النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مقالات في الصحف المحلية 199

العرض المتطور

  1. #1

    مقالات في الصحف المحلية 199

    المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (199)

    المقالات في الصحف المحلية
    الاحد
    24/ 11 /2013

    الأسرى مجددا
    بقلم: حديث القدس – القدس
    المبادرة الاقتصادية الدولية ومتطلبات التنمية في فلسطين
    بقلم: د. محمد مصطفى – القدس
    اختلالات عقائدية مُخيفة
    بقلم: ناصر زيدان – القدس
    تعصب "حماس" يشتعل … ولا يضيء حقا!!
    بقلم: محمد الخطيب – القدس
    مطالبات وتوصيات الحد من العنف هل ترتقي إلى استراتيجية متكاملة؟
    بقلم: الدكتور حسن عبد الله – القدس
    الأحد... وكل يوم أحد ... المفاوضات... واللعب بالنار!
    بقلم: المحامي زياد أبو زياد – القدس
    مساهمة في النقاش حول الدستور المصري !!
    بقلم: هاني حبيب – الايام
    كلمات عن غزة التي تموت ببطء..!
    بقلم: أكرم عطا الله – الايام
    المعارضة السورية نحو جنيف
    بقلم: حمادة فراعنة – الايام
    ماذا نريد من الفريق الوطني لإعداد القوانين..!
    بقلم: ريما كتانة نزال – الايام
    تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية: نحو مراجعة نقدية شاملة
    بقلم: د. فيحاء قاسم عبد الهادي – الايام
    تطور الرواية العربية في فلسطين
    بقلم: عادل الأسطة – الايام
    تغريدة الصباح – عكّا/ أمستردام
    بقلم: حنان باكير – الحياة
    فتنة "الجماعة" بين تركيا ومصر
    بقلم: عدلي صادق – الحياة
    الصحفي والنائب بين الحصانة والعدالة
    بقلم: موفق مطر – الحياة
    رثاء والد في الذكرى الاولى لرحيله
    بقلم: رانية الحمد الله – الحياة
    الأسرى مجددا
    بقلم: حديث القدس – القدس
    التصريحات التي ادلى بها وزير شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع امس الاول المخاطر الحقيقية التي يتعرض لها الأسرى وخاصة الأسرى المرضى الذين اكد ان اوضاعهم الصحية خطيرة جدا جراء سياسة الاهمال الطبي التي تنتهجها السلطات الاسرائيلية وكذا الانتهاكات الاسرائيلية للمواثيق والاتفاقيات الدولية، تؤكد ان هناك الكثير مما يجب فعله رسميا وشعبيا لانقاذ هؤلاء الاسرى وتقريب يوم اطلاق سراحهم، وهي صرخة اخرى يوجهها وزير شؤون الاسرى الذي يدرك حقيقة الاوضاع المأساوية التي يعيشها آلاف الاسرى في السجون ومراكز الاعتقال الاسرائيلية.
    وقد تزامنت هذه التصريحات التي ادلى بها الوزير قراقع خلال مشاركته في مؤتمر لنصرة الاسرى عقد في رام الله مع معطيات تؤكد ان اسرائيل لازالت تحتجز ١٩٠ طفلا فلسطينيا وان حوالي عشرة آلاف طفل فلسطيني اعتقلتهم سلطات الاحتلال منذ انتفاضة العام ٢٠٠٠ وحتى الآن وهي معطيات تصادف نشرها مع يوم الطفل العالمي لتؤكد مجددا الطفولة الفلسطينية المعذبة جراء هذا الاحتلال البغيض. كما تزامن ذلك مع الاعلان عن قرب بدء المعتقلين الاداريين خطوات واضرابات تصاعدية احتجاجا على هذه الاعتقالات التي تنتهك المواثيق الدولية حتى وان حاولت اسرائيل تغليفها بتفسيرات قانونية لتلك المواثيق والاتفاقيات التي تتنكر لها اسرائيل وتنتقي منها ما تحاول تكييفه مع واقع الاحتلال ومنطقه الأعوج.
    ومن الواضح ان استمرار اسرائيل في احتجاز الآلاف من مقاتلي الحرية وتعريض حياتهم للخطر وفرض شروط معيشية تعسفية ومهينة بحقهم انما يتنافى تماما مع الاجواء المقترحة لعملية سلام او مفاوضات سلام، ولهذا كان لابد من استمرار كافة لفعاليات الرسمية والشعبية والتحرك على كافة الاصعدة لنصرة الاسرى سواء الفعاليات والتحركات التي تقوم بها وزارة شؤون الاسرى والوزير قراقع شخصيا كمناضل واسير محرر او الجهود التي تبذلها الرئاسة او الفعاليات واشكال التضامن التي تقوم بها مختلف فصائل العمل الوطني والمؤسسات التي تعنى بشؤون الاسرى.
    وبالطبع لا يمكن ان نتجاهل الاعتصامات والفعاليات المختلفة التي يشارك فيها اهالي الاسرى نفسهم في مختلف المحافظات.
    وازاء ضرورة التحرك العاجل لانقاذ حياة الاسرى المرضى وكبار السن فان ما يجب ان يقال هنا ان قضية الاسرى التي اصبحت مطروحة بقوة على جدول الاعمال الوطني لابد وان تبحث في مختلف المحافل الدولية، فلا يعقل ان تواصل اسرائيل انتهاكاتها الفظة للقانون الدولي والمواثيق الدولية دون ان تتعرض للمساءلة والمحاسبة خاصة بعد ما تسببت فيه سياستها تجاه الاسرى من استشهاد الكثيرين واصابة كثيرين ايضا بامراض وتردي الحالة الصحية لعدد من الاسرى، عدا عن الانتهاكات الخاصة بمعاملة اسرائيل المهينة للاسرى وفرض شروط حياتية قاسية عليهم.
    واذا كانت المفاوضات محكومة بسقف زمني ومحكومة بعدم التوجه للمحافل الدولية خلالها، فان الخطر المحدق بحياة عدد من الاسرى جراء السياسة الاسرائيلية المعتمدة وضرورة انقاذ هؤلاء الاسرى يجب ان تكون له الأولوية وان تصل رسالة واضحة للراعي الاميركي للمفاوضات فأننا ونحن نحرص على استمرار عملية سلام جادة وحقيقية لا يمكن ان نغض الطرف عن المخاطر الحقيقية التي تنتهك حياة اسرانا وبالتالي فان الولايات المتحدة ايضا مسؤولة الى جانب المجتمع الدولي في ايجاد حل بهذا الشأن خاصة وان المفاوضات نفسها باتت امام طريق مسدود مع كل ما تمارسه اسرائيل من انتهاكات وما تعلنه من مواقف متشددة.
    حان الوقت لوقفة جادة لنصرة الاسرى وانقاذ اولئك المرضى الذين يتعذبون بصمت دون ان يقدم لهم العلاج الملائم، وان ما اعلنه الوزير قراقع امس الاول يجب ان يشكل ضوءا احمر للبدء بمثل هذا التحرك الملح بغض النظر عن اية مبررات او ذرائع فالحديث يدور اولا واخيرا عن تهديد حقيقي لحياة عدد من مقاتلي الحرية.
    المبادرة الاقتصادية الدولية ومتطلبات التنمية في فلسطين
    بقلم: د. محمد مصطفى – القدس
    بعد ان نجحت القيادة الفلسطينية في إنجاز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية كعضو في الامم المتحدة في 29 تشرين الثاني 2012، كان لابد من الاستمرار بجهد وطني شامل لتجسيد الدولة على الأرض على مختلف المستويات بما في ذلك المستوى الاقتصادي. وقد يشكل استئناف مفاوضات الوضع النهائي في بداية آب 2013 فرصة لتسريع وتيرة هذا الجهد والمضي فيه إلى الامام. فقد ظهر مع بداية المفاوضات السياسية عدد من المبادرات الاقتصادية الايجابية التي تهدف الى تمكين الاقتصاد الفلسطيني ضمن برنامج تجسيد الدولة وتحقيق الاستقلال.
    وبغض النظر عن احتمالات نجاح أو فشل المفاوضات، لم يعد ممكناً سلوك نفس المسار الذي سرنا عليه منذ عشرين عاماً. وليس مقبولاً أن يكون سقف المبادرات الاقتصادية هو التعايش مع أو اجراء تحسين جزئي على الوضع القائم. فإذا ما انطلق القطار السياسي فإنه سيفتح الباب أمام استحقاقات عديدة، من أهمّها الحاجة لبناء القاعدة الاقتصادية للدولة القادرة على توفير حياة اقتصادية كريمة لمواطنيها ومناخ مواتي للتقدم والازدهار. وفي حالة فشل المفاوضات، فستكون هناك حاجة ماسة لانتزاع حقوقنا الاقتصادية وتبني برامج تواجه ما يعاني منه الاقتصاد الوطني من تراجع واضح وتبعية مقلقة تضعف مقومات شعبنا على الصمود.
    تتجلى صعوبة الوضع الاقتصادي الراهن من خلال مؤشرات عديدة وفي مقدمتها تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة والفقر واستمرار العجز في الموازنة العامة وارتفاع العجز التجاري. ولعل أكثر هذه المؤشرات اثارة للقلق هو ارتفاع معدلات البطالة التي سجلت معدلات قياسية حيث لا يستطيع واحد من بين أربعة فلسطينيين باحثين عن فرصة عمل الحصول على وظيفة. وفي ضوء هذا الواقع، فإن الاقتصاد الفلسطيني مُطالب بإيجاد أكثر من 600,000 فرصة عمل إضافية خلال العقد المقبل، الأمر الذي يتطلّب نمواً سنوياً للناتج المحلي الإجمالي بمعدل 10% على مدى الفترة المذكورة، أي ضعف المعدل الحالي.
    من هنا، فإنه في نفس الوقت الذي تعمل فيه القيادة السياسية على تحقيق الحرية والاستقلال السياسي، لا بد لنا من العمل على تأسيس قواعد أكثر متانة لاقتصاد وطني مستقل يتحدى الوضع الراهن الذي خلقه الاحتلال، وينتزع حقوقنا الاقتصادية، ويعالج الخلل الهيكلي الذي نخر في جسم الاقتصاد، ويوفر فرص عمل كريمة للمواطن ويحسن من انتاجيته ويخرجه من حالة الضغط المعيشي التي يعاني منها. ولتحقيق ذلك، لا بد من إحداث تغييرات جذرية على أرض الواقع تأتي ضمن برنامج وطني شامل للتحوّل الاقتصادي يشكل نواة للخطة الوطنية للتنمية للفترة 2014-2016 والتي ستشكل إطار عملنا في تلك الفترة لتحقيق النمو الاقتصادي بما يضمن العدالة الاجتماعية وبما يؤسس لاستقطاب المستثمرين من ناحية ودعم المانحين من ناحية اخرى.
    وقد تم الإعلان مؤخراً عن عدد من المبادرات الهادفة لاستقطاب المستثمرين للمساهمة في احداث مثل هذا التغيير المنشود وتنشيط الاقتصاد. ولعل من أبرزها "المبادرة الاقتصادية" الدولية التي أعلن عنها وزير الخارجية الأمريكي السيد جون كيري في شهر ايار الماضي.
    تعتبر "المبادرة الاقتصادية" في جوهرها برنامج استثماري برعاية الرباعية الدولية وليس خطة اقتصادية للحكومة الفلسطينية؛ من وجهة نظر الحكومة الفلسطينية فان الخطة الرئيسية لعمل للحكومة هي الخطة الوطنية للتنمية. تهدف المبادرة الاقتصادية الدولية في الأساس إلى تحفيز وتمكين المستثمرين الأجانب والعرب والفلسطينيين إلى ضخّ استثمارات بما يقارب خمسة مليارات دولار يتم مضاعفتها من خلال توفير الضمانات اللازمة لتامين مبلغ مماثل من البنوك ومؤسسات الاقراض لتمويل حزمة كبيرة من المشروعات الاستثمارية. وقد قام على اعداد هذه الحزمة من المشاريع، والتي كان قد تم الاعلان عن جزء منها سابقا من قبل مؤسسات فلسطينية، فريق من الخبراء الدوليين بناء على دراسة معمقة قاموا بها لخطط التنمية الفلسطينية وللاستراتيجيات الوطنية لثمانية قطاعات حيوية، وهي: الإنشاءات، مواد البناء، المياه، الزراعة، الصناعة، السياحة، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والطاقة.
    وفي حال تنفيذ هذه المشاريع فمن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى المساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، الأمر الذي نرحّب به كونه يُساهِم في خدمة الأهداف ذاتها التي نسعى إلى تحقيقها. لكننا ندرك من خلال تجاربنا السابقة ان تنفيذ مثل هذا البرنامج بشكل كامل لن يكون ممكنا ما لم يقدم الجانب الاسرائيلي على احداث تغيير جوهري على سياساته التي تضع قيودا كبيرة على قدرتنا على استغلال الجزء الاكبر من أرضنا ومياهنا وشواطئنا واجوائنا ومصادر الطاقة والثروة المعدنية اللازمة للتنمية الشاملة.
    بالرغم من ادراكنا لحجم المعوقات فإننا مصممون على انتزاع حقوقنا الاقتصادية، مثلها مثل حقوقنا السياسية، وعمل كل ما نستطيع لتمكين الاستثمار الجاد في اقتصادنا. لذلك، فستقوم الحكومة بتوفير كل التسهيلات واتخاذ الاجراءات الاصلاحية اللازمة لدعم تنفيذ هذه الحزمة من المشاريع. كما سنعمل على تنفيذ الاستثمارات العامة اللازمة وخاصة في مجال البنية التحتية الاساسية التي تمكن وتكمل الاستثمارات الخاصة، بالتنسيق مع الاطراف المانحة.
    وقد يكون من أهم ما يميز "المبادرة الاقتصادية" أنها تأتي بدعم أمريكي ودولي قويين، الأمر الذي نفترض انه سيحسّن من فرص التزام الجانب الإسرائيلي بتمكين تنفيذها. كما انه من المتوقع أن يقوم المانحون بتمويل بعض المكونات الضرورية لتقليل المخاطر وتأمين الجدوى الاستثمارية للمشاريع المشمولة في المبادرة.
    لكن "المبادرة الاقتصادية"، وبالرغم من اهميتها، فإنها لن تكون كافية لإنجاز برنامج وطني شامل للتحول الاقتصادي. هناك حاجة لتغييرات جذرية اخرى وعلى عدة محاور رئيسية من أجل ضمان البيئة المواتية لتحقيق التحول الاقتصادي المطلوب. سأركز فيما يلي على خمسة محاور:

    الأول: توحيد الأراضي الفلسطينية واقتصادها والاستغلال الأمثل لمواردها، ويتطلب هذا التعامل مع الضفة الغربية، وتشمل القدس الشرقية، وقطاع غزة كوحدة إقليمية واقتصادية واحدة، وإزالة كافة عوامل وتبعات الحصار والانقسام، والعمل على إعادة دمج القدس الشرقية والأراضي المصنفة "ج" بما فيها الأغوار الفلسطينية وحصة فلسطين من شواطئ البحر المتوسط والبحر الميت في هذه الوحدة الاقتصادية الواحدة. كما يجب العمل على تحقيق السيطرة الفلسطينية على الموارد الطبيعية مثل المياه والنفط والغاز الطبيعي والبوتاس بما يمكننا من تنميتها وتطويرها.

    الثاني: تغيير الإطار الذي يحكم العلاقات الاقتصادية بين فلسطين وإسرائيل (بروتوكول باريس)، وهو الإطار الذي كان من المفترض أن يستمر لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات فقط، ولكنه امتد لعقدين كاملين وهو مستمر لغاية الآن . الهدف الرئيسي للاطار الجديد هو ازالة التبعية للاقتصاد الاسرائيلي التي تسبب بها هذا البروتوكول وطريقة تطبيقه بما يؤسس لتحقيق الاستقلال الاقتصادي للدولة الفلسطينية.

    الثالث: تحقيق الاستقرار لخزينة الدولة. يعتبر تحقيق الاستقرار المالي أمر ضروري لإعادة ترتيب الوضع الاقتصادي والتحضير لانطلاقة جديدة للاستثمار الخاص. من أجل ذلك، لا بد من توفير دعم دولي مالي سريع لسد الاحتياجات المستعجلة للخزينة وفي مقدمتها سداد جزء من ديون الحكومة للبنوك والقطاع الخاص وهيئة التقاعد، وإعادة هيكلة ما يتبقى منها من خلال السندات وغيرها من الادوات المالية. إلى جانب هذا، يجب أن يصاحب ذلك جهد وطني جاد لتوضيح الرؤيا بالنسبة لمنظومة الضرائب والشروع في تنفيذ برنامج زيادة الايرادات من خلال توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز آليات الجباية (قطاعي الكهرباء والماء مثلا)، وترشيد النفقات العامة (التحويلات الخارجية في قطاع الصحة مثلا) وتفعيل نظام الخدمة المدنية ليشكل رافعة لقطاع عام فعال دون ان يشكل عبئا ماليا على النظام السياسي.

    الرابع: تطوير البنية الوطنية التحتية المادية والبشرية. يشمل ذلك تطوير البنية التحتية البنية المادية في مجالات الإسكان والمواصلات والطاقة وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات والمرافق السياحية ومعابر التجارة الدولية؛ وتطوير البنية الاجتماعية في مجالات التعليم والرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية، مما يساهم في تنمية الموارد الوطنية وتسريع النمو الاقتصادي وخلق عدد كبير من فرص العمل. ولا بد من الاستفادة القصوى من المبادرات الوطنية والدولية التي تمت الإشارة إليها سابقا في تحقيق ذلك.

    الخامس: رفع القدرة التنافسية للشركات الفلسطينية والمنتج الوطني. ويشمل ذلك زيادة مخصصات الاستثمار الرأسمالي في القطاعات الإنتاجية، خاصة في قطاعي الزراعة (بشقيه النباتي والحيواني) والصناعات الخفيفة، وزيادة قدرة الشركات الفلسطينية خاصة الصغيرة منها على الحصول على التمويل اللازم، وتسريع عمليات تسجيل الأراضي، وتطوير البيئة التشريعية العادلة والمستقرة وتعزيز قدرات المؤسسات القضائية القادرة على تطبيقها، ودعم المنتج الوطني ورفع مستوى جودته من خلال تفعيل نظام المواصفات والمقاييس وتسهيل عمليات التصدير، ورفع مستوى إنتاجية العامل الفلسطيني من خلال التدريب الفني والتعليم النوعي وتطوير رأس المال البشري الفلسطيني.
    اعتقد ان التنفيذ الناجح لبرنامج يجمع ما بين التغييرات المبينة في هذه المحاور الخمسة ، والاستثمارات المقترحة تحت مظلة "المبادرة الاقتصادية" سيكون قادرا على ايقاد شعلة التحول الاقتصادي المطلوب بما يساهم في حل المعضلة الاقتصادية التي يعاني منها مجتمعنا ويؤسس لبرنامج تنموي شامل يدعم ويمكن قيام دولة مستقلة قوية الأركان.

    اختلالات عقائدية مُخيفة
    بقلم: ناصر زيدان – القدس
    الانقسامات الدولية كانت على الدوام سِمةُ لعبة الأمم، وكانت الصراعات تندرج في سياق التنافس على النفوذ، أو بحثاً عن مصالح . وأخذ التصارع بين الأديان-أو بين الدين والنظريات السياسية الحديثة- حيزاً واسعاً من مساحة المشاكل والحروب التي مرَّت على العالم .
    فكانت الغزوات التوسُّعية والاستعمارية من أجل السيطرة على الثروات . وحصلت الحروب الدينية التي أرهقت البشرية، ومنها الحملات الصليبية من الغرب نحو القدس والشرق . واحتلَّت الاضطرابات العقائدية والفكرية مساحة ليست قليلة في مسار تطور الشعوب، وكان أبرزها المقارعات الباردة والساخنة التي حصلت بين اليمين واليسار خلال القرن العشرين .
    ولعلَّ أخطر ما مرَّ على البشرية كان الهلوسة الفاشية التي قادها هتلر في الربع الثاني من القرن الماضي، والتي استندت الى عقيدة قومية تعتمد على الفصل العرقي بين الناس، وتُصنِّف العناصر البشرية إلى أنواع، منها مَن خُلق لكي يحكُم (العرق الجرماني) ومنها مَن خُلِقَ لكي يعيش محكوماً .
    وعلى الدوام، كانت احدى مناطق العالم تتصدر محورية الصراع اكثر من غيرها، على مساحةٍ جغرافية- تكبُر او تصغُر- وفقاً لحجم المشكلات المطروحة، أو وفقاً لطبيعة الأزمة أو لخلفية الحروب . فالحروب الدينية غالباً ما كانت قارية، وعلى وجه التحديد بين اوروبا وآسيا وإفريقيا .
    والحروب العنصرية كان مسرحها عامةً في القارتين الامريكية والإفريقية، والحروب التي استندت الى التفرقة العرقية دارت على وجه العموم في القارة الأوروبية، ولو انها شملت مناطق أخرى من العالم (كما في الحرب العالمية الثانية) . اما الصراع الايديولوجي بين اليمين واليسار- أو بين الاشتراكية والرأسمالية- فكان كونياً بامتياز، إلا أنه كان صراعاً بارداً لم يصل الى حد النزاع العسكري الشامل .
    يعيش العالم اليوم مرحلة شديدة الالتباس لناحية الغموض الذي يكتنف العناوين العقائدية للحراك الدولي، فمقاربة صراع الحضارات التي اطلقها صامويل هينتنغتون عام 1993 لم تستمر طويلاً، وهي تحولت الى ما يشبه الحروب التجريبية التي شنَّتها الولايات المتحدة الامريكية على افغانستان والعراق، ولم ترسوا شعاراتها (الحرب على الارهاب) منذ برٍ من الاستقرار، ولم تتحول هذه الشعارات الى محاور تتكوَّر حولها او ضدها القوى الدولية الفاعلة، ما ادخل العالم في فوضى عقائدية- استفاد منه حراك مُستجد لا يشبه الرُقي الحضاري الذي وصل إليه العالم بشيء .
    والانكفاء الملحوظ لقوى الردع الدولية، وتكبيل دور مجلس الأمن الدولي، وغياب الغطاء العقائدي لمحاور الدول الكبرى، والانعطاف الامريكي، وتراجع التأثير الأوروبي، احدث فراغاً هائلاً على الساحة الدولية، ملأت قسماً منه قوىً إقليمية لها أهدافها التدميرية والتوسعية، إضافةً إلى حركات متطرفة تأخذ من تفسيراتها المغلوطة لبعض جوانب الرسالات الدينية السماوية - وخصوصاً الإسلام - مُستنداً عقائدياً للانقضاض على المَدَنيِّة التي تستند الى العلم والقانون والمساواة وحقوق الإنسان .
    مناسبة هذا الحديث هو السياق المتنامي لحركية سياسية وعسكرية تأخذ أبعاداً دينية، فرضت نفسها على جغرافيا واسعة من العالم، تبدأ من أواسط نيجيريا وحدود مالي في الغرب وتصل الى حدود الصين في الشرق، وتتقلَّص أو تتمدَّد تأثيراتها نحو الجنوب او الشمال، وفقاً لضرورات المعركة . هذه المعركة القائمة بوتيرة عالية بين قوى الانضباط والقانون وبين قوى الفوضى والتكفير . وتلعب اسرائيل (استناداً الى عقيدة تدميرية) دوراً مركزياً في تأجيج الصراع وفي تحويل وجهته نحو حرب أهلية عالمية، إسلامية-إسلامية، تُشفي فيها غليل حقدها الديني على الإسلام .
    أما الدول التي تقع ضمن مساحة اقليم الصراع الواسعة، فقد ساهمت معظمها في إنتاج الخلاف الإسلامي- الإسلامي، وهي تًعلن في الوقت ذاته عن تمسكها بالحوار الأخوي، وتُشهِر عدائها لإسرائيل .
    منذ 1400 عام لم تبرز التباينات العقائدية بين المُسلمين كما هي اليوم، والأمر بطبيعة الحال خطيئة يتحمل الجزء اليسير من المسؤولية عنها القادة ورجال الدين، الذين يغلِّبون المصالح القومية، أو الذاتية، على مصلحة الأمة .

    تعصب "حماس" يشتعل … ولا يضيء حقا!!
    بقلم: محمد الخطيب – القدس
    الغاية النبيلة تبرر الوسيلة ، مقولة ليست بالضرورة صائبة ، فلطالما كانت هذه المقولة شعارا عدائيا بارزا لإزهاق أرواح الملايين من البشر وتدمير وحرق الآلاف من البيوت والممتلكات ، وخير دليل على ذلك انه حين ألقيت القنبلة الذرية على هوريشيما في السادس من آب عام 1945 تلك القنبلة التي كان وزنها 2500 طن من المتفجرات ، أدت إلى مقتل ثمانين ألف إنسان وإصابة مائة ألف آخرين بالإشعاع وهم معرضون للموت بالسرطان أو سرطان الدم " اللوكيميا " كون تلك القنبلة تنتزع اللحم عن بعد أربعة كيلو مترات من مكان سقوطها ، وبعد ثلاثة أيام أي في التاسع من آب ، ألقيت القنبلة الثانية على ناغازاكي مما رفع عدد الضحايا إلى مائتي ألف إنسان . وهذه الوسيلة بالغة الرداءة كان الهدف منها إنهاء المعضلة اليابانية في الحرب الكونية .
    إذا، أين النبل في ذلك الهدف ليبرر تلك الوسيلة القبيحة ؟؟
    وفي مكان آخر من العالم ، تم تمويل انقلاب اندونيسيا بقيادة سوهارتو فكان حصيلة ذلك التمويل وذلك الانقلاب إزهاق أرواح ثمانمائة ألف إنسان !!!
    والآن تقوم اسرائيل بإبادة عائلات عن بكرة أبيها بحجة القضاء على مواقع إرهابية – حسب تسميتهم - ، وتصادر آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية وتحرم أصحابها منها وتهدم العشرات من البيوت وتشرد ساكنيها بهدف الحفاظ على الأمن والتفوق الديموغرافي ، إذا أي هدف نبيل هذا واي وسيلة رديئة هذه ؟ ….. بئست هكذا أهداف وبئست هكذا وسائل .
    وفي غمرة هذا ، اقو ل أن الوصول إلى الهدف النبيل يستوجب بل ويلزم الهادفين بإتباع وسائل أيضا شريفة ، ففي الوقت الذي نفكر فيه للوصول بأبنائنا إلى بر الأمان ، يتوجب علينا إتباع سلوكيات تربوية تتضافر مع مرتبتنا الإنسانية كي نحقق الهدف الإنساني ، حيث لا يمكن لنا تقويم سلوك أبنائنا بقطع رؤوسهم .
    وكثيرة هي الأمثلة التي يمكنني أن اذكرها في مقالي هذا ، هادفا الوصول إلى إبراز الهدف الحقيقي ، آخذا بعين الاعتبار أن ليس لي فيما أقول سوى هدف واحد وهو لملمة شعث تبعثر في كومة أشواك ، أو تجميع قطرات طل من على بتلات خضراء لأجعل منها سيلا دافقا يروي ظمأنا ، فأنا قد ادركت الفكرة ولا فضل لأحد علي ، لذا فأنا لست منحازا لطرف دون اخر وانما انا انحاز لفلسطينيتي .
    ففي الوقت الذي انسلخ فيه جزء من الوطن عن كل وطني ، بات الجزآن متناقضان وكأن كل جزء منهما لا يمت للكل بصلة ، فتباينت الأفكار والمواقف والبرامج والآراء والأهداف وأصبحت حالة التجاذبات شعار المرحلة ، مما أزهق الروح الوطنية وحدا بالكم الاشمل من الفلسطينيين للبحث عن مخارج غير دامية تنقذنا من حلكة دامسة لوضع مقيت ، فبدأت الململة في الوطن حيث بدا واضحا ان في الضفة – مع صون المسمى – حالة نقمة على البرامج السياسية والاقتصادية تم التعبير عنها بحالات كفاحية فردية ولكنها معبرة في الوقت ذاته عن شرارة قد تكون بداية لحرق الغابة .
    وعلى الصعيد الاقتصادي ، فهناك امتعاض واسع تمثل التعبير عنه في إعلان الإضراب في العديد من المرافق وفي مقدمتها التربية والتعليم والصحة و المواصلات العامة ، ناهيك عن ان هناك حالات جمة من عدم الرضى عن الأداء المؤسساتي الرسمي ، الأمر الذي دفع بالعديد من الأشخاص للجوء الى اخذ الحق باليد ، الأمر الذي سيقود حتما الى حالة من الفلتان الأمني والذي طالما جهدنا لتحجيمه في بعض المواقع .
    اما في قطاع غزة ، فمن المؤلم حقا ان ترى ان ما يربو على المليون ونصف المليون فلسطيني ، يعيشون في قفص مغلق ، مغلف بحصار خانق وعلى كافة المستويات ، مما خلق ضائقة أفرزت من بين ثناياها طرقا وأساليب جد بدائية ، بحثا عن لقمة العيش ومقومات البقاء ، على الرغم من ان هناك فئة منتفعة من هذا الحال .
    وهذا بمجمله ، خلق حالة من التململ الجماهيري الرافض لبقاء الانقسام الوطني بشكل صارخ ، فتم تشكيل اطار وطني ضاغط اطلق عليه اسم " تمرد" ، تلك الحركة التي دعت جماهيرها للخروج الى الشارع الغزي والتعبير الصريح عما يجول في خلد كل الغيورين على الوطن والمصلحة الوطنية .
    ولكن من المؤسف حقا ، ان انبرت الأجهزة الأمنية الحمساوية وبعض القادة الأمنيين ، آمرين بالتصدي لكل من يخرج وبطرق تعسفية وقمعية عبر عنها وزير داخلية "حماس" فتحي حماد الذي طلب من عسكره ان يطلقوا النار على الرؤوس .
    عجبا لهذه الوسيلة وعجبا لذلك الهدف ، الوسيلة هي تفجير الرؤوس والهدف هو الابقاء على الانقسام والهيمنة السلطوية لحركة "حماس" على القطاع …. عجبا ، كم هو قبيح هذا السيناريو ....!
    وفي الوقت الذي كانت تعتقل فيه اجهزة السلطة الوطنية في الضفة أي عضو من حركة "حماس" ، كان يتم وصفها بأنها تنفذ رغبة الاحتلال وتلاحق المناضلين ، اذا فماذا نسمي تفجير رؤوس المتظاهرين الايجابيين الرافضين للابقاء على الوطن مفسخا ؟؟
    اخواني ...
    انا هنا لا اود استقطابا او التفافا حول رأي يدين ، بل انما الخص حالة نوعية تشكل عنصر جذب يسمو بالقضية الاصل نحو مستواها الذي يجب ان تكون فيه ، فسواء كان الامر ديمقراطيا او شوريا ، فهو يقود في المحصلة الى نتيجة واحدة الا وهي ، الاخذ برأي الاغلبية ، وبما ان الاخذ برأي الاغلبية هو روح الديمقراطية وروح العمل الجماعي ، فيتوجب على القائمين عليها تنفيذها دون تلكؤ ، والا فالدكتاتورية والاستبداد هما البديلان .
    وهنا و امام هذا المشهد ، يتجلى الاستبداد كشمس رابعة النهار ما يبرز السؤال الاتي : لماذا يتصرف الاخوة في حركة حماس هكذا ؟
    والحق وفي معرض الاجابة على السؤال اقول : بعد "الانسلاخ" ، وجدت "حماس" ذاتها في حالة من الارباك جراء حصار قاتل ، فجهدت باحثة عن طوق نجاة جاء به القدر السياسي ، ما اماط اللثام عن النية الحقيقية لتأسيس كيان سياسي ديني في مناطق احاطت بغزة وشكلت لها السند الحقيقي والداعم لركائزها دون مواربة ، ولكن وبعد الاطاحة بذلك النظام تبدد الحلم وجوبهت الحقيقة وتقطعت السبل ما يعني انه قد بات لزاما البحث عن مخارج جديدة .
    المحزن في الامر ، ان المخارج الملوح بها قد تكون بداية لكارثة جديدة قد تحل بأبناء شعبنا في غزة مقارنة بحجم الاضرار التي قد تصيب الاحتلال ، فهل يا ترى ان هدف الخروج من الحصار الخانق يقضي بإتباع اسلوب دام ؟؟
    وفي تقديري ان هذا لا يمت للصواب بصلة ان كنا نحن البادئون . وان كانوا هم ، فنحن مرغمون على خوض غمارها غثها بسمينها ، ولكن من الاجدر والاجدى هو اعادة اللحمة للوطن والمواطن ومحو كل العوالق التي اجتاحت الروح الوطنية وخلق حالة من الانسجام الكفاحي الوطني ضمن المقدرات الفلسطينية الجمعية والتمترس خلف حقوق يتفق عليها لتشكل بمجموعها برنامجا وطنيا لا حيدة عنه قيد شعرة والتوقف عن العزف على قيثارة الدم وكأننا قد تعطرنا ب"عطر منشم" .

    مطالبات وتوصيات الحد من العنف هل ترتقي إلى استراتيجية متكاملة؟
    بقلم: الدكتور حسن عبد الله – القدس
    اتاحت لي مؤسسة برامج الطفولة فرصة المشاركة بورقة عمل حول دور الإعلام الفلسطيني في التثقيف والتعبئة والتوجيه بغية الإسهام في الحد من ظاهرة العنف الأسري والمجتمعي بالشراكة مع أطراف ذ ات صلة في المجتمع الفلسطيني.
    واستمعت خلال حضوري بعض جلسات المؤتمر التي بادرت إلى عقده المؤسسة المذكورة، إلى أوراق عمل وتوصيات شديدة الأهمية، اتمنى أن تأخذها الجهات المعنية على محمل الجد، لانقاذ مجتمعنا من موجة عنف داخلي، ربما هي رجع صدى لعنف خارجي وقع على شعبنا منذ عقود، والذي قرأ فرانس فانون وباول فريري يدرك ان العنف الخارجي الممارس ضد شعب من الشعوب، يكون له ارتداداته الداخلية التنفيسية والتعميمية.
    لكن اذا قلنا إن المسألة مرتبطة بعنف خارجي وقع علينا ووضعنا نقطة في نهاية السطر واكتفينا بهذا التشخيص، فإننا نغلق الباب تماما أمام تحديد أسباب أخرى، لأن التشخيص هو نصف العلاج، فلا علاج دون تحديد طبيعة المرض.
    وحيث أننا نعيش مرحلة صعبة ومعقدة، تطحننا فيها مجموعة من الأزمات بسبب انسداد الأفق السياسي ، وقصور مؤسساتنا وأحزابنا وقبل ذلك السلطة، في وضع استراتيجية واضحة المعالم ومترابطة الحلقات للتعامل مع الظواهر الإجتماعية السلبية ضمن منظور علاجي علمي يأخذ بعين الإعتبار المسببات والتجليات والانعكاسات والتداعيات، الى جانب تحديد علاقة الظاهرة بظواهر أخرى، وكيف يمكن محاصرة التأثر والتأثير السلبي بين الظواهر في اطار منظومة علاجية اجتماعية اقتصادية تربوية نفسية، مع مراعاة عدم الفصل الميكانيكي ، لأن فصل الاجتماعي عن الاقتصادي هو كمن يحاول أن ينزع الانسان من بيئته وهكذا بالنسبة الى الجوانب الأخرى.
    واذا كانت مؤسسة برامج الطفولة في مؤتمرها ومن خلال توصياتها وتطلعها لتنفيذها على طريق وضع علاجات من شأنها ان تحد من الظاهرة مرحلياًعلى أمل أن يتسنى لمجتمعنا ان ينتقل من مرحلة الحد الى مرحلة أكثر تطوراً ونجاعة " الانهاء والاستئصال".
    واستنادا الى فعاليات المؤتمر ذاته، فإن للعلاج أوجهاً وأبعاداً، تتطلب صياغة شراكة حقيقية، بين السلطة ومؤسساتها التربوية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية والشرطية، ومؤسسات المجتمع المدني بخاصة العاملة في مجال الطفولة والأسرة، وكذلك الإعلام الذي هو مطالب بدور أكثر جرأة ومنهجية لكي تكون اسهاماته ملموسة ، إضافة الى المؤسسات الثقافية والحزبية والأطر المجتمعية على إختلاف تسمياتها.
    وأعتبر أن نقطة الإنطلاق التربوية التثقيفية تبدأ من الأم ثم من الروضة فالمدرسة الابتدائية وهكذا، حيث ان التأسيس من المفروض أن يركز على التسامح "احترام الآخر الزميل والصديق والتعايش مع اختلافه"، وتعليم الطفل الاستماع والاصغاء حتى يستطيع التفكير والتأمل واتخاذ القرار، وصولاً الى تعليمه وتثقيفه بأصول الحوار الهادئ الذي من خلاله تسوّى الخلافات ويصل مع الآخرين الى قواسم مشتركة. هذه المرحلة في رأيي يجب أن تشكل المرتكز الأول لاستراتيجية مجتمعية تؤسس وتبنى من أجل التصدي لهذه الظاهرة.
    إن مرحلة الإنهيارات التي تسود المجتمعات العربية، بسبب الصراعات الداخلية، والسعي لشطب واستئصال الآخر وانهائه، هي نتاج لتربية وثقافة جعلت "الأنا" في المركز وكل ما هو خارجها غير موجود. فيما وفرت المناهج المدرسية بمفاهيمها واساليبها التقليدية تربة خصبة للفردية والنزعات الخاطئة والذكورية التي تعزز التسلط والإكراه والشعور بالتفوق الجسدي والذهني والجنسي باعتماد خرافات وهرتقات إجتماعية ليس لها مكان في العلم.
    أما بخصوص الإعلام وبالرجوع الى الخطوط العريضة لورقتي في المؤتمر، فقد وجدت أن الاعلام مقصّر في التعامل مع ظاهرة العنف الأسري، فما زالت التغطيات عامة خجولة، تتحرج من المباشرة ووضع الإصبع على مكامن الخلل وتتجنب نشر معطيات تفصيلية وواضحة عن حالات الإعتداء، خشية ردود أفعال عشائرية تطال الاعلامي أو المؤسسة، في ظل هيمنة واستشراء التقليدي في هذه المرحلة، مع الإشارة الى تحسن محدود في الأداء الاعلامي على هذا الصعيد في السنوات الأخيرة، لكن بقي ألنتاج اقل من المستوى المأمول، لأن حصة الإعلام لا تقتصر على نشر خبر عام حول قضية معينة، وانما المطلوب شراكة حقيقية تثقيفية تسهم في تغيير المفاهيم وايجاد قناعات جديدة بدل تلك البالية التي تنتج العنف وتحتضنه وتنبت له مخالب وأظافر. بيد أن المؤسسات العاملة في حقل الطفولة والمرأة والأسرة بشكل عام، مطالبة هي الأخرى بأن لا تنتظر دورا اعلاميا، دون ان تبادر وتتصل بالمؤسسات الإعلامية وتقدم لها المعطيات والحقائق والأرقام وتقترح عليها تناول مواضيع معينة، لكي يتحول الوضع من "شراكة الأُمنية" الى شراكة فاعلة وتكاملية.
    وأخيرا ان يضرب رجل زوجته أو طفله، فهذا أمر معيب وسيء ويبعث على الاشمئزاز والقرف، الا أن هذا الفعل الشائن من المفروض ان يوضع في سياق موضوعي، فالضرب هنا هو نتيجة لمجموعة من الأسباب والمسببات، والعلاج لا يمكن له إجتراح حلول ناجعة بمعزل عن الجذر، والجذر هنا حلقته الأولى تربوية والثانية ثقافية وهناك بالطبع حلقة ثالثة وعاشرة ..

    الأحد... وكل يوم أحد ... المفاوضات... واللعب بالنار!
    بقلم: المحامي زياد أبو زياد – القدس
    توقفت كثيرا عند أنباء استقالة قيادة الوفد المفاوض وشعرت بالحيرة لأن المفاوض ليس موظفا وإنما هو رسول يقوم بمهمة ، وهو لا يضع سياسة ولا يتخذ قرارا لأن السياسة والقرار هي بيد الجهة التي أرسلته ، وبالتالي فإنه لا تنطبق عليه شروط الموظف والوظيفة.
    ثم توقفت مرة أخرى عند مقولة أنه تم تكليف قيادة الوفد المفاوض " بتسيير أعمال " المفاوضات لحين إعادة تشكيل الوفد الجديد. وأدركت أننا نبدع في ابتكار المصطلحات والمسميات ، فمصطلح " تسيير الأعمال " يطلق عادة على رئيس الوزراء حين يقدم استقالته ويكلف بالاستمرار بمهامه لحين تشكيل حكومة جديدة ، لأنه لا يعقل أن يكون هناك فراغ في الحكم أو غياب لأي من السلطات الثلاث ولا أظن أن هناك " تسييرا " للمفاوضات على الأقل لأنها واقفة تراوح مكانها منذ بدأت!
    وعلى أية حال فإن غالبية الشعب الفلسطيني نفضت يدها منذ زمن طويل من فكرة المفاوضات وأكاد أقول بأن الأغلبية الساحقة من شعبنا لا تؤمن بأن المفاوضات الجارية حاليا ستأتي بأي نتيجة . ولذا فقد تحولت أنباء استقالة الأخوين د. صائب عريقات ود. محمد اشتيه إلى مادة للتندر وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي.
    ومع أن شعبنا لم يعد يتوقع شيئا من المفاوضات إلا أن القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الأخ محمود عباس ما زالت متمسكة بخيار التفاوض مما جعل الكثيرين يتساءلون عن سبب هذا الاصرار والتشبث بالخيار التفاوضي.
    وإزاء هذه التساؤلات فإن المراقب يفترض بأن لدى الرئيس عباس من الأسباب القوية التي تجعله يصر على ذلك ، ومهما تكن تلك الأسباب فإن الوقت يسير بسرعة البرق ، وساعة الرمل تكاد أن تفرغ ، وسيجد الرئيس عباس نفسه في وقت قريب جدا مطالب بأن يضع كل تلك الأسباب أمام شعبه وأمام كل الذين يئسوا من التفاوض إما ليقول لهم لقد أصبت وأخطأتم في التسرع بالحكم علي ّ وإنما العكس. فلم يعد أمام هذه المفاوضات إلا الوقت الضائع الذي سرعان ما سيعلن الحكم انتهاءه.
    وأعود لموضوع الاستقالة ، وأبدأ بالوفد المفاوض ، فالأخ صائب عريقات يمسك بهذا الملف منذ سنين طويلة ، ولربما وصل إلى مرحلة تجعله يشعر بالمسؤولية الشخصية إزاء المفاوضات ويصر على استمرار المحاولة لعله يستطيع استخلاص نتيجة تثبت له بأنه لم يضيع عمره ، وهو القائل «الحياة مفاوضات» ، سدى وراء سراب التفاوض. أما الأخ د. محمد اشتيه فبالرغم من أنه كان في الوفد المفاوض بواشنطن بعد مدريد مباشرة إلا أنه إذا ما قورن بصائب يعتبر بمثابة قادم جديد . وهو قادم جديد على الوفد أولا وعلى الاسرائيليين ثانيا ، ومن يعرف العقلية الفلسطينية أو بالأحرى العربية يستطيع أن يجزم ، حتى ولو لم تتوفر الأدلة ، بأنه لم يكن هناك انسجام تام بينه وبين عريقات ، وأن القنوات لم تكن سالكة بينهما وأن التلويح بالاستقالة لم يأت من فراغ .
    ولا شك بأن موضوع الاستقالة يشكل فرصة لحفظ ماء وجه الجميع ، وبالفعل فقد أكدت مصادر فلسطينية عليا بأن الدكتور محمد اشتيه لن يعود للوفد المفاوض الذي سيعاد تشكيله وأن صائب سيظل رئيسا للوفد .
    وبالرغم من كل شيء فإن من المؤكد تماما بأن هذه الاستقالة جاءت بشكل تظاهري لأظهار الضجر الفلسطيني من السياسة الاسرائيلية التي تعمل على تخريب المفاوضات وتراوغ وتماطل وتحاول كسب الوقت بينما الاستيطان يبتلع الأرض صباح مساء. وهذا التخريب الاسرائيلي للعملية التفاوضية يرجع إلى التناقض بين الكلام والأفعال في الجانب الاسرائيلي وهو تناقض متعمد يقوم على أساس سياسة تبادل الأدوار وتكاملها في خدمة الأهداف العليا للسياسة الاسرائيلية.
    فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل مرغما ً أن يعود إلى طاولة المفاوضات ، ولكنه ولكي يتمكن من تمرير سياسته اختار تسيبي ليفني المعروفة بتأييدها لمبدأ التفاوض للامساك بهذا الملف. ومع أن ليفني ليست حمامة سلام إلا أنه ولكي يرضي اليمين المتشدد في حكومته الائتلافية وفي حزبه ، وضع إلى جانبها كاتم أسراره وأقرب مستشاريه وهو المحامي يتسحاق مولخو يقيد خطواتها ويكمم فمها ويحصي عليها أنفاسها ويضمن لها دورا صوريا ً مع بقاء كل شيء بيد نتنياهو لا يخرج عن المنهج الليكودي.
    وفي نفس الوقت فقد أطلق يد وزرائه في اتخاذ وتنفيذ القرارات الاستيطانية التوسعية بحيث لا يكاد يمضي يوم دون أن نسمع عن قرارات بناء وحدات استيطانية جديدة أو مصادرة الأراضي أو هدم المنازل الفلسطينية سواء في الأراضي المحتلة عام 1967 أو في أراضي 1948 كما هو الحال مع العرب بدو النقب هذه الأيام.
    ومن الواضح أن السياسة الاسرائيلية تستهدف استفزاز الجانب الفلسطيني لجره إلى اتخاذ القرار بالانسحاب من المفاوضات لتحميله مسؤولية فشلها مع أنها هي وحدها التي تعمل على إفشالها. وتحاول إسرائيل فعل ذلك وهي تشعر بالقلق إزاء الارتفاع المتزايد في وتيرة الأصوات الدولية التي باتت تضيق ذرعا بالسياسة الاستيطانية الاسرائيلية وترفع صوتها مطالبة بوقفها.
    وإلى جانب هذا المنهج الاسرائيلي الذي يحاول تكريس الواقع التوسعي الاستيطاني وجر الفلسطينيين إلى ردة فعل تحملهم مسؤولية فشل المفاوضات ، فإن نتنياهو يحاول باستماتة صرف أنظار العالم عن القضية الفلسطينية وتركيز الاهتمام حول الملف النووي الايراني.
    والمؤسف جدا أنه في حين ترفض أمريكا والدول الغربية وروسيا ، حتى الآن ، الانجرار وراء نتنياهو وضغوطه وتحاول التوصل إلى حل سياسي لأزمة الملف النووي الايراني فإن هناك دولا في الخليج والسعودية تتبنى موقفا مماثلا ً ومنسجما ً مع الموقف الاسرائيلي وتركز جل اهتمامها على الملف النووي الايراني وتقف في نفس الخندق مع إسرائيل ، واضعة الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية ومحاولات إسرائيل المحمومة لابتلاع وتهويد القدس وتغيير واقع المسجد الأقصى وفتحه للصلاة أمام اليهود وكأن ذلك لا يعنيها.
    ولعل أخطر الاحتمالات التي تخطر على البال والتي لا يمكن استبعادها ، هو أن يندفع نتنياهو في اللعب بالنار ويصل مرحلة يكون فيها أسيرا ً لتصريحاته وأقواله ويقدم على القيام بعمل عسكري ضد إيران. ولا شك بأن هذه الدول العربية التي تسير في سياق السياسة الاسرائيلية ضد إيران ستجد نفسها في أتون حرب ليست حربها قد تغير معالم منطقة الشرق الأوسط وتعيد هذه الدول إلى عصر الجمال.
    كل الاحتمالات واردة ، ومحاولة نتنياهو الهروب إلى الأمام قد تجره إلى الوراء وهذا هو دائما حال مروجي الحروب والدمار. أما نحن ، فكما يقولون ، لم يعد لدينا ما نخسره!

    مساهمة في النقاش حول الدستور المصري !!
    بقلم: هاني حبيب – الايام
    بدأت أمس لجنة الخمسين الخاصة بتعديل الدستور المصري لعام 2012، البدء بالتصويت على مواد الدستور الجديد بمناقشة "الديباجة" الخاصة بالدستور المعدل، وسط جدل حاد بين أطراف عديدة، دستورية وقانونية وحزبية ومجتمعية، حول العديد من مواد الدستور المعدل، رغم أن هناك احتمالات ليست بالقليلة على أن تمنح فرصة للتصويت الشعبي عليه، بالنظر إلى الأحوال الأمنية غير المستقرة، وسعار جماعة الإخوان التي أخذت في الأيام الأخيرة تزيد من إشاعة الفوضى والاقتتال بالجامعات والحواري والساحات، إشارة إلى أن فرص عرض هذا الدستور المعدّل على الشعب، تبدو ضعيفة، وفي حالة تجاوز هذا الوضع، فهناك خشية من عدم الإقبال الجماهيري على التصويت، لأسباب أمنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى أن تصل نسبة التصويت، أو نسبة المصوتين بنعم عليه، أقل مما كان الأمر عليه إزاء الدستور السابق الذي أعدته جماعة مرسي العام الماضي، الأمر الذي يشكل تحدياً لا يجب تجاهل تداعياته.
    مع ذلك، يستمر الجدل الواسع حول العديد من مواد الدستور، حتى قبل التصويت عليه في لجنة "الخمسين"، وهو بالضرورة أمر صحي وطبيعي، غير أن ذلك يشير إلى انقسام تجاوز مع من ومن ضد ثورة 30 يونيو، إلى الأحزاب المدنية والدينية على حد سواء، داخلها وفيما بينها، إلاّ أن هناك بعض المواد والأقسام والأبواب، ظلت جوهر هذه الخلافات، خاصة تلك المتعلقة "بالهوية" وإلغاء نسبة العمال والفلاحين، وإلغاء مجلس الشورى، والفشل حتى الآن في تبني نظام انتخابي محدد، وكذلك مسألة محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، هذه الانقسامات والخلافات قد تؤثر على نسبة المصوتين بنعم للدستور المعدل، وربما تصل إلى أقل من نسبة 64 في المئة، وهي النسبة التي حاز بها دستور جماعة الإخوان العام الماضي، إلاّ أن البعض يرى أن الأمر قد يكون عكس ذلك، أي أن استمرار جماعة الإخوان في خلخلة الأمن، قد يؤدي بالجمهور إلى تحدي هذه المسألة، والإقبال، رغم المخاطر على صناديق التصويت والقول "نعم" للدستور المعدّل، ويعكس هذا التفاؤل الأجواء التي خلقتها ثورة 30 يونيو، والتغيرات التي حدثت بشأن طبيعة المواطن المصري، الذي اكتسب حريته وكرامته وجرأته في المواجهة مع أعداء الشعب والساعين إلى عرقلة نموه وتطوره.
    وإذ حظي العمال والفلاحون بنصف مقاعد البرلمان المصري "مجلس الأمة أو مجلس الشعب" منذ عهد ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر، فإن الدستور المعدل، شطب هذه النسبة تماماً، إذ تبين لبعض المشرّعين، أن هذه النسبة غير فعالة، بالنظر إلى أن كبار ملاك الأراضي يترشحون كفلاحين، كما أن كبار رجال "الياقات البيضاء" من المدراء في المصانع، يترشحون عن العمال، الأمر الذي أدى إلى أن من يمثل العمال والفلاحين هم من غيرهم، ومصالحهم تتضارب في كثير من الأحيان مع مصالح هذه الطبقات الكادحة والمنتجة، الأمر الذي ضرب في العمق فلسفة عبد الناصر الاشتراكية التي دعت إلى تحديد النسبة المشار إليها في عهده.
    أما بشأن مواد "الهوية" فإن ثورتين دعتا إلى مدنية الدولة، لم تكونا كافيتين لإقناع المشرع المصري بضرورة تحديد هوية الدولة كدولة مدنية، ناهيك عن الجدل المحتدم حول المادة 219 والتي تحاول تفسير مبدأ "الشريعة الإسلامية" الأمر الذي قد يؤدي، حتى بعد إقرارها الى الذهاب بعيدا في تفسيرها من قبل القوى السلفية المتعصبة والتي تحاول إلحاق المجتمع برؤيتها الخاصة، في حين ان العديد من الأطراف طالبت بإلغاء المادة أصلاً.
    أما فيما يخص المواد المتعلقة بالسماح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، فإن هذه المواد تكاد تكون مستنسخة من دستور الإخوان، وهو السبب الذي أدى إلى انسحاب العديد من الأفراد والقوى من لجنة صياغة ذاك الدستور في حينه، بينما يقول المشرعون الذين اقترحوا هذه المواد، ان الجديد في هذا الأمر، أن المواد باتت أكثر تحديداً للجرائم المحدودة التي يطالها السماح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهنا فرق كبير بين الدستور، والدستور المعدل، نظراً لحصر الجرائم المحددة التي تطبق عليها مواد الدستور المعدل.
    لم يتم الاتفاق على النظام الانتخابي بشكل محدد، ظلت الخلافات في لجنة الخمسين محتدمة، حتى تم تجاهل تحديد النظام الانتخابي، وبحيث اسند تحديده إلى "الرئيس" ما يزيد من صلاحياته حسب الدستور الجديد، إلاّ أن المشرع يرى أن هذا هو الحل الأمثل، خاصة وأن الرئيس هو صاحب السلطة التشريعية في حال حل أو غياب البرلمان لأي سبب.
    وما تزال مسألة "السلطة القضائية" موضع صراع بين رجال القضاء ولجنة الخمسين، وهناك تهديدات بأن لا تتولى السلطة القضائية الاشراف على الانتخابات، الأمر الذي قد يشكل أيضاً، إعاقة إضافية تشير إلى أن هذا الدستور، سيولد وسط العديد من المشكلات.
    ومهما كان الأمر، فإن طبيعة المرحلة الانتقالية الصعبة والمريرة، والتي تستمر وسط أجواء المواجهة بين الثورة والمتاجرين بها، تقضي بالاعتراف بهذه الصعوبات، والاعتراف أيضاً بأن ذلك أمر طبيعي في مثل هذه الظروف الصعبة، كما أن نجاح تمرير الدستور المعدل يشكل أهم إنجاز عملي لثورة 30 يونيو المجيدة!!

    كلمات عن غزة التي تموت ببطء..!
    بقلم: أكرم عطا الله – الايام
    اكتبوا على قبر غزة أن أبناءها وأخوتها قتلوها حين ضبطت متلبسة بالحب، حب الحرية، حب الحياة فقاموا بإعدامها، أهيلوا التراب على هذا الجسد المتعب بعذابات السنين وآثار السيوف، فقد آن الأوان أن تموت بنواح خافت دون رحمة أو ترحم عليها من قبل كل الذين وقفوا متفرجين على مأساتها وكل الذين يتلذذون بحكمها دون أن يرف لهم جفن من حجم فظائع الفقر والبؤس والعتمة التي تلفها.
    لكل الذين تعاملوا معها كطريدة وتنازعوا لحمها وامتصوا عظمها حتى النخاع وألقوا بها على قارعة التسول والموت البطيء، لكل الذين جعلوا منها أكبر سجن في التاريخ، ولكل الذين جعلوا الحياة فيها دورة تدريبية على جهنم، ولكل الذين كانوا وما زالوا يصفون حساباتهم على جثتها النازفة، وباسم كل الذين لا يجدون قوت يومهم، وكل الذين يهربون من وجوه أطفالهم بسبب العدم، وباسم طوابير البطالة والمحرومين، وكل الذين احترقوا بالجوع وبالشموع، وكل الذين ماتوا قبل أوانهم، وباسم كل من منهم قضى نحبه ومن منهم ينتظر يُكتب هذا المقال.
    في غزة رجولة فقدت هيبتها، ودموع متحجرة في مقل رجال عصرتهم الحياة وهزمتهم أمام نهم السلطة وجائعيها، وآباء وقفوا عاجزين أمام طفولة أبنائهم، ماذا يعني أن يبكي أمامك رجل رفض صاحب السوبر ماركت أن يعطي لزوجته بعض الجبن كان أطفاله ينتظرونها كوجبة غداء لأنه لم يستطع سداد الدين؟ وماذا يعني أن تجد بائع الكعك صباحاً وتعود عصراً لتراه لا يغادر بعربته المكان وهو يتناول غداءه بعض الكعك مع الملح، وقصص كثيرة تشكل كل منها رواية مأساوية تساوي مجموعها كارثة إنسانية لا تصدق.
    في غزة فقدت الإنسانية مضمونها، وللحظة بدا كأن أبواب السماء أغلقت في وجه هذه المدينة البائسة والفقيرة من كل شيء إلا من الدم الذي تدفعه كضريبة استمرارها بالحياة، في غزة يبدو كل شيء كئيباً، كما قال صديقي العائد من رام الله، ملامح البشر فقدت حيويتها حين شعر أنه يعود إلى منطقة كأنها غريبة عليه وكأنه لم يعرفها من قبل.
    قبل تسع سنوات كتب شاعرنا الكبير محمود درويش أن شيوخ غزة بلا شيخوخة وأن نساء غزة بلا رغبات وأن أطفال غزة بلا طفولة، ماذا كان سيقول لو بقي حياً وقدر له أن يزور غزة الآن؟ كان سيلعن كل شياطين السياسة التي خرجت دفعة واحدة من القمقم وتتصارع على السلطة لتعدم ما تبقى ما في غزة من حياة، هل هناك في الضمير الإنساني ما يساوي عجز أب عن وجبة من الجبن لأطفاله؟ وهل كل مناصب الدنيا تكفي للإجابة عن سؤال جوعه؟ أم صرخة طفل أفاق منتصف الليل مذعوراً حين اعتقد أنه في القبر لأن موعد قطع الكهرباء كان ليلاً فتحول كل شيء إلى ظلام دامس.
    مفوض عام الأونروا، فيليبو غراندي، يقول: إن قطاع غزة أصبح غير صالح للسكن، هذه حقيقة الحقائق التي لا يريد أن يراها الساسة الذين يتنعمون برغد العيش بعيداً عن المآسي التي تصدع رؤوسهم، وحكومة غزة لا تتوقف عن إعلان الإنجازات، وكم أن سكان غزة محظوظون لأنها تحكمهم، وتصل الملهاة إلى أن تعلن استعدادها لدعم الضفة الغربية التي تفكه صديقك من هناك قائلاً "لا تنسونا من كرمكم"، صدق محمود درويش حين قال "قد تدخل الملهاة في المأساة يوما".
    هل يمكن أن نتصور أن تغلق منطقة في العالم لعقود طويلة، فمنذ احتلالها عام 67 وغزة معزولة عن العالم، فقد حال الإسرائيلي دون تواصل سكان القطاع مع الخارج، فأصبحوا لا يشبهون غيرهم من العرب، وما أن غادر الإسرائيلي حتى استكثرت القوى بقطاع غزة على الناس حرية السفر، لتقوم "حماس" بانقلابها وسيطرتها على غزة التي أعادت إغلاق القطاع كعادة الاستثناء في حياة غزة التي كتب عليها ما لم يكتب على الذين من قبلها من شقاء كأنها ولدت ملعونة.
    لا حياة في غزة ولا كهرباء ولا ماء ولا وظائف ولا جامعات ولا سفر ولا علاج ولا بيوت تشيد ولا شوارع ترصف ولا علاقات سوية ولا نساء ولا رجال ولا مال ولا أحلام ولا آمال ولا مستقبل تنتظره الأجيال، وأهالي غزة غاضبون من كل شيء وعلى كل شيء، على الفصائل والقوى والسياسيين، وعلى كل من ألقى بهم إلى حتفهم، غاضبون على أنفسهم، على خياراتهم الانتخابية، وغاضبون أكثر من عجزهم عن تغيير واقعهم، وعجزهم عن الخروج للشارع، عجزهم عن الضغط على القوى، عجزهم عن أن يكونوا قوة تأثير بعد أن خذلهم الجميع.
    بدت غزة كمختبر لهواة السياسة يجربون فيها حظوظهم، وبدا أهلها كفئران تجارب للهواة والمحترفين من أبنائها ودول العالم وأجهزته، وكأن غزة تحتمل أن تكون شاخص رماية لكل من أراد التعلم، فقد تمزقت لكثر ما أصابها من رصاص الأخوة الألداء، والأصدقاء والغرباء والأعداء، وما زالت تعد حصتها من الدم في معارك الغد، وكأن الناس أصبحت تعرف أن لا استقرار لهذه المنطقة التي لا تتوقف عن الاشتباك.
    هنا في غزة يسود إحباط لم يكن يوماً بهذا القدر حتى في أسوأ لحظات الحروب، هنا في غزة يطغي الحزن والألم، هنا في غزة يسجل التاريخ أن هذه البقعة التي شاء لها القدر يوماً أن تعيد بعث الحركة الوطنية وتحمل على أكتافها عبء التحرير وولادة الفصائل حين تبقت وحدها كمدينة ساحلية بعد النكبة، يسجل التاريخ أنها تموت ببطء أمام نظر الجميع انتظروها حتى تلفظ نفسها الأخير... واقرأ الفاتحة.

    المعارضة السورية نحو جنيف
    بقلم: حمادة فراعنة – الايام
    أذعنت المعارضة السورية، للطلب الأميركي بعد الضغوط الشديدة التي تعرضت لها، واستجابت لنتائج التفاهم الأميركي الروسي، ووافقت على المشاركة في مؤتمر جنيف2 المقبل، بعد رفض وتردد، وأخيراً بعد إعلانها لشروط مسبقة، أعلنت بتحفظ على موافقتها حضور المؤتمر المقترح الذي تجرى التحضيرات لعقده، بعد تمهيد الأجواء السياسية لدى طرفي الصراع: النظام والمعارضة، والأرضية اللوجستية لدى الأطراف المرافقة أو الآمرة لعقده.
    إذعان المعارضة السورية للطلب الأميركي، واستجابتها له، يعكس عدم استقلاليتها السياسية والمالية وافتقادها لحرية التحرك، وارتهانها للقرار غير الوطني المتحكم بأدوات اللعب والعمل، بل هي أسيرة للتحالف الأميركي - الخليجي - التركي، الذي تغيرت مفرداته وطريقة تعامله تعبيراً عما تحقق بين واشنطن وموسكو، سياسياً وأمنياً، وهي حصيلة دفعت إلى اشتداد المعارك وقسوتها على الأرض، لأن نتيجتها العملية هي التي ستحدد ليس فقط شكل المشاركة والأطراف المعنية، بل صيغة وطبيعة النظام الذي يجري الاتفاق عليه وصياغته مستقبلاً.
    تنظيم القاعدة الذي لا يرتبط بصلة مع التفاهمات الأميركية الروسية، بل هو أحد أهداف الاهتمام الأميركي الروسي، رفض قرار المعارضة السورية للمشاركة في جنيف، لأنه خارج لعبة التفاهمات، ولذلك سيعمل على خلط الأوراق وتوسيع شبكة المعارضة المسلحة جغرافياً، وهو ما فعله في لبنان، عبر استهداف مواقع حزب الله، والسفارة الإيرانية، وربما بعض المواقع الأخرى كما حصل على الحدود العراقية السعودية، لخلق الأجواء المناكفة، بهدف إفشال جنيف وعرقلة نتائجه سلفاً.
    وحركة الإخوان المسلمين عبر أدواتها القتالية، وتحالفاتها، المحلية والإقليمية تسعى لوضع العراقيل الميدانية، ومنها "تحالف الجبهة الإسلامية" الجديد بين سبعة تنظيمات محلية، في محاولة لنسف ما تم الاتفاق عليه بين موسكو وواشنطن، ومواصلة برنامجها، بعد أن فشل في مصر، وكاد في ليبيا وتونس، وبقي أسيراً للانقلاب في غزة، لم يحظ بأي شرعية تكسبه كي يكون بديلاً عن منظمة التحرير وسلطتها الوطنية في قطاع غزة أمام المجتمع الدولي.
    في كل الأحوال، لقد فشل النظام في سورية ولا يزال في إنهاء المعارضة السياسية والمسلحة، مثلما فشلت المعارضة في إسقاط النظام وتقويضه، وكلاهما نجح كل من طرفه، في تدمير سورية، وتمزيقها، وفي تشريد شعبها محلياً خارج بيوته، وإقليمياً خارج حدود الوطن السوري، وبات الشعب السوري أسيراً للموت والجوع والتشرد، مثله مثل الليبيين والعراقيين، وتفوقوا على الفلسطينيين بعذاباتهم، وعناوين القسوة التي تعرضوا لها في سنوات النكبة 48 والنكسة 67، وما زالوا، وبدلاً من أن تشكل المعاناة الفلسطينية رؤية وحافزاً للعرب كي يحافظوا على أوطانهم، نافسوا الفلسطينيين في تسجيل المعاناة والعذاب لأنفسهم، لأن الفلسطينيين تعرضوا لغزو أجنبي سرق بيوتهم وحياتهم في اللد ويافا وحيفا وصفد وبئر السبع على أيدي عدو وطني وقومي أجنبي، بينما تعرض السوريون والعراقيون والليبيون واليمنيون وما زالوا على أيدي أشقائهم وأبناء مواطنتهم، ما يتعرضون له من ويلات ودمار وتصفية.
    المعادلة الأردنية، وحدها بقيت صامدة، منذ بدايات الربيع العربي، ما نقبله لأنفسنا من مطالبات إصلاحية وتعددية وديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، نقبله للأشقاء من حولنا، وما نرفضه لأنفسنا من عنف وخراب ودمار وموت نرفضه أيضاً لأشقائنا، وهكذا تم استقبال اللاجئين السوريين على الأراضي الأردنية، ورفضنا أي تورط أردني رسمي أو حزبي أو فردي، لأي عمل مسلح من الأردن نحو سورية، ومن يتجاوز ذلك، يتعرض للمساءلة القانونية أمام المحاكم النظامية، وهذا ما يفسر وجود العشرات من الأردنيين وغير الأردنيين أمام المحاكم المختصة، وفي السجون الأردنية، لأن الأمن الوطني الأردني جزء من الأمن القومي العربي، كان وما يزال وسيبقى، ولا بديل آخر عنه.

    ماذا نريد من الفريق الوطني لإعداد القوانين..!
    بقلم: ريما كتانة نزال – الايام
    عشرون سنة أو أكثر، ونحن نعمل ضمن ظروف شائكة في إعداد
    مسودتين لقانون العقوبات والأحوال الشخصية، تنطلقان من الواقع. وفي الوقت نفسه، كان غيرنا أيضا يضع مسوداته للقانونين ذاتهما. جميع المسودات من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية الموضوع لذات المجتمع متعارضة مع بعضها البعض، ذاهبة في أودية متوازية لا يمكن أن تلتقي، علاوة على عدم قدرتها على الاشتباك أو إيجاد قاعدة حوارية أو نقطة تقاطع.
    وبشكل مواز للجهد الجاري على قانون فلسطيني موحَّد، كان البحث الجاد يجري على وضع البدائل، وعياً وإدراكاً منا للصعوبات الموضوعية في الواقع الفلسطيني الذي يغني فيه كلٌ على ليلاه. وقد تركزت البدائل على تحقيق المطالب الجزئية على شكل حُزَم وبنود قانونية تؤدي إلى صناعة الفارق في أحوال النساء، ومن أجل تجسير الفجوات التي صنعها تقادم القانون، بانتظار الوقت الذي يأذن بالتقدم بقانون متكامل.
    في الحقبة التالية لتأسيس السلطة، وبسبب تخلف القانون عن مجاراة الواقع، اتخذ مجلس القضاء الأعلى بعض القرارات لتخفيف وطأة انفصام القانون عن الواقع، إقرارا منه على إشكالية القانون، كما قام الرئيس بوقف العمل ببعض البنود القانونية التي تسهل الإقدام على الجريمة، وشكل لجنة ثلاثية لمسح القوانين ودراسة المسودات الموضوعة على المائدة.
    نحن الآن وبعد نفاد واستهلاك ما في جُعب الجميع، سواء في المعوِّقات المانعة لصدور القوانين، أو جديد في التحليل والتشخيص، لكن الجديد هو تصاعد عدد حالات قتل النساء، حيث وصل عدد الضحايا إلى رقم يفوق ضعف مجموع حالات القتل في العامين الأخيرين.
    الأسئلة الدائرة في أروقة المؤسسات النسوية والحقوقية تتمحور حول تنامي مظاهر العنف ضد المرأة دون فعل يرقى إلى وقفه، وعن أسباب صدور قوانين تمَس مصالح قطاعات محدودة، كالاستثمار والضرائب، رغم العوائق الموضوعية ذاتها، بينما قضايا المرأة والمجتمع لا تحظى بذات الاهتمام والأولوية.
    ماذا يجري حاليا على الجبهة القانونية، لقد تم توسيع اللجنة الثلاثية التي شكلها الرئيس لتستوعب ممثلي الائتلافات المدنية ليعمل الجميع تحت مسمى "الفريق الوطني" على المسودات المتعارضة. التساؤل البسيط المطروح في الساحة: هل يمكن لهذه اللجنة أن تصل إلى نتائج في ضوء الأجندات والرؤى المتناقضة، ولكونهما تنطلقان من قاعدتين ورؤيتين مختلفتين لا يمكن التوفيق بينهما أو إخضاع الحقوق إلى مفهوم الصفقات.
    من هنا، وحتى نوفر الوقت، لابد من المبادرة إلى وضع إطار مبادئ حول الحقوق التي ينبغي الالتزام بها من قبل الفريق الوطني، وأن يستند الى التزامات السلطة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعطاء الفريق الوطني انتباهة نحو المبادئ التالية الأساسية غير المختلف عليها لتجسيدها في بنود القانون:
    أن يلتزم الفريق الوطني بمبدأ إلغاء جميع أشكال التمييز الممارس ضد المرأة. فقد خلق الله الجميع سواء لا فرق بينهم إلا بالتقوى.
    أن تحفظ القوانين الكرامة الإنسانية للمرأة، وعدم تعامل القانون مع المرأة: كأم وأخت وزوجة وابنة... نريد أن نحظى بمنزلة وشخصية قانونية كمواطنات في الدولة، وليس كرعايا العشيرة، وأن تكون علاقتنا بالدولة ومؤسساتها ودستورها وقانونها، كما ورد في وثيقة الاستقلال، لا أكثر ولا أقل.
    نريد وقف التعامل مع مصطلح جرائم الشرف، واستبداله بمصطلح جرائم قتل النساء، فالمدلول الأول تضليلي ويبرر الجريمة، والثاني يعبر عن الجريمة دون تهريب أو تبرير، ويردع مرتكبيها على حد سواء.. ليس أكثر أو أقل.
    نريد إنهاء الزواج المبكر للمرأة والرجل، ببنود واضحة لا يتهرب منها أحد، ولا يلتفّ عليها أحد، بسبب مخاطره المعروفة وإشكالياته الواضحة، لا أكثر ولا أقل.
    نريد قانونا ينهي التناقض بين ما وصلته المرأة من مراكز سياسية وتعليمية رفيعة المستوى، تقرر فيها بشأن الدولة، وتعقد الاتفاقيات وتبرم العقود.. بينما لا تستطيع أن تتولى أمور حياتها الشخصية، وتتحمل مسؤولية خياراتها الشخصية.. لا أكثر أو أقل.
    هل يمكن للفريق الوطني تجسيد ذلك.. نقول هذا للتذكير بالمساواة التي تبناها دستورنا، رغم معرفتنا أن القانون، حتى لو كان متماشيا مع المطالب، لن يكون بمقدوره حلّ مشكلة العنف والتمييز، لأن بمقدوره فقط حماية المرأة وتحصينها ضد الاستلاب والسيطرة، لكنه لا يستطيع معالجة مشكلة التمييز والعنف، بل الذي يعالجهما ويكافحهما وضع خطة وطنية كاملة ومتكاملة تتناول التربية والثقافة والإعلام، تبدأ من المناهج التعليمية والتربية في المدارس.
    تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية: نحو مراجعة نقدية شاملة
    بقلم: د. فيحاء قاسم عبد الهادي – الايام
    ترحب "مساحة للحوار"، باستضافة تعقيب الصديقة د. غانية ملحيس، على وثيقة "إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية"، التي نوقشت في عمان، يوم 3 تشرين الثاني 2013؛ استكمالاً للحوار، ومساهمة في تقديم رؤية للخروج من المأزق السياسي، الذي تمر به القضية الفلسطينية، حيث تدعو إلى إجراء مراجعة نقدية شاملة ومتعمقة لأسباب إخفاقات الحركة الوطنية الفلسطينية، وعوامل نجاحات الحركة الصهيوينة؛ من أجل بلورة مشروع وطني تحرري فلسطيني، قادر على هزيمة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري.
    *****
    "أثارت قراءة الوثيقة، بعض الملاحظات، التي يمكن إجمال أبرزها، بما يلي:
    مضمون الوثيقة، خليط بين الفكر الاستراتيجي والسياسة، ينطلق من الإقرار بإخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية الشامل، ويخلص إلى ضرورة تجديدها، بما يُفضي إلى إعادة بلورة المشروع الوطني الفلسطيني، وتغيير المسار، وتطوير الأدوات.
    ويبدو أن هذا الاستنتاج المُجمع عليه، نجم عن واقع محسوس، وليس نتيجة لمراجعة نقدية جادة لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية على امتداد أكثر من قرن، للبحث في الأسباب الذاتية والموضوعية عن الإخفاقات المتكررة في مواجهة المشروع الصّهيوني ومنع تقدمه، رغم عدالة القضية وجسامة التضحيات.
    ولمراجعة مماثلة لتجربة الحركة الصهيونية، للوقوف، أيضاً، على أسباب نجاحاتها المتواصلة في تحقيق وتقدم المشروع الصّهيوني، رغم أنه معاكس لاتجاه حركة التاريخ.
    هذه المراجعة الشاملة ضروريّة، قبل أيِّ طرحٍ جادٍّ لتجديد الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، ومن دونها يتعذر كُليّا بلورة مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ تحرّريٍّ قابل للإنجاز بالسرعة والكلفة المعقولة.
    ومع أنَّ ذلك يجب ألا يدفعنا إلى تأجيل تصويب الانحرافات في المسار الفلسطيني إلى حين إنجاز عملية المراجعة، فإنّه ينبغي التنبّه إلى مخاطر الانزلاق في المحظورات؛ إذا واصلنا العمل دون برنامج تحرري إنسانيٍّ نهضوي عصريٍّ، يشكل بوصلة توجِّه النضال الوطني الفلسطيني.
    وعليه، يجب التّفريق بين العمل الاستراتيجيّ، وبين العمل السياسيّ؛ لأنّ الخلط يضرّ بكليهما، وهو ما يُؤْخذ على الوثيقة موضع المناقشة.
    فالعمل الهادف إلى إعادة صياغة المشروع التّحرري الفلسطيني، مهمّة استراتيجيّة تنجزها نخب ثوريّة، من غير السِّياسيّين المنشغلين بالهمّ اليومي، تستعين بفريق وطنيٍّ من المُفكِّرين، وذوي الخبرات السّياسيّة والقانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والعسكريّة، وبعدد من مراكز الأبحاث الجادة المتخصصة، ويتفرغون لإنجاز عملية المراجعة النقدية الشاملة، لاستخلاص النتائج وتوظيفها في بناء مرتكزات الرؤية الجديدة، وفي تحديد عناصر برنامجٍ نهضويّ تحرريّ إنسانيّ عصريّ شامل، مؤهّل لهزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري، المعاكس لاتجاه حركة التاريخ.
    أما التّأثير الفاعل في الوضع السياسيّ القائم، عبر الانغماس العمليّ في تكوين الوقائع، فهو عمل سياسيّ حيويّ، ينطلق من بحث الممكن تحقيقه للنّهوض بالأداء - جني مكاسب أو تقليص خسائر-، ويبدو أن هذا ما يستأثر باهتمام مركز "مسارات"، ومجموعة العمل، ومعدي الورقة، ويخدم صانعي السِّياسات الرسمية والأهلية /الأحزاب والفصائل والنقابات والاتحادات إلخ..../؛ غير أنه ذو طبيعة إصلاحيّة قصيرة المدى، قد يوقف التّدهور في الوضع الفلسطيني، لكنه لن يؤدّي إلى إنجاز المشروع التحرري، ولا يناط به تغيير مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، بما يؤهلها لهزيمة المشروع الصهيوني، بل ويجب عدم تحميله مسؤوليّة ذلك، لأن الخلط بين الإصلاح / تحسين الأداء /، وبين التجديد / تغيير المسار/ يحبط كِليْهما.
    وعليه، أعتقد بضرورة مراجعة الوثيقة، وإعادة صياغتها، كوثيقة سياسية، تهدف إلى الإصلاح بتقليص الضرر، وتحسين الأداء الوطني، لأهمية ذلك في عدم إضافة مزيد من العراقيل والعقبات أمام إنجاز المشروع التحرّري الفلسطيني.
    فالمصالحة عمل إيجابي؛ لكنها لن تؤدي إلى تغيير المسار المسؤول عن الإخفاق العام في إنجاز المشروع التحرري، والناجم أساسا عن الانحراف عن مواجهة الصهيونية لهزيمتها، وتوجه فصائل العمل الفلسطيني كافة، إلى مقارعة الصهيونية لمساومتها، والوصول إلى حلول وسطى معها. وهزيمة الصهيونيّة، لا تعني بأيّ حال تصفية الوجود اليهودي في فلسطين، الذي ينبغي على المشروع النّهضوي التّحرري، التّعامل معه بطريقة إبداعيّة ومسؤولة، تنطلق من تساوي الحقوق الإنسانيّة في الحياة والحريّة وتقرير المصير، وتستعيض عن الدّولة القوميّة بالدّولة الوطنيّة، وتساعد يهود إسرائيل على التّحرر الذّاتي والتخلص من الأيديولوجيا الصهيونيّة الاستعماريّة العنصرية، وتلمّس الفرصة الحقيقيّة لحلّ الصِّراع، بالتَّشارك مع أصحاب البلاد الأصليّين في بناء مستقبل واعدٍ مشترك في إطار من المساواة التّامّة.
    وإعادة بناء مؤسسات منظمة التّحرير الفلسطينية، يبقى قاصراً في غياب مشروع وطني نهضوي تحرّريٍّ يُفترض بالمنظمة قيادة إنجازه.
    فالمنظمة أداة وآليّة مؤسسية، تعتمد بنيتها وهياكلها على المهام المناطة بها لإنجازها.
    دون أن يعني ذلك، عدم إمكانيّة إصلاح المنظمة وتطوير أجهزتها والقضاء على ترهّلها وتحسين أدائها في خدمة الشّعب الفلسطيني، والحفاظ عليها كصرح وطني جامع.
    أما إعادة بناء المنظمة الهادف إلى تأهيلها لإنجاز المشروع التحرري، فسيبقى متعذّراً في غيابه.
    الملاحظة الأخيرة، تتعلق ببعض المصطلحات الإشكالية الواردة، التي قد تقودنا إلى نفق مجهول، لا قِبَل لنا بتحمل أعبائه:
    فالحديث مثلا عن "إعادة بناء التمثيل الوطني الفلسطيني" ينطوي على خطورة بالغة، في ظلّ الافتقار إلى المشروع الوطني النهضوي التحرري الجامع، وغياب البدائل المؤهّلة، وقد يعيدنا إلى مرحلة التّيه وتفكك الكيانيّة الفلسطينية، في هذه المرحلة المفصليّة التي يُعاد فيها تشكيل المنطقة.
    واختزال الديموقراطيّة بالانتخابات، في ظلِّ الواقع الفلسطيني المُقيّد، قد لا يكون الصيغة المُثلى لإفراز قيادةٍ وطنيّةٍ مؤهّلةٍ لهزيمة المشروع الصهيوني.
    والحديث عن "رفض المحاصصة الفصائلية"، في المنظمة والسّلطة، غير مُجدٍ، بغياب صيغٍ تنظيميّةٍ أرقى للعمل الوطني، دون الاستهانة بمخاطر المنهج الإقصائي والهيمنة الفصائلية".
    د. غانية ملحيس/ عمان - الأردن
    *****
    جرى الحوار حول هذه الأفكار، اتفاقاً واختلافاً، من قبل الحضور، وهم/ن مدعوون، مع غيرهم، لتبادل الأفكار، والمشاركة في هذا الحوار المفتوح، تعديلاً، أو تطويراً، للوثيقة الأساس، حيث إن دوافع إصدار الوثيقة؛ هدفت إلى فتح نقاش جدي، يشرك الشعب الفلسطيني بنقاش قضاياه المصيرية، مثل قضية إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بالمعنى التاريخي الأشمل.
    تطور الرواية العربية في فلسطين
    بقلم: عادل الأسطة – الايام
    تطور الرواية العربية في فلسطين 48 (1948 ـ 2012) هو عنوان كتاب للباحثة الدارسة جهينة عمر الخطيب، والكتاب أطروحة دكتوراة أنجزت في جامعة اليرموك، وقد أشرف عليها الصديق الأستاذ الدكتور خليل الشيخ، الذي أثنى على الدراسة، فكتب لها كلمة جاء فيها: تكشف الدراسة الجادة التي أعدتها الباحثة عن مجموعة من السمات المهمة التي تضفي عليها ـ على الدراسة ـ قيمة علمية ونقدية.. ولا شك أن هذه الدراسة تأسيسية بكل ما في الكلمة من معنى، بمعنى أنها تضع القواعد لدراسات نقدية قادمة تقوم بقراءة المنجز الروائي، وتتبع ما ينطوي عليه من مظاهر كثيرة تتصل بالهوية والصراع على سرديتين، وغير ذلك من المسائل. وينبغي أن أشير إلى الحضور الواضح لشخصية الدارسة الذي يتجلى في هذا البناء الدقيق للعمل، وفي القراءة الجادة للنصوص التي تسد فراغاً في المكتبة العربية.
    وعهدي بالدكتور خليل أنه جاد ولا يجامل، وقد يكون ما رآه وذهب إليه صحيحا، فهو ملم إلماماً جيداً بالأدب العربي الحديث.
    طبعا هناك دراسات تأسيسية للرواية الفلسطينية، أنجزت كرسائل دكتوراة وكدراسات نقدية أيضاً، ويذكر المرء في هذا المجال دراسة الدكتوراة التي أعدها د. أحمد أبو مطر، "الرواية في الأدب الفلسطيني" (1980)، ودراسة الناقد فاروق وادي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية" (1985)، ولا تنسى دراسات شكري عزيز الماضي ومحمد اليوجي ومحمود غنايم وآخرين كثر.
    وإن كان ثمة اختلاف بين الدراسات السابقة وهذه، فهو يكمن في أنها رصدت حركة الرواية في فلسطين المحتلة في العام 1948 ـ لم تأت على الرواية في مناطق الاحتلال الثاني، فدرست أسماء قديمة مثل اميل حبيبي، وهو اسم معروف جيداً في العالم العربي، ومثل سميح القاسم، كما درست اسماء جديدة معروفة داخل فلسطين، ولكنها لم تعرف بما فيه الكفاية خارجها مثل سهيل كيوان وعطا الله منصور وشوقية عروق وحنا ابراهيم و.. و.. و..، وبما أن الكتاب أنجز في جامعة عربية، وصدر عن دار نشر معروفة في بيروت وعمان هي المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2012)، فلا شك أنه سيكون مرجعاً لدارسين لاحقين يدرسون الرواية الفلسطينية، ولا شك أن هؤلاء الدارسين، إذا ما درسوا النصوص وحياة مؤلفيها وآراءهم في الفن الروائي، لا شك في أنهم سيفيدون من هذا الكتاب الذي جمع بين دفتيه أسماء أكثر الروائيين، إن لم يكن كلهم، والذي درس أكثر النصوص، إن لم يكن كلها، وألحق، في خاتمته، مقابلات أجريت مع الكتاب الذين أبرزوا آراءهم في الرواية والذات والآخر و.. و.. و..، ولما كان كل عمل دراسي لا يكتمل، ولما كان الدارسون القراء يريدون لكل عمل أن يكون كاملاً، فإنهم يرصدون النقص وقد لا يشيدون بالإيجابيات، ولعلّهم يرمون من وراء ذلك أن يلفتوا نظر الدارسين إلى ما اعتور دراسته من شوائب، عله يلتفت إليها ويؤخذ بها لاحقاً إذا ما أعاد طباعة كتابه. وأرى أن على صاحب الكتاب ألا يرى فيما يسجل على كتابه من ملاحظات منقصة وهجوما شخصياً، فأعمال الدارسين المتابعين نفسها لا تخلو أيضاً من شوائب ونقص.
    ملاحظات حول الكتاب:
    يلحظ قارئ الكتاب، حين يدلف إليه وينعم النظر في نصوصه، أن ثمة مفارقة بين العنوان والمتن، فالعنوان يوحي للقارئ بأن الدراسة ستقتصر في دراستها على دراسة جنس الرواية، والمتن يقول له إنها درست الرواية والسير الذاتية أيضاً، من ذلك سيرة حنا أبو حنا وسيرة حنا ابراهيم أيضاً.
    وسيلحظ قارئ الدراسة أيضاً، أحياناً، عدم دقة في قراءة النصوص، وسيختلف هنا مع ما ذهب اليه أ. د. خليل الشيخ في تصديره للكتاب.
    ولعل المثال البارز الواضح على هذا هو ما ورد في أثناء كتابتها عن حكاية سميح القاسم الأوتوبيوغرافية "إلى الجحيم أيها الليلك".
    تخلط الدراسة بين سمير وسميح. إن أنا السارد في الحكاية هو سميح نفسه، ولكن سمير شخص آخر، شخص ثانوي عابر.
    لقد مات سمير في مخيم لاجئين خارج فلسطين، لا داخلها، وما قالته عنه "وجد نفسه مضطراً للتعايش في بلد أصبحت غريبة عنه، وفي دولة أصبح اسمها "إسرائيل" (ص 102) ينطبق على السارد/سميح.
    مثال ثانٍ على عدم دقة قراءة النصوص يكمن في الصفحة التالية (ص 103) في هامش 3. تأتي الدراسة على رواية سحر خليفة "باب الساحة" فتكتب عنها : "موضوع "العميل" والخيانة، من المواضيع التي شغلت الروائيين الفلسطينيين في أدب الشتات، فالروائية سحر خليفة خصصت رواية كاملة حول شخصية العميل، في روايتها "باب الساحة".. وعدا أن سحر حين كتبت روايتها هذه لم تكن من أدباء الشتات، إذ كانت تقيم في نابلس ورام الله، ولم تكن غادرتهما، فإن الكتابة عن العميل لم تشغل الرواية كلها "خصصت رواية كاملة حول شخصية العميل"، وربما كان وليد أبو بكر في روايته "الوجوه" هو من ينطبق عليه هذا.
    الإفادة من المصادر والمراجع :
    ما يلحظه المرء وهو يشرف على رسائل ماجستير ويناقشها هو سوء إفادة الطلبة من المصادر والمراجع، ما يعني أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة التمييز بين الكتب اللازمة للدراسة والكتب التي لا يفترض أن يستشهد بها أو أن يقتبس منها، فهم أحياناً كثيرة يأخذون من كتب تقع بين أيديهم دون مساءلة إذا ما كان تمتّ بصلة لموضوعهم المدروس.
    الدارسة جهينة وقعت في هذا في غير مكان، وسأكتفي بالإشارة إلى موضعين فقط.
    تمهد في ص89، وهي تدرس الشخصية الروائية، تمهد للكتابة عن الشخصية بالكتابة عنها معتمدة على كتب ليست هي الأساس للاعتماد عليها في أثناء دراسة الشخصية. تعتمد على معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب لمجدي وهبة، وعلى الشخصية اليهودية لمحمد جلاء ادريس، وعلى بنية الشكل الروائي لحسن بحراوي.
    وفيما أرى فإن الكتب الأساس هي كتاب (فورستر) "أركان القصة" وكتاب محمد يوسف نجم "فن القصة" وكتاب عبد الملك مرتاض "نظرية الرواية". ويلاحظ الشيء نفسه في ص114 حين تدرس شخصية اليهودي.
    إنها تعتمد على كتاب حمودة زلوم "الشخصية اليهودية في الأدب الفلسطيني الحديث"، وهو كتاب ضعيف وليس كتاباً علمياً، وعلى كتاب صبحية عودة زعرب "الشحصية اليهودية في الخطاب الروائي الفلسطيني" ومع أن زعرب دارسة أكاديمية، إلا أن كتابها ليس الأفضل في هذا الجانب.
    وهناك دراسات أكثر أهمية وعلمية من هذين الكتابين، لي ولمحمود غنايم، ولم تشر الكاتبة إليهما هنا، علماً بأن كتابي هو رسالة دكتوراه، وما كتبه غنايم هو دراسة مهمة وجادة.
    ضعف في الصياغة وأخطاء قاتلة في التوثيق:
    لعلّ قارئ هذه الدراسة يلحظ أن صاحبتها ما زالت بحاجة إلى التمكن من الصياغة اللغوية، ففي مواطن كثيرة يلحظ ضعفاً وركاكة ظاهرين، غير أن ما يزعج حقا هو اتباع أكثر من طريقة في التوثيق، وما يزعج أكثر وأكثر هو عدم الدقة فيها، وهذا كثير، ويمكن أن ينظر المرء في ص137، وص136، 138، و ص195 و196 و197، ولا أدري كيف وافق الصديق د. خليل الشيخ وهو المتمكن، على هذا.
    تطور الرواية العربية في فلسطين دراسة أكاديمية أعتقد أن على الدارسين العرب في الداخل القيام بمراجعات لها، على الدارسة أن تفيد منها إذا ما طبعت الكتاب ثانية.
    تغريدة الصباح – عكّا/ أمستردام
    بقلم: حنان باكير – الحياة
    كان ذلك أواخر العام 2000 ، المكان مطار أمستردام.. أنتظر الطائرة التي ستقلع بي الى أوسلو بعد ثلاث ساعات. التسكع في المطارات لا يزعجني أبدا.
    انشغلت بتقييم زيارتي لبيروت هذه المرة. وأستعرض أهمّ الأحداث التي عايشتها.. كان الانسحاب الاسرائيلي أهمها وأكثرها إثارة.. ثم النقاشات التي دارت حول اشكالية وضع فلول جيش انطوان لحد، الذين تركوا يواجهون اقدارهم وحدهم..
    استوقفني فجأة، شاب قصير القامة، أسمر اللون ،أميل الى النحافة وربما لم يتجاوز العشرين عاما.. حيّاني وتكلم معي بلغة انكليزية أكثر من ركيكة. كان مرتبكا وحائرا، قال انه مغادر الى كندا ولا يعرف من ايّ بوابة، ناولني تذكرة سفره وبطاقة العبور.. كان اسمه جورج.. لفتني وجود خارطة لبنان فضّية معلقة بسلسلة في رقبته. سألته : انت لبناني؟ إندهش وأخذ نفسا عميقا طال احتباسه، وسألني: بتحكي عربي؟ نعم أجبته. قال نعم انا لبناني وهذه اول مرة أسافر فيها خارج لبنان. قلت: أنا فلسطينية لبنانية.
    من وين انت من فلسطين؟ من عكّا. أجبته. أشرق وجهه بابتسامة عريضة، قبل أن يضيف: انا قادم من عكا الان.. كنت في ضيافة عائلة عكاوية هناك! تجمعت في ذهني بعض الخيوط: جورج لبناني وكان في عكا/ فلسطين.. ما الذي قذف به هناك!! قلت له: انت من جيش لحد؟؟ عاد الارتباك الى سحنته. مش مهم الان ! طمأنته. وانا أدرك تماما انه لو التقاني على حاجز جنوبيّ وبيده رشاشه.. وانا الفلسطينية.. ماذا كان سيكون مصيري؟ وضعت حدا لاسترسالاتي.. وسرت معه الى حيث بوابة المغادرة الى كندا.. كان لديه ساعة انتظار.. وقرب البوابة دعوته الى كافيتيريا.. طلبت له كوب شاي وقطعة كاتو.. كانت فرصتي لأزيح ولو بعض الغبار المتراكم على دماغه.. كيف يمكن اختصار تاريخ نكبة ولجوء بلغا عمر الشيخوخة.. لكني فعلت ذلك! عيناه التائهتان لم يفارقهما شبح دمعات استعصت على الانهطال.. ودّعته ومشيت بضعة أمتار... سمعته يناديني باسمي هذه المرة وليس « مدام».. التفتّ.. جدولان صغيران من الدموع شقّا طريقهما على خدّيه، وبصوت مخنوق قال: معقول ! معقول هيدا اللي صار معي؟؟ سكتّ ولم أسأله شيئا.. اضاف: هربت الى اسرائيل خوفا.. فتخلّوا عني. حضنتني عائلة من عكا، عشت معهم وأكلت معهم.. عاملوني كابنهم الذي تعرفت عليه صدفة واخذني الى بيته.. وهم من أوصلوني الى المطار واعطوني بعض المال.. ثم تهت في مطارات اوروبا.. فالتقيت عكاوية ساعدتني وخففت عني وحشة غربتي ! كيف يمكنني مكافأتكم؟!
    هزّني موقفه ودموعه وأجبته: اذهب في الارض كلها واكرر بكل تفاصيل ما مرّ بك.. تكلم بلسان ضميرك ! القى بحقيبته أرضا، أسرع نحوي عانقني وهو يجهش ببكاء مرير!! هذه الدموع الصادقة طهّرتك يا جورج!!

    فتنة "الجماعة" بين تركيا ومصر
    بقلم: عدلي صادق – الحياة
    يؤلمنا التردي الحاصل الآن، في العلاقات التركية المصرية. فالبلدان، قطبان رئيسان، في العالم الإسلامي، بينهما الكثير من الروابط التاريخية ومن المشتركات الراهنة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع. ونحن على يقين، بأن هذه الغيمة سوف تنقشع، وسيتضح لاحقاً، من بين مخرجات البحث في حيثيات هذا التردي الاستثنائي؛ أن جماعة "الإخوان" أدارت فتنة بين البلدين، وكانت صاحبة دسيسة. فقد كان أمل المصريين، أن ينظر إخوانهم الأتراك لما حدث مؤخراً في بلادهم، بهديٍ من تجربة المرحوم نجم الدين أربكان، مؤسس حزب "الرفاه" الذي ترعرع فيه عبد الله غُل ورجب طيب أردوغان. فتجربة أربكان وحدها، أكثر من كافية، لأن يستفيد منها "الإخوان" وأن يتعلموا. ونقول إنها أكثر من كافية، لأن مآثر المرحوم أربكان وقابليته للعمل مع الآخرين؛ لم ولن تصل اليها الجماعة الغبية المتباكية طوال تاريخها، والتي لا تنتعش إلا برواية المظلوميات، كلما أوقعت نفسها في المأزق تلو الآخر. فأربكان كان صاحب حكاية ذات مغزى. أسس حزباً في أواخر الستينيات، سرعان ما حلته المحكمة الدستورية. وعاد في سنة 1972 الى تأسيس حزب آخر متوخياً "السلامة الوطنية" التي جعلها اسماً للحزب، ودخل الانتخابات في عالم 1974 بحزب جديد، هو "الخلاص الوطني" وفاز بنحو ربع المقاعد، فتحالف مع حزب الشعب الوارث لرؤية كمال أتاتورك، لتشكيل الحكومة. عمل نائباً لرئيس الوزراء اليساري بولنت أجاويد، وشجع أربكان أجاويد على العمل العسكري في قبرص المقسمة حتى الآن. ولما طلب المزيد من التأثير، لفظته الحكومة بضغوط المجتمع والقوات المسلحة. لكن وجوده في البرلمان، ونشاطه النبيل عندما قاد تظاهرة حاشدة احتجاجاً على قرار إسرائيل ضم القدس، نادى خلالها بقطع العلاقات مع الدولة العبرية؛ جعل الجيش يتنبه لتنامي حجم الإسلام السياسي، فكان الانقلاب العسكري بقيادة كنعان إيفرين، في العام 1980 وزُج الرجل في السجن. وبعد ثلاث سنوات، خرج ورتب أموره وأعد لغته المناسبة للعمل السياسي وفق معطيات البلاد، وأسس حزب "الرفاه" لكن الناس تجاهلته في الانتخابات. أعاد الكرّة في العام 1996 بعد عمل اجتماعي وسياسي مستنير، فأنصفه الشعب التركي، وكان هيأ نفسه للتحالف مع حزب "الطريق القويم" العلماني بزعامة السيدة تشيللر. تسلم رئاسة الحكومة، غير أنه سرعان ما تعجل على رزقه وسبقته عثمانيته، ليجد نفسه في السجن بعد عامين، متهماً بانتهاك قوانين ومحددات الدولة المدنية. مُنع من ممارسة السياسة لسنوات خمس، فأسس من وراء الكواليس حزب "الفضيلة" الذي أداره تلميذاه أردوغان وغُل. وبعد انقضاء السنوات الخمس، سجل محاولته الأولى لتأسيس حزب جديد باسم "السعادة". فالإسلاميون منفتحون على كل ألفاظ القاموس المتعلقة بالحرية والعدالة والسعادة والحب. تعرض لتهمة اقتناص دراهم "الرفاه" تماماً مثلما تعرض حسن البنا في منتصف الأربعينيات، لاتهام باقتناص دراهم "الجماعة". عاد أربكان الى السجن للمرة الثالثة، عند عتبة سن الثمانين، ليقضي عامين. لم ينجح في تكريس "السعادة" فاستبدلها بـ "الفضيلة". لكن تلميذاه الذكيان، تصرفا كأنهما يقولان للرجل "الله يعطيك العافية" ووطدا العزم على الأخذ بالمقتضى السياسي والديموقراطي الذي يفيد التوجه موضوعياً. تركاه حتى أسلم الروح، وتنصلا من هفواته، وهو المقدّر في مسعاه المناهض للصهيونية!
    الرؤية بهديٍ من تجربة أربكان، تقول إن رجلاً لم ييأس من أية ضربة أو نكسة، وأعاد المحاولة تلو الأخرى، وتحالف مع علمانيين، لكنه لم يحقق "التمكين". وللرجل مآثر شتى، استأنس بها لكي يستعجل رزق الإسلام السياسي. أما "الجماعة" في مصر، فما أن حكمت حتى احتقرت الخارطة السياسية كلها، وبعث رئيسها الى شمعون بيرس برسالة غرامية. حوصلتها ضيقة، وهي بلا مآثر بمعايير البحث التاريخي وطبائع السياسة، ولها كل الذمائم في التحالفات والمسلكيات. لم تحتمل احباطاً سلطوياً واحداً، دبره الجيش بدعم الشعب، علما بأن الجيش، في يوم التدبير، أبلغها إنه لن يُقصي أحداً. وبدل أن تصبر، مثلما صبر أربكان، وتأخذ المقتضى الأوجب، مثلما أخذ أردوغان؛ لجأت الى العنف. من هنا، يتبين واحدنا، الإفتقار الى أخذ العبرة، ويستظهر دسيسة "أخوانية" أوقعت تردياً في العلاقة بين مصر وتركيا!

    الصحفي والنائب بين الحصانة والعدالة
    بقلم: موفق مطر – الحياة
    منح الشعب الحصانة للنائب المنتخب والصحفي باعتبارهما ضميرا انسانيا وطنيا يمثل الارادة الشعبية قبل نفسه حتى وان كان مبدعا ورائدا او حتى قائدا في تخصصه ..لكنها ليست مطلقة, اذ ضبطتها قوانين الدول الديمقراطية, وكذلك قوانين المجلس التشريعي الفلسطيني, وحددت السبل التي لا بد للسلطات التنفيذية والقضائية من السير فيها قبل مثول النائب أو الصحفي مثلا أمام القضاء .
    يخطئ الصحفي، او النائب، ان اعتقد أن الحصانة القانونية تمنحه حق اتهام أي مواطن ايا كان موقعه او وظيفته بدون دليل حسي, كالخيانة بدرجاتها أو الفساد بأنواعه, فهذه جرائم يعاقب عليها القانون, وعلى المدعي-( النائب او الصحفي ) - الإتيان بالدليل وإلا فانه سيكون متهما بعرقلة عمل السلطة القضائية, فالقضاء وحده صاحب الحق ليقضي فيما اذا كان المدعى عليه خائنا او فاسدا, او كان فعلا مجرما او بريئا, لكن أن يحل النائب او الصحفي مكان القضاء للنطق بالأحكام, فهذا اغتصاب لمكانة سلطة القضاء, واحتلال لمنصة العدالة.
    يحق لي كصحفي كما يحق للنائب البحث والتحقيق الاستقصائي الاعلامي لوضع اليد على خفايا قضية ما تهم الجمهور، ويحق للصحفي نشر معلوماته المؤكدة الموثقة بما لا يؤثر على الأمن والسلم الوطني الداخلي والخارجي, واذا سألنا من يقدر ذلك, فاني لا أجد أفضل من الضمير، فهو سبب منح الصحفي والنائب الحصانة, ضمير يقدم منعة وسلامة الوطن على المهنية، أو الشهرة الشخصية, او التكسب المادي, فكلنا كصحفيين ونواب قد اقسمنا على الولاء للوطن والعمل من أجله والتضحية في سبيله, كما اقسمنا على ميثاق الشرف الصحفي, وأقسم النائب للمجلس التشريعي, لكنا في لحظة ما قد نحتاج الى ترتيب الاولويات, ودعم الوطني بحقائق وبيانات حول ثغرات الفساد، الخيانة, والكذب التي غالبا ما تشكل نقاط ضعف جبهتنا الداخلية, وسببا لانهيار جبهة الصراع مع دولة الاحتلال, ترتيب اولويات يضمن عدم التغطية على القضايا المطروحة, أو تمييعها, بحجة المواجهة مع الاحتلال, فسد الثغرات يمنع ويقوي الجبهة الداخلية كشرط للصمود في الصراع على جبهة الاحتلال الأعرض, والعمل لدى الجهات المختصة دون اغلاق ملفها, مهما كانت المبررات, ما يعني ألا يلجأ الصحفي أو النائب تحت مظلة الحصانة الى تضخيم ملف قضية داخلية ما, لتتغلب على قضية المواجهة مع الاحتلال, وبذات الوقت ألا تلجأ السلطة التنفيذية الى طي هذه الملفات أو اغفالها أو تصغير شأنها والتقليل من حجم تأثيراتها السلبية بحجة المواجهة, وهذا يتطلب منا حنكة وحكمة لا يبخل بهما ضمير الصحفي والنائب في اللحظة المناسبة, في تناغم وانسجام مع ضمير الموظف المؤتمن في السلطة التنفيذية, حيث لا تؤخر المواجهة الشاملة مع الاحتلال, مساءلة وحساب الفاسدين أو المشتبه بهم ? حسب الادلة والبيانات ? بمقتضى القوانين. فالمهنية ان لم ترفع على اعمدة الضمائر الوطنية, ستتحول الى (بزنس ) ملوث بوساوس الشيطان.
    رثاء والد في الذكرى الاولى لرحيله
    بقلم: رانية الحمد الله – الحياة
    أن أعيش عاماً كاملاً على فكرة رحيلك، أن أخبئ رأسي خوفاً من الفكرة، أن تصر ذاكرتي على دحضها، وتقتادني أفكار متناقضة لعمر كامل من الثمالة الأبوية، أن أصر أني طفلة الآن، وأنك تقتادني للحياة بلا رهبة كوني ابنتك بكل مكنوناتي، وأنك أبي بكامل الأبوة، أن أحمل اسمك الخفيف الثقيل، أن أجند قلبي لأمتلك طيبة العالم كقلبك، أن أهيئ فكري لأنتمي لبساطة معتقداتك المعقدة، أن أكون حرة حريرية كما أردت، أن أكون رحيمة صلبة، صارمة لينة، سهلة صعبة، أن أتفقد فيما تبقى من النهار حزن الأيتام وبرد الوحيدين وخلاصة أوجاع الجيرة والأصدقاء، أن أمر كل ليلة على امرأة تسعينية أمسح عن جبينها عرق النكبة التي ألحقتها بركب الغرباء في القرية، أن أضمد جراح شاب فر من بين يدي الجنود وأتلقى عن كاهله الضرب المبرح لأنجو به من بينهم، أن أحتسي وجع الفقراء طواعية لأكون عوناً لهم، أن أحب بكل المعاني الخالصة للحب، وأن أغضب بكل المعاني الخالصة للغضب، أن يعلو صوتي أحياناً، منددة بما لا يطيق عقلي، أن أكون معتادة على العناد، ومصرة دائماً على ما أريد وكما أريد. لم تمضِ الحياة يا "زعيم" أنا اليوم أكتب لك بذكراك الأولى، ولا أعرف إذا كنت أناديك، أم أناجيك، أم أرثيك، أم أواسي نفسي, ثلاثمئة وستة وخمسون يوماً على غيابك عني، ثمة كل يوم ميتات متعاقبة تلتحق بموتك، وبرد لا ينتهي، وغربة فظة القلب، وحنين يكسر الظهر، ويتم مقيت، وهذيان يعصف بقلب طفلة تأبى أن تقر برحيل والدها. نعم يا أبي، أنا طفلتك المدللة، أقف اليوم أمام ذكرى رحيلك الأولى وأحاول أن أكتبك بالكلمات وأختزل عمرينا بعبارة شاردة، وبجملة من مبتدأ وخبر، وبأحرف اللغة القليلة، أرأيت ما أقذر الفكرة؟!

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. مقالات في الصحف المحلية 88
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-07-14, 12:08 PM
  2. مقالات في الصحف المحلية 87
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-07-14, 12:07 PM
  3. مقالات في الصحف المحلية 81
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-07-07, 10:36 AM
  4. مقالات في الصحف المحلية 14
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-04-16, 11:48 AM
  5. مقالات في الصحف المحلية 13
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-04-16, 11:46 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •