النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: المقالات في الصحف المحلية 271

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    المقالات في الصحف المحلية 271


    سياسة التوسع الاسرائيلية تشمل كل المستوطنات
    بقلم: حديث القدس – القدس
    الإسلاميون بين الأمس واليوم..حركة حماس: مراجعات استراتيجية (1-2)
    بقلم: د.احمد يوسف – القدس
    الجدل حول مبادرة كيري الاقتصادية: مآخذ ومنافع ومخاطر
    بقلم: رجا الخالدي – القدس
    ليبيا... هل الحل في تدخل دولي جديد؟
    بقلم: محمد السعيد ادريس – القدس
    لا تتزوجوا يا شباب القدس
    بقلم: عبد الرحمن ابوعرفة – القدس
    إطلالة طويلة على سوريا
    بقلم: ديفيد إغناتيوس – القدس


    [IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.jpg[/IMG]
    فيزياء "اتفاق الإطار" وكيمياء "الحل النهائي"!
    بقلم: حسن البطل – الايام
    السياسة الرعناء لأوباما وتراجع سوق السلاح الأميركي !!
    بقلم: هاني حبيب – الايام
    روسيا القوة الصاعدة : القلق الإسرائيلي- الأميركي
    بقلم: أشرف العجرمي – الايام
    لماذا قضية فلسطين في خطر؟
    بقلم: علي جرادات – الايام
    وأد طــفـلــة
    بقلم: توفيق وصفي – الايام
    [IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.jpg[/IMG]
    تغريدة الصباح - تلويحة محبة للأديبة ليلى العثمان
    بقلم: يحيى يخلف – الحياة
    اطلالة عربية - متى يتفق الأدباء..
    بقلم: ابراهيم عبد المجيد – الحياة
    أوراق من دفتر فتحاوي - (1) ............ يوم الأرض .. علي عفانة.. وآذار المقصوف
    بقلم: هاني فحص – الحياة
    بلاغة "قُطبية" تـدعـم الـسـيـسي
    بقلم: عدلي صادق – الحياة
    المستوطنات قنابل موقوتة
    بقلم: بهاء رحال – الحياة
    خـــبــز الـطـابــون
    بقلم: د. أسامة الفرا – الحياة





    سياسة التوسع الاسرائيلية تشمل كل المستوطنات
    بقلم: حديث القدس – القدس
    الاستيطان بكل أشكاله ومسمياته التي اخترعتها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة من كتل استيطانية ومستوطنات صغيرة أو منعزلة أو بؤر استيطانية "مشروعة" في العرف الاسرائيلي أم "غير مشروعة"- كلها مرفوضة وغير مشروعة في نظر الفلسطينيين والمجتمع الدولي، وكلها تمثل أكبر عقبة أمام أي تسوية سلمية بالحد الأدنى المقبول على الفلسطينيين والأسرة الدولية.
    ولا يملك أحد أن يمنح لأي من هذه المستوطنات صفة الشرعية أو إمكانية أخذ واقعها الديموغرافي بعين الاعتبار- ونشير هنا إلى رسالة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن لرئيس الوزراء الاسرائيلي في حينه أريئيل شارون التي منح فيها نوعا من التقبل لفكرة كون ما تسمى بالكتل الاستيطانية واقعا سكانيا في الأرض الفلسطينية المحتلة.
    وبالطبع فإن بوش كان بإمكانه أن يقول ما يشاء، غير أن الكلمة الفصل في هذه المسألة هي للشعب الفلسطيني وقيادته أولا وأخيرا.
    وما نريد قوله هنا هو أن الحكومة الاسرائيلية لا تريد أن تلتزم حتى بالخطوط العامة الفضفاضة جدا التي تعلن عنها في وسائل الإعلام والقنوات الرسمية الاسرائيلية. وهذه الخطوط تتمثل في استعدادها لإخلاء ما تسميه بالمستوطنات المنعزلة أو الصغيرة، في نطاق التسوية النهائية للنزاع الفلسطيني- الاسرائيلي.
    والواقع أن السياسة الاسرائيلية تؤكد أنها ملتزمة بالتوسع الاستيطاني، كما أنها غير مستعدة لإخلاء أي مستوطنة أو حتى بؤرة استيطانية مهما كان حجمها أو موقعها.
    وليس أدل على ذلك من العرض الذي تقدم به رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو بإبقاء المستوطنات غير الواقعة في ما تعرف بالكتل الاستيطانية تحت سلطة الدولة الفلسطينية العتيدة.، وهو العرض الذي رفضه الائتلاف الحكومي اليميني الذي يقوده نتنياهو.
    والمعنى الوحيد والمنطقي لهذا الاقتراح هو عدم الرغبة في إخلاء أي مستوطنة موجودة في الضفة الغربية- فالكتل الكبيرة وفقا للطرح الاسرائيلي ستضم لاسرائيل، بينما ستظل بقية المستوطنات في مكانها عامرة بمستوطنيها ولكن تحت السيطرة الفلسطينية، وبالتأكيد في نطاق قانون خاص بها تابع للقانون الاسرائيلي.
    ويعزز هذا التحليل ما ورد في تقارير وسائل الإعلام الاسرائيلية خلال اليومين الماضيين من أن حكومة نتنياهو صادقت على مخطط يمنح امتيازات ضريبية واسعة النطاق لخمس وثلاثين مستوطنة، من تلك التي توصف بالمعزولة في الضفة الغربية. والسؤال هو :هل من يفكر مجرد تفكير في إخلاء المستوطنات المعزولة والصغيرة يقدم لها هذه التسهيلات الضريبية التي تيسر الحياة فيها، وتشجع المستوطنين على الاعتقاد بأن مستوطناتهم لن تفكك ولن يتم إخلاؤهم منها في يوم من الأيام؟.
    كل المؤشرات تدل على أن سياسة الحكومة الاسرائيلية هي التوسع الاستيطاني والتشبث بكل المستوطنات المفروضة على خريطة الوطن الفلسطيني. وأن ما يقال عن تمييز هذه الحكومة بين كتل استيطانية ومستوطنات صغيرة ومنعزلة ما هو إلا للتضليل وكسب الوقت. وعلى الفلسطينيين والعرب والأسرة الدولية وضع هذه الحقيقة نصب أعينهم والتصرف مع العناد الاسرائيلي من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس.

    الإسلاميون بين الأمس واليوم..حركة حماس: مراجعات استراتيجية (1-2)
    بقلم: د.احمد يوسف – القدس
    هل نحن كإسلاميين فلسطينيين بحاجة إلى المراجعات؟ وهل حركة حماس بعد سنوات الحكم التي قاربت على الثمان مطلوب منها كشف حساب يتم بناء عليه التأكيد على وجود ضرورة للمراجعة أو نفي الحاجة إليها.. كل المؤشرات واقتراحات النخبة الفلسطينية تلفت عناية الحركة إلى أهمية إجراء المراجعة؛ لأن متغيرات كثيرة سياسية ومجتمعية ومعيشية وأمنية طرأت منذ تسلم حركة حماس زمام الأمور، وتصدرها لمشهد الحكم والسياسة في كانون الثاني 2006م.
    وإذا سلمنا بذلك، فمن أين تبدأ المراجعات؟ سؤال يتوجب علينا الإجابة عليه، حيث إن هناك خمس ملفات بانتظار أن نضعها على أجندة مفكري الحركة وقياداتها السياسية والميدانية ليقدموا – بعد المراجعات – معالم الرؤية حول المطلوب لتعزيز أو تعديل المسار، وهذه الملفات بتساؤلاتها المطروحة هي كالتالي:
    أولاً) المقاومة إلى أين؟
    ثانياً) تجربة الحكم، أين أصبنا.. وأين أخطأنا؟
    ثالثاً) المشروع الوطني في بعده السياسي، إلى أين؟
    رابعاً) موقع حماس من المرجعية الفلسطينية، هل هي جزء من منظمة التحرير أم فصيل يغرد خارجها؟
    رابعاً) إعادة بناء تحالفات الحركة بالمنطقة؛ كيف يمكننا استعادة التواصل مع عمقنا العربي والإسلامي؟
    خامساً) أين نحن من المصالحة الوطنية؟
    إن مدارسة هذه الملفات الخمسة سوف تمنحنا خارطة طريق واضحة المعالم للسنوات القادمة، من حيث الأولويات والرؤية الاستراتيجية، لاستعادة وحدة الفهم والموقف داخل الحركة، وإيضاح طبيعة التفاهمات والشراكة السياسية مع الآخرين.
    إن المراجعات هي سياسة حكيمة تلجأ لها الحكومات كما الحركات، وهي وسيلة للتصويب الذاتي، وقد سبقتنا خلال السنوات العشر الماضية الكثير من الحركات الإسلامية في إجراء تلك المراجعات، ونجحت في تصحيح أوضاعها لتنضبط مع واقع المتغيرات وشكل
    المراجعات: نبذة تاريخية
    في مطلع الثمانينيات تأسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)؛ وهو مؤسسة فكرية علمية تعمل في ميدان الإصلاح الفكري والمعرفي، وتتعامل مع مصادر التراث الإسلامي والمعرفة الإنسانية المعاصرة؛ لبلورة تيار فكري إسلامي متميز، يمهّد لاستعادة قدرة الأمة على العطاء الحضاري، وتوجيه التقدم الإنساني.
    ويقوم على إدارة المعهد عددٌ من المفكرين الإسلاميين الذين تعود أصولهم العربية إلى العراق والسعودية والأردن وفلسطين، ولهم شبكة اتصالات واسعة مع قيادات الحركة الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي.
    وفي منتصف التسعينيات، بدأ الإخوة في المعهد، الدكاترة: جمال البرزنجي وهشام الطالب وعبد الحميد أبو سليمان والشيخ طه جابر العلواني وفتحي الملكاوي، باعتبارهم قيادات إسلامية في أمريكا إدارة العديد من النقاشات وجلسات الحوار والعصف الذهني (Brain Storming) الداخلي بين الإسلاميين، وطرح الكثير من التساؤلات والإشكاليات الفكرية بين شباب الإخوان المسلمين في أمريكا، والتي كنا ننظر إليها بدرجات عالية من القلق والتوجس على أساس أنها تمثل تجاوزات ودخول على خط المُحرَّمات أو المحظور من الحمى، لأنها – من وجهة نظرنا آنذاك – كانت تمس بطهارة ما نعتقده من أفكار، وتبعث على التشكيك بنهج الحركة التي تمثل جماعة المسلمين؛ أي الفرقة الناجية، وتهز قناعاتنا الراسخة بفكرها ذي الصبغة الربانية والذي لا يأتيه الباطل.
    ومع مرور الوقت، كثرت اجتهادات الإخوة القائمين على المعهد، وزاد نشاطهم من خلال دعم الكفاءات الإخوانية التي ترى في مراجعاتهم محاولة للتنوير الإسلامي، حيث أسهموا في دعم الاصدارات الفكرية التي تعمل على تحريك العقل المسلم، مثل مجلة "المسلم المعاصر"، ودورية "إسلامية المعرفة"، وشجعوا الكثير من طلبة الدراسات العليا في الجامعات الغربية والعربية على الاهتمام بتقديم أطروحات علمية تخدم مسار المراجعات وحركة الوعي والتنوير التي يتطلعون إليها، ولقد نجحوا – خلال عقد من الزمان - في تأسيس مدرسة فكرية جمعت الكثير من أساتذة الفكر الإسلامي في بلاد المشرق ودول المغرب العربي.
    اليوم، وأنا أسترجع الذاكرة لتلك المرحلة التاريخية، أشعر بأننا قد ظلمنا إخواننا الذين حاولوا مبكرين إيجاد تيار إسلامي متفتح يتمتع بذهنية حركية واعية، ومُحصَّن بفكر يستوعب مقاصد الشريعة وفقه المآلات، ويتفهم طبيعته الرسالية ودوره باعتباره "رحمة للعالمين".. لقد حاول د. عمر عَبيد حسنة؛ سوري الجنسية، وهو أحد المفكرين الإسلاميين الذين حملوا رسالة المعهد، وكان من أول الذين تناولوا موضوع الحركة الإسلامية، وطالب بضرورة إعادة النظر في العديد من المسائل الفكرية والدعوية والحركية في كتابه الشهير: "مراجعات في الفكر والدعوة والحركة" والذي أشار فيه لأهم مظاهر إصابات العمل الإسلامي، والتي عدّد منها: سيادة العقلية الذرائعية، وشيوع الفكر التبريري، وعجز الحركات عن تمثل المعاني المفقودة في الأمة، وحرمان أبنائها من ممارسة الحرية، وسيطرة الشخصية وتضييق نطاق الحرية بين الإطار التنظيمي، وانقلاب الوسائل إلى غايات، ومساهمة بعضها - بقصد أو بدون قصد -في بعثرة وتفرق المسلمين، والقضاء على مفهوم الأخوة الشامل، وعدم القدرة على ضرب أروع الأمثلة في الولاء للفكرة، وتحكم فكر المواجهة، وعدم تقدير قيمة التخصص، والضيق بالرأي الآخر، والعجز عن استنبات قيادات متجددة، وعدم القدرة على إظهار شخصيات فكرية كافية، والانشغال بحماية المرأة عن الانشغال بتنمية شخصيتها، وعدم الإفادة من الفرص المتاحة، والنظرة الساخرة للآخرين، والتمترس حول ما يسمى بالحق المطلق والصواب المحض، وتحكم العقلية الحزبية التعصبية الذميمة.. وبعد تعديده للمظاهر والصور السالفة الذكر وغيرها، اعتبر من أخطر الإصابات، انقلاب عددٍ من الجماعات الإسلامية إلى طوائف منفصلة عن جسم الأمة، وأهدافها وشعورها بتميزها، واستعلائها، وكأنها الناطق الرسمي باسم الإسلام، والممثل الشرعي والوحيد له، الأمر الذي جعلها تحيد عن مهمتها الأساسية في الدعوة والهداية والارشاد إلى نطاق استعداء المخالفين وعدهم في صفوف المجرمين والحكم عليهم بالضلالة وعدم التفاعل معهم، والحرمان من الافادة من خبراتهم.
    لم تقف قصة المراجعات عند د. عمر عبيد حسنة، بل تبعه د. خالص جلبي في كتابه "النقد الذاتي"، وكذلك د. عبدالله النفيسي في كتابه "الحركة الإسلامية: ثغرات في الطريق"، إضافة للإصدار الذي أشرف على تحريره في بداية الثمانينيات بعنوان: "الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية: أوراق في النقد الذاتي"، إضافة لكتابات د. فتحي عثمان (رحمه الله) وأيضاً د. جمال الدين عطية في مجلة "المسلم المعاصر".
    لقد أشار كل هؤلاء وآخرون إلى أهمية إجراء المراجعات، باعتبار أن كل ما أنتجه الفكر الإسلامي من المعارف والعلوم لا يعدو أن يكون من باب الاجتهادات البشرية، والآراء الإنسانية، القابلة للنقد والتصوير، والمحتملة - أيضاً - للصواب والخطأ.
    وكما قامت بعض الحركات الإسلامية في إجراء تلك المراجعات والتكيف مع الظروف والمتغيرات بما يسمح باستمراريتها داخل ميادين العمل الدعوي ومراتب التأثير والحراك السياسي وساحات الفعل الجماهيري، فإن هناك أيضاً الكثير من الشخصيات المرموقة أمثال: الأستاذ د. طارق البشري، د. عبد الوهاب المسيري، د. عادل حسين، الأستاذ منير شفيق...الخ، حيث كان لهؤلاء منطلقاتهم الفكرية ورؤاهم التي تعبر عن انتماءاتهم لمعسكرات قوى اليسار أو الليبراليين.. وبعد إجراء المراجعات، كانت عملية التحول التي قادتهم - في نهاية المطاف - إلى معسكر الإسلاميين.
    المراجعات: الفكرة والتطبيق
    من الجدير ذكره، أن العقدين الأخيرين قد شهدا إجراء الكثير من الحركات الإسلامية مراجعات تتعلق برؤيتها الفكرية أو تجربتها السياسية، وخلصت لنتائج وقناعات دفعتها إلى التصريح بوجود أخطاء وتنطع في التعاطي – أحياناً - مع مفاهيم إسلامية ذات علاقة بالدين والسياسة، وسوء تقدير لبعض الاجتهادات والمواقف المتعلقة بالنظر تجاه الآخر، وقد شملت هذه المراجعات حركات إسلامية جهادية مثل: الجماعة الإسلامية في مصر، وجبهة الانقاذ الإسلامية (FIS) في الجزائر، وكذلك حركات إسلامية دعوية، مثل: الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في السودان، وحركة النهضة في تونس، وحركة مجتمع السلم (حمس) في الجزائر، وحركة التوحيد والإصلاح في المغرب، وحركة الإخوان المسلمين في سوريا، والجماعة الإسلامية في لبنان، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، والحركة الإسلامية في تركيا (حزب العدالة والتنمية)، وأيضاً الحركة الإسلامية في كل من ماليزيا وإندونيسيا.
    وبما أن مفهوم المراجعات هو مسألة مرتبطة بالأساس بعملية النقد الذاتي، وإعمال الفكر والتمحيص وإعادة النظر في بعض المفاهيم والقناعات والعمل على تصحيحها.. لذا؛ فإنه يمكننا - في الواقع - رصد وضعية هذه المراجعات التي أجراها الإسلاميون ضمن ثلاثة مستويات: أولها؛ الانتقال من العمل الجهادي العسكري إلى الخيار السلمي، وثانيها؛ الانتقال من العمل الثوري إلى المشاركة السياسية، وثالثها؛ مراجعات ما بعد المشاركة السياسية، ويمكننا هنا الإشارة إلى تجارب التيارات الإسلامية في تونس والسودان والمغرب.
    لقد أخذت التحولات التي حصلت عند الإسلاميين - بشكل عام - ثلاثة اتجاهات:
    الاتجاه الأول: تحولات فجرت نسق الرؤية (النسق الجهادي) من الداخل، وهو ما وقع للجماعة الإسلامية والجهاد في مصر، وكذلك الحركة الإسلامية في المغرب التي فجرت النسق القطبي من الداخل.
    الاتجاه الثاني: تحولات أبقت على الإطار في كليته وقامت بتعديلات داخله، والمثال على ذلك هو حركة النهضة التونسية، والحركة الإسلامية في السودان، والتي رغم تبنيها الواسع للبراغماتية السياسية، فإنها لم تستطع الخروج من الإطار العام لفكر سيد قطب ورؤاه السياسية.
    الاتجاه الثالث: تحولات تعكس توتر نسق الرؤية ومحاولة التعايش معه، ومثال ذلك هو حركة الإخوان المسلمين.
    إن هناك - أيضاً - ثلاثة مؤشرات مطردة في تحولات الإسلاميين الصاعدين إلى الحكم، وقد تمثلت في القطع مع المنطق الدعوي في الاشتغال السياسي، والتوجه نحو السياسات العمومية، والتخفيف من المفردات الدينية في الخطاب السياسي، والتدبير الذكي للعلاقة بين البعد المرجعي العقائدي والبعد البراغماتي في السياسة، من خلال اعتماد مدخل الدمقرطة والحرية والحكامة.
    إن هذه التحولات حدثت بشكل وازن لدى حزب العدالة والتنمية في كل من المغرب وتركيا، وأيضاً داخل حركة النهضة التونسية، فيما لا يزال الخطاب الدعوي والخطاب السياسي يتعايشان – بشكل عام - داخل الرؤية السياسية للإخوان المسلمين.
    ويُرجع البعض ذلك إلى التوتر القائم في الأصول الفكرية لحركة الإخوان المسلمين، والتي تجمع بين نسقين معرفيين: الأول؛ مقاصدي، والثاني؛ عرفاني صوفي، يعطي مساحة كبرى للمرشد أو الإمام، مما يبرر ارتهان السياسي للدعوي.
    ومن الجدير ذكره؛ أن النقطة المحورية التي تَحدث عندها المراجعات هي لحظة المدخلات والمخرجات، حيث تمضي على أشكال الممارسة والخطاب وأنماط الفعل سنوات تكون كافية للحكم على حالة الإخفاق وتعثر المسار، وتصبح معها وظيفة التبرير غير قادرة على تجنيد التنظيم وتأطيره وضمان استمراريته على نفس الرؤية، مما يحرك الدافعية لإجراء عملية المراجعة، والتي تأخذ مساراً مطرداً إلى أن تصل إلى أحد المستويات الثلاثة التالية: تفجير نسق الرؤية أو تعديله أو خلق شروط تتعايش فيها مكوناته مع ما هي عليه من توتر.
    * حركة حماس: قراءة في المشهد
    كانت حركة حماس - وما زالت - هي الأقوى دعوياً وحركياً في ساحة العمل الإسلامي، فمنذ انتفاضة الحجارة في كانون الاول 1987م وحتى قيام السلطة الوطنية عام 1994م وما أعقب ذلك من تطورات سياسية وأمنية، ظلت الحالة الإسلامية التي تمثلها حركة حماس في تنامي مضطرد، وقد أضافت النجاحات التي حققتها الحركة في ساحة الفعل المقاوم والعمل الإغاثي مكانة متقدمة، بل وأعطتها قدم السبق، وجعلتها على رأس كل القوائم للنقابات العمالية والمهنية والاتحادات والكتل الطلابية، ومنحتها صدارة المشهد السياسي بامتياز بعد انتخابات كانون الثاني 2006م.
    في الحقيقة، جاءت نتائج الانتخابات مفاجأة للجميع، وإن كانت التقديرات لدى بعض الإسلاميين بأن حظوظ حركة حماس بالفوز كبيرة، وقد تتجاوز نسبة الـ40%.
    لا شك بأن الحصول على الأغلبية في الانتخابات التشريعية قد غيّر مسار النقاش والموقف داخل أروقة الحركة في الداخل والخارج حول قضية "المشاركة في الحكومة أو تشكيلها" أو الاقتصار فقط على ثقل الأغلبية في المجلس التشريعي.. وبدون الدخول في تفاصيل الكيفية التي تمَّت فيها عملية حسم الخيارات والبدائل باتجاه تشكيل الحكومة، انتهى المشهد بحكومة تقودها حركة حماس، وتفجر المواجهات مع حركة فتح - السلطة الحاكمة - على كل الصعد.. للأسف؛ لم يكن هناك أي دور مؤثر لفصائل العمل الوطني للعمل على تحقيق حالة من التوازن تسهم في استقرار الساحة السياسية والأمنية.
    استمرت أشكال التآمر الدولي والتواطؤ الإقليمي وأساليب الكيد والمناكفة السياسية والفلتان الأمني، وكذلك عمليات الاجتياح المتكررة لجيش الاحتلال وقصفه المستمر لقطاع غزة، إضافة للحصار الخانق والتضييق على أهل القطاع وتحويله إلى سجن كبير تحاصره إسرائيل من فضاءاته الأربع، استمرت كل هذه المكابس المحلية والاقليمية والدولية تضغط بقوة، بهدف كسر إرادة حركة حماس وإفشال عمل الحكومة التي تديرها، ودفعها للاستسلام أو الغرق.
    أدت هذه الأوضاع غير المستقرة - أمنياً وسياسياً - إلى الانفجار والمواجهات الدامية في حزيران 2007م، والوصول إلى حالة من التشظي والانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وقيام حكومتين بلا رؤية وطنية واحدة، وتشرذم الساحة الفلسطينية واكتظاظها – للأسف - باصطفافات حزبية جناحاها هما فتح وحماس.
    في الحقيقة؛ كان هذا المشهد هو كل ما تريده إسرائيل للتهرب مما عليها من استحقاقات للطرف الفلسطيني، واتخذت من هذا الانقسام ذريعة لاستهداف غزة - عسكرياً - بأكثر من عدوان في كانون الاول 2008م وكذلك في تشرين الثاني 2012م، وأيضاً في إضعاف مكانة الرئيس أبو مازن؛ باعتبار أن ولايته أصبحت مقصورة فقط على الضفة الغربية.
    مع نسائم الربيع العربي ومظاهر الإصلاح والتغيير التي صاحبته كانت هناك فرصة لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، إلا أن البعض لم يحسن قراءة اللحظة ولم يوفق في تقدير الموقف، فضاعت الفرصة. اليوم، ومع الانتكاسة التي أصابت مستجدات الربيع العربي، وخاصة في مصر وسوريا تلوح أمامنا الفرصة مرة أخرى لكي نجمع شتات هذا الوطن، ونخطو باتجاه الانتخابات التي هي اليوم بمثابة "طوق نجاة" للجميع لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني سياسياً وأمنياً ومجتمعياً، في سياق شراكة سياسية وتوافق وطني، وإصلاح لعلاقاتنا المتوترة نسبياً مع عمقنا العربي والإسلامي، وأيضاً التحرك باتجاه المجتمع الدولي الذي يبدو أنه بدأ يتفهم ضرورة إنهاء إسرائيل احتلالها للضفة الغربية، وأهمية قيام دولة فلسطينية حرة ومستقلة، لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والتي تشكل محطة استراتيجية لمصالحه النفطية وأسواق تجارته الحيوية.
    اليوم، وفي ظل حالة الأزمة الخانقة التي تعيشها غزة، والضغوطات التي يتعرض لها الرئيس أبو مازن، نجد أنفسنا جميعاً في مركب واحد يوشك على الغرق، الأمر الذي يفرض علينا أن نقدم من التسهيلات والتنازلات ما يمنحنا الأمل بإمكانية النجاة، حيث إن أي خيارات أخرى سترهننا للزمن الذي قد يأتي - ولكن - بعد فوات الأوان.
    لذا فأنا أضم صوتي لكل إخواني من جماهير هذا الشعب العظيم، ومن فصائل العمل الوطني والإسلامي ومنظمات المجتمع المدني، الذي نادوا بضرورة الإسراع بتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، عبر تشكيل "حكومة تكنوقراط" بحسب المهام التي جاءت في تفاهمات اتفاق القاهرة وإعلان الدوحة.
    إن رأس حماس – الحركة والمقاومة - ما زال مطلوباً، والحكمة تقتضي – كما يرى البعض - أن تُعفي حماس نفسها من تبعات وتكاليف الحكم الباهظة؛ سياسياً ومالياً واقتصادياً، وأن تحرر نفسها وجماهيرها من مسؤولية الالتزام والمساءلة المباشرة أمام الشارع الفلسطيني في ظل تعاظم التآمر والكارثة الاقتصادية.. كما أن الابتعاد عن صدارة مشهد الحكم سوف يسد باب الذرائع أمام أي عدوان إسرائيلي قادم، وسيقطع دابر الفتنة على أية خلفيات دينية أو سياسية يتم الترويج لها، وسوف يمنح الحركة فرصة التفرغ لإعادة بناء وترميم وتدعيم مؤسساتها الحركية والتنظيمية والاجتماعية، ويهبها آفاقاً أرحب نحو تفكير أدق وأصوب حيال المشروع المقاوم، وسبل صيانته وتنميته وإرساء قواعده ونشر أشرعته وفق رؤى تجديدية وتطويرية تتم بلورتها في ظل التحديات التي تعصف بالوضع الفلسطيني قاطبة.
    ومن الجدير ذكره؛ أن عملية الخروج من الحكومة يجب أن تتم بتوافق مع الأخ الرئيس أبو مازن، والذي حرص في لقاءاته مع بعض قيادات الحركة في الضفة الغربية على التأكيد بأن الشراكة السياسية مع حركة حماس هي قناعة راسخة عنده وليس مسألة فيها نظر.
    المراجعات بين الواجب والضرورة
    في الفترة الأخيرة تكاثرت الاقتراحات من داخل حركة حماس ومن خارجها تطالب الحركة بضرورة القيام بمراجعات لملفاتها السياسية والحركية والأمنية، وأنا أتفهم بواعث ذلك، حيث إن الكثيرين من هؤلاء وأولئك لهم دوافع صادقة، مبعثها الحرص على هذه الحركة الإسلامية التي شكلت عنواناً نضالياً كبيراً، وأسهمت بجهادها ودماء شهدائها وتضحيات أسراها داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية بصناعة ملحمة من البطولة والمجد، عجّلت بخروج المحتل من قطاع غزة في ايلول 2005م، ومنحت المقاومة رافعة تحملها وتحميها، وقد تبدّى ذلك في دفاعها الأسطوري عن قطاع غزة خلال حرب الفرقان وحجارة السجيل.
    اليوم، لا يشعر أحدٌ بالحرج عندما يتحدث البعض عن المراجعات؛ لأن هذا العمل قد باشرت الحركة العمل به بشكل رسمي وغير رسمي، فهناك داخل مؤسسات الحركة الشورية والبحثية من يتولى ذلك، وقد تأخذ المسألة بعض الوقت، لكن العمل قد بدأ وسوف يتمخض عن مواقف تعبر عن الإجماع داخل الحركة فيما يتعلق بشأن السياسة والحكم، والنظرة لشكل وفعل العمل المقاوم، وأيضاً لطبيعة السلوك وأنماط التحالف مع الآخر، وتوجهات وأبعاد العلاقة الاستراتيجية مع دول الجوار.
    إن الأسابيع والشهور القادمة سوف تشهد لقاءات فكرية موسعة، وحراكاً داخلياً للخروج برؤية أكثر وضوحاً تجاه التحولات السياسية المطلوبة والانفراجات باتجاه الكل الوطني في ظل صياغات أوسع نضجاً تجاه مشروعنا الوطني، وشكل الشراكة السياسية التي نتطلع إليها مع باقي إخواننا في فصائل العمل الوطني والإسلامي.
    وأختم - هنا - بهذا الاقتباس الذي يمثل موقف ورغبة الكثيرين من الكوادر والقيادات الإسلامية: "أخيراً.. على حماس أن تدرك أن حالة المراجعة والتقييم والاستدراك بقدر ما تُعبّر عن حكمة وحيوية وسعة أفق وفهم للمصلحة وإعمال لفقه الموازنات، بما يحفظ الوطن وفصائله المقاومة، والشعب وقضيته العادلة، وسط محيط التحديات العاصفة التي تنهشه من كل حدب وصوب، فإنها تعبر أيضاً عن فهم دقيق لنواميس الكون، وانسجام واضح مع قوانين الوجود والحياة، التي لا تُحابي أو تستثني أحداً مهما كان"، وللحديث بقية.
    الجدل حول مبادرة كيري الاقتصادية: مآخذ ومنافع ومخاطر
    بقلم: رجا الخالدي – القدس
    اذا رأيت جارك يحمل غرضاً، فاسرع بمساعدته،
    ولا تخطئ ظنك بأن تجد الجنة في تلك الدار المجاورة.
    بوب ديلان ”The Ballad of Frankie Lee and Judas Priest
    منذ اللحظة الأولى لإعلان وزير الخارجية الأميركي جون كيري في ايار 2013 عن إعداد خطة استثمارية عالمية تحت شعار "تنمية الاقتصاد الفلسطيني"، لم تنقطع التعليقات المؤيدة والمستنكرة والمتسائلة من مختلف الجهات، وخاصة الفلسطينية، حول الدوافع الأميركية ومغزى الخطة ومضمونها. وعند اطلاق المبادرة بصياغتها الأولية بمبلغ استثماري مقترح بـ 4$ مليار، طُرحت وفُهمت على نطاق واسع بأنها تشكل تشجيعاً ملموساً للأطراف (أو ربما طعماً للطرف الفلسطيني) بموازاة الجهود لإحياء المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية حول حل "الوضع الدائم". والكثير من الجدل دار (وما زال) حول هذا التفسير المبسط، وفيما بعد قام فريق دولي من "الخبراء" تابع لممثل الرباعية الدولية بصياغتها رزمة من المقترحات وإعادة تسمية الخطة بـ"المبادرة الاقتصادية من أجل فلسطين"، نزولا عند الإصرار الرسمي الفلسطيني بضرورة التوضيح أنها ليست مبادرة فلسطينية بل أنها تعكس تدخل دولي لصالح فلسطين.
    ثم أضافت الرباعية تقديرات لاستثمارات متعددة القطاعات لتبلغ قيمة المبادرة حوالي 10.5$ مليار خلال 3 سنوات (تنفق 60% منها في السنة الأولى) مع حديث عن احتمال رفع الهدف الاستثماري إلى 19$ مليار إذا تبين أن القدرة الاستيعابية للاقتصاد الفلسطيني تتحمل مثل هذه المبالغ خلال فترة تنفيذ البرامج المقترحة. ومع أن تلك المقترحات لم تنشر رسمياً من قبل الرباعية أو الأطراف المعنية، فإن صحيفة اقتصادية محلية جديدة انفردت بنشر ما تؤكد أنها التفاصيل الدقيقة (المسربة) للمبادرة بشكلها الأولي والمبالغ الاستثمارية الإجمالية والبرامج القطاعية (جريدة الحدث، 10/12/2013). وما تكشفها هذه التفاصيل عن أهداف المبادرة وحجمها واحتمالات تنفيذها توفر المزيد من الوقود للجدل الدائر والتفسيرات المتباينة لأهميتها ووظيفتها ومصيرها في هذه اللحظة التفاوضية المحفوفة بعدم اليقين وتقلبات إقليمية ومحلية في موازين القوى.
    ما من شك أن الرؤى الفلسطينية الغالبة ما زالت تعتبر أنه لا يمكن فهم مبادرة الرباعية الاقتصادية سوى من منظور ما يسمى ب"السلام الاقتصادي" القائم أساسا على توظيف المحفزات الاقتصادية وتقديم تسهيلات كبديل مؤقت عن السلام العادل والشامل. ويمكن تفصيل هذا المفهوم إلى نوعين، "سلام اقتصادي خبيث" و"سلام اقتصادي حميد"، يتجددان ويتشكلان حسب المرحلة. والنوع الخبيث ترويضي، أي تسليم الشعب الفلسطيني بشكل من الحياة المستقرة في مرحلة معينة مقابل اطلاق يد إسرائيل لتحقيق أهداف استعمارية أو رأسمالية. وهو تأجيلي، حيث يساعد على الابتعاد عن التعامل مع القضية السياسية من خلال إشغال الناس بالهم الاقتصادي والمعيشي. وهذا النوع من السلام الاقتصادي كان له عدة نماذج سابقة، مثل "الجسور المفتوحة" التي أطلقها موشى دايان بعد احتلال 1967 لإنهاء الكفاح المسلح في الأراضي الفلسطينية، ثم سياسة " تحسين جودة الحياة" التي أطلقها شولتز ورابين، عام 1986 وقوبلت بحجارة الانتفاضة الأولى، إلى أن جاءت أوسلو في 1993. وما بعد ذلك ما أطلقه في 2009 رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي لم يخجل بتسمية الشيء باسمه، حيث انه الذي أشهر مصطلح "السلام الاقتصادي" أصلاً، دون تحديد مدى خباثته!
    أما السلام الاقتصادي "الحميد" فهو ثنائي الطرف ومتفق عليه من قبل الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، لفترة محددة ولهدف محدد جوهره بالأساس سياسي، وربما يعتبر بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994 ارقى أشكاله. ودون أدنى شك أن الطرف الإسرائيلي "المستعمر" هو الأكثر استفادة أيضاً من هذا النوع، الذي يطيل من فترة احتلاله ويكرس استعماره، مثل ما حدث بعد 5 سنوات على توقيع اتفاقية أوسلو تكشفت نوايا إسرائيل غير الحميدة وأثبتت عجز السلام الاقتصادي الحميد نفسه. كما كانت "تفاهمات ستينتز- فياض 2012" حول إدارة التدفقات التجارية والضريبية بين الطرفين نسخة "حميدة" إلى حد ما. وهذه النماذج التعاونية شبيهة بالطرح الدولي الجديد الذي يبدو للوهلة الأولى بأنه ليس سوى نسخة جديدة معدلة عن النسخ السابقة الحميدة، التي كانت محددة بفترات زمنية وتحمل معها أهدافا سياسية مشتركة.
    والأهم من ذلك أن جميع نسخ السلام الاقتصادي بائت بالفشل؛ إما لأنها كانت تضمر في ثناياها نوايا إسرائيلية استعمارية، أو بسبب المعارضة الفلسطينية أو خلل ما في تصميمها. وكلها عملت على مبدأ إخضاع التنمية الفلسطينية للأولويات السياسية السائدة وإلى اعتبارات توثيق التعاون الاقتصادي الفلسطيني مع إسرائيل. وكانت دائما ترافق مثل هذه والمبادرات دراسات وأبحاث علمية مشتركة، التي غالباً ما استندت إلى مفاهيم وتنبؤات اقتصادية خاطئة، تمحورت حول الادعاء بأن هناك مسار اندماجي محتمل من خلال التبعية للاقتصاد الإسرائيلي الأكثر تقدماً ومن خلال نموذج اقتصادي يعتمد السياسات الليبرالية و"اقتصاد السوق الحر"، كما ينص على ذلك القانون الفلسطيني الأساسي.
    إن القائمين على إعداد مبادرة الرباعية، ومن يروج لفوائدها المحتملة، يتوقعون منها نتائج كبرى خلال 3 سنوات، حملت كيري نفسه على التساؤل إذا ما كانت "ضرب من الخيال":
    • نمو حقيقي في الناتج الإجمالي المحلي يبلغ 50% وارتفاع موازي في الناتج الإجمالي المحلي للفرد؛
    • تخفيض نسبة البطالة من 23% إلى 8% من خلال خلق 350000 وظيفة جديدة في القطاع الخاص؛
    • زيادة 30% في معدل الدخل الأسري يصل إلى 10000$؛
    • زيادة في تدفق رأس المال الأجنبي المباشر من 600$ مليون سنوي إلى 5-6 مليار خلال 3 سنوات؛
    • إيرادات ضريبية إضافية مقدرة بـ 655$ مليون سنويا؛
    • التحول من نمط المساعدات الدولية على شكل منح (والبالغة تقريبا 1$ مليار سنوياً) لسد عجز الموازنة العامة إلى خليط من الاستثمارات المباشرة الدولية والعربية والمحلية (6$ مليار) والقروض "المضمونة" دولياً للقطاع الخاص (3$ مليار) والقروض الرسمية الميسرة (1.5$ مليار) لتحسين أداء القطاع العام ومساعدتها على تنفيذ سياسة تكييف هيكلي وتقشف في التوظيف العام بنسبة 18% خلال فترة المبادرة؛
    وتحقيقاً لاستراتيجيتها المتمثلة بثلاث شعارات كبرى، "تزويد القطاع الخاص بالبنية التحتية المدفوعة" و"تحرير الإمكانيات الذاتية الجوهرية للاقتصاد" و"تسريع النهوض في القطاعات الرئيسية"، تشمل مبادرة الرباعية حوالي 50 مشروع/برنامج موزعة على 8 قطاعات اقتصادية وبنية تحتية رئيسية: المياه (استثمارات بحوالي 1.3$ مليار)؛ الطاقة (2.5$ مليار)؛ السياحة (1$ مليار)؛ الاتصالات (400$ مليون)؛ الزراعة(550$ مليون)؛ الصناعات الخفيفة (300$ مليون)؛ المقاولات والبناء (3.7$ مليار)؛ مواد البناء (250$ مليون).
    ودون الخوض بالمزيد من التفاصيل، يمكن الإقرار بأن ما تتضمنها المبادرة من حجم استثماري موعود، وتوسع قطاعي، وتفصيل برنامجي وآليات تمويلية، تعتبر انحرافا عن توجه التدخلات الاقتصادية والمساعدات الدولية السابقة. كما أن غالبية برامجها تخص تطوير القدرات الإنتاجية والإنمائية الفلسطينية (سياحة، زراعة، صناعة وبناء)، ربما كان يفترض البدء بالعناية بها منذ أوسلو وليس في هذه المرحلة المتأخرة، بينما برامج أخرى تمس جوانب اقتصادية سيادية لا بد من إنشائها كبنية تحتية للدولة الفلسطينية العتيدة (طاقة، اتصالات، معادن). وهذا يعتبر تقدم إيجابي مقارنة بطبيعة السياسات والاستثمارات والمساعدات الاقتصادية القائمة، التي لم تلبي احتياجات القطاعات الاقتصادية الحيوية بل أغفلتها وهمشتها على حساب ضرورات التجاوب مع الطوارئ والأزمات الإنسانية، ناهيك عن تمويل العجز العام من رواتب وتكاليف تشغيلية للسلطة الفلسطينية. ومع ذلك فإن المبادرة الجديدة لا تبتعد عن النهج الاقتصادي الليبرالي المتصاعد في فلسطين منذ 2005 (أو 1994) من حيث تضمنها لمشاريع تعجّل من انحسار دور الدولة الاقتصادي واستبداله بالخصخصة و"شراكات خاصة – عامة" حيث ذلك ممكن، ونشر ثقافة السوق الحر والمديونية وما يتصل بها من توجهات استهلاكية وقيم مادية ترسخت في فلسطين (كما في دول المنطقة والجنوب عامة) خلال العقدين الماضيين.
    وإذا كانت المبادرة سترى النور وتتاح الفرصة لاختبار وعودها الوردية، تقر الرباعية نفسها بضرورة إحداث تغيير جوهري في تعامل الاحتلال مع ملف التنمية الفلسطينية بعيدة عن السياسة، وهنا طبعا بيت القصيد. لذلك تتضمن الخطة قائمة ما تسمى بـ"ركائز الدعم" (enablers)، وهي إجراءات تسهيلية يجب توفيرها لإنجاح تنفيذ المبادرة وخاصة مشاريعها العملاقة. ومع أن بعض هذه الركائز تخص إصلاحات فلسطينية داخلية، فإن معظمها تتحكم بها إسرائيل، أما من خلال إملائها لشروط العلاقة الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية عامة (في اطار أوسلو وباريس) أو بحكم إخضاع 60% من الضفة الغربية المحتلة (مناطق "ج" الخارجة عن ولاية السلطة الفلسطينية) وشواطئ/بحر غزه والقدس الشرقية للاحتلال المباشر.
    وإذا اعتبرنا أن هذه المبادرة من ناحية المضمون ليست في أسوأ الأحوال سوى سلام اقتصادي حميد على طراز 2014، يترافق مع حل سياسي أو ربما يحل محله، وفي احسن الأحوال تعبر عن نوايا رأسمالية عالمية جدية ترى من الأراضي الفلسطينية ساحة للتوسع وسوق للاستثماراتها الباحثة دائما عن مجالات جديدة، فإنه في كلتا الحالتين لا بد من التعامل بحذر شديد مع المبادرة من قبل القيادة الفلسطينية السياسية والاقتصادية. ولا يمكن أن يتلخص موقف السلطة تجاهه دون شروط "بالاستمرار في خطة كيري حتى لو توقفت المفاوضات"، كما أكد وزير الاقتصاد الوطني (جريدة الحدث 26/11/2013). وقبل إثارة الضجيج حول منافعها المحتملة، يجب تناولها من مختلف جوانب المخاطر التي تحملها، من توجهات الأصولية السوقية في التعامل مع قضايا تنموية جذرية تخص الأمن الاقتصادي القومي وليست قابلة لحلول الخصخصة، مروراً بالقبول بالافتراض الساذج بإمكانية قيام إسرائيل بتقديم جميع تلك التسهيلات التي امتنعت عن منحها طوال 20 سنة وحتى عندما كان الوضع الداخلي الفلسطيني اقوى بكثير، وصولاً إلى التنبؤات الاقتصادية "الخيالية" فعلاً حول وقع مثل هذه الاستثمارات لو سُمح لها.
    ورغم كل المخاطر المحتملة، وفي السياق السياسي الأوسع المتمثل بالسعي الدولي لإتمام اتفاق إسرائيلي-فلسطيني تاريخي في 2014، فلا بأس بأن يتم اختبار الاستعداد الإسرائيلي الآن فيما يتعلق ببعض القطاعات الاستراتيجية لفحص مدى الجدية في تقديم رزمة من التنازلات والتسهيلات في مجالات أو مناطق يفترض أنها ستنسحب منها قريبا (مثلاً الطاقة والزراعة والمياه). ومن زاوية أخرى غير مشككة بنوايا جون كيري، يمكن إعادة قراءة كل الموضوع في سياق الجهود الأميركية (الصديقة ظاهرياً) لوضع الحكومة الإسرائيلية على المحك، حيث إذا لم تكن قادرة أو مستعدة للتعامل مع سلام اقتصادي حميد وفتح الأبواب أمام رأس المال العالمي، فكيف ستتعامل إسرائيل مع خطة كيري السياسية التي سيزيل الستار عنها قريباً؟
    *باحث مشارك في مركز دراسات التنمية، جامعة بير زيت، فلسطين، عمل بين 1985-2013 مع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)


    ليبيا... هل الحل في تدخل دولي جديد؟
    بقلم: محمد السعيد ادريس – القدس
    ثلاثة أعوام كاملة مضت على تفجر انتفاضة الشعب الليبي ضد نظام العقيد معمر القذافي في يوم 17 شباط 2011 بعد مرور خمسة أيام فقط على سقوط نظام حسني مبارك في مصر يوم 11شباط 2011 لكن الاستقرار خاصم الليبيين وهجرهم الأمن دون مقارنة بالطبع مع التجربة السورية الدامية .
    قد لا نكون الآن في معرض التقييم المقارن لتجارب موجة "الثورات العربية" وقد لا نكون في معرض المحاسبة بأثر رجعي لما تعرضت له بلدان الانتفاضات العربية من مآسٍ وسلبيات .
    التعميم هنا هو الخطأ بعينه، فكل دولة كانت لها ظروفها، قد تتشابه الحالة المصرية مع الحالة التونسية في وجود تراكم على مدى سنوات طويلة من موجات الاحتجاجات والانتفاضات التي خرجت بين مطلبي العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية ومحاربة الفساد والاستبداد، وفي وجود بنية قوية من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والحركات الاحتجاجية التي وفرت فرص خلق قدرة شعبية على كسر حاجز الخوف في مواجهة بطش النظام الحاكم واستبداده، إضافة إلى امتداد الشعور باليأس والظلم إلى عصب مؤسسات الاستبداد ذاتها، وإلى دخول النظام الحاكم مرحلة "الشيخوخة السياسية" وظهور معالم السقوط واضحة أمام أعين القوى المعارضة، وكانت الأمور في حاجة فقط إلى لحظة المبادأة للانفجار الشعبي في وجه النظام والدعوى لإسقاطه .
    ربما تقترب التجربة اليمنية بدرجة ما إلى هاتين التجربتين في مصر وتونس كما أنها تقترب أيضاً في محدودية أو بالأحرى عدم غلبة العوامل الخارجية على العوامل الداخلية في هذه النماذج الثلاثة: تونس ثم مصر ثم اليمن عكس النموذجين الليبي والسوري الذي يدرك القاصي والداني أن العامل الخارجي كان هو الأساس في تحويل الاحتجاجات المحدودة، والمطالب الإصلاحية المشروعة إلى انتفاضات عنيفة وتدخلات عسكرية خارجية بشكل مباشر في الحالة الليبية وبشكل غير مباشر في الحالة السورية .
    لم تكن الاحتجاجات التي خرجت في ليبيا وسوريا مطالبة بالإصلاح مشابهة بأي حال من الأحوال لما حدث في الحالتين التونسية والمصرية، ولم يكن قد توفر إرث نضالي شعبي ضد النظام، ولم تكن في ليبيا أو سوريا أحزاب أو منظمات مجتمع مدني أو حركات احتجاجية تطالب بالإصلاح وبالتغيير الجذري .
    لكن كان التدخل الخارجي وحرص هذا التدخل على تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى ثورات وعنف مسلح هو العنصر الأساسي والحاسم في مسار تطور الحالتين الليبية والسورية وسيكون له الدور الحاسم في الحل .
    هذا العامل أثبت فعاليته ونجاحه في الحالة الليبية بإسقاط نظام القذافي وجيشه ومؤسساته الهشة، لكن من الصعب القول إنه نجح في إسقاط نظام وبناء نظام آخر بديل أكثر عدالة وديمقراطية . هنا بالتحديد يمكن استرجاع الخبرة السلبية المكتسبة من فشل التدخل الخارجي في بناء نظام أفضل بديل في العراق وإسقاط ذلك على مستقبل الحالة السورية من ناحية وعلى الواقع المؤلم للحالة الليبية من ناحية أخرى .
    فالحالة الليبية تعاني، كما عانى العراق على مدى عشر سنوات مضت من عمر غزوه واحتلاله عام 2003 من غياب الإجماع على مشروع وطني يحقق الشراكة الوطنية الجامعة، ويؤسس نظاماً أكثر عدالة وديمقراطية واستقراراً يقوم على قاعدة المواطنة المتساوية وعلى قاعدة الفرص المتكافئة لكل أبناء الوطن . فالجيش في ليبيا ليس له وجود مقارنة بقوة الميليشيات المسلحة التي نهبت الترسانة العسكرية للجيش الليبي عقب انهياره تحت ضربات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقبله ضربات سلاح الجو الأمريكي والفرنسي . والحكومة في ليبيا ضعيفة بعد تصفية الجهاز الإداري وتشتته جهوياً وقبلياً، وظهور خطر التقسيم والانفصال الذي يطارد استقرار الحكم المركزي في العاصمة طرابلس .
    فحتى الآن لم تستطع فترتان انتقاليتان تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب فالمؤتمر الوطني العام الذي انتخب في تموز عام 2012 بناء على الإعلان الدستوري الصادر في آب 2011 انتهت مدة ولايته من دون أن ينفذ خريطة الطريق التي أوكلت إليه، وفي القلب منها مشروع الدستور .
    كان ذلك الإعلان الدستوري ينص على خريطة طريق تتضمن تأسيس مؤتمر وطني منتخب يعد بمثابة برلمان للثورة، وانتخاب هيئة تأسيسية للدستور (لجنة صياغة الدستور) ووضع قانون الانتخابات، وكان من المفترض أن ينتهي المؤتمر الوطني العام من إنجاز هذه المهام في مدة أقصاها 18 شهراً تنتهي يوم 7 شباط الجاري، ونظراً لأن المؤتمر لم يستطع إنجاز أي من هذه المهام فقد بادر يوم 24 كانون الأول 2013 بوضع خريطة طريق جديدة تنص على تمديد ولايته لمدة عام تنتهي في 14 كانون الأول 2014 .
    إعلان خريطة الطريق الثانية هذه فجرت مظاهرات حاشدة في العديد من المدن الليبية يوم الجمعة (7 شباط الجاري) خاصة في العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي عاصمة الإقليم الشرقي، أما مدينة سبها عاصمة إقليم الجنوب (فزان) فكانت تموج بمواجهات عسكرية دامية كادت أن تحرك الجيش الفرنسي مرة أخرى للتدخل لمواجهة ما أسماه لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي "خطر الإرهاب" .
    التحركات الشعبية الرافضة للتمديد عاماً كاملاً للمؤتمر الوطني تدعمت بحدوث انشقاقات وانقسامات داخل المؤتمر بين مؤيد للتمديد ورافض له تجاوباً مع المطالب الشعبية، لكن الأهم هو الانقسامات والخلافات داخل الكتل البرلمانية نفسها، حيث ندد أعضاء في المؤتمر العام بضغوط تمارس عليهم من كتلهم النيابية للانسحاب من المؤتمر وتهديدهم بالقتل إن هم تجرأوا بالذهاب إلى مقره على نحو ما جاء على لسان عمر حميدان عضو "التحالف الوطني" .
    التهديد الأهم يأتي من الجنوب ومن عاصمته سبها حيث شهدت مواجهات دامية أدت إلى سقوط ما يقرب من 90 قتيلاً ومئات الجرحى، اختلف على توصيفها بين من يقول إنها بدأت بين عناصر من قبائل أولاد سليمان العربية وعناصر من قبائل التبو المنحدرة من إفريقيا جنوب الصحراء والتي تتنقل بين ليبيا وتشاد والنيجر وتزعم أنها تتعرض للتهميش في المجتمع الليبي، وبين من يقول إنها كانت بين خلايا نائمة تابعة لنظام العقيد القذافي وميليشيات شعبية مدعومة بقوات من الجيش، ما أدى برئيس الحكومة علي زيدان إلى إعلان النفير العام، الأمر الذي أثار استياء الكثيرين، لكن الخطر تفاقم بعد نجاح العناصر التابعة لنظام القذافي في احتلال قاعدة "منهنت" الجوية، في محاولة للسيطرة على سبها وإقليم الجنوب . وتفاقم الأمر بامتداد الاضطرابات العسكرية إلى منطقة "رشفانة" غرب طرابلس التي تعتبر من معاقل أنصار القذافي وهو ما دفع رئيس الأركان الفرنسي الأميرال "ادوار غييو" للإعلان عن تفضيله لعملية دولية لمواجهة تلك الاضطرابات، والذي برر ذلك بغياب سلطة مركزية قوية في طرابلس، وزاد في قوله بأن "فرنسا لا تريد أن تتحول هذه المنطقة إلى معقل جديد للإرهاب" .
    عنوان "الإرهاب" ورد أيضاً على لسان لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي، الذي قال إنه اتصل برئيس وزراء ليبيا ليستطلع رأيه في أمر هذا التدخل، لكن الملفت في كلام فابيوس أنه يرى أن التدخل يجب ألا يكون فرنسياً محضاً بل دولياً وإقليمياً وعربياً على الأخص، حيث أوضح "حين أقول "نحن"، فإن الأمر لا يعني فقط الفرنسيين، وإنما يعني البريطانيين والجزائريين والتونسيين والمصريين والأمريكيين، وعدة جهات أخرى، الألمان أيضاً .
    هكذا، كان التدخل الخارجي بداية أزمة ليبيا، فهل يمكن أن يكون خاتمتها؟ أم أنه إذا حدث سيفتح الأبواب أمام كوارث جديدة؟ السؤال مهم .



    لا تتزوجوا يا شباب القدس
    بقلم: عبد الرحمن ابوعرفة – القدس
    هذه هي الرسالة التي يتلقاها كل شاب مُقبل على الزواج في القدس.
    سُنة الزواج التي فرضها الله على وشك أن تندثر في القدس نتيجة لسبب أساسي هو عدم القدرة على تحمل تكاليف منزل الزوجية في القدس. فالأجرة الشهرية للشقة الصغيرة يتراوح بين 1000 الى 1500 دولار شهريا، أما من رغب في شراء شقة صغيرة فان سعرها يتراوح بين 350 الى 650 ألف دولار، حسب المنطقة، ومع ان تكاليف الترخيص نفسها، وتكاليف البناء هي نفسها، فان الاسعار تتضاعف حسب المنطقة.
    الشاب في سن الزواج بين 24- 30 عاما. يتقاضى ان كان عاملا راتبا شهريا معدله نحو 1000 دولار وان كان جامعيا، وحصل على وظيفة فهو يتقاضى راتبا شهريا معدله 1500 دولار هذا للمحظوظين.
    بعد مصاريف الزواج والتي هي مكلفة بحد ذاتها، وغالبا ما يحصل الشاب على مساعدة الاهل في ذلك. يبدأ بالبحث عن شقة ليكتشف ان راتبه لا يكفي بالكاد لدفع اجرة الشقة،عدا عن ضرائب البلدية ومصاريف المياه والكهرباء، ناهيك عن تكاليف الحياة البسيطة. والمؤجرون يطلبون الأجرة لمدة تتراوح بين 6 -12 شهرا مقدما بعد ان يكون الشاب قد انفق كل مدخراته على مصاريف الزواج.
    اما اذا فكر الشاب بشراء شقة، فسيكتشف انه سيعمل لمدة 30- 54 سنة دافعا راتبه كله هذا ان وجد منزلا بالتقسيط وهو الامر غير المتاح وغير الموجود كذلك، فالجميع يطلب ثمن الشقة نقدا.
    يمثل ذلك دعوة صريحة لافراغ القدس من الجيل الجديد، والعشوائيات في كفر عقب تنتظر!
    يتباهى المقاولون بأنهم يتيحون المجال للتغلب على العقبات التي تفرضها البلدية امام ترخيص المباني، محتجين بالجهد والمعاناة التي يتكبدونها من اجل استصدار تصاريح البناء ودفع تكاليفها الباهظة. ولا أحد يقلل من قيمة هذا الجهد، ومن حجم هذه المعاناة، ومن حقيقة توفير مساكن اضافية لمواجهة شح المساكن في المدينة، لكن يبقى السؤال لمن هذه المساكن بهذه الأسعار؟
    اذا لم تكن المساكن للأزواج الشابة، فلمن تكون؟ واضح من الحسابات ان هؤلاء الشباب ليس بمقدورهم تحمل الأجور او امكانية الشراء، فالمساكن اذن هي للموسرين من غير الشباب، وهؤلاء لديهم مساكنهم، فالموضوع اذن يتعلق بمساكن اضافية للاستثمار، ما يعني ان عملية تجارية تتولد، حيث ان المستثمر يريد تحقيق أرباحا من وراء استثماره في المباني، الأمر الذي يعني تلقائيا ازدياد اسعار المساكن سواء للأجرة ام للاقتناء، اذن فنحن امام معادلة جهنمية من غير المعروف الى أين تصل.
    ان واقع الاسكان في القدس، وخاصة للأزواج الشابة بحاجة الى مراجعة شاملة ودراسة حقيقية، وجهة فان أحدا لا يريد ان يخسر المقاولون المكافحون ويريد توفير الحوافز المعقولة لهم، ومن جهة أخرى لا بد من وقف هذا الارتفاع الجنوني للأسعار.
    لا بد من تقنين عملية الاسكان في القدس، ودراسة تكاليفها الحقيقية، وبالتالي تحديد أسعارها ووضع حد للمتاجرة.
    ومن خلال جولات قصيرة، يمكن للفاحص ان يستنتج ان حجم الشقق الفارغة، أو المنشأة حديثا او التي في طور الانشاء هي ليست قليلة. وبالامكان لأي كان القيام بجولة في احياء بيت حنينا وشعفاط وأحياء جنوبي القدس، ليستنتج بأن هناك مئات الشقق المتاحة للتأجير أو للبيع.
    اذن فلماذا هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار؟ اذا كانت معادلة العرض والطلب متساوية او تزيد بدليل أن بامكان من يريد أن يجد شقة للايجار او البيع تحقيق ذلك اذا كان بمقدوره دفع الثمن.
    وهذا يعني ببساطة ان هناك شيئا خاطئا في العملية برمتها، خاصة وان معدل الأسعار سواء للايجار أم للبيع ما كان ليتعدى ثلث الاسعار الحالية قبل ثلاث سنوات أو أربع سنوات، ذلك يعني ان تكاليف البناء بالقدس تضاعفت ثلاثة أضعاف، سواء بالنسبة للترخيص او بالنسبة لأجور العاملين ومواد البناء، بدليل ان اثمان المساكن لم ترتفع بالضفة الغربية مثل هذا الارتفاع الجنوني، اذن ماهو سر هذا الغلاء الفاحش؟
    الدراسة المطلوبة ولا بد ان تجيب أولا على هذا السؤال.
    هناك بعض المؤسسات الاقراضية التي تمنح قروضا تجارية لشراء الشقق، وحتى إن توفرت هذه القروض التي يتوجب سداد أقساطها، فان سنوات طويلة تستهلك معظم العمر يحتاجها الشاب للسداد هذا اذا كان يستطيع وفق معدل الرواتب للايفاء بها. وعلى مؤسسات الاقراض قبل أن تمنح القروض لمشاريع الاسكان ان تتأكد اولا من ان اسعارها بمقدور الأزواج الشابة والا فانها ستحيد عن الهدف.
    وفي غالب الاحيان فان القروض التي تمضي المؤسسات التمويلية لا تكفي لثمن الشقة، الامر الذي يعني ان على الشخص البحث عن تمويل ثان وهو بالكاد قد تمكن من الوصول الى التمويل الاول.
    واذا اتضح من الدراسة ان هذه التكاليف مصطنعة فاننا امام المعادلة المشؤومة: الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا، اما اذا اتضح ان هذه التكاليف فعلية وان الاسعار تعبر عن واقع الحال، فان ذلك يتطلب مواقف سياسية داعمة اخرى، اذا كان الحفاظ على الوجود العربي في القدس هدفا، إما عن طريق قروض مدعومة لا تثقل على المستأجرين او المشترين للشقق، أو دعم للرواتب ذاتها التي لا تستطيع بمعدلها الحالي تمكين الشباب من الحصول على منزل مؤجر أو مشترى.
    وفي اللقاء الحواري الذي نظمه الملتقى الفكري العربي مؤخرا وشارك فيه مجموعة من مؤسسات الاقراض والمقاولون والمسؤولين والخبراء، استنتج المشاركون ان الاسلوب الوحيد لمعالجة هذه المعضلة يتمثل بالبرامج الاسكانية المتكاملة، كأن تتولى جهة محددة قد تكون دائرة الاوقاف او احدى الكنائس او شركة محدودة مسؤولية انشاء والاشراف على مشروع اسكاني محدد او اكثر، ابتداء من الحصول على الارض ثم التراخيص، مرورا بوضع المخططات العملية وتأسيس البنية التحتية، فالتعاقد مع المقاول وشراء المواد بشكل جماعي ومن ثم بيع المساكن بتقسيط معقول وبحيث تخصص هذة المساكن للازواج الشابة فقط وليس للمتاجرة. واتضح من النقاش الاولي ان بالامكان توفير ما بين 30-60% من ثمن الشقة. ولاشك ان هذا فارق جوهري من شانه قلب المعادلة الجهنمية القائمة الآن.
    الاسكان في القدس اذن مشكلة حقيقية ينبغي التصدي لها فورا دون ابطاء ودون تأجيل، فالبقاء في القدس ليس مسؤولية الشاب فقط، بل هي مسؤولية الوطن برمته! واخيرا: ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء.

    إطلالة طويلة على سوريا
    بقلم: ديفيد إغناتيوس – القدس
    كانت الذكرى الخمسون لمؤتمر الأمن في ميونيخ هذا الشهر احتفالا بقوة الرؤية الديمقراطية في أوروبا، تلك الرؤية التي تمتد الآن على طول الطريق نحو أوكرانيا. ولكن كان هناك شعور بالهزيمة في القاعة، وحالة من الخزي الجماعي على الأغلب، عندما تحول الحديث إلى مناقشة القضية السورية.
    التحالف الدولي الذي فاز بالحرب الباردة يقف عاجزا إزاء القضية السورية. وربما يعود جزء من السبب في ذلك إلى تردد إدارة أوباما، لكن المشكلة بالفعل أكبر من ذلك؛ فقد فشل نظام الأمم المتحدة لحل النزاعات في حل القضية السورية، تماما كما فعل في رواندا والبوسنة وكوسوفو، ولم تُبْدِ الولايات المتحدة، هذه المرة، رغبة في تنظيم «تحالف الإرادة للقيام بالعمل القذر».
    تجسد المأساة السورية إخفاقا فكريا أكثر عمقا؛ فقد كانت الحرب الباردة، في الأساس، انتصارا لفكرة. وما نفقده في سوريا هو إطار استراتيجي فاعل قادر على منح التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، السلطة، وعوضا عن ذلك شهدنا صراعا تقوده كراهية طائفية، تسبب في تأججه المنافسة بين بعض الأطراف. والجهود الدبلوماسية التي تعيقها روسيا التي لا تزال ترى في نفسها خصما للولايات المتحدة.
    ما العمل إذن؟ على المدى القريب ينبغي على الولايات المتحدة أن تسرِّع من وتيرة تدريب ومساعدة المعارضة السنية المعتدلة، وهو ما ستكون له فوائد كثيرة، منها معارضة أقوى قادرة على قتال نظام بشار الأسد ودحر «القاعدة» وتوفير ممرات إنسانية آمنة. وربما تتمكن في النهاية من الفوز بوقف إطلاق النار، لكن هذه صيغة للحد من إراقة الدماء لا لتسوية النزاع.
    حل المأزق السوري سيتطلب استراتيجية لنزع فتيل الحرب الطائفية التي تعصف بالشرق الأوسط، وقد سمعت روايات عن هذا النهج أخيرا في البيت الأبيض، ومن محللين بريطانيين بارزين وعدد من المحللين البعيدي النظر في الخليج، وحتى من إيرانيين، لقد أدركوا جميعا أن رأب الهوة بين السنة والشيعة يتطلب اتفاقا أمنيا إقليميا. وهذا التوازن الإقليمي يتطلب بدوره تفاهما بين الولايات المتحدة وروسيا.
    ويقدم لنا لبنان درسا في كيفية تسوية الصراعات الطائفية. قد يبدو ذلك متناقضا، بالنظر إلى ما تبدو عليه بيروت دائما وكأنها على بعد دقائق من الفوضى، لكن اللبنانيين يتفادون في كثير من الأحيان الكارثة بصيغتهم التوافقية «لا منتصر ولا مهزوم».
    جاءت معرفتي بالشأن اللبناني من محادثة مع رئيس الوزراء نجيب ميقاتي السابق، الذي شرح لي أن اتفاق الطائف، الموقع عام 1989 والذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية بعد 15 سنة من الصراع، يحقق نتيجة لإنجازين بالغي الأهمية؛ الأول اتفاق إقليمي والثاني تعاون أميركي - روسي، بعد الكثير من البدايات الدبلوماسية الفاشلة خلال تلك الفترة؛ محادثات السلام في جنيف ولوزان والقاهرة. وقد أسهم انتهاء الحرب الباردة في التوصل إلى هذا الاتفاق، ولولا ذلك لاستمر القتال بين الميليشيات اللبنانية، بحسب ميقاتي.
    وقد أثار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الدهشة بتأييده لهذا النهج في ميونيخ، بقوله: «المملكة العربية السعودية وإيران لديهما مصلحة مشتركة في توفير بيئة آمنة؛ فلن يستفيد أي منا من الانقسامات الطائفية، ولن يستفيد أي منا من التطرف». من الصعب قبول تصريح في وقت تدفع فيه إيران بمقاتلي حزب الله ومقاتلي الميليشيات الشيعية العراقية إلى سوريا، لكن الفكرة صائبة.
    ولكي ننهي القتال في سوريا يجب على صناع السياسة أن يسألوا أنفسهم عما يريدون أن يكون عليه الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، ثم يحاولوا التعليم من هذا النموذج.
    المستقبل المستقر فعليا، سيكون ممكنا فقط عبر توازن أمني قادر على احتواء إيران ودول الخليج. وكي تقبل كقوة إقليمية ينبغي على إيران التخلي عن برنامجها النووي. في هذه الأثناء تتبنى الدول السنية قوانين قادرة على كسر قوة التطرف. هذا التمكين يستلزم رئيسا مصريا جديدا يمتلك من الثقة ما يكفي لوقف حبس الصحافيين. وأن تكون الأساليب الاستبدادية علامة على الضعف لا القوة.
    وهذه صورة جماعية لمستقبل أكثر استقرارا، تظهر الولايات المتحدة وروسيا وإيران والمملكة العربية السعودية يجلسون حول الطاولة لصياغة اتفاق قادر على إنهاء الكابوس السوري.
    لكن ترك الكرة في ملعب السوريين لكي يحلوا هذه المأساة حماقة قاسية.

    فيزياء "اتفاق الإطار" وكيمياء "الحل النهائي"!
    بقلم: حسن البطل – الايام
    فكرتُ أن أبدأ بعلاقة علم الفيزياء بالكيمياء، ثم فكرت أن أبدأ بـ "التراكم الكمي يؤدي إلى تحول نوعي".
    .. وقرّرت أن أُفسّر فيزياء "اتفاق الإطار" وكيمياء "الحل النهائي" بشيء أبسط : سيارة قلاّب تنقل ركام حفريات أساس عمارة جديدة، قبالة عمارتي.. إلى سفح تلة يجري شق طريق جديد عليها.
    الركام خليط من صخور قاسية وتراب، فإذا كانت حمولة السيارة كلها من ركام صخور، فإن ميلاً خفيفاً من سيارة القلاب سيجعلها تنهال؛ وميلاً أكبر سيجعل حمولة السيارة من الرمال تنهال.. وقِس على ذلك ميل أكبر لو كانت حمولتها من التراب.
    لعل النقطة الحرجة، في فيزياء مواد الركام، في مشروع كيري هي شهر نيسان، الذي كان آجلاً لمفاوضات الاتفاق على الحل النهائي، وصار آجلاً للاتفاق على إطار الاتفاق.
    مفاوضات عريقات ـ ليفني المباشرة توقفت في تشرين الثاني، لكن مفاوضات كيري، غير المباشرة، مع أبو مازن ونتنياهو لا تتوقف، واليوم سيلتقي الوزير مع رئيس السلطة في باريس؛ والشهر المقبل يلتقي نتنياهو في أميركا مع رئيسها ووزير خارجيته، وبعدها سيعود كيري إلى جولة مكوكية أخرى للوصول إلى اتفاق الاطار، قبل نهاية الشهور التسعة!
    كان واضحاً للجميع أن صراع المائة عام، واحتلال الـ 47 عاما لا يمكن حلّه بولادة "الطفل المعجزة" في تسعة شهور كما هو حال أنثى الإنسان.. لماذا؟ مثلاً لا يوجد صاروخ من مرحلة واحدة يُطلق من كوكب الأرض إلى كوكب المريخ مثلاً، دون أن يدور حول كوكب الأرض عدة دورات لاكتساب سرعة.
    أيضاً، لا يمكن تنفيذ بنود الاتفاق النهائي، بعد فترة الشهور التسعة لاتفاق الاطار، خلال تسعة شهور أخرى، بل خلال خمس سنوات أو اقل أو أكثر.
    السفير الأميركي لدى إسرائيل، دان شابيرا، أوضح لمؤتمر رؤساء المنظمات الأميركية ـ اليهودية المنعقد في إسرائيل أن اتفاق الإطار، الذي يجب الوصول إليه قبل نيسان، لن يتم عرضه على نتنياهو خلال زيارته إلى واشنطن في آذار المقبل، وحكماً لن يتم عرضه على أبو مازن في لقاء باريس اليوم.
    .. ومن ثم، فإن تسريبات المصادر الإسرائيلية لبنود اتفاق الإطار ليست دقيقة، وبالتالي فإن ردود الفعل الفلسطينية عليها سابقة لأوانها، كما لن يكون "حبراً على ورق" كما يدعي المقلّلون من شأن مشروع كيري، الذي يشارك في المفاوضات "مشاركة يومية" ولو توقف لفترة عن جولاته المكوكية.
    اتفاق الإطار سيكون بالإنكليزية، ويتضمن نقاطاً وأفكاراً قد لا يوافق الطرفان عليها، لكنها ستشمل جميع نقاط الاتفاق النهائي، أو كافة القضايا الجوهرية.
    مثلاً، حول يهودية إسرائيل، قد يرد في الوثيقة الأميركية بالإنكليزية المعتمدة لاتفاق الإطار أنها الدولة القومية للشعب اليهودي"، والتحفظ الإسرائيلي سيكون "دولة يهودية ـ ديمقراطية"، والفلسطيني أن اليهودية دين غالبية سكان إسرائيل.. والرئيس أبو مازن تحدّى إسرائيل أن تحصل على قرار من هيئة الأمم المتحدة حول هُويّتها، ليعترف الفلسطينيون به، علماً أن ميثاق الأمم المتحدة لا يتدخل في شكل اعترافات الدول بعضها بالبعض الآخر.
    الأحزاب والسياسيون الإسرائيليون، وكذا الصحافيون، منقسمون حول مسألة "يهودية إسرائيل"، وكبار جنرالات الأمن وخبراء الأمن فيها مختلفون حول: أين حدود أمن إسرائيل وحدود سيادتها، ومع جنوح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، فإن 60% منه سيوافق على حل تفاوضي مع الفلسطينيين.
    المهم، ماذا بعد نيسان المقبل، أي ماذا بعد تحويل فيزياء اتفاق الإطار إلى كيمياء الاتفاق النهائي؟ وهل ستتوقف أميركا عن مهمة الوساطة والمشاركة في صنع الاتفاق النهائي؟
    السفير شابيرا نفى ذلك، وقال بلهجة حاسمة إن أميركا ستقاوم وتعارض أي معارضة لخطة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأمن إسرائيل، وحلّ قضية اللاجئين، والاعتراف المتبادل بين الدولتين!
    في مفهوم كيري أن حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو الذي سيغير وجه الشرق الأوسط، أكثر من مسألة القنبلة الإيرانية، وتداعيات "الربيع العربي"، لأنه "مشربك" الجذور الدينية، والقومية، والتاريخية.. وأيضاً، حق الشعوب في تقرير المصير في اطار دول مستقلة.
    العلاقة بين فيزياء الصراع وكيمياء السلام هي ما يحاول كيري أن يجدها.
    إبراهيم
    فهم بيل كلينتون : السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي على أنه "سلام أولاد إبراهيم" وغيره على أنه السلام السامي ـ السماوي!
    إبراهيم جوابرة، فنان فلسطيني لاجئ، لم تعجبه دبلوماسية اللقاءات المباشرة في المقاطعة، وسخر منها كالتالي:
    "انيم ابراهيم ارفضيم كلشيم صاريم في المقاطعتيم، ومن هونيم اعلنيم استيائيم.." إلخ!
    ملاحظة: الياء والميم هي للجمع في العبرية.
    زياد أبو زياد علّق على لقاء المقاطعة بشكل محكم:
    "بعضنا يعيش في حلم، والبعض الآخر يحلم بالعيش.. وكلا الطرفين لا يريد أن يعيش الواقع.
    رنا بشارة: أبو مازن رئيس دولة "مراقب" في الأمم المتحدة.. هو ليس طبيباً نفسياً متخصصاً في إنهاء مخاوف الإسرائيليين.

    السياسة الرعناء لأوباما وتراجع سوق السلاح الأميركي !!
    بقلم: هاني حبيب – الايام
    تراجع السياسة الأميركية على المستوى الدولي، وتقلص دور الولايات المتحدة في التأثير على الخارطة السياسية العالمية، الأمر الذي بات متعارفاً عليه لدى أوساط المحللين السياسيين في الولايات المتحدة وخارجها، ووفقاً لاعترافات العديد من المقربين لصناعة القرار في الولايات المتحدة، هذا التراجع لا ينعكس فقط على الدور المؤثر للولايات المتحدة على الصعيد الخارجي، بل انه أكثر تأثيراً على الأوضاع الداخلية، على المستويات السياسية والاقتصادية تحديداً، الأمر الذي ينعكس سلباً على تراجع شعبية إدارة أوباما وفقاً لاستطلاعات الرأي، كما ينعكس في الجدل الداخلي في أروقة المؤسسات السياسية، كالكونغرس ووزارتي الخارجية والدفاع، وهما الوزارتان الأكثر تلمساً لانعكاسات السياسة الخارجية على الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة.
    إلاّ أن أبرز مؤشر على انعكاس هذه السياسة يتجلى في تأثيراته على الدور العسكري للولايات المتحدة، خاصة في مجال صناعة الأسلحة الأميركية وتسويقها، داخلياً وخارجياً، فعلى المستوى الداخلي شهدت أروقة الكونغرس خلال الأشهر الأخيرة، سجالات ونقاشات حادة، اثر اقتطاعات متتالية على الميزانية العسكرية للولايات المتحدة، التي رفعت الصوت عالياً لما لذلك الأمر من ضرر على قدرات اميركا الدفاعية, شركات صناعة الاسلحة الكبرى مثل "جنرال دايمكس" و"لوكهيد مارتن" رفعت الى الكونغرس وثيقة تعبر عن السخط من قرارات خفض الميزانيات والاعتمادات لوزارة الدفاع، الأمر الذي ينسحب على شركات تصنيع الأسلحة التي تزود القوات الأميركية بالسلاح، ما يترك آثاره على هذه الصناعة، خاصة في مجال الأيدي العاملة، حيث ستضطر هذه الشركات إلى فصل عشرات آلاف العمال والموظفين والخبراء نتيجة لهذه التقليصات، علماً أن التقليص الأول شمل 80 مليار دولار في حين تدرس ادارة اوباما الاقدام على تقليص 110 مليارات اخرى، لهذا توافقت شركات انتاج الاسلحة في اميركا على القيام بحملة اعلامية وعلاقات عامة لوقف هذه التقليصات بتكاليف تبلغ 97 مليار دولار، للتأثير على أعضاء الكونغرس من أجل رفض اقرار أية اقتطاعات اضافية على ميزانية الدفاع.
    غير أن ما تعانيه شركات صناعة السلاح الاميركية لا يعود فقط الى اقتطاعات الميزانية الدفاعية الاميركية، بل وأيضاً إلى تراجع سوق السلاح الاميركي على المستوى الدولي، ذلك أن ما يسمى بالمساعدات العسكرية الأميركية في اطار التسليح للدول الصديقة، ليست بمساعدات مجانية، فاضافة إلى البعد السياسي، هناك بعد اقتصادي قلما يتم التحدث عنه، ولنأخذ على سبيل مثال قريب، ذلك أن ما تقدمه الولايات المتحدة لجمهورية مصر العربية على هذا الصعيد هو 1,3 مليار دولار أسلحة سنوياً، لكن هذه المساعدات تهدف إلى اعتماد مصر على السلاح الأميركي وتوفيق العقيدة العسكرية المصرية للاعتماد كليا على السلاح الأميركي، في العام 2010 استوردت مصر من الولايات المتحدة بقيمة خمسة مليارات دولار، الأمر الذي يعود على تجارة السلاح الأميركية بالنفع والفائدة، ذلك أنه وفقاً للعقيدة العسكرية والتسليحية للدول التي تتلقى المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة لا تجد أمامها إلاّ الولايات المتحدة بشكل أساسي للتزود بالسلاح.
    ولكن نظراً للسياسة الأميركية الرعناء في ظل إدارة أوباما، فإن سوق السلاح الأميركي قد تراجع بالتوازي مع تراجع السياسة الأميركية، ويظل المثال المصري حاضراً في هذا السياق، ذلك أن هذه السياسة أدت إلى أن تتحول القاهرة لشراء أسلحة من الاتحاد الروسي، ويقال إن الصفقة التي تم الاتفاق عليها بدعم مالي سعودي ـ إماراتي يبلغ عشرة مليارات دولار، لخمس سنوات قادمة، بواقع ملياري دولار سنوياً، كان من المفترض أن تذهب إلى صناعة الأسلحة الأميركية، يضاف إلى ذلك أن دولة مثل تركيا، العضو في حلف الناتو، بدأت تتجه إلى استيراد اسلحتها من روسيا ايضاً، في حين أن السعودية ستحول أسلحة فرنسية إلى لبنان بواقع ثلاثة مليارات دولار، والسعودية نفسها والتي تعتبر أكبر مستورد للسلاح في الشرق الأوسط من السوق الأميركية، أخذت نتيجة لسياسة إدارة أوباما، تندفع تدريجياً لاستيراد السلاح من مصادر أخرى، إضافة إلى الاعتمادات المالية كمساعدات لشراء السلاح من مصادر غير أميركية لدول أخرى من أهمها مصر كما أسلفنا!!
    العنصر الثالث المؤثر على تراجع سوق السلاح الأميركي، يعود إلى العلاقات الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية، وبمقتضى هذه العلاقات، فإن الولايات المتحدة ترعى صناعة السلاح الإسرائيلية دعماً مالياً وفنياً، غير أن إسرائيل تنافس أميركا في سوق السلاح الدولي، وهي أقدر على الترويج لأسلحتها بالنظر إلى أن الولايات المتحدة، تضع شروطاً لتصدير الأسلحة قد لا تقبل بها العديد من الدول، غير أن إسرائيل لا تضع مثل هذه الاشتراطات مما يسهل عليها تسويق أسلحتها المدعومة مالياً وفنياً من قبل صناعة السلاح الأميركية!
    صناعة السلاح الأميركية تعتبر العماد الأساسي مع صناعة النفط للاقتصاد الأميركي، والأكثر تأثيراً على المستوى السياسي الداخلي والخارجي في الولايات المتحدة، وتؤثر تأثيراً مباشراً على القوة العاملة الأميركية، وتراجع هذه الصناعة يترك آثاراً عديدة وخطيرة على الاقتصاد والمجتمع الأميركي، دون تجاهل العنصر الأهم في هذا السياق، وهو الدور السياسي للولايات المتحدة كقوة كبرى مؤثرة على التوازنات السياسية الأميركية!!


    روسيا القوة الصاعدة : القلق الإسرائيلي- الأميركي
    بقلم: أشرف العجرمي – الايام
    حتى الفترة القريبة الماضية كانت إسرائيل تنظر لما جرى في البلدان العربية على أنه شيء ربما يكون في صالحها خاصة بعد تدمير قدرات العراق والتهاء مصر بمشاكل داخلية جدية وصعود حركة "الإخوان المسلمين" إلى سدة الحكم في أكبر دولة عربية واحتمالات قيام تحالف إسرائيلي- إخواني بدأت بوادره في التنسيق في بعض الملفات مثل غزة وسيناء، وعملية التدمير المنهجي لسورية في الحرب الطاحنة التي تدور رحاها في هذا البلد منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، ولكن الآن بدأت أوساط صنع القرار الإسرائيلية في التفكير بصورة مختلفة يشوبها الكثير من القلق وخاصة من التطورات الحاصلة في مصر وسورية ونسبياً الساحة الفلسطينية.
    وما يقلق إسرائيل وكذلك حليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأميركية هو طبيعة العلاقات التي تنسجها روسيا مع الدول العربية المركزية التي تحيط بإسرائيل من الشمال والجنوب والدعم الذي يقدمه الرئيس فلاديمير بوتين للرئيس الأسد وللمشير عبد الفتاح السيسي. فدعم الأسد من شأنه أن يقوي محور إيران- سورية- حزب الله وهوما برز بوضوح في مؤتمر جنيف 2 الذي انتهى إلى الفشل بسبب رفض النظام السوري بحث موضوع الحكومة الانتقالية وربط هذا بالاتفاق أولاً على مسألة مكافحة الإرهاب، ولولا الدعم الروسي ما كان الأسد بهذه القوة.
    ومن الواضح أن أميركا لا تملك خطة معينة لمعالجة الوضع في سورية على الرغم من أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قال في بكين (14/2) أن الرئيس أوباما بصدد وضع خطة كهذه، ولكن التقديرات تشير إلى أن الأميركان يسلمون هذا الملف لروسيا ولا ينوون التدخل بشكل جدي، والذي يزعج إسرائيل هو فكرة بقاء نظام الأسد وبقاء الجيش السوري المدعوم من روسيا والذي بدون شك سيكون قوة مهمة يحسب لها حساب إذا ما أعيد بناؤه وتم تزويده بأسلحة أكثر تطوراً.
    والدعم الروسي يقوي إيران في محادثاتها مع مجموعة خمسة زائد واحد الدولية، ويجعلها ترفض التنازل إلى المستوى الذي تريده إسرائيل في الملف النووي. وخروج الأسد وإيران منتصرين في أعقاب هذه الحرب الدموية المدمرة سيؤثر على موازين القوى خاصة على الجبهة الشمالية بالنسبة لإسرائيل.
    ولا شك أن زيارة المشير السيسي لروسيا كانت بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة خطوة سلبية بعيدة المدى يبعد فيها السيسي مصر عن علاقات تحالفات سابقة، خاصة وأنها تتضمن التوقيع على صفقة سلاح مهمة تقدر بملياري دولار أو ثلاثة – حسب بعض المصادر في روسيا- وتشمل طيارات حديثة وصواريخ مضادة للطيران من طراز إس 300 التي حاربت إسرائيل بشدة من أجل عدم امتلاك سورية لها. والأهم هو القرار بتنويع مصادر السلاح والذي يعني سياسياً استقلال القرار السياسي المصري وتعزيز دور مصر الإقليمي والدولي.
    وينظر الإسرائيليون للسيسي كشخص ناصري يتبنى خطاً قومياً سيقود إلى تعزيز قدرات الجيش المصري مقابل إسرائيل، ولو أنه حتى اللحظة يحافظ على العلاقة مع إسرائيل، ولكن هذا على ما يبدو مؤقت ومرتبط بـ"تنازلات" عسكرية إسرائيلية جوهرية في سيناء، وفق تقديرات إسرائيلية. ولا يروق لإسرائيل أن ترى الجيش المصري مزوداً بسلاح يستطيع تجاوز سيناء وقد لا تعرف كل أسراره كما هو السلاح الذي تحصل عليه مصر من الولايات المتحدة والذي هو أقل جودة من الذي تحصل عليه إسرائيل، وبالنسبة لواشنطن فخطوة السيسي تجاه موسكو سعي للتحرر من الهيمنة الأميركية وتهيئة لدور مصري أكثر استقلالية.
    هذه التطورات المهمة على الجبهتين السورية والمصرية واللتين تحتل فيهما روسيا مركز الصدارة والدور القيادي الرئيس، بالإضافة إلى دورها في الملف الإيراني لم تكن الوحيدة التي تثير قلق إسرائيل وحليفتها الإدارة الأميركية، بل إن زيارة الرئيس أبو مازن لروسيا أثار مخاوف إسرائيل كذلك، فخلال زيارة الرئيس ابو مازن لموسكو في 24 يناير الماضي بحث مع الرئيس بوتين قيام الشركة الروسية غاز بروم بالتنقيب عن الغاز مقابل شواطئ غزة في البحر المتوسط، على أن تقوم روسيا بدفع مليار دولار لفلسطين كثمن لحوالي مليار متر مكعب من الغاز يمكن استخراجه من البحر، وأيضاً السماح لشركة "تكنوبروم اكسبورت" الروسية بالتنقيب عن البترول بالقرب من رام الله. وحسب مصادر اسرائيلية فإن هذا التطور من شأنه محاصرة خطوط الغاز والبترول الإسرائيلية في البحر بخطوط نقل روسية، ما قد يؤثر على قدرة إسرائيل في التصدير وينافسها بشدة في الأسعار.
    والشيء الآخر الذي أقلق إسرائيل وفاجأها في زيارة ابو مازن أنه حصل على دعم روسيا وكأنه يمثل دولة مستقلة تملك حق التوقيع على اتفاقات بامتلاك حقول اقتصادية دون الرجوع لإسرائيل التي ترى أن كل هذه المسائل يجب أن تخضع للمفاوضات معها، أي أن روسيا بوجودها في البحر المتوسط قبالة شواطئ غزة ستمنح الفلسطينيين وضع دولة مستقلة تسيطر على مواردها تماماً كما تتفق روسيا مع سورية بخصوص البترول والغاز.
    ويضاف إلى كل هذا أن الرئيس أبو مازن بحث مع الروس امكانية إقامة إطار دولي للمفاوضات مع إسرائيل يلغي الاحتكار الأميركي للعملية السياسية- على حد تعبير نبيل شعت في تعقيبه على زيارة الرئيس لموسكو- ويسمح لروسيا والقوى العظمى الأخرى بلعب دور في العملية السياسية. فإذا كانت إسرائيل تستصعب التعامل مع الموقف الأميركي المؤيد لها وتهاجمه بطريقة غير لائقة فكيف يمكنها تحمل موقفاً دولياً متوازناً وأقرب للموقف الفلسطيني.
    إنها بلا شك تطورات وتغيرات مقلقة والوقت أمام إسرائيل قصير لتدارك الأمور قبل أن تتغير موازين القوى وما يمكن أن تحصل عليه الآن قد يصبح بعيد المنال غداً.

    لماذا قضية فلسطين في خطر؟
    بقلم: علي جرادات – الايام
    يعلم الجميع أن إنشاء إسرائيل والاعتراف الدولي بها في العام 1948 ثم تمددها على كامل مساحة فلسطين، عدا احتلال الجولان السوري وسيناء المصرية، في العام 1967، لم يكن ليكون لولا ما حظي به المشروع الصهيوني من رعاية ودعم وتأييد قدمتها - تلبية لمصالحها - دول الاستعمار الغربي التي ورثت الولايات المتحدة قيادتها عن "بريطانيا العظمى" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
    ويعلم الجميع أيضاً أن "وعد بلفور"، 1917، الذي أسس لقيام إسرائيل كان جزءاً من مخطط تقسيم الوطن العربي باتفاقية سايكس بيكو، 1916.
    ويعلم من شاء ومن أبى من العرب أن قضية فلسطين قضية عربية في عمقها وأنها - لا تداعياتها - جوهر الصراع العربي الصهيونى.
    ونعلم - شئنا أم أبينا - أن تسوية الصراع لا تعادل إنهاءه ووضع حد للمطالب المترتبة عليه، بل تغيير أشكاله وحدته بصورة جوهرية وإلى أجل مفتوح المدى يصعب التنبؤ به بدقة.
    وليس اكتشافاً للنار القول إن فكرة تسوية الصراع بالمعنى المشار إليه أعلاه لن تتحول إلى واقع طالما ظلت أسلحة جنود إسرائيل وأنياب جرافاتها وأعمدة فكرها الصهيوني الخرافي هي ما يحدد حدودها.
    وبالمثل ليس اختراعا للبارود الجزم بأن فكرة "السلام العادل الدائم والشامل" لن تتحول إلى واقع طالما ظلت المنظومة الأيديولوجية الصهيونية العدوانية التوسعية هي ما يحكم إسرائيل ويتحكم بها سياسياً ومجتمعياً وعسكرياً وأمنياً وأخلاقياً.
    وفي ظني أن بوسع سالف القول - الحقائق - الإجابة عن الأسئلة المحورية لراهن الصراع من حيث:
    *أولاً: لماذا لم يفض تراجع الأنظمة الرسمية العربية عن أداء واجبها القومي تجاه القضية الفلسطينية - على الأقل منذ "مؤتمر مدريد للسلام" - 1991، إلى نجاة الحالة العربية من تداعيات استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل إلى ما تغرق فيه اليوم من أذنيها حتى أخمص قدميها في صراع داخلي دموي متعدد الأوجه والأبعاد ينذر بلا تطير بتفكيك الدولة القُطرية العربية لا لمصلحة بناء وحدة قومية بل لمصلحة التمزيق بأشكاله سواء بصورة رسمية كما وقع في السودان أو بصورة واقعية كما هو حاصل في ليبيا والعراق أو بصورة الدولة الفيدرالية بين أقاليم كما تقرر في اليمن ويُراد لسوريا وفشل في مصر، فيما بالتحليل المنطقي وحده يمكن الجزم بأن الدائر في مراكز القوة العربية من تقتيل وتذبيح وتخريب وفوضى تنفذه جماعات التكفير والتمزيق الديني والطائفي والمذهبي هو ليس أكثر من مظهر لجوهر مخطط ترعاه وتموله وتسلحه دول عظمى بقيادة الولايات المتحدة ووكلائها في المنطقة، ويقع في صلب أهدافه تعزيز مكانة إسرائيل وتفوقها وتسهيل طريق محاولات وخطط تصفية القضية الفلسطينية باسم تسويتها.
    إذ كيف لعاقل أن يصدق أن بوسع هذه الجماعات الإرهابية التكفيرية أن تحوز بجهد ذاتي أموالاً طائلة وترسانة عسكرية هائلة وطاقة بشرية كبيرة وواسعة الانتشار من دون أن يكون هناك دول تمدها بالمال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي.
    *ثانياً: لماذا لم يلاقِ القبول الفلسطيني لمدة 20 عاماً بتقسيم المفاوضات إلى مراحل وفقط لتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية قبولاً من أيٍ من حكومات إسرائيل المتعاقبة بالتخلي عن أيٍ من المطالب الصهيونية المطلوب اليوم من الفلسطينيين والعرب عموماً التسليم بجوهرها وناظمها الأساس: الاعتراف بإسرائيل غير محددة الحدود "دولة للشعب اليهودي".
    ما يفسر ما يعيشه العامل الوطني الفلسطيني من حالة تراجع شاملة عنوانها الأساس انقسام داخلي مدمر يبث كل أشكال الإحباط واليأس في أوساط الحالة الشعبية المثقلة بجرائم الاحتلال واستباحاته بينما لا تتوافر في المدى القريب على الأقل إرادة سياسية جادة لطي صفحته السوداء التي دون طيها يغدو مجرد كلام بلا طائل وفارغ من كل مضمون الحديث عن توفير الحد الأدنى من القوة الوطنية القادرة على مواجهة التصعيد السياسي والميداني الإسرائيلي بدعم لا لبس فيه من الإدارة الأميركية.
    *ثالثاً: لماذا كل هذا الإصرار الأميركي على استغلال راهن الحالتين القومية العربية والوطنية الفلسطينية لفرض حل لا يلبي أدنى الأدنى من الحقوق الفلسطينية.
    وهذا ظاهر للعيان فيما يتسرب من جوهر "خطة كيري" التي يقترب موعد طرحها في صيغة "اتفاق إطار" يحظى بصمت رسمي عربي وتأييد "اللجنة الرباعية" ومطلوب قبوله أساساً للتفاوض، وإن بحيلة: "وافق وتحفَّظ وفاوض" في ظل عنجهية حكومة "الاستيطان والمستوطنين" بقيادة نتنياهو - ليبرمان - بينت المتكئة على ضعف الحالتين العربية والفلسطينية وعلى يقين معرفتها أن الولايات المتحدة التي تملك منفردة أوراق الضغط عليها لن تمارس ضغطاً فعلياً عليها يجبرها على تقديم تنازلات سياسية ذات مغزى.
    ذلك رغم ما أطلقه السيد كيري مؤخراً من تصريحات أثارت حفيظة أكثر قادة إسرائيل يمينية وتطرفاً وتشدداً فحواها: أن فشل المفاوضات يمكن أن يعرِّض إسرائيل لحملة مقاطعات دولية هي ليست بحاجة لها ملمحاً بذلك إلى ما تشنه ضدها جهات غير رسمية في دول الاتحاد الأوروبي من مقاطعة اقتصادية وأكاديمية بسبب غطرسة سياستها الاستيطانية. فتصريحات كيري هذه تبقى ذراً للرماد في العيون وشكلاً آخر لاستدراج الفلسطينيين إلى الموافقة على ما سيقدمه من "اتفاق إطار" طالما أنها، أي تصريحات كيري، جاءت مقرونة بالضغوط السياسية الفعلية التي تمارسها الإدارة الأميركية على السلطة الفلسطينية، وبالتهديدات المباشرة التي يطلقها الكونغرس الأميركي بقطع المساعدات عنها وفرض العقوبات عليها، وبالتبني الأميركي الرسمي العلني لمطلب الاعتراف بإسرائيل غير محددة الحدود "دولة للشعب اليهودي" بوصفه المطلب الصهيوني الأساس والناظم للمطالب الصهيونية كافة.
    هذا ناهيك عن معرفة الجميع بأن الآمال المعقودة على تطوير المقاطعة الأوروبية لإسرائيل إلى مقاطعة تشبه مقاطعة نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا هي مجرد أوهام طالما ظلت في إطار تبعية الاتحاد الأوروبي لسياسة الولايات المتحدة الدولية عموماً والشرق أوسطية خصوصا، وفي إطار غياب استعداد عربي لاستخدام أدنى أوراق قوته لتطوير مقاطعة إسرائيل وتوسيعها، بل في ظل زيادة منسوب التطبيع العربي المجاني معها بأشكاله منها المعلن وما خفي أعظم.
    على ما تقدم صار الشعب الفلسطيني وفصائل حركته الوطنية بعامة وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بخاصة أمام مرحلة لم يعد بالمقدور مواجهة تحدياتها وتلبية استحقاقاتها وصد مخاطرها بتكتيكات تصلح لمعالجة لحظة. أما لماذا؟ لأن البحث عن تسوية - ولو متوازنة وتلبي أدنى الحقوق الفلسطينية - قد صار بالتجربة مساوياً للتفكير فيما إذا كان التوصل لمثل هذه التسوية في عداد الممكن الواقعي في ظل ميزان القوى القائم بالمعنى الشامل للكلمة، بل وفيما إذا كان في عداد الممكن أصلاً في ظل رعاية أميركية تدرج تبنيها لشروط حكومات إسرائيل المتعاقبة وصولاً إلى تبني المطالب الصهيونية وإلى مطالبة الفلسطينيين بالتفاوض على أساسها مقرونة بكل أشكال الضغط والابتزاز الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، بل والتلويح بإقدام حكومة الاستيطان والمستوطنين على تنفيذ خطط جاهزة سواء للانسحاب من طرف واحد من المناطق المأهولة في الضفة أو الإعلان عن ضم مناطق منها وفرض أمر واقع مع إشاعة أن إسرائيل لا تخشى رد الفلسطينيين بخيار حل السلطة الفلسطينية، وأنها جاهزة لمواجهة كل الاحتمالات والخيارات.
    لذلك فإن ما تعرضه "خطة كيري" ينذر بخطر إستراتيجي يتهدد القضية الفلسطينية ويحتاج إلى رد سياسي فلسطيني وطني موحَّد وإستراتيجي يقوى على احباطه.
    فالرد المطلوب، وللدقة المفروض، لم يعد رداً على نتائج أسئلة جولة مفاوضات يرعاها كيري، إنما على نتائج أسئلة مرحلة عمرها 20 عاماً أمضاها الفلسطينيون، بل ضيعوها، في محاولات البحث عن تسوية سياسية لاسترداد الحد الأدنى من حقوقهم، وثبت بالتجربة أنها غير ممكنة واقعياً في ظل ميزان القوى القائم، ما شجع قادة إسرائيل بألوانهم وبدعم أميركي على تصور أن ثمة إمكانية لفرض حل يعادل تسليم الفلسطينيين بالحد الأعلى من المطالب الصهيونية وأطماعها كما صاغها مؤسسوها الأوائل، ذلك رغم أن هذا التصور مجرد وهم كما أكدت تجربة نحو قرن من الصراع قدم الشعب الفلسطيني خلالها تضحيات جسيمة قل نظيرها.
    وأد طــفـلــة
    بقلم: توفيق وصفي – الايام
    أيُّ قلب يجرؤ على وأد طفلة في ربيعها الثالث، لم يُسجَّل في صحيفتها بعدُ ذنبٌ أو معصية أو خطيئة، إلا إن كان قلبا منزوعَ الرأفة يكسو جدرانَه الصقيع، الذي أنساه أن الضلوع التي يقبع وراءها هي الضلوع التي احتضنت الموؤودة، مذ رأت عيناها النور! أي يد أطاعت شهوة القتل فأطبقت على منافذ الحياة في وجه بحجم تفاحة، منساقة إلى وهم الخلاص من فضيحة ما، تصوّر صاحبها أن خنق الشاهدة الوحيدة عليها سينقذه من العقاب، وأن دفنها في أرض قفر كبهيمة نافقة سيبعد عنه الظنون، ظانا أنه احتال على قدره الذي يضمر الجريمة والفضيحة والعقاب. أي عدالة يمكن أن تقتص للموؤودة من وائدها أو وائدتها، فلا آيات بعدَ "وإذا الموؤودة قتلت"، والجاهلية تعود على متون التيه والفقر والكبت والظلم، برايات التبرير لمزيد من القتل، لدوافع لا حصر لها، تتفق على إلغاء الآخر ونفي وجوده، بأيد يثير أصحابها الشفقة لبلاهتهم وطاعتهم العمياء لوسواس وجودي بأن الآخر خطر عليهم.. لعل من العدل أن يُحبَس القاتل في زنزانة زجاجية، تشرف على أكثر ساحات المدينة حيوية واكتظاظا، ليرى أنسال فصيلة البشر يلهون ويكبرون كل يوم، دون أن يكترثوا به، لأنهم لا يعلمون أن ثمة كائنا خلف الزجاج! هل القدرة على القتل طفرة أو جين شيطاني موروث، يختار ضحيته ليسكنها ويجهز على روحها، فتغدو آلة من صناعة مجهولة المصدر، ككائن من كوكب آخر يشبه البشر في الظاهر، يدوسهم دون أن يرف له جفن، فيقتل طفلا أو طفلة لإخفاء جريمة كالسرقة أو الزنى أو الاغتصاب، ويقتل شقيقا من أجل متر أو دونم، ويقتل آخر من أجل سرقته، كما يقتل قطة لأنها تزعجه بموائها في شباط. ثمة من يقتل عن غير عمد، وفي الغالب يكون المقتول قد حل في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، لكن القاتل لا ينجو من مطاردة الضحية له، في أحلامه وسكونه ولحظاته الوردية فلا نوم ولا هناء، وتوجس دائم من الانتقام، ليس بالضرورة انتقام ذوي المقتول، بل انتقام روح المقتول من روحه.
    تغريدة الصباح - تلويحة محبة للأديبة ليلى العثمان
    بقلم: يحيى يخلف – الحياة
    شكرا لمؤسسة محمود درويش التي درجت على استضافة قامات ادبية وفكرية عربية لتقديم ابداعها في قاعة المتحف في حديقة البروة، ولفتح التواصل الثقافي والإنساني مع محيطنا القومي..جاءت الى فلسطين اسماء كبيرة مثل واسيني الأعرج من الجزائر، وعدنان صايغ من العراق، والفلسطيني ابراهيم نصر الله من الأردن، والروائي السنعوسي من الكويت، وغيرهم ممن كسروا الحصار الذي يفرضه الاحتلال، ودحروا المزايدات التي يتشدق بها بعض القومجيين الذين يقولون ان زيارة ارض فلسطين هي شكل من اشكال التطبيع.
    وهذه الأيام انضمت الكاتبة الكويتية الشجاعة ليلى العثمان الى اولئك الشجعان الذين تواصلوا معنا، وعبروا عن تضامنهم مع كفاحنا شعبنا من اجل الحرية والاستقلال، وقدموا لنا شيئا من تجاربهم وابداعاتهم.
    هذه التغريدة هي بمثابة تلويحة محبة وتقدير لأختنا وصديقتنا ليلى التي كانت معنا في كل المحطات التي مرت بها قضيتنا، وكانت فلسطينية بالمعنى التضامني، وفلسطينية بحكم زواجها الأول من فلسطيني، وزواجها الثاني ايضا من فلسطيني بعد وفاة الأول، وهي فلسطينية لأن اولادها فلسطينيون.
    التقينا بها في امسية امس الأول في قاعة متحف محمود درويش، امسية دافئة وبليغة وثرية ادارها المثقف الرائع الدكتور ايهاب بسيسو، واتسمت بمستوى ينطبق عليه مصطلح السهل الممتع لا السهل الممتنع، حيث تحدثت ليلى بثقة وغزارة في تنوع محاور اللقاء التي تناولت تجربتها في الكتابة وقيم ثقافة التنوير، والدفاع عن التقدم في مواجهة التخلف، وثقافة الحرية في مواجهة ثقافة الظلام والتكفير، وتحدثت عن المتاعب التي سببها لها المتطرفون في الكويت باسم الدين ووجهوا لها التهم نفسها التي وجهها التكفيريون في مصر لنجيب محفوظ ونصرحامد ابو زيد وعشرات آخرين تعرضوا للسجن والقتل والتفريق بينهم وبين زوجاتهم. قدمت ليلى الى المحاكمة ولم تتخل عن حقها في التعبير، وتمسكت بالقيم المغروسة في جمرة نصوصها، وتمسكت في الدفاع عن الحرية والكرامة والمستقبل، وكتبت هذه التجربة في كتاب حمل اسم (المحاكمة) الذي وثق القوة والشجاعة في مواجهة التزمت والتطرف، واكد ان الحياة اقوى من ظلام الظلاميين.
    وعن علاقتها بفلسطين وكتابها وناسها والجالية الفلسطينية في الكويت كانت مساحة الحديث واسعة، وعن زيارتها لفلسطين عبرت عن اعتزازها وقالت ان لها بيتاً في صفد هو بيت اولادها، وبيتاً في يعبد لأن بعض اولادها من تلك البلدة الساحرة.
    ليلى قاصة وروائية تشغل مساحة واسعة في المشهد الروائي العربي، وكتبت عن قصصها ورواياتها رسائل جامعية، ومن المداخلات اللافتة للجمهور الذي عقّب على حديث ليلى في الأمسية كانت مداخلة لشابة قادمة من منطقة المثلث في اراضي 48 اعدت رسالة جامعية عن قصص ضيفتنا. واعتقد ان ضيفتنا ليلى التي شاركت في مئات المحاضرات واللقاءات والمؤتمرات كانت سعيدة بهذه الأمسية لأن لها طعما ومذاقا خاصا ومذاقا ساحرا يعزى الى روح وريحان محمود درويش، والى سحر فلسطين وعروبتها ومقدساتها وكفاحها وتاريخها وتراثها الحضاري والإنساني. ............ أهلا بك ليلى في فلسطين، نحن فخورون بهذه الزيارة.

    اطلالة عربية - متى يتفق الأدباء..
    بقلم: ابراهيم عبد المجيد – الحياة
    القضية الوطنية هي وحدها التي يمكن أن يتفق عليها الأدباء. والأمثلة كثيرة من العالم. ففي منتصف الثلاثينيات تقريبا نشرت الصحف الفرنسية خبر حفل تخرج دفعة من الكليات الحربية الفرنسية فأرسل التأثيريون رسالة إلى الحكومة تسخر من الجيش, وطورد بعضهم وهرب من البلاد لبعض الوقت إذ كانت الرسالة تحوي شتائم مقذعة وتعيّرهم بهتلر الذي يبني المانيا النازية بقوة ويعد العدة لاحتلال العالم. لكن ما أن وقعت الحرب واحتل الألمان فرنسا عام 1940 حتى انضم السرياليون الى المقاومة المسلحة مع الشيوعيين. وكذلك فعل الوجوديون الذين يرون الكون كله كذبة ورحلة اغتراب. هنا اتفق الجميع على إنقاذ الوطن. بعد ان انتهت الحرب عاد كل الى مكانه في الحركة الأدبية. وفي تاريخنا العربي أيام الاحتلال تجد الشعراء في كل البلاد يقاومون بشعرهم. ولماذا نذهب بعيدا ففي القضية الفلسطينية لم ينقطع الشعر والشعراء عن المقاومة منذ الثورة الفلسطينية الكبرى في الثلاثينيات من القرن الماضي وحتى الآن. واذا نظرت إلى الروايات فتجد الهم الوطني غالبا عليها إن لم يكن موضوعها الرئيسي. تجد الخلاف فقط في التقنية الفنية والبناء الفني الذي يتجاوز بها المباشرة الى آفاق انسانية رحبة. هذا هو ما يتفاوت من كاتب الى آخر. لكن الهم واحد وإن اختلفت الرؤى والزمان والمكان والشخوص. الكاتب الذي يلحق بالركب الوطني هو نفسه يختلف مع نظام الحكم عند الاستقرار. وقليل من يستطيع الاستمرار في حزب سياسي. ولقد حدث لي مثل ما حدث لكثير من أصدقائي حين انضوينا يوما في السبعينيات تحت راية الاحزاب الشيوعية التس كانت سرية ذلك الوقت. وسرعان ما تركت ذلك مدركا أثره السيئ علي الكتابة التي قد تسرقك الى الخطابة والشعارات. وأثره السيئ على الحياة الشخصية التي يدعوك الحزب الى الانتظام فيها بينما الفنان يغلب عليه النزق والخروج عن المألوف. وهكذا بعد ان كنت احب اليسار صرت أحب الحرية على اتساعها خاصة أني أعرف طبيعتي التي لا تألف الاستقرار. وافضل وقت استقر فيه هو بالليل حين أكتب أو أقرأ وجواري الراديو يبث الموسيقى حتى الصباح. والأحزاب لا تبث الموسيقي طبعا. كذلك الأحزاب تحتاج إلى عمل منظم ومواعيد منضبطة وثقافة أحادية هي في الغالب ثقافة الحزب العامة. وأنا اتنقل بين القراءات والثقافات. ورغم كوني كذلك إلا أني لم اتوقف قط عن كتابة المقالات في الشأن العام. وهذه المقالات لم تكن يوما وقفا على جريدة واحدة. فكتبت تقريبا في كل جرائد الحكومة والمعارضة وأهم الصحف والمجلات العربية على اختلاف النظم السياسية. لم أحب أبدا أن أحسب على جهة ما. فقط هي الآفاق الانسانية ملاذ الكاتب وكعبته. ومن ثم فالادباء والفنانون دائما مع القيم الكبري. الحق والعدل والمساواة, ودائما على خلاف مع مجتمعاتهم لأنه لا يوجد مجتمع يحقق ذلك بالتمام والكمال. وكما قال لي احد الشعراء مرة حتى ولو في الجنة ستجد الادباء والفنانين غير راضين كل الرضا.. ورغم ذلك لم تخل سجون مصر من الأدباء والفنانين على مر العصور.

    أوراق من دفتر فتحاوي - (1) ............ يوم الأرض .. علي عفانة.. وآذار المقصوف
    بقلم: هاني فحص – الحياة
    علي حسن عفانة، من سخنين في الجليل الأعلى، والجليل الأعلى يوازي أو يقابل المنطقة التي أنا منها في جبل عامل، الذي هو جزء من الجليل، أو الجليل جزء منه، أو هما واحد له اسمان الجليل وعاملة.. علي حسن عفانة من يذكره؟ فتى من قرية من قرى لا تلبث اسماؤها أن تغادر ذاكرتنا حتى تعود لتبزغ فيها وتبرعم وتتفتح وتزهر وتنعقد عنباً وتوتاً وخوخاً ورماناً وزيتوناً ودفلى وغاراً وزوفى وميرامية وعدساً وقمحاً وحندقوقاً ودحنوناً ونرجساً وعصاً لراعي الغنم، ساقها الى لون البن أقرب، وعلى مفاصلها أكواب من زهر تختلط فيه زرقة السماء والبحر بالبنفسج، وعطر خفيف يضوع فيطغى على رائحة السكوكع الأبيض المحمر فمه على بسمة غامضة كأنه طفل في قماطه قد أبصر خيال أمه راجعة من حقل الذرة أو الخبيزة أو الشمّام، ريثما يوافيه ثديها وتنهمر الحياة في فمه دافئة كليالي الحصاد، بهية كلون الحنطة وغنية ككوز تين عسلاني في كرم عذي، اصفر مثل الريبوخ، معسِّـل.. وشهي.. علي حسن عفانة الفتى دون الحلم، مع أنه كان يحلم، رأى فيما يرى النائم، أن خالته من بلدة ترشيحا ذهبت الى تربيخا ولم تعد، وقالت له أمه لم يأمن عليها أهل تربيخا، المتاولة، أن تعود الى ترشيحا لأن اليهود الذين سوف يداهمون تربيخا وصلحا وقدس وهونين بعد ساعات، يربطون الطريق ويقتلون كل من يصادفونه خوفاً من افشاء كمينهم.. فأخذوها معهم الى جبل عامل وانقطعت اخبارها، الى أن جاء طارش من هنك بعد عشرة اعوام حاملاً منها رسالة تقول فيها انها تعيش في مخيم البص قرب صور، ولا تكفيها حصتها من الاونروا، من الطحين والزيت والعدس المجروش، فتعمل في بيارة، بستان ليمون، في مواسم القطاف والتعشيب، والحالة مستورة، وأنها اصيبت بالمياه الزرقاء في عينها اليسرى، وسوف تقوم بعملية جراحية عندما يصبح المبلغ الذي توفره وافياً بأجرة الطبيب والمستشفى. وأن هناك طبيباً متواليّاً يعطف عليها ويمكن أن يخفض لها مبلغاً من أجرة يده في الجراحة، وطلبت منا.. تقول أم علي لولدها علي حسن عفانة، أول شهيد في اول يوم للأرض احيته أرض فلسطين بما ومن عليها في أواسط السبعينيات، تقول لولدها طلبت منا، أي خالته طلبت من أمه في تلك الرسالة، أن ترسل لها صورة منزلها في ترشيحا مع صورة الدندانة بما فيها من شجرة توت ورمانة حامضة وتينة شتوية من تين حلب زرعها المرحوم زوجها بيده قبل أن تدهسه سيارة الكومسيير الانكليزي، ليموت من دون ولد يخلفه أو بنت، وتبقى هي وفيه له من دون زواج حريصة على البيت والأرض التي داومت على زراعتها بالنوع الذي يحبه من الحنطة (أي الحوراني)، وظلت تغتنم الفرصة لتعمل بوصيته في اعداد الفريكية لبيعها في سوق حيفا.. ولم يكن علي حسن عفانة، الشهيد الذي لم يبلغ الحلم، وكان يحلم بأن يرى خالته، يصغي لكل هذه التفاصيل، لأن كلمة في القصة استوقفته فوقف عندها وقال لأمه: متوالي يعني ماذا؟ وقبل أن تجيبه داهمهما صوت المؤذن ينادي قبل آذان المغرب: يا سامعين الصوت صلـّوا عالنبي، أولكم محمد وتاليكم علي، وثالثكم فاطمة بنت النبي. جدي معزى ضايع اسود اصبح، وصاحبو ابو احمد من قرية فسوطة، واللي بيلاقيه يودّيه لمختار فسوطة جريس الخوري والو حلوانة كيلو حلاوة.
    وقال علي لأمه قولي لي ماذا يعني متوالي؟ ابتلعت ريقها وقالت: أه لو كان ابوك حياً لقال لك، لأنه كان يشتغل مع المتاولة في ميناء حيفا قبل النكبة.. قال: يعني المتاولة فلسطينية؟ قالت: لا عرب، قال: ونحن عرب، يعني مثلهم قالت: لا أنهم مختلفون، قال بماذا؟ قالت: لا أدري، قال: وأين يسكنون؟ قالت: هناك شمال، في لبنان التابع لبيروت وما عندهم يهود.. وكان يوجد منهم كثير قربنا هنا في قرى الجليل، هربوا بعد مذبحة عملها اليهود في قراهم (صلحا وطربيخا وقَدَس وسمخ وهونين..الخ)، خافوا وهربوا وهربت معهم خالتك، كانت ذهبت لتشتري ثورا للفلاحة من متاولي في صلحة وأخذوها معهم.
    قال علي: يعني المتاولة دينهم من ديننا؟ قالت لا أدري ولا أعرف الفرق بين الأديان، سوى أن المسيحي يصلي في الكنيسة والمسلم يصلي في الجامع.
    ونام علي.. شدّ على وجهه طرف البطانية وثنى ساقيه حتى لا يخرجا من تحتها، وآذار آخر البرد ليلاً وأول الدفء نهاراً، ولا بد من الحذر، وفي اخريات يقظته وعد نفسه برحلة صباحية في الغد، لأنه يوم عطلة، الى حقل اللوز، وقرر أن يمضي اليه سراً حتى لا تبتسم والدته عند عودته وتسأله: ها. رأيتها؟ بنت أبو الياس تذهب لقطاف البازلاء في الحقل المجاور، وتحدثه عن اعمامها في تل الزعتر، ويسألها ان كان في تل الزعتر متاولة فتستغرب السؤال، وتعقب والدته أمام مراوغته واحمرار وجهه، ولكنها مسيحية لا يعطونها لك.. ويرد بعصبية.. يما ومن قال أني أريد أن اتزوجها؟ ممنوع الصداقة في هذه الضيعة! لا يا حبيبي.. صادق وأحب الناس بصرف النظر عن النتائج.. لازم نحب بعضنا بعضاً. يكفينا أن هناك من يكرهنا جميعاً. الله يلعنهم.. يريدون أن يسرقوا مني الجل التحتاني من المغراقة.. هذه الأرض التي كان يحبها أبوك لخصبها، لأنها على مجرى مياه النبع الأزرق.. أه الأزرق.. خنقوه، حفروا بئراً ارتوازية في موازاته فغاضت مياهه. وقال لي أبوك: اذا مت قبلك يا أم علي فادفنوني فيها، في الجل الوسطاني، ثم تراجع وقال: لا في المقبرة قرب أهلي وبين الشهداء الذين سقطوا في معركة القسطل وفي جنين، والمغراقة تبقى للاولاد من دون أن يزعجهم القبر..مات ابوك في المغراقة لانه ذهب اليها باكراً وقبل انتشار نور الفجر، لأنه لم يكن يطيق صبراً على البعد عنها. وكان اليهود ينصبون كمينا للفدائيين فقتلوه فيها.. ونام. نام علي.. ورأى فيما يرى النائم بيوتاً من حديد متراصة كأنها عربات قطار، ورأى رجالاً ونساء واطفالاً من الكونكريت المسلح، اذا تكلموا أو تحركوا صدرت عنهم أصوات مرعبة. وما لبث الجميع أن اجتمعوا من كل البيوت حول مائدة من عظام عليها كتل من التراب وأكوام من ورق التوت والتين وأغصان الزيتون والدحنون والورد، وأخذوا يلفون التراب الأبيض والأحمر بأوراق التين والتوت ويضعونها في بطونهم مباشرة ويدسون وراءها الزهور والورود وأغصان الزيتون ويتجشأون فترتج الأرض من حولهم.
    لاحظت أم علي أن علي غارق في كابوس فسمت عليه وهزته وقالت له: الله وعلي معك يا علي، مالك؟، جلس في فراشه مرعوباً ووعدها بأن يقص عليها منامه غداً.. فانتبهت الى أمرها قالت: غداً لا ذهاب الى حقل اللوز ولا رؤية للعزيزة ميلا بنت أبو الياس صاحب الطاحونة، لأن غداً هو موعد يوم الأرض، والكل سوف يتجمعون في الساحة من أجل الأرض. وفي الغد تحرك الناس في ساحات فسوطة وترشيحا والمنصورية ومعلية واقرت وكفر برعم وسائر الجليل الأعلى والأدنى والأوسط. وصولاً الى النقب، اخرجت الأرض اثقالها وقال الانسان ما لها تحدث يومئذ اخبارها بأن ربك اوحى لها، ومات علي حسن عفانة برصاصة غادرة عن ثلاثة عشر عاماً وعشرين متراً. وأسر رفيقه الى أمه أنه اخبره بأنه بلغ الحلم منذ أشهر، فنظرت أمه بحسرة الى ميلاء التي كانت تحبه كما تحب شجرات البيارة.. نادتها. قالت لها: اجلسي الى جانبي ليبرد قلبي. بعد خمسة وعشرين عاماً. في آواخر شهر أيار من عام 2000 ذهبت العجوز أم علي عفانة الى مقبرة الضيعة في سخنين وضعت على قبر ولدها علي باقة اقحوان وقالت له: يا علي.. قم لأحدثك عن المتاولة.. الآن اصبحت اعرفهم تماماً، مثلنا. يا علي انفتحت طرق السماء بالمقاومة والانتفاضة بين جبل عامل والجليل وغزة والقدس.. يا علي ليتك ترى ما نحن فيه من شهادة وشهداء.. يا علي أنت معنا.. لأن الأرض معنا. والله زمان يا حبيبي على اللوز والشومر، والله زمان على عش الحسون، وعلى رائحة التراب الموشى بمنثور الزهور، والفائح رائحة وعد وخصب في انتظار شتلات الموسم الصيفي، بندورة وفليفلة وقرع.



    بلاغة "قُطبية" تـدعـم الـسـيـسي
    بقلم: عدلي صادق – الحياة
    في مفارقات السياسة والتاريخ المصري المعاصر، هناك بعض ما يدعو الى التأمل طويلاً. فالمرحوم سيّد قطب، وهو بالنسبة للحركة الإسلامية العربية، أيقونة الثقافة السياسية المنبثقة عن شروحات الدين، وتمثل كتاباته استطالة تأويلية لفكر أبو الحسن الندوي ولفكرة "الجاهلية" ولوصف ما رآه "وثنية" معاصرة؛ كان لقلمه صولات وجولات في مساندة حركة الجيش في العام 1952 التي استحالت ثورة اجتماعية وطنية وقومية. فقد كان الرجل هو الأبلغ، في رسم صورة نورانية لموقف القوات المسلحة المصرية، وهو الذي كان يشجع على أن يؤخذ الناس بالجملة وبالشدة، وهو القائل "أن نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين، خيرٌ من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت. فلنضرب بقوة..ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبور ويُهيل التراب"!
    هو نفسه، أيضاً، الذي دعا صراحة الى تجاوز الدستور، وقال "ينبغي ألا نبحث عن سندٍ في دستور انتهى أمره، بل أن نبحث في منطق الحوادث، بغض النظر عما إذا كان الدستور يُقرّه أو لا يُقرّه". فـ "المُثل التي تعبر عنها ثورة الجيش في هذه الأيام، مثال نادر في تاريخ البشرية كلها، لم يقع مثلها إلا في مطالع النبوّات"!
    ولمن ينتقدون اضطلاع العسكر بالتعبير عن آمال الجماهير، كتب سيّد قطب يحض الضباط الأحرار على عدم الاستماع لمطالب من سماهم مستهترين بمصير الوطن، بأن يعودوا الى الثكنات، وهو أحد اثنين كان لهم السبق في وصف حركة الجيش في العام 1952 بأنها "ثورة". وعلى افتراض أن الضباط كانوا يميلون الى تلبية مطلب الداعين الى عودتهم الى ثكناتهم؛ كتب سيد قطب:"باسم الملايين التي لن تقبل عودتكم الى الثكنات، نقول لكم إن مهمتكم لم تنته بعد، لأن واجبكم قد بدأ وعليكم أن تكملوه" واستطرد مخاطباً اللواء محمد نجيب:"دعك يا سيدي من تلك الخدعة التي يطنطن بها رجال السياسة ليفرقوا بها وثبتكم المباركة.. إن الرجعية اليوم تتستر وراء الدستور، وتتشبث بهذه الخديعة لكي تعيش"!
    كُتّاب كثيرون، ومنهم "إخوان" عللوا بعد ذلك انقلاب سيد قطب فيما بعد، على "الثورة" كما وصفها، وعلى الضباط الذين خلع عليهم كل صفات البطولة والوطنية والشرف؛ بأنه توقع مكافأته بتعيينه وزيراً للتعليم ("المعارف" في تسمية تلك الأيام) لكنه أحبط عندما اكتشف أن سقفه وكيل وليس وزيراً. ولم يأت هذا التعليل من قبل خصومه الشيوعيين، وإنما من القطب الإخواني المرحوم الشيخ محمد الغزالي. وربما يكون منحاه الفكري وآراؤه التكفيرية التي انتقدها القرضاوي نفسه، هي سبب إنزال السقف من وزير الى وكيل. فقد أهدى سيد قطب مقالة الى وزير الدولة الوطني المخضرم، المكلف بالإعلام وقتها "فتحي رضوان وضباط القيادة" (والإهداء، في العادة يكون لكتاب وليس لمقالة، حسب ما لاحظ كثيرون أيامها) قال فيها "الأصوات الدنسة التي تنثر على الشعب رجيعها خلال ربع قرن من الزمان، هي ذاتها التي ما زالت تصبها الإذاعة صبّاً على هذا الشعب، وتُكثر من عرض أشرطتها المسجلة بحجة أن الجماهير تحب أصوات أم كلثوم وعبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش وليلى مراد ورجاء عبده وشهرزاد وأمثالهم..فلا بد أن تخرس هذه الأصوات". وأضاف يطلب تكريس الوصاية على أذواق الناس قائلاً: "واجب الثورة يحتم عليها أن تفعله، مهما يكن فيه من اعتداء على حريات الأفراد.. واجبها أن تحمي الناس من أنفسهم أحياناً كما تحميهم من المخدرات. فالمخدرات لا يمكن أن تفسد ضمير الشعب وأن تفتت تماسكه، كما يفسده فيلم واحد أو أغنية واحدة من أغنيات هذا الطابور".
    سيسي، أو سيسيو تلك الأيام، تحسسوا السم في دسم التأييد الصارخ من سيد قطب لهم. يحرضهم على القتل، وعلى أخذ الناس بالشدة، وعلى التدخل في أذواقهم وفي فنونهم. لذا كان طبيعياً أن يصرفوا النظر عن وعد هامس من أحدهم له بنيل حقيبة "المعارف"!
    المفارقة، أن الرجل الذي اعطى رأيا غامرَ التأييد، في حركة جيش كان هو أول من سماها "ثورة" وهي لم يسبقها ملايين خرجت الى الشوارع، مثلما حدث في 30 حزيران (يونيو) 2013 أخذ هو نفسه بالشدة مرتين، واحدة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر وحوكم على مقالات كتبها فيما بعد اعتبرتها الدولة تحريضية، بالسجن 15 سنة أمضى منها عشر سنين وخرج بعفو صحي، والثانية عندما حوكم بالإعدام، لترؤسه تنظيما شبابياً للاغتيالات بعد سنة من خروجه في العام 1964 وانتظر شحنة سلاح لم تصل من السودان. كان الحكم خطأً سياسياً كبيراً، جعل سيد قطب شهيداً ورمزا. فقد تأثر جمال عبد الناصر بطعنة سيد قطب له، وهو الذي سمح بنشر كتابه "معالم في الطريق" رغم رفض مؤسسات الدولة نشر الكتاب، وسمح له أن يكتب وهو في السجن وينشر ويسوّق كتبه، ثم تدخل الرئيس القومي في العراق عبد السلام عارف للإفراج عنه. وفي المرة الثانية، تدخل "إخوان" سوريا للعفو والإفراج عنه، ووسطوا الرئيس الراحل هواري بومدين ليطلب العفو عنه من جمال عبد الناصر، فأصرّ الأخير على تنفيذ الحكم بعد أيام قليلة من النطق به، في خطأ سياسي فادح، بصرف النظر عن ملابساته وأسبابه!
    لكن حبر القلم، الذي كتب به يشرح ضرورة قيام الجيش بمسؤوليته الوطنية، ويبرر ما يسمى التجاوز الدستوري؛ ما زال يرسم بكلمات لا تُمحى، موقفاً يمكن استعادته بالنقطة والفاصلة، في تعليل خطوة القوات المسلحة المصرية لإنقاذ البلاد، من مرارات نزاع أهلي مفتوح، لو ظل "الإخوان" يحكمون!

    المستوطنات قنابل موقوتة
    بقلم: بهاء رحال – الحياة
    يتحركون تحت غطاء مباشر من جيش الاحتلال وحراسة مشددة من الجنود الذين يعملون على توفير الحماية للمستوطنين المدججين بالسلاح اثناء تنفيذهم للاعتداءات الوحشية المستمرة في الأراضي الفلسطينية، تلك الاعتداءات التي لم تتوقف يوماً ولم تنقطع وهي تستهدف كل شيء، الإنسان الفلسطيني والأرض الفلسطينية وما عليها من شجر وحجر وتراث تاريخي وديني وحضاري وحتى دور العبادة والكنائس والمساجد لم تسلم من هذه الاعتداءات العنصرية الفاشية المنظمة، والسبب هو تلك العقيدة التي يستمد منها هؤلاء المستوطنون افكارهم العنصرية المؤمنة بالقتل والإرهاب والتي تتمثل في العداء المباشر الراسخ في عقولهم دون أن يجدوا أي رادع بل إن حكومة المتطرفين وعلى رأسها نتنياهو تشيد بهم وتمنحهم كل ما يحتاجونه من وسائل وضمانات حماية لتنفيذ مخططاتهم الاجرامية بشتى الطرق والوسائل وبطريقة ممنهجة لها أهدافها الواضحة والتي لا تخفى على أحد، وعلى هذا الشكل يستمر المستوطنون في تنفيذ اعتداءاتهم وعملياتهم الاجرامية التي لا تتوقف بل انها تتصاعد بشكل منظم وبشتى الطرق والوسائل، ففي كل يوم يستهدف المستوطنون شيئاً ما في مختلف المحافظات وحيث يتواجدون ويتحصنون بحماية من جنود جيش الاحتلال. فمرة يستهدفون الأشجار والثمار والمزارع والبيوت والمواطنين ومرة يستهدفون المقابر والمساجد والكنائس وبيوت العبادة ومرة ثالثة يستهدفون التراث والآثار والمدارس وفق سياسة متفق عليها وممنهجة ومنظمة وبتعليمات من حكومة الاحتلال وتوجيهات مباشرة منها وعلى مرأى ومسمع من العالم الذي يشاهد تلك الإعتداءات اليومية ذات الشكل العنصري المتطرف والفكرة القائمة على الإرهاب دون أن يحرك ساكناً وكعادته يقف صامتاً أمام هذه الاعتداءات المتكررة والتي تنتهك كل الحقوق والقوانين والمواثيق الدولية.
    المستوطنون أعداء الحياة والإنسانية وأصحاب عقيدة الإرهاب يتمادون في تعدياتهم ويتحصنون في مستوطناتهم ويحتمون بجيش دولة الاحتلال وهم مدججون بالسلاح حيث يتحصنون في داخل مستوطنات اقيمت على اراض فلسطينية تم سلبها وسرقتها بالقوة وتمت مصادرتها دون وجه حق، وهي تحيط بكل المدن والمحافظات الفلسطينية وتطوقها من كل الجهات، فإلى متى سيبقى هؤلاء المستوطنون جاثمين فوق ارضنا والى متى ستبقى فاشيتهم دون حساب.


    خـــبــز الـطـابــون
    بقلم: د. أسامة الفرا – الحياة
    الزمن الجميل هذا ما نصف به الماضي، نستحضر صورة قديمة منه أو حكاية لنطيل الغزل فيها، ونمسح الغبار عنها بآهات نتحسر بها على ما فات، أليس الحاضر هو همزة الوصل بين الماضي والمستقبل؟، وان فقد الحاضر الكثير من جمال الماضي، فهل يقود ذلك لتخلي المستقبل على ما تبقى من أطلاله؟، هل حقاً الماضي بمثل هذه النضارة التي نتغنى بها فيما الحاضر فقد جماله وهيبته؟، أم أن مقاييس الجمال لدينا اليوم تقتصر على الظاهر دون الباطن؟ وهذا يدفعنا للتنقيب في الماضي عن الجوهر الذي ينكمش في الحاضر.
    عادة ما نتخذ التطور العمراني مقياساً رئيسياً، وأحيانا وحيداً، في تقييم تطور الأمم والشعوب، والتطور العمراني الذي نعنيه لا يتعلق بعلم العمران بجوانبه المختلفة الذي تناوله ابن خلدون في مقدمته في القرن الرابع عشر الميلادي، والذي بات يعرف اليوم بعلم الاجتماع، فيما التطور العمراني الذي نقصده هنا يتعلق بالتطور في المنشآت والمباني الخرسانية وادوات الحياة، بمعنى أننا نرصد تطور الجماد دون أن نرصد ما رافقه من تغيير في سلوك المجتمعات، فما تلتقطه عقولنا يقتصر عما تمددت بها المدن طولاً وعرضاً، وما صوره العقل الباطني من تطاول في البنيان وقدرة هندسية في التصميم وابداع في تقنية الاتصالات، حتى وان أخذت شكل مساحيق التجميل لسيدة تبحث عن اخفاء علامات الزمن أكثر مما يعنيها رؤيتها ودورها في المجتمع الذي تعيش فيه.
    مؤكد أن التطور في المنشآت والمباني رافق الانسان منذ تحوله من حياة البداوة الى الحياة الحضرية، والمؤكد ايضاً أن هذا التطور رافقه تغيير في سلوك ونمط حياة المجتمعات، ولكن ليس بالضرورة أن هذه المجتمعات سارت نحو التطور والرقي بنفس وتيرة تطور مبانيها ومنشآتها، ما يهمنا بالمقام الأول ما لحق بالانسان من تطور في ثقافته ومنهجيته في الحياة، وأعتقد أن هذا هو لب التطور العمراني الذي تحدث عنه ابن خلدون، وهو في الوقت ذاته ما يجب أن يسترعي انتباهنا.
    لا شك أن اليوم يختلف عن الأمس، وما وصل اليه العلم من ابتكار من المفترض أن يجعل الحياة أكثر سهولة، لكنها باتت معه أكثر تعقيداً، وطغت بماديتها على مفردات السلوك البشري، فهل حقاً الحياة أجمل دون تلفاز وانترنت وهاتف نقال؟، وهل هي أروع دون ثلاجة وغسالة وميكروويف؟، وهل هي أكثر رومانسية دون كهرباء؟، وهل الخيمة احن على قاطنيها من المنازل الحجرية؟، وهل ضجيج السيارات الذي غيب الهدوء أفقدها منزلتها في التغلب على عناء السفر؟، لماذا يحن درويش الى خبز امه وقهوتها؟، ولماذا نتوق الى كأس من الشاي على النار ونحن نطوق الحطب المشتعل؟.
    الحقيقة أننا نبحث في صور الماضي الجميل عن قيم تاهت مع تطور الحياة، لم يعد التواصل البشري يحمل الروح التي كانت بالماضي، توسعت ادواته في عصرنا وقربت البعيد وجعلت من هذا الكون كوخاً في قرية، الا أنها افقدت النفس البشرية الكثير من مكوناتها وحولتها الى آلة تخلت معها عن أحاسيسها ومشاعرها، مؤكد أننا لا نعشق خبز الطابون، والدليل أننا لم نجده في الطابون الذي جيء به عنوة الى الأماكن السياحية، بل نجد قيمنا في خيمة الطابون ونحن نلتف حول عمودها «الأم» وهي توزع علينا مشاعر لا تقوى على نقلها الينا أدوات تواصل العصر الحديث.
    الصورة الصماء من الماضي ليست اجمل من مثيلتها في الحاضر، لكنها بالمؤكد أجمل وأنقى في جوهرها وبما تحمله من حب وتكاتف وتعاضد، نخطئ ان اعتقدنا أن تطور الأمم مرتبط بتطور الجماد فيها، بل المقياس الحقيقي لتطورها يرتبط بتطور السلوك البشري، ولعله هو الفارق الذي نبحث عنه في الماضي ونفتقده في الحاضر.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. المقالات في الصحف المحلية 270
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2014-12-18, 11:30 AM
  2. المقالات في الصحف المحلية 245
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2014-12-18, 11:12 AM
  3. المقالات في الصحف المحلية 244
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2014-12-18, 11:11 AM
  4. المقالات في الصحف المحلية 243
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2014-12-18, 11:07 AM
  5. المقالات في الصحف المحلية 242
    بواسطة Haneen في المنتدى الصحافة المحلية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2014-12-18, 11:06 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •