أقلام وآراء

(526)

 في القنوات غير المعتادة

الكاتب: رونين بيرغمان_ يديعوت أحرونوت

 بمساعدة اوباما

بقلم: عوديد غرانوت_ عن معاريف

 الاسد ينظر مراقبا صورة الطاغية الميت

الكاتب: يوسي بيلين _ عن اسرائيل اليوم

 "خطأ في هوية العدو".. تحقيق الجيش الإسرائيلي حول عملية إيلات

كاتب: أليكس فيشمان_ عن يديعوت احرونوت

في القنوات غير المعتادة

الكاتب: رونين بيرغمان_ يديعوت أحرونوت

كان الإفراج عن جلعاد شاليت يبدو قريباً جداً، في منتصف شهر كانون الثاني من هذا العام. فقد صاغ الوسيط الألماني غيرهارد كونراد مسودة الاتفاق الثالثة التي كتبها وقدمها إلى حماس يصحبها إنذار: فإما التوقيع حتى مطلع شباط وإما أن يعتزل الوساطة. أراد كونراد أن يفشل حماس لكنه لم يتوقع لا هو ولا رئيس الاستخبارات المصري آنذاك الجنرال عمر سليمان الذي صاحب المسيرة كلها، تطوراً دراماتياً جداً غير قواعد اللعب ألا وهو الثورة في مصر.

كان التقدير آنذاك أن الاتفاق بعيد أسبوعين عن التوقيع ولولا إسقاط نظام مبارك لأُفرج عن جلعاد شاليت في شباط كما يبدو، ولكنهم في حماس استقر رأيهم بإزاء التطورات على أن ذلك ليس زمناً ملائماً للتوقيع. قال مسؤول حماس الكبير احمد الجعبري لمساعديه: «يجب أن نرى كيف تتطور الأمور. قد نستطيع الآن أن نستخرج من إسرائيل أكثر».

وفي نهاية المطاف نُفذت الصفقة من غير الاستخبارات الألمانية ـ لكنها تعتمد على تلك الوثيقة التي سلمها كونراد إلى الطرفين في مطلع العام. وفي واقع الأمر كانت قناة التحادث التي وقعت الصفقة بفضلها آخر الأمر هي نشيط السلام الإسرائيلي غرشون باسكن مع غازي حامد من حماس.

في السنين الخمس ونصف السنة التي مرت منذ وقع جلعاد شاليت في الأسر، غطيت التفاوض السري الذي تم على أيدي ناس كثيرة في عدد من الدول في محاولة للتوصل إلى صفقة بين حماس وإسرائيل. وقد أبطلت الرقابة جزءاً كبيراً مما حاولنا نشره في هذه الفترة.

يمكن الآن أن ننشر لأول مرة ملخص الأحداث وراء الستار وأن نصف ـ بلسان واحد من قادة الاستخبارات الإسرائيلية ـ «كيف تحول خلل تكتيكي إلى أزمة إستراتيجية».

وربما أيضاً كيف قد تنشئ الصفقة الجديدة من هذه الأزمة خاصة ـ كما عبر عن ذلك عدد من العناصر الكبار في المخابرات الإسرائيلية محادثة لغير النشر مع هذا الملحق ـ فرصة لمحادثة حماس.

قائمة مع الأسماء

اختطف جلعاد شاليت يوم الأحد الخامس والعشرين من حزيران 2006، في كمين نفق مخطط له جيدا أعده ناس حماس مع مشاركين من منظمات أخرى ومع العلم بأمر الاختطاف فوراً تمت عدة عمليات عاجلة كانت ترمي إلى الكشف عن أنه أي خلية وأي منظمات كانت مشاركة فيه. في تلك الفترة كانت حرب لبنان الثانية ـ التي نشبت بعد ثلاثة أسابيع من اختطاف شاليت ـ في ذروتها. وقد أغرقت إيران وحماس الميدان بمعلومات تضليل. ولهذا استقر الرأي على تجاهل جميع المعلومات التي جُمعت حتى ذلك الحين عن مكان شاليت.

ومنذ ذلك الحين لم تعلم إسرائيل أين يوجد جلعاد شاليت بحيث لم يكن من المستطاع البتة أن توزن عملية تخليص. فلماذا فشل تحديد موقعه؟ ذاك في الأساس بسبب سرية الطرف الثاني وحقيقة أن جماعة صغيرة جداً من الناس لم يُبدلوا خلال فترة الأسر، هي التي اعتنت بجلعاد واحتفظت بالسر بحرص كبير.

في الشهور الأولى بعد الاختطاف توسط المصريون بين إسرائيل وحماس. كان مسؤولون كبار في الاستخبارات المصرية يشغلون مكتباً في غزة قبل أن يُطردوا من هناك حينما سيطرت حماس على القطاع.

في إطار هذه الاتصالات تم الاتفاق آنذاك على مخطط الصفقة وهو أن تفرج إسرائيل عن 450 أسيراً لحماس في قائمة يتفق عليها الطرفان. وفي الدفعة الثانية، بعد الإفراج عن شاليت، تُخلي إسرائيل سبيل 550 أسيراً آخر (أي ألفاً في الحاصل العام)

تقررهم على نحو حصري. والحديث في الأساس عن شباب ونساء ممن كانت إسرائيل تنوي الإفراج عنهم أصلاً أو ممن اقترب أسرهم من نهايته. وبعبارة أخرى كان الجبل منذ البدء في تركيب المجموعة الأولى.

لسبب غير واضح أصرت إسرائيل على أن تسلم حماس القائمة الأولى. وفي حماس التي فرح ناسها بهذه الفرصة، سجلوا هناك جميع الأسماء الثقيلة من المنظمة، ومنذ ذلك الحين أفشلوا إسرائيل وأنفسهم في الحقيقة بهذه القائمة التي لم يستطيعوا النكوص عنها إلى ما قبل أسبوع.

الموساد و«الشباك» يعارضان

في آذار 2009 نجح المصريون في الإتيان بإسرائيل وحماس إلى القاهرة لما بدا صفقة ستوقع في العاجل. وطلب أولمرت إلى رئيس «الشباك» في حينه، يوفال ديسكن، أن ينضم إلى عوفر ديكل المسؤول من قبله عن موضوع شاليت في المحادثات وأصرت حماس على الإفراج عن مسؤولين كبار كُثر.

مهما يكن الأمر فإن العناصر الاستخبارية وعلى رأسها رئيس «الشباك» آنذاك ورئيس الموساد آنذاك مئير دغان عارضا حتى نهاية عملهما أثناء 2011 صفقة الإطلاق كما كانت حماس مستعدة لها.

زعما أننا إذا فحصنا عن أعمال كل أولئك الذين أُعيدوا في جميع الصفقات فإن نصفهم تقريباً عادوا لمزاولة الإرهاب.

سلم «الشباك» آنذاك المعطيات التالية: من بين الـ 364 المحررين في صفقة تننباوم في كانون الثاني 2004 والذين أُعيدوا إلى المناطق، اعتُقل 30 في المائة من جديد ومن بين الـ 238 المحررين في صفقة جبريل الذين أُعيدوا إلى المناطق، سُجن 48 في المائة ثانية.

وأمر آخر يتصل بكرامة الدولة: وكان القصد إلى 15 مخربا في قوائم حماس، لا يجوز بحسب رأي بعض عناصر الاستخبارات البتة إطلاق سراحهم، أحدهم هو عباس السيد، الذي تولى الإشراف على العملية في فندق «بارك» في نتانيا في 2002 التي قتل فيها في ليل الفصح 30 وجرح نحو من 140.

احتار رئيس الحكومة أولمرت وأجرى مشاورات مع أصدقاء ومسؤولين كبار. وفي نهاية المطاف لم يتم التوقيع على الصفقة.

لقاء حاسم في برلين

بعد تبدل الحكم في إسرائيل خرج حجاي هداس الذي عينه رئيس الحكومة نتنياهو، إلى برلين مع مسؤولين كبار من الموساد للقاء رئيس الـ ـ بي.ان.دي آرنست اورلاو. وقد جاء الإسرائيليون مع رسالة من نتنياهو فيها طلب رسمي أن يتحمل الـ بي.ان.دي عامة وغرهارد كونراد خاصة مسؤولية الوساطة مرة أخرى.

استُدعي كونراد إلى اللقاء وبعد أن استعملت عليه ضغوط كبيرة وافق على قبول المهمة.

كان لكونراد عدة شروط ـ وهي أن يكون واضحاً انه لن يستطيع أن يخصص زمنه كله كما في المرة السابقة، بسبب التزامات شخصية؛ وان تقبله إسرائيل وحماس أيضاً بصفته وسيطاً؛ ولا يقل أهمية عن ذلك ـ سرية كاملة لاسم وصورة ومشاركة رجل استخبارات ألمانية في المسيرة، وأعلن اورلاو أن ألمانيا تلتزم بصورة كاملة قضية شاليت وإنها ستخصص لذلك جميع الموارد المطلوبة بلا حدود.

كان المصريون هم الذين لم يقبلوا بفرح هذا التطور، وهم الذين رأوا أنفسهم الوسطاء الرؤساء وشعروا بالضرر الكبير لربط الألمانيين بالجهد. بعد شهرين من ذلك كشف مبارك الذي شعر بالإهانة في مقابلة تلفاز عن المشاركة الألمانية التي كان يفترض أن تظل سرية. وبذلك قال مبارك: نحن المصريين كنا وسطاء جيدين. كانت القضية قد أصبحت محلولة ولولا إصراركم الأحمق لكان شاليت في البيت منذ زمن.

منذ ذلك الحين وفي تفاوض محموم تم في تنقل على توال أحياناً كل يوم بين تل أبيب وغزة، تقدم كونراد سريعاً في حبك الصفقة. وقد كان متفائلاً في تموز وقال لنظرائه في برلين انه يأمل أن يوقع «قبل عيد الميلاد»، أي حتى نهاية سنة 2009.خلال تموز وآب 2009 نشرت وسائل إعلام فلسطينية أنباء كأن الصفقة قد استكملت في واقع الأمر. كانت تلك أنباء

كاذبة لكن تم من وراء الستار نشاط محموم لمحاولة إتمام الأمر ولتسكين مخاوف شديدة لإسرائيل بسبب معلومات استخبارية تم تلقيها عن وضع شاليت الجسماني السيء.

طلب حجاي هداس من الوسيط كونراد برهاناً على أن شاليت حي سليم، بشريط فيديو إذا أمكن. وقد صاغ الوسيط الصفقة بحملته المكوكية: وفي إطارها سيشاهد الشريط المسجل بعد ذلك تنقل إسرائيل 20 أسيرة «خفيفة» وبعد ذلك يُنقل الشريط المسجل إلى إسرائيل بوساطة الوسيط.

تمت الصفقة. وصل الشريط المسجل وظهر شاليت فيه في وضع أفضل من المتوقع. وكانت تلك إشارة ايجابية إلى الصفقة التي ستوقع في الحال.

وفي الحقيقة فإن الفروق في المحادثات بين كونراد وحجاي هداس في تل أبيب ومحمود الزهار المسؤول من قبل حماس في غزة أخذت تضيق. وزع الوسيط قائمة الـ 450 التي قدمتها حماس في حينه إلى مصر في ثلاث مجموعات: أولئك الذين وقع الاتفاق عليهم؛ وأولئك الذين يُعدون «اشكاليين»، والذين اعتقد انه سينجح في إقناع إسرائيل بأكثرهم؛ وأولئك الذين لا يحتمل البتة أن توافق إسرائيل على الإفراج عنهم والذين أسماهم مجموعة الـ في.آي.بي. بالنسبة للأسماء في المجموعة الثالثة، طُلب إلى حماس أن تأتي بأسماء بديلة. ولم يكن جدل في عدد الذين سيفرج عنهم. وبالمناسبة نقول انه بخلاف مزاعم حماس وأنباء منشورة مختلفة في وسائل الإعلام، لم تطلب حماس قط بجدية الإفراج عن مروان البرغوثي. فالمنظمة الإرهابية الفلسطينية تخشى قوة الزعيم العلماني وتكذب بوقاحة حينما تزعم أنها حاولت الإفراج عنه بجدية.

نشأت بين الزهار وكونراد علاقات صداقة. وقال الزهار في حديث مع نظيري كريستوف شولت من صحيفة «دير شبيغل» بعد نقل الشريط المسجل بساعات معدودة، قال أن التفاوض في إطلاق سراح شاليت سيستمر أسابيع إلى أشهر قبل أن يستكمل.

«نحن الفلسطينيين، نريد إنهاء التفاوض في أسرع وقت... نحن نُقدر على نحو عميق عمل الوسيط الألماني. فهو شخص محترم وصادق. ومنذ تولى الأمور أصبح التفاوض يتم بصورة مهنية جداً. هذه الصفقة الأولى (القصد إلى الشريط المسجل) هي برهان على أن الوسيط الألماني يستطيع أن يقود إلى نجاح».

بدا كل شيء ايجابياً جداً. في تشرين الثاني بدأوا في الاستخبارات الإسرائيلية يلاحظون فروقاً داخل حماس. فمن جهة قام محمود الزهار وإسماعيل هنية اللذان أيدا الصفقة حتى في شروط أقل حُسنا مما أملت حماس في البدء.

ومن الجهة الثانية قام احمد الجعبري، رئيس أركان حماس الذي يحتجز شاليت بالفعل والذي يخشى أن يفضي الإفراج عنه إلى إضعافه داخل المنظمة ويعارض بالقوة كلها كل مصالحة مع إسرائيل.

وبينهما قام خالد مشعل الذي هو زعيم المنظمة في ظاهر الأمر. ومما فاجأ كونراد، ولم يكن ذلك كما عرف في حكم نصر الله التركيزي لحزب الله، أن مشعل تردد في فرض رأيه وفضل وحدة المنظمة على الصفقة وإن يكن قد أيدها وراء الأبواب المغلقة.

بعبارة أخرى لم يشأ مشعل أن يخاصم الجعبري. وبدأت حماس تجمجم ولم تُقدم أجوبة عن أسئلة كونراد المحددة.

لكن الإشارات التي كانت أكثر إقلاقاً كانت في الطرف الإسرائيلي خاصة. نجح حجاي هداس في بداية طريقه نجاحاً رائعاً في عمله. فقد نجح في تقويم العلاقات بالوسيط الألماني. وكان يبدو للحظة أن الصفقة توشك أن تتم وبدأوا في وزارة العدل يُعدون ملفات العفو التي ستُقدم للرئيس. قبل يوم من «عيد الميلاد» قُدم اقتراح مكتوب من قبل الوسيط الألماني ليوقع عليه الطرفان.

وآنذاك في كانون الأول 2009 انهار كل شيء.

صفقة ممكنة وتفجير

يبين تحليل متأخر أن حجاي هداس تابع التفاوض من النقطة التي وقف فيها في آذار 2009. وقد جرى هداس إلى الأمام مع التفاوض الذي نضج لما أصبح يبدو صفقة ممكنة التوقيع قُبيل نهاية السنة الميلادية. بيد أنه في خلال ذلك لم تُجر في إسرائيل جلسات نسقت الجهات فيها بينها التوقعات وما هي مستعدة لإعطائه.

زعموا في محيط رئيس الحكومة نتنياهو أن الوسيط هداس تبنى في واقع الأمر موقف الجيش الإسرائيلي، برئاسة رئيس الأركان اشكنازي، الذي يؤيد الصفقة.

في العلاقات الخاصة الجيدة جداً التي نشأت بين المنسق هداس وبين الوسيط الألماني تقدم هداس في التفاوض وهو يعمل باسم نتنياهو. وقد ترك رئيس الحكومة نفسه لهداس أن يجري إلى الأمام ولم يطلع على خفايا الأشياء إلا قُبيل المرحلة الأخيرة، قبل نهاية كانون الأول.

في هذه المرحلة كان الفرق بين الطرفين ضئيلا جدا (15 ـ 20 إسما)، بل وجدت دولة في الخليج الفارسي تكون مستعدة لاستيعاب عدد من المفرج عنهم اتُفق على ألا يُطلقوا «إلى داخل الميدان».

آنذاك صد نتنياهو عما عُرض عليه من حجم تنازلات إسرائيل بل نشأ جدل حاد بينه وبين هداس. جمع نتنياهو المجلس الوزاري المصغر (حلقة السباعية) لنقاش ماراثوني أجاز فيه اقتراحاً جديداً تماماً أكثر تشدداً من الذي صاغه كونراد وهداس وأمضاه بأكثرية ستة مقابل واحد (هو بني بيغن الذي يعارض أي دفع عن مخطوفين).

وكان آخر ذاك أن عاد حجاي هداس إلى المنسق الألماني وقد نكل في واقع الأمر عن الاتفاقات التي تم إحرازها من قبل. وعرض موقفاً أكثر تشدداً من الصفقة، يشتمل على شروط إسرائيل الأخيرة وفي مقدمتها «تنظيف» القائمة من أكثر الأسماء الثقيلة. وأمر نتنياهو هداس بوقف التفاوض ورؤية الصفقة التي اقترحها شرطاً نهائياً لن يكون بعده مصالحة أخرى.

قال لي آنذاك في مطلع 2010 عناصر المانيون كبار مقربون من القضية أنهم خاب أملهم من نتنياهو وعبروا عن انتقاد شديد وزعموا أن هذا السلوك أدى بالتفاوض إلى طريق بلا مخرج.

«كنا على ثقة من أن نتنياهو يستطيع إجازة الأمر في المجلس الوزاري المصغر بسهولة. واعتقدنا أن له تأثيراً أكبر في الوزراء»، قالوا هناك في أحاديث مغلقة. ويعتقد آخرون أن نتنياهو لم يستعمل تأثيره استعمالاً كافياً بل ربما كان مهتماً وراضياً، بسبب احتياجاته الداخلية، عن المعارضة التي أبداها الوزراء يعلون وبيغن وليبرمان.

اعتقدت هذه العناصر أن نتنياهو لم يكن معنياً آنذاك البتة بنجاح الصفقة خشية الإفراج عن قتلة. ومن المهم أن نذكر أن الموقف الرسمي للاستخبارات الألمانية ما زال يتوقى جدا حتى اليوم كرامة رئيس الحكومة ويلقي التبعة عن فشل التفاوض على عدم قدرة حماس على تقديم أجوبة عن عدد من الأسئلة وهو ما أفضى إلى تشدد نتنياهو في موقفه.

ومهما يكن الأمر فإن الصفقة الجديدة المتشددة، التي اقترحتها إسرائيل أفضت إلى إعادة التفاوض إلى بدئه، بقدر كبير. وعند تلك النقطة علق التفاوض مدة سنة.

بعد ذلك بزمن قصير كتبنا هنا، في تقرير من برلين أن «جلعاد شاليت لن يُسرح قريبا ونشك أن ينضج المسار الحالي بوساطة الاستخبارات الألمانية ليصبح صفقة... وقد أفضت سلسلة عدم تفاهمات وإدارة إشكالية من الطرف الإسرائيلي إلى انهيار الصفقة».

رفضت الرقابة العسكرية آنذاك جزءاً كبيراً من هذا الكلام. ومن المهم أن نذكر أن رئيس الموساد مئير دغان انضم إلى معارضة رئيس «الشباك» ديسكن للصفقة في المخطط الذي عُرض آنذاك. يصعب أن نؤمن بأن رئيس الحكومة نتنياهو، حتى لو أيد الصفقة، كان ينجح في إمضائها في الحكومة في مواجهة معارضة هذين المسؤولين الكبيرين.

قال دغان في إحدى جلسات الحكومة أن الإفراج عن 450 قاتلاً إلى مناطق يهودا والسامرة فيه احتمال ضرر غير عادي وزعم أن 231 إسرائيلياً قتلهم مسرحون في صفقة تننباوم. وزعم أيضاً أن الإفراج عنهم سيقوي حماس ويضعف أبو مازن جداً. وهناك من يخمنون أن هذا واحد من الأسباب التي أفضت بنتنياهو إلى التوقيع الآن خاصة بعد أحداث أيلول، على الصفقة.

في كانون الثاني 2010 نقل كونراد باسم إسرائيل إلى حماس تنازلات أخرى عن اقتراح نتنياهو «الأخير» ولا سيما ما يتعلق بالإفراج عن نساء. لكن حماس رأت هذه التنازلات «تجميلية فقط» وظلت المنظمة على صمتها ولم يصدر عنها جواب نهائي عن الاقتراح.

2010 ـ بلا تقدم

أحدث انهيار التفاوض سلسلة أزمات أخرى، لا في إسرائيل وحدها. ففي داخل حماس تم اتهام محمود الزهار بأنه أصبح «غربياً» جداً، بسبب علاقاته الطيبة مع كونراد، وبأنه أدار الأمور بصورة مختلة، بإحداثه تفاؤلاً مفرطاً.

حينما كان يبدو أن الصفقة توشك أن توقع بدأ أسرى المنظمة يتلقون رسائل عن الإفراج القريب عنهم وسُئل فريق منهم هل سيكونون مستعدين لأن يُطردوا إلى الخارج. كل ذلك أحدث بالطبع توقعاً وخيبة أمل غير صغيرين. ويوجد وزن كبير لعائلات الأسرى في حماس. أن ممثليهم الذين جاءوا كل يوم جمعة لزيارة الزهار وهنية، صبوا عليهما الغضب والدعاوى القاسية.

نُحي الزهار جانباً وسيطر ناس الجعبري سيطرة مطلقة على التفاوض وحينما تبين انه لا يمكن التوصل، في ذلك الوقت على الأقل إلى صفقة بين الطرفين، استقر الرأي في الاستخبارات الألمانية على ألا ينهي كونراد عمله وان يتابعه بين فينة وأخرى. وذلك بموازاة عمله الجديد في الاستخبارات الألمانية الذي يتولاه حتى اليوم ـ رئيس مقر العمل الشخصي لآرنست اورلاو، رئيس الـ بي.ان.دي.

وهكذا انقضى أكثر سنة 2010 من غير تقدم ما. في تشرين الأول فقط استقر رأي كونراد على أن يضغط ضغطا آخر. جاء إلى غزة حيث تحدث محمود الزهار معه بإلماح عن طموحه إلى إنهاء القضية وإتمام صفقة. مع ذلك أكد الزهار أن رأي الجعبري في الشأن يؤثر في قيادة حماس أن لا تعطي جواباً ايجابياً عن الاقتراح الإسرائيلي «الأخير».

عبر الزهار على مسامع كونراد عن خيبة أمله لأنه قطع معه مسافة في التفاوض في السنة الماضية بل خسر الكثير من النقاط داخل حماس حينما أخذ بتوجه معتدل نسبيا، كي يحصل آخر الأمر فقط على رفض نتنياهو.

والتقى كونراد في إسرائيل حجاي هداس وسمع منه أن رئيس الحكومة مصر على رأيه ألا يقترح أي مرونة في التفاوض وأن مخطط الصفقة الذي اقترح في كانون الثاني هو الأخير والنهائي.

في تشرين الثاني 2010 فقط بدأ مع كل ذلك تمهيد طريق صغير: فقد تلقى كونراد من إسرائيل إشارات إلى مرونة ما أخرى يمكن أن يتم تطبيقها على كل ما يتعلق بالنساء والإفراج عن أسرى من شرقي القدس.

بدأ يأتي إلى المنطقة وأجرى جولة محادثات أخرى. وأصر كونراد الخبير بخيبات الأمل على أن يصوغ هذه المرة مخططاً يقبله الطرف الإسرائيلي ويقدمه بصفة وحدة واحدة إلى حماس. ونقل كونراد أسس المخطط المصوغ إلى حماس وفسر الردود التي حصل عليها هناك بأنها ايجابية جداً. وقدر رئيس الاستخبارات المصري عمر سليمان أيضاً إذ كان آنذاك الرجل الأقوى في مصر، انه يستطيع استعمال تأثيره في حماس لتقبل المخطط. هذه الرسالة، الايجابية جدا التي جاءت من كونراد ومن سليمان ومن تعقب إسرائيل الاستخباري لحماس، أفضت إلى تفاؤل كبير في محيط رئيس الحكومة وبدأوا في وزارة العدل يُعدون مرة أخرى ملفات العفو التي ستُقدم للرئيس.

لكن كانت حماس هذه المرة هي التي قدمت جوابا سلبيا، بصورة رسمية. ولم يقنط كونراد وخلال شهري آذار ونيسان بدأ حملة ضغوط: على إسرائيل لتتنازل أكثر ولتصالح فيما عُرف بأنه «خطوط نتنياهو الحمراء»ـ الإفراج عن شخص ما من القائمة السوداء للمسؤولين الكبار الخمسين، والإفراج عن عرب إسرائيليين وطرد أكثر المفرج عنهم إلى خارج يهودا والسامرة.

عاد حجاي هداس إلى كونراد مع جواب سلبي مطلق. وهذا هو السبب الذي بسببه فوجئوا جداً في ألمانيا حينما عرفوا قبل أسبوع قبل وقت قصير من النشر العلني، بشروط الصفقة التي تمت.

بمساعدة فرنسا وتركيا

مقارنة بمخطط شباط وإزاء رفض نيسان كان نتنياهو هو الذي قام بأكثر التنازلات هذه المرة، لا حماس. كان هناك في نيسان من اعتقدوا أن ضغوط كونراد مفرطة وسمع في إسرائيل كلاماً شديداً عن أنه يلتزم موقفاً يؤيد حماس. وابتلع كونراد الإهانة ولم يرد.

واستعمل مسار ضغوط ثان على حماس بواسطة عدد من الدول ذوات الوزن. فقد جند كونراد فرنسا (فشاليت مواطن فرنسي) وتركيا للمساعدة في الجهود. بل انه حاول أن يجند دولة مهمة في الخليج لكنها رفضت المشاركة. وفي نطاق حملة الضغوط توجهت ألمانيا وعدد من زميلاتها في أوروبا إلى ممثلي حماس وهي منظمة يهمها الاعتراف بها في العالم وفي دوائر دولية كتلك المتصلة بالأمم المتحدة، بل اهتمت بنقل تهديد بالتعريض بأنه إذا لم تُنهي حماس قضية شاليت في أسرع وقت فسيُبعد عنهم.

أحرزت جميع هذه الجهود النتيجة العكسية بالضبط. فقد كانت يد الجعبري في حماس هي العليا ونشر إعلانات من قبله لم ترفض مخطط شباط فقط بل اتهمت كونراد أيضاً بأنه يخدم إسرائيل وبأنه ليس وسيطاً نزيها.

يبين رجل استخبارات إسرائيلي رفيع المستوى قائلاً «القيادة في دمشق حساسة بالضغوط الدولية، لكن الجعبري لا تهمه تركيا أو فرنسا. رأى كل ذلك مؤامرة صهيونية واستقر رأيه على طرح الوساطة الألمانية».

على خلفية الطريق المسدود المطلق الذي دُفع التفاوض إليه، استقر رأي الوسيط حجاي هداس على الاستقالة. وعلى شفا التوقيع على الصفقة في مصر أبلغه فريق شاليت آخر ما جدّ. ورد هداس باستغراب وبغير قليل من خيبة الأمل وقال أن نتنياهو قال له في الأمور المتفق عليها الآن بالضبط انه لن يهادن أبداً.

تولى العمل بدل هداس دافيد ميدان الذي كان في السابق رئيس «تيفل»، وهي شعبة العلاقات الخارجية التابعة للموساد والذي أعارته المنظمة لديوان رئيس الحكومة. ووجد دعامة مكسورة: فحماس لا تريد أن تسمع من الألمان، ومحمود الزهار ضعيف وقيادة حماس في دمشق ـ خالد مشعل ونائبه أبو مرزوق ـ غير مستعدين لمواجهة الجعبري.

«نحن عالقون وبين الطرفين وضع عدم ثقة مطلق»، أبلغ ميدان نتنياهو.

وآنذاك حدث غير المتوقع الذي أفضى إلى الصفقة آخر الأمر. فقد أُغرق هداس وبعد ذلك ميدان باقتراحات جهات مختلفة ونشطاء منظمات غير حكومية مختلفة من البلاد والعالم أرادوا المساعدة في الوساطة.

ليس هذا الوضع شاذاً. فمتطوعون من قبل أنفسهم يقترحون مرات كثيرة خدمات في قضايا مختلفة. ويتبين في أكثر الحالات أن الاقتراحات «ضجيج» استخباري وهدر موارد. لكن يحدث شيء مختلف بين الفينة والأخرى.

وهذا ما حدث مع صفقة شاليت. فقد جاء نشيط السلام الإسرائيلي غرشون باسكن للقاء مع ميدان الذي اعتقد في البدء انه واحد آخر من تلك الحالات التي سيتبين أنها ضجيج لكن استقر رأيه على المحاولة. وقد زعم باسكن انه انشأ علاقة طويلة وعميقة تعتمد على الثقة بغازي حامد من حماس وانه يمكن بهذه العلاقة نقل رسائل إلى الجعبري.

واستقر رأي ميدان على أن يجرب. نقل عدة رسائل في القناة الجديدة. وجندت جماعة الاستخبارات الإسرائيلية موارد كثيرة بينت أن قناة الاتصال ثقة ودقيقة: فالرسائل إلى باسكن تُنقل بحرفيتها من ميدان إلى حماس وهو لا «يجملها» وينقلها حامد نقلاً دقيقاً إلى قيادة حماس.

بعد أن تبين أن القناة ثقة طلب ميدان إلى باسكن أن ينقل إلى حامد أن ينقل إلى الجعبري أن إسرائيل مستعدة لبدء التفاوض من جديد. ولعدم التعقيد وعدم البدء من جديد، سيقوم الاتفاق على مخطط شباط 2011. فليتفضل السيد الجعبري وليقل ما

الذي يريد أن يغيره في هذا المخطط، وهكذا سترى إسرائيل هل يوجد ما يُتحدث فيه. «وقُل لحامد أن يكتبوا شيئاً ما منطقياً وإلا فلا داعي لكل هذا»، أضاف ميدان.

وثيقة جديدة ومفاجأة

مضى باسكن وعاد بعد أسبوع مع وثيقة مكتوبة. وفوجئوا في إسرائيل. فقد وافقت حماس على عدم بدء كل شيء من جديد، وكان الشذوذ عن مخطط شباط أقل تطرفاً من المتوقع. كان يبدو انه يوجد ما يُتحدث فيه. وقال ميدان لنتنياهو: «هذه مطالب غير سهلة لكن يمكن بدء العمل».

من هذه النقطة طلب ميدان التحول إلى تفاوض رسمي بين الطرفين يتم تحت مظلة دولة ثالثة. وخلص إلى استنتاج أن إسرائيل تحتاج إلى مصر أو تركيا. وفي النهاية وقع الاتفاق على مصر التي لم تتحمس لمشاركة تركية. وتابع الأتراك ـ وفاجأ هذا إسرائيل أيضاً ـ المساعدة برغم القطيعة بين الدولتين ووافقوا على استقبال عدد من المطرودين.

تمت الجولة الأولى في القاهرة في منتصف أيلول الثاني. وتمت الجولة الثانية بين 4 ـ 6 تشرين الأول وتمت اللقاءات الأخيرة خلال الأسبوعين الأخيرين، حتى الاتفاق على الصفقة في الجلسة يوم الخميس قبل أسبوعين.

فاجأ المصريون إسرائيل بعدة صور، أولاً فرحوا جداً للمبادرة وكانت علامات شعورهم بالإهانة لتنحيتهم قبل سنتين ملحوظة جيداً. وأرادت الاستخبارات المصرية بقيادة ورثة سليمان البرهان على أنها تستطيع النجاح في المكان الذي فشل فيه الألمان. وأكثر من ذلك أن المصريين فاجأوا وأجروا جولات المحادثات في نظام ألماني متشدد لم يكن معروفاً في إسرائيل. قد يكون كونراد بقي في الخارج لكن الصورة الدقيقة لتسجيله وتوثيقه كل شيء، والمباحثات الطويلة والجهود الكبيرة مع إنفاق ما لا يحصى من الوقت ـ كل ذلك أصبح تراثه في الشرق الأوسط.

ضغط مصري ثقيل

لكن المصريين فاجأوا في نقطة أخرى. فهم لم يضغطوا على حماس ولم يستغلوا تأثيرهم في قادتها فحسب بل استعملوا ضغوطاً بعضها عنيف، من أجل المصالحة في نقاط الاختلاف المركزية. وقد وجدت إسرائيل لواحدة منها حلاً ممتازاً من جهتها: فقد تبين انه يمكن الإفراج عن عرب إسرائيليين طاعنين في السن جداً، بصورة ترضي حماس. ويكون هذا في ظاهر الأمر خرقا لخط أحمر بالنسبة لنتنياهو لكنه لا يكون في الحقيقة خطراً أمن يا.

وفي مقابل هذا بُدل رئيسا الموساد و«الشباك» دغان وديسكن اللذان عارضا الصفقة وحل محلهما تمير بردو ويورام كوهين اللذان وافقا على الصفقة. بل أن كوهين كان مشاركا في صوغها في المرحلة الأخيرة من التفاوض في القاهرة.

هل الفروق بين الصفقة التي عارضها ديسكن ودغان وتلك التي أجازها كوهين وبردو كبيرة بقدر كاف لتسويغ تغيير الموقف؟ وكم من القدرة لرئيس جديد، مدين بتعيينه لنتنياهو، على أن يواجه رئيس حكومة حازماً اتخذ «قراراً قيادياً»؟.

يتعلق ذلك بمن تسألون. بل انه في جلسة الحكومة التي أجازت الصفقة نشأت مواجهة شديدة طلب فيها الوزير لنداو من هذين الرئيسين الجديدين ألا يُبديا رأيهما بل أن يُدليا بالحقائق فقط. ورد كلاهما بشدة وأيدا رئيس الحكومة. والشيء المتيقن منه انه لو عارض بردو وكوهين لما نجح نتنياهو في إجازتها بأكثرية ساحقة، ويُشك في انه كان يحاول إجازتها أصلاً.

مهما يكن الأمر فإن أبطال الساعة هم الوسطاء المصريون الذين برهنوا على مثابرة منقطعة النظير وكانوا مثالاً، بلغة الوسيط ميدان في أحاديث مغلقة على أن «التعب هو تدليل».

بمساعدة اوباما

بقلم: عوديد غرانوت_ عن معاريف

الليبيون قتلوا أمس الرجل الذي حكمهم لاكثر من أربعين سنة، بالضبط مثلما تعامل العراقيون مع زعيمهم قبل خمس سنوات. مع فارق صغير واحد: صدام اعدم شنقا بعد محاكمة علنية ومغطاة اعلاميا. اما القذافي فاطلقت النار على رأسه مثل كلب في فعل من الفتك وبمحاكمة أمام جمهور متعطش للدماء، مسألة حظ وظروف.

ولكن المفارقة هي أنهما كلاهما، القذافي وصدام على حد سواء، كانا سيطول عمرهما حتى هذا العام لولا هرعت الدول الغربية لمساعدة الليبيين والعراقيين على التخلص منهما، في خطوات هجومية عسكرية، وبمساعدة معلومات استخبارية من الجو ومن الارض، بالسلاح، بالمعدات وبكل ما تيسر. بتعبير آخر: ليس العراقيون، بل الامريكيون هم الذين اسقطوا صدام حسين مثلما حلف الناتو، وليس "الثوار" ذوي ربطات الرأس الملونة وسيارات التندر المستعملة، هو الذي صفى حكم القذافي. والى هذا نضيف: واشنطن هي التي منذ بداية الطريق القت بحسني مبارك الى الكلاب، وربما الان ايضا نادمة قليلا على ذلك.

الامر يبعث على أفكار لاذعة بشأن المساهمة الفاعلة للدول الغربية في حث قيم الديمقراطية وحقوق الانسان في دول الشرق الاوسط. ما يحصل الان في العراق ما بعد صدام، الذي يستجدي الجيش الامريكي الا يغادر، خشية أن يسقط فريسة للتآمر الايراني؛ ما يحصل في مصر بعد اسقاط مبارك، والتي لن تستقر بعد ولا تزال تتحسس طريقها؛ ما سيحصل في ليبيا، الممزقة بين القبائل المتخاصمة ومن يدري متى ستتحد حول حكم مركزي – كل هذه هي دليل خالد على انه سهل نسبيا اسقاط حاكم طاغية بواسطة تكنولوجيا عسكرية متفوقة، ولكن اصعب بكثير بناء دولة جديدة وحديثة على خرائب الانظمة القديمة.

طغاة شرق اوسطيون لا يزالون في كراسيهم، مثل بشار الاسد، يمكنهم أن يستخلصوا ثلاثة دروس فورية من الحالة البائسة لصدام والقذافي ومبارك ايضا. الدرس الاول: لا تكن أبدا بطلا، لا تنتظر حتى النهاية واهرب – طالما كان ممكنا الهرب. إذ من هو ذو الحظ الاكبر: القذافي الميت؟ مبارك المحبوس؟ أم بن علي التونسي الذي نجح في الهرب الى السعودية؟. الدرس الثاني: أبدا لا تنزع بارادتك الطيبة السلاح الذي في يدك، فما بالك عندما يكون هذا سلاحا غير تقليدي. القذافي، وقد سبق أن قيل هذا من قبل، كان غبيا تاما بالمفاهيم الشرق اوسطية عندما نزع سلاحه الكيماوي الذي جمعه وسلاحه النووي الذي اعتزم تطويره. وهكذا جعل نفسه هدفا مثاليا لقصف الحلف الاطلسي. الدرس الثالث: إحرص ابدا على خلق أحلاف مع جهات اقليمية قوية، مزودة هي أيضا بسلاح متطور ويمكنها أن تمنحك مظلة ردع ضد هجوم غربي، كايران وحزب الله. وهذا بالضبط ما يفعله بشار الاسد في هذه اللحظات. كونه استوعب الدرس الثاني والثالث، فلا يزال لا يشعر انه يتعين عليه أن يطبق الدرس الاول.

الاسد ينظر مراقبا صورة الطاغية الميت

الكاتب: يوسي بيلين _ عن اسرائيل اليوم

عندما توقفت عيون العالم عند وجه الدكتاتور الهاذي الميت معمر القذافي، نظر اليه رجل واحد (وربما ليس فقط رجل واحد) فرأى نفسه، كان هذا بشار الاسد، طبيب العيون السابق شرح على ما يبدو لنفسه بانه ليس القذافي، وان سوريا ليست ليبيا، وان الناتو ليس في أعقابه، وانه لا يزال لديه مؤيدون أقوياء في العالم في صورة الصين وروسيا وبالطبع ايران.

رجال بلاطه يوجهون انتباهه الى مظاهرات التأييد لنظامه والى الاف المشاركين فيها اسبوعا بعد اسبوع. يعودون للتعهد له بان الجيش معه، وان الفارين هم اعشابا ضارة يجب مواصلة معالجتهم بيد من حديد. الوزيرة بثينة شعبان، صلته مع العالم، تقول له ان العالم لا يزال يعطيه فرصة. اما هو، بشار، فلا يمكنه أن يرفع عينيه عن هذه الصورة، صورة القذافي الميت.

حتى الان آمن بان الطائفة العلوية لن تسمح له بالسقوط، وان الضباط الكبار سيبقون معه وسيوافقون على اطلاق النار على المتظاهرين السوريين، المحرضين – هكذا هو مقتنع – من جهات أجنبية. عندما رأى مصير صدام حسين شرح لنفسه انه خلافا لصدام فانه لم يهدد العالم. عندما رأى مبارك يحمل على حمالة الى محاكمته، قال لنفسه ان ليس لمبارك طائفة بذلت كل ما يمكن كي لا يسقط. عندما رأى بن علي يفر من تونس الى السعودية، قال لنفسه ان هذا جبان لم يكن مستعدا لان يكافح في سبيل طريقه. ولكن عندما يرى القذافي الميت، رغم جيشه، رغم قبيلته التي أيدته حتى اللحظة الاخيرة، رغم سبل الفرار التي أمنها لنفسه في سرت، مدينة مولده – فانه ملزم بان يتوصل الى الاستنتاج بان أقوال البطولة لمبارك والقذافي بانهما لن يغادرا بلديهما، وانهما يؤمنان بالتأييد الواسع من الجمهور وانهما سيموتان في وطنيهما، لم تترك انطباعا خاصا على أحد.

محتمل جدا أن 20 تشرين الاول سيصبح ليس فقط يوما تاريخيا في تاريخ ليبيا، بل وايضا نقطة انعطافة في اعتبارات هذا الرجل الذي وصل الى الحكم كنتيجة لحادثة طرق، ولم يعرف ماذا يفعل بالقوة التي نزلت الى يديه، ولم تكن له أي فكرة عن الاصلاحات السلطوية عندما عقد مؤسسات حكمه البلشفي كي يتحدث عن تعديلات دستورية. بشار الاسد رأى المراجعة الاخيرة لنهاية حكمه. يحتمل جدا ان يكون استنتاجه هو الشروع في رزم الحقائب. ايران كفيلة بان تنتظره.

"خطأ في هوية العدو".. تحقيق الجيش الإسرائيلي حول عملية إيلات

كاتب: أليكس فيشمان_ عن يديعوت احرونوت

فجأة تبدأ المكعبات بالانتظام، ثلاثة أحداث استثنائية قفزت إلى العناوين في الأسبوع الثاني من شهر تشرين الأول، إسرائيل وحماس توقعان على صفقة تبادل أسرى، الولايات المتحدة أعلنت عن إلقاء القبض على أفراد من الحرس الثوري الإيراني، كانوا متورطين في محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن، ووزير الدفاع إيهود باراك ينشر اعتذارا لمصر عن مقتل جنود مصريين خلال عملية إيلات.

أي من هذه الأحداث لم يكن وليد الصدفة.. جميعها مرتبطة الواحد بالآخر بشكل مباشر أوغير مباشر، وتشكل معا جزءا صغيرا من جهد كبير، يهدف إلى استعادة السيطرة الأميركية والغربية المتآكلة على الشرق الأوسط في ظل أسطورة الربيع العربي.

إن المصلحة المشتركة لمصر وإسرائيل كانت ماثلة في خلفية الاتصالات التي أدت إلى إطلاق سراح غلعاد شاليط، وهذا ما أدى أيضا إلى اعتذار باراك لطنطاوي، في أعقاب العملية التي وقعت في شارع رقم 12 في إيلات.

محاولات وقف التدهور في العلاقات بدأ في منتصف أيلول عندما وصل مسؤول أمني إسرائيلي كبير إلى مصر، على خلفية أحداث السفارة الإسرائيلية في القاهرة وكان مفاجئا أن يطلب رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي شخصيا الاجتماع به.

الاجتماع بحث مبدئيا في تسوية الخلاف حول مسؤولية عملية إيلات وبالإرهاب الوافد إلى إسرائيل من سيناء، ولكن في الخلفية كانت تقف المرحلة الثانية وشبه المضمونة في صفقة شاليط. الطرفان اتفقا على أن التسويات التي يتم التوصل اليها في موضوع شاليط وموضوع سيناء تخدمان نفس الهدف وترتبطان ببعضهما البعض، وأن الصفقة يجب أن تعيد شاليط وتقوي مصر كعامل إقليمي قيادي والحد من النفوذ الإيراني.

إن إيران عارضت إنجاز الصفقة لأن إبقاء شاليط في الأسر كان بمثابة إبقاء جذوة النار مشتعلة بين الفلسطينيين وإسرائيل والتي يمس إطفاؤها بالمصلحة الإيرانية.

إسرائيل حولت مسألة تعزيز مكانة النظام المصري الجديد إلى إستراتيجية، وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الدفاع الأميركي إلى إسرائيل ومن ثم إلى مصر، والتي هدفت إلى الحفاظ على استقرار السفينة الغربية في مياه الشرق الأوسط، في هذا النطاق يدخل نشر أسماء المتورطين في محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن وتوجه الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن وإلى وكالة الطاقة النووية، لكشف التقارير المتعلقة ببرنامج إيران النووي، كلها مؤشرات أولية لزيادة الضغط على إيران الذي سيكون لإسرائيل دور فيه.

صفقة شاليط، موضوع سيناء ولجم النفوذ الإيراني في المنطقة كلها أجزاء في نفس المعادلة، وإسرائيل ملتزمة بهذه الاستراتيجية، وقد تضطر لدفع الثمن أحيانا، ولذلك لينت موقفها في موضوع شاليط، واعتذرت لمصر على قتل جنودها في سيناء.

النظام المصري طلب اعتذارا، لتعزيز مكانته في الشارع وإسرائيل كانت بحاجة لمصر كي تدير صفقة شاليط بنجاح، والصفقة عززت موقع مصر الإقليمي وأضعفت إيران، وهذا بداية مسلسل عمليات تهدف إلى ضرب الإسفين الذي دقته إيران في المنطقة، من هنا تكمن أيضا أهمية التحقيق الذي أجراه الجيش الإسرائيلي حول عملية إيلات، إذ أن جوهر التقرير لا يعالج العثرات الميدانية، بل خطر الإسفين الذي دقته إيران في سيناء على حدود إسرائيل والذي يصعب على المصريين التعامل معه. ان الجيش الإسرائيلي نصب كمينا، وكان يتوقع عملية لفلسطينيين من غزة. في هذه الحالة يكون الرأس والمخططون وقدرتهم العسكرية الميدانية معروفة للجيش و»الشاباك» الإسرائيليين، وهنا كمنت المفاجأة، فبدلا من العدو التقليدي قفز «شيطان» جديد.. «شيطان» كنا نعرف عن وجوده ولكن طالما لم يخرج من الزجاجة لم نستعد لمواجهته.

لهذا «الشيطان» أيديولوجية وقدرات مختلفة، فهو يقاتل بشكل مختلف، ويتصرف بشكل مختلف، هذا «الشيطان» دشن في الـ 18 من أيلول مرحلة جديدة على الحدود المصرية الإسرائيلية.

لم يكن أي إنذار مسبق يقول إن العملية التي كانت مرتقبة ستنفذ من قبل مجموعة إسلامية متطرفة من سيناء، ولذلك فإن جميع الاستعدادات وخطط المواجهة لم تكن فعالة، رجال سيناء تصرفوا بعكس كل التوقعات، الادعاء بأن «الشاباك» أعطى إنذارا تحول بعد نتائج التقرير إلى غير عملي، فـ»الشاباك» أيضا لم يعرف في الساعات الأولى للحدث من يقف ضد من، ولم يكتشف أن منفذي العملية مصريون من سيناء سوى في معهد التشريح أبو كبير.

في الساعة 11:56 دخلت سيارتان إسرائيليتان خصوصيتان كانتا تتحركان على شارع رقم 12، دخلتا إلى داخل «صندوق نار» بعرض 500 متر، صندوق يتألف من ثلاثة أشخاص مسلحين ببنادق «إم 16»، أحزمة ناسفة ومتفجرات، كان الهدف منها تفخيخ السيارات المصابة حالما تصل إليها قوات الإنقاذ.

خليتان إضافيتان مكثتا في الجانب الآخر من الحدود على مسافة قريبة، بينما مكثت خلية أخرى على مسافة بعيدة من الحدود وهي مزودة بصواريخ، بهدف إسقاط مروحيات إسرائيلية قد تتدخل لمساعدة القوات الإسرائيلية البرية، وفعلا تم إطلاق صاروخ على مروحية هجومية وصلت إلى المكان لمنع اختطاف إسرائيلي.

الجيش الإسرائيلي انتظر وصول الخلية ليلا، السيناريو كان يفيد بأن التخطيط هو اختطاف مواطن إسرائيلي ونقله الى قطاع غزة، تحت جنح الظلام، ولكن رجال سيناء نفذوا العملية نهارا، بعد ثلاث ساعات من موعد تحرير الجيش الإسرائيلي للمرابطين الذين جثموا طوال الليل بانتظار العملية.

التحقيق يكشف أنه بعد ثلاث دقائق من الإنذار، الذي وصل الساعة 11:57، دخلت إلى صندوق النار الذي صنعه المنفذون أربع سيارات في البداية، اثنتان خصوصيتان، الأولى من جهة إيلات، والثانية من جهة الشمال، وخرجتا منه مصابتان، ولكن بعدهما دخلت حافلة مليئة بالجنود، وحافلة أخرى كانت خلفها ولكنها خالية من الركاب، وتعرضتا لإطلاق النار. قتل سائق الحافلة الثانية يتسحاك سيلاع وانقلبت على جانب الشارع واشتعلت فيها النيران.

حتى تلك اللحظة لم يعلم الجنود الذين يقفون على الحاجز، الذي يبعد كيلومترا واحدا عن موقع العملية، أن الحديث يدور عن عملية مسلحة، وواصلوا تمرير السيارات وصولا الى صندوق النار، لولا مبادرة السائقين الذين أصيبت مركباتهم الشخصية في منع السيارات من العبور، فقط في الساعة 12:03 وصلت إلى القائد العسكري طال روسو معلومات حول إطلاق نار على حافلة.

التقرير يشير إلى أن المرة الأولى التي اصطدم فيها الجيش بالمنفذين، كانت بعد عشر دقائق من بداية العملية. دورية إسرائيلية تصل المكان وتقرر دهس المنفذ الأول الذي يقف في طريقها. محاولة الدهس تؤدي إلى انقطاع الحبل المشغل للعبوة الملفوفة على جسد المنفذ، وعندها اشتبك أفراد الدورية مع المجموعة. القصة لم تنته عند هذا الحد ففي الساعة الخامسة والنصف، وعندما كان وزير الدفاع وقائد الأركان وقائد الجبهة الجنوبية يستعدون لعقد مؤتمر صحفي حول العملية على

الشارع المذكور، تم إطلاق النار على مجموعة من أفراد وحدة خاصة كانت على مقربة من المكان، فقتل القناص بسكال أبرومي.

حسب التقديرات الإسرائيلية اشترك في العمليات المدمجة بين 10 الى 15 شخصا فيما تم إحصاء تسع جثث، وألقي القبض على اثنين في الجانب المصري.

التحقيق وصل إلى نتيجة خلاصتها أن بناء سيناريو خاطئ تشترك فيه جميع الأجهزة الأمنية قاد إلى تصرف خاطئ واستنتاجات خاطئة باستمرار فتح شارع رقم 12 لحركة السير رغم وجود إنذار وإن كان غير محدد بوقوع عملية مسلحة.