرب، خاصة الدول النفطية، بدور أكثر فعالية في الضغط على الولايات المتحدة لإشعارها بأن انحيازها الكامل غير العادل لإسرائيل يهدد مصالحها في المنطقة، وأن هذا التهديد ممكن الحدوث، وقد حدث فعلا قبل ذلك إبان حرب 1973 عندما أدرك العرب هذه الحقيقة وحاولوا الاستفادة منها. والمجتمع الأوروبي العادي - مجتمع الناس العاديين - ليس مجتمعا مرحبا بالغرور الإسرائيلي، وإن كانت أبواق الدعاية الصهيونية ذات تأثير بالغ على الرأي العام، ولكن ذلك لم يمنع أن أصواتا عاقلة كثيرة قد بدأت تدرك مدى خطر التعصب الصهيوني والغطرسة الإسرائيلية على سلام العالم كله – بل إن دراسات كثيرة قد بدأت في كثير من دول أوروبا تحذر من الخطر الصهيوني على العالم، وقد صدر مؤخرا كتاب في فرنسا - قد أعود إليه فيما بعد - بعنوان «إسرائيل سبب الحرب العالمية الثالث Israel cause de troisième guerre mondiale » لا أحد يستطيع أن ينكر أن قدرا من التغير والإفاقة قد بدأ في الرأي العام العالمي حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، صحيح هذا التغير لم يبلغ غايته بعد، ولكن البداية تنبئ بخير كبير.
وهكذا يضعف أحد التحديات الأساسية في مواجهة القضية الفلسطينية، لقد كان الرأي العام العالمي في جملته منحازا لها، ولكن السنوات الأخيرة بدأت تشاهد قدرا من التحول وقدرا من الموضوعية وقدرا من الفهم للقضية الفلسطينية وللحق الفلسطيني.
وهنا نصل إلى المرحلة الراهنة: الوقوف على باب الأمم المتحدة للحصول على وضع الدولة الكاملة العضوية في المنظمة الدولية.
وليكن هذا الأمر موضوع مقالنا القادم بإذن الله.
* نائب رئيس الوزراء المصري السابق
مفاوضات لقتل الدولة
ج النهار اللبنانية / بقلم : سميح صعب
مرة جديدة يعود ما يسمى المجتمع الدولي الى المراوغة في الموضوع الفلسطيني. فاسرائيل يريحها التفاوض الابدي الذي بات فنا تتقنه منذ 20 عاما. وتمكنت بطريقتها المخادعة في ادارة المفاوضات من احراج الفلسطينيين واخراجهم منها. لذا هي اليوم تتمسك بالعودة الى التفاوض كي تقتل ما تبقى من الطموح الفلسطيني الى دولة مستقلة.
والتفاوض في المبدأ يقوم بين طرفين يمسك كل منهما بأوراق رابحة تشكل له نقاط قوة عندما يجلس الى الطاولة. لكن المتأمل في أحوال الفلسطينيين، بعد كل هذه الاعوام من المفاوضات العبثية، يسهل عليه الاستنتاج أن اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تمكنت من نزع الكثير من الاوراق التي كانت في أيدي الفلسطينيين، بينما كان الطرف الآخر يعزز موقعه في المفاوضات وعلى الارض. عندما ذهب الفلسطينيون الى أوسلو كانت لديهم الانتفاضة في الاراضي المحتلة. وفي مقابل أوسلو، الذي كان يفترض ان يكون نقطة مرحلية نحو الحل النهائي المتمثل في اقامة الدولة، ارتضى الفلسطينيون وقف الانتفاضة.
ولكن سرعان ما تبين ان اسرائيل أرادت من أوسلو وقف الانتفاضة التي كانت أكبر تحد تواجهه منذ احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. وبعدما اطمأنت الى وقف الانتفاضة، استدارت على أوسلو لتفرغه من محتواه ولتعيد الفلسطينيين الى الدائرة المفرغة والى المربع الاول.
لم تكتف اسرائيل بذلك، بل هي تتقدم يوميا بلائحة مطالب لا قدرة للفلسطينيين على تلبيتها مثل الاعتراف باسرائيل دولة يهودية، مع ما يمكن أن يرتب ذلك من تبعات على ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات وعلى مليون ونصف مليون فلسطيني لا يزالون يعيشون داخل الاراضي المحتلة عام 1948.
من هنا أن لا أفق لأي مفاوضات يدخلها الفلسطينيون اليوم ما لم تكن محكومة بسقف محدد سلفا. وفي المقابل، ترى اسرائيل في التفاوض خير وسيلة للتهرب من تقديم التنازلات وهي لن تعدم وسيلة كي تحرج الفلسطينيين وتدفعهم الى وقف التفاوض كما يجري منذ عام 1991. ومن طريق جولة التفاوض الجديدة ستسعى اسرائيل الى نزع آخر ما تبقى من أوراق في أيدي الفلسطينيين، ستزيد الضغوط عليهم كي يعترفوا بالامر الواقع الذي تعمل اسرائيل على فرضه منذ 1967 وحتى منذ 1948، وهو القبول بها دولة قائمة على أساس ديني لا مكان لغير اليهود فيها. وعندها لن يقتصر الخطر على ضياع فلسطين بكاملها بل ان الخطر سيتعدى ذلك ليطاول المنطقة بكاملها وسيكون مبررا لنشوء دول دينية أخرى في المحيط. وكثير من تداعيات "الربيع العربي" لا تبعث على الاطمئنان!
الاعتذار كمدخل لأنسنة السياسة
ج الحياة اللندنية / بقلم : بشير عيسى - كاتب سوري
لم يجد الألمان حرجاً بعد سقوط النازية، في الاعتراف بالمحرقة اليهودية «الهولوكوست»، والاعتذار من إسرائيل ويهود العالم، متجاوزين بذلك أيديولوجيا النزعات العرقية والقومية الشوفينية وحتى الدينية كما فعل الفاتيكان، حين برّأ البابا يوحنا بولس الثاني اليهود الحاليين من دم السيد المسيح، على مبدأ «لا تزرُ وازرة وزر أخرى». هنا يصبح الاعتذار حالة متقدمة، تؤسس لخروج الثقافات والأفكار من فضائها الضيق، القائم على النرجسية ووهم التفوق، لتنحو بها نحو النسق الإنساني، الذي يلاقي الآخر ويشاركه بعيداً من ثقافة الكراهية، التي تشرّع فكرة صدام الحضارات.
في عالمنا العربي والإسلامي، يخلو قاموسنا السياسي من هذه المفردة، إذ لطالما قدمنا أنفسنا أصحاب رسالة إلى العالم وأننا على حق، مما يعني ضمناً ضلال الآخرين، لذلك يصبح الاعتذار ضعفاً إن لم يكن انحرافاً عن جادة الصواب. ولعل أقصى ما وصلت إليه الأنظمة والمعارضات في مراجعة برامجها، هو الاعتراف ببعض الأخطاء، أما الاعتذار فيشكل العثور عليه استحالة حتى في خطابها الثقافي، ما يعكس ذهنية مؤدلجة، تحركها الثأرية والكيدية السياسية في تعاطيها مع الآخرين.
فإسرائيل التي نالت الاعتذار، كان حرياً بها أن تبادر بالاعتذار عما ارتكبته من جرائم بحق المدنيين العرب، على اعتبار أنها دولة ديموقراطية، لكن إحجامها عن هذا الأمر، دلالة على مدى توغل العنصرية اليمينية في كيانها، وبذلك ترد حماس بمنطق رد الفعل، فتشرّع قتل المدنيين، على مبدأ المعاملة بالمثل، لكن بلبوس ديني يصبح معه الاعتذار نوعاً من الكفر... إن نعي الحركة لأسامة بن لادن، ووصفه بشهيد الأمة الإسلامية، وفي رقبته أنهار من الدماء المسالة في العالم، وأكثرها أُهرق في العالمين العربي والإسلامي، يتطلبان وقفة أخلاقية، إذ ليس مقبولاً تبرير القتل بحجة أن الآخر كان هو البادئ، فهذه ليست سياسة وإنما هي حقد متبادل، لا يفضي إلا الى مزيد من العنف، تكون فيه الإنسانية أولى ضحاياه.
من هنا يمكن فهم عدم تقديم إسرائيل اعتذاراً رسمياً لتركيا، بعد مقتل 9 ناشطين على متن السفينة مرمرة. إن لدى تركيا كل الحق في الحصول على هذا الاعتذار، وما يترتب عليه من تعويضات، لا سيما أنها سلكت الشكل القانوني كدولة، في تعاطيها مع هذه الحادثة، وهذا شيء ايجابي يمكن البناء عليه للمستقبل. لكن من يطالب الآخر بالاعتذار، عليه أيضاً أن يكون منصفاً، حين يُطلب منه الشيء ذاته. فالأتراك ارتكبوا بحق الأرمن مذابح تقشعرُّ لها الأبدان، ذهب ضحيتها مئات الآلاف، فيما الأرمن لم يطالبوا بأكثر من اعتذار!
حين كانت الملايين تطالب حسني مبارك بالتنحي ونقل صلاحياته إلى نائبه، خرج إليهم مستعطفاً ومذكّراً بتضحياته الجسام أيام كان ضابطاً في الجيش... الرئيس يستعطف في ضعفه ولا يجرؤ على الاعتذار، ولو فعل، لصفح عنه كثير من المصريين، كما فعل جمال عبدالناصر، حين قدم استقالته إثر النكسة، عندها نزلت الجماهير تطالبه بالعودة عن قراره، فأين هذا من ذاك!
في ليبيا، أدى جنون العظمة بالقذافي إلى تسليم مفاتيح بلاده إلى الناتو، لكن المحزن في الأمر ما كشفته الوثائق التي عُثر عليها أخيراً، من تورط أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية في قمع معارضي القذافي وتعذيبهم، والسؤال هنا: لماذا طلب قائد ثوار طرابلس عبدالكريم بلحاج، المعتقل سابقاً في غوانتانامو، من الولايات المتحدة وإنكلترا تقديم اعتذار رسمي، بدلاً من المجلس الانتقالي؟ وهل ستقدم هاتان الدولتان اعتذاراً، أم أن المصلحة تقتضي إعطاء دور للمتطرفين في العملية السياسية المقبلة؟ فالتقرير الذي نشرته منظمة حقوق الإنسان عن الأوضاع في ليبيا يتضمن انتهاكات صارخة بحق المدنيين من جانب «الثوار»! المتحدثة باسم وزارة الخارجية، فيكتوريا نولاند، قالت إن وزير الخارجية السوري وليد المعلم «وقح لا يجرؤ على الاعتذار»، وبدورنا نسأل هذه الأخيرة: هل ستعتذر حكومتها إلى معارضي القذافي والشعب العراقي، كي نصدق أن الولايات المتحدة لا تمارس النفاق الأخلاقي في السياسية؟
بعد خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، تحدث الأسد عن ارتكاب أخطاء، وقتها كان يأمل اللبنانيون بتقديم اعتذار يطوي صفحةً من الألم، ويفتح الطريق لتصحيح مسار العلاقة بين البلدين، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، فالقادة السياسيون لا يقرّون بأخطائهم إلا تحت الضغط، خوفاً على مواقعهم، أما الاعتذار فيعزّ عليهم، حرصاً على هيبتهم من التأثر في نظر جمهورهم. ولا تختلف الطبقة السياسية في لبنان عن نظيرتها السورية، فغالبيتهم قد لُطخت أياديهم في الحرب الأهلية بالمال والدماء على حساب مواطنيهم، وحده الدكتور سمير جعجع، كانت لديه الجرأة لتقديم اعتذار إلى الشعب اللبناني، فيما لا يزال الآخرون يمارسون التبرير، كنهج في خطابهم السياسي.
عام 1989 اشترط الإخوان المسلمون في سورية تقديم اعتذار عما ارتكبوه بالتوازي مع النظام، كي لا يتحملوا وحدهم تبعة ما جرى. صحيح أن الطرفين اعترفا ببعض الأخطاء، لكن أحداً لم يعتذر، وهنا يستوي «الثوري» مع «الرجعي». الإخوان في سورية ليسوا استثناء عن إخوان تركيا ومصر وباقي العالم الإسلامي، فالمرشد العام السابق مهدي عاكف له جملة مشهورة، نقلتها وسائل الإعلام وهي: «طز في مصر»... وبدل أن يعتذر، فقد بررها: «إذا كانت علمانية»! القوى والتيارات الإسلامية قد تتوب في بعض المراحل وتطلب الصفح من العابد، أما الاعتذار من العباد فهو المحال بعينه... بعد كل هذا، كيف لنا أن نصدق هذه النظم ومعارضاتها الإسلامية؟
كيف ننسى أسـرانا البواسل؟!
ج الدستور الأردنية / بلقم : ياسر الزعاترة
لليوم الثامن على التوالي، يخوض الأسرى الأبطال في سجون الاحتلال إضرابهم المفتوح عن الطعام احتجاجا على ظروفهم القاسية التي ازدادت قسوة خلال الشهور الأخيرة استجابة لدعوات اليمين الصهيوني الرامية إلى الضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الجندي الصهيوني الأسير (شاليط).
يبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال ما يقرب من 6000 أسير فلسطيني (هناك عدد محدود من العرب) يتوزعون على 22 سجنا ومعسكرا داخل الأراضي المحتلة عام 48، بينهم 38 أسيرة، 285 طفلا قاصرا، 27 معتقلا إداريا، 22 نائبا في المجلس التشريعي (19 من حركة حماس)، 20 أسيرا في العزل الانفرادي، 143 أسيرا مضى عليهم أكثر من 20 عاما رهن الاعتقال، فيما يخضع حوالي 400 أسير لأحكام تتجاوز المؤبد.
ومن أهم مطالب الأسرى: إنهاء العزل الانفرادي، إعادة التعليم الجامعي، إعادة بث القنوات الفضائية الممنوعة، وقف سياسة تكبيل الأسرى خلال الزيارات، ووقف سياسة العقوبات الجماعية مثل الحرمان من زيارات الأهل.
لا خلاف على أن سياسة الأسر كانت واحدة من أهم الوسائل التي استخدمها العدو ولا يزال من أجل كسر إرادة المقاومة والصمود لدى الشعب الفلسطيني، حيث مر على السجون والمعتقلات منذ العام 48 ما يقرب من 750 ألف فلسطيني على تفاوت الفترات التي قضوها في السجون.
لكن الشعب الفلسطيني العظيم لم ينكسر أمام إرادة الجلاد، فيما تمكن أبناؤه من تحويل السجون والمعتقلات إلى مدارس وجامعات تزيدهم إصرارا على مواجهة المحتل. صحيح أن التراجعات السياسية كانت هي السمة البارزة لحركة النضال الوطني الفلسطيني لجهة الثوابت الوطنية الأساسية (تحرير كل فلسطين)، إلا أن ذلك لم يأت بسبب سياسة القتل والاعتقال، وإنما بسبب ظروف موضوعية أخرى في مقدمتها التخاذل الرسمي العربي والانحياز الدولي للكيان الصهيوني، وإن ساهم في تلك التراجعات قادة فلسطينيون مرَّ بعضهم بتجربة الاعتقال وخضعوا لتدجين سياسي كان من نتائجه تصدر بعضهم لخيار التسوية والمفاوضات والتنازلات.
نكذب على أنفسنا إذا قلنا إن تجربة السجون لم تحقق نجاحات تذكر من وجهة نظر المحتل، لكن الهدف النهائي الذي أراده الاحتلال لم يتحقق، بدليل أن نسبة كبيرة ممن مروا بتجارب الاعتقال لم يستقيلوا من العمل النضالي بعد الإفراج عنهم، بل عاد كثير منهم إلى السجن بأحكام أكثر قسوة بعد انخراطه من جديد في حركة المقاومة ضد الاحتلال.
المثير في قضية الاعتقال هو ما يتعلق بالأعباء النفسية التي يتركها على الأسر الفلسطينية، والتي تتحمل تبعاتها بشكل أساسي المرأة الفلسطينية، أكانت أما أو زوجة، فضلا عن الأبناء بالنسبة للأسرى المتزوجين، والأسوأ هو ما يتركه من آثار على المعتقل نفسه حين يشعر بأن القضية التي ناضل وضحى بسنوات عمره من أجلها تتعرض للتشويه، أو تنحرف بوصلتها نحو مسارات عبثية.
بالله عليكم، كيف يشعر المعتقلون الحاليون، وغالبيتهم دخلوا السجون إثر انتفاضة الأقصى؟ كيف يشعرون حين يقول رئيس السلطة والمنظمة وحركة فتح في آن، إن تلك الانتفاضة التي شكلت المعلم الأروع في تاريخ القضية كانت شكلا من أشكال العبث، وأنها دمرت المشروع الوطني الفلسطيني؟! كيف شعروا حين سمعوا عن وثائق التفاوض وما فيها من تنازلات مجانية قدمها المفاوض الفلسطيني أمام نظيره الإسرائيلي من أجل الحصول على شبه دولة دون جدوى، وكيف يشعر من بدأ حياته بالهتاف لفلسطين من البحر إلى النهر وحفظ أناشيدها الثورية، بينما يستمع اليوم لقائدها يقول أمام العالم أجمع إنه تنازل عن 78 في المئة من أرضها المقدسة؟! ليس ثمة شيء يقهر السجين أكثر من ضياع القضية التي ناضل من أجلها، وهنا في الحالة الفلسطينية تضيع القضية وتضيع البوصلة في آن، ويغدو معظم فلسطين ملكا للعدو باعتراف القيادة، بينما يتم تجاهل قضية الأسرى في السياق.
لعل من أهم حسنات عملية اختطاف الجندي شاليط، ورغم الفرصة المحدودة لإنجاز صفقة مع العدو، هو تذكيرها الدائم بقضية الأسرى، في وقت كانت المفاوضات العبثية الأخرى تتجاهلهم تماما، اللهم إلا من تصريح عابر هنا أو هناك في سياق احتفال يبث على الهواء.
لو كان ثمة إصرار على خط المقاومة، وكانت قضية الأسرى حاضرة في السياق بشكل دائم لكانت معنويات الأسرى أفضل بكثير، تماما كما كانت أيام انتفاضة الأقصى، ولكان بوسع عمليات الاختطاف أن تؤتي أكلها، وهنا يذكر لحركة حماس أنها كانت الأكثر تبنيا لقضية الأسرى حين بدأت عمليات الاختطاف منذ العام 89.
إنها قضية معنوية تأتي ضمن صراع تاريخي وصراع إرادات، وما دام الشعب مصرا على المقاومة ولم ينكسر يكون العدو مهزوما بالضرورة، لكن تنازل صاحب الحق عن غالبية وطنه لعدوه هو إعلان الهزيمة، ولكنها هزيمة من يتنازلون على أية حال، أما الشعب فلم ينكسر ولن ينكسر، وسيفجر انتفاضته الجديدة رغم أنف المتخاذلين، وسيحقق الانتصار. وعندها يعلن الأسرى انتصارهم على قيد الجلاد. وما يجري في العالم العربي هو بشارة الانتصار الأولية لفلسطين وشعبها وأسراها البواسل، وللأمة جمعاء.
يبقى القول إن نصرة أسرى الحرية في فلسطين، وفي العراق وفي سوريا وكل سجون الاحتلال ومعتقلات الطغاة هي مهمة الأحرار في كل مكان.
ماذا عن اليوم التالي فلسطينياً؟
ج الحياة اللندنية / بقلم : راسم المدهون – كاتب فلسطيني
مع دخول معركة نيل العضوية لدولة فلسطين في مجلس الأمن الدولي تكثفت أسئلة الفلسطينيين على اختلافهم في سؤال مركزي: ماذا بعد؟
هو سؤال تحاول من خلاله مختلف الأطراف السياسية الفلسطينية تقديم رؤيتها للمستقبل القريب، وتحديد خطوط السياسة القادمة انطلاقاً من الحقائق التي أوجدتها خطوة التوجه للمنظمة الدولية. نعني هنا بالذات مساحة التوافق الوطني من حول فكرة رفض العودة من جديد للمفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية بالصيغة السابقة، والتي يجمع الفلسطينيون على اعتبارها صيغة كانت سبباً رئيساً في انقساماتهم وفرقتهم واختلافهم، ناهيك عن أنها فشلت فشلاً ذريعاً، بل لم يكن لها من «إنجاز» سوى توفير الغطاء الفلسطيني لاستمرار الاستيطان وتهويد الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، وعلى الأخص في مدينة القدس.
في السياق يمكن الإشارة الى وعي فلسطيني متزايد بخطورة الإرتباك الذي عاشته بعض القوى السياسية الفلسطينية الرئيسة ومنها حركة حماس، في تحديد موقف واضح من خطوة الذهاب للأمم المتحدة، وهو ارتباك ظهر واضحاً في طيف واسع ومتناقض من التصريحات تراوحت بين اعتبارها «لا تشكل استحقاقاً وطنياً» كما قال عضو المكتب السياسي أسامة حمدان، بل خطوة تخصُ السلطة وحركة فتح، وبين تأييد «متحفظ» أبداه نائب رئيس المكتب السياسي للحركة محمود أبو مرزوق، الذي أخذ على الخطوة أنها جاءت «منفردة»، ولم تكن وليدة توافق مشترك بين السلطة والمنظمة وحركة حماس.
في الأحوال كلّها بات واضحاً أن مرحلة سياسية جديدة لا نبالغ إذ نقول أنها بدأت مع التوجه للأمم المتحدة، سمتها الأهم إعادة النظر في أسس وأساليب العمل السياسي والوطني. لم يعد ممكناً اليوم استمرار النظر للتحرك السياسي الفلسطيني باعتباره شأناً يخص جهة فلسطينية واحدة هي المنظمة أو السلطة، مع ما يعنيه فهم كهذا من عدم ترك الباب مفتوحاً لممارسات سياسية تتناقض مع التحرك الرسمي و «تشاغب» عليه، فالأمر هنا لا يتعلق بمنافسات حزبية أو سياسية، بل يطاول المصير الفلسطيني بكامله. تلك كانت أبرز تناقضات العمل الوطني الفلسطيني في المراحل السابقة، والتي أسهمت في تشتيت الجهد الفلسطيني، وبالذات في إظهار أي تحرك فلسطيني في الساحة الدولية باعتباره لا يمثل الفلسطينيين كشعب، فلا يمكن بأية حال ولا تحت أية ذرائع فهم أن تطلق جهات سياسية فلسطينية تصريحات ترفض التوجه للأمم المتحدة في الوقت الذي تواجه فيه هذه الخطوة حملة أميركية وإسرائيلية شرسة، فكيف وقد وصلت بعض التصريحات حدّ الحديث عن أن دولة فلسطين لا تتحقق في الأمم المتحدة؟
البرنامج السياسي في هذه الحالة ليس تفاهماً موقتاً أو تكتيكياً، وليس كذلك مجرّد اتفاق هلامي يمكن التصرف على الأرض عكسه أو بما يتناقض معه، ويحدّ من فاعليته، فالتناقضات السياسية بين الأحزاب الإسرائيلية المختلفة والمتصارعة، لا تلغي توحدهم جميعاً في مواجهتنا، وفي مواجهة طموحاتنا الوطنية المستقبلية، بل نراهم على العكس من ذلك يتفقون على الهدف الكبير، ثم يختلفون في وسائل وأساليب تحقيقه.
مع ذلك أعتقد أن المسألة الكبرى اليوم هي أيضاً في الحامل السياسي والمؤسساتي الذي يتصدى اليوم لعبء السياسة الفلسطينية في الساحة الدولية: هنا بالذات نرى ضرورة المكاشفة، والحديث بشفافية كاملة. المؤسسة الرسمية الفلسطينية (منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية) تعيش حالة يرثى لها، لا نقصد غرقها في الفساد والترهل وانعدام الفاعلية وحسب (على أهمية وخطورة كل ذلك)، ولكن أيضاً المأزق الأخطر على الحركة الوطنية الفلسطينية وهو بالتحديد نمو طبقة سياسية طفيلية منذ اتفاقات أوسلو تستفيد من الحالة الراهنة، إن لم نقل أنها تنتعش من استمرار الجمود، هذه الطبقة باتت تشكل خطراً كبيراً ومتعاظماً على استقلالية القرار الوطني، وقد برز ذلك واضحاً خلال الشهرين الماضيين، أي خلال الجدل من حول استحقاق التوجه لمجلس الأمن. ثمة طبقة طفيلية لا تريد الصدام مع الإرادتين الأميركية والإسرائيلية، وتجد مصالحها المباشرة في مهادنة الطرفين الأميركي والإسرائيلي تحت حجج وذرائع متنوعة، لا تخفي الحرص على مصالحها الذاتية، ولو على حساب مصالح الشعب بأكمله.
هي وقفة مصارحة لا بد منها كي نتبين مواقع أقدامنا، فالسير في خطى ثابتة وواضحة سياسياً، لا ينفصل إطلاقاً عن إعادة تأهيل المؤسسة الفلسطينية الرسمية كي تنسجم مع مهمات المرحلة الراهنة والمراحل القادمة، وعلى نحو يساهم في تمتين الإرادة الوطنية، وتوحيد الجهود لا تفتيتها وخلق مساحات جديدة من التنابذ والاختلاف. لا يجوز في سياق كهذا أن يستمر الاعتقال السياسي أو منع التظاهرات وأشكال التعبير المختلفة عن الرأي، وقد رأينا أشكالاً متعددة من قمع الحريات في قطاع غزة على خلفية تأييد خطوة التوجه للأمم المتحدة، حيث طاولت الاعتقالات نشطاء سياسيين، ومثقفين، فيما أقدمت شرطة الحكومة الموقتة على منع مقاه ونواد عامة من بث خطاب الرئيس أبو مازن، في شكل يعكس رغبة استبدادية في تسييد الرأي الواحد، واللون السياسي الواحد بينما يجري الحديث في لقاءات المصالحة عن توحيد إرادات وآراء متنوعة ومختلفة بالضرورة.
المرحلة الجديدة مفتوحة على صراعات كبرى تنتظر الحالة السياسية الفلسطينية كلها، وهي لا تحتمل التردد أو التقاعس، فلا إنجازات كبرى بإرادات صغيرة أو غارقة في الفئوية الضيقة.


رد مع اقتباس