أقلام وآراء ( 703 )

جولة في إعلام عمليّة التّبادل المركز الفلسطيني للإعلام،، ، صلاح حميدة

المقاومة الشعبية بين الواقع والممكن(2/5) المركز الفلسطيني للاعلام ،،، سري سمور

ربيعُ الإسلام والعَرَب يفرض على الاحتلال ....! المركز الفلسطيني للإعلام،،، د. يونس الأسطل

من يحرر الأسـرى ومن يعتقلهم؟! المركزا الفلسطيني للإعلام،،، ياسر الزعاترة

في مواجهة بديهيات الخطر الإسرائيلي المركز الفلسطيني للإعلام،، بلال الحسن

جولة في إعلام عمليّة التّبادل

المركز الفلسطيني للإعلام،، ، صلاح حميدة

دور الإعلام في تغطية أخبار مرحلتي عمليّة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينيّة ودولة الاحتلال كان لافتاً، ويستحقّ المزيد من الدّراسة والتّحليل، ولذلك لا بدّ من قراءة وتصنيف وسائل الإعلام وأدائها في تناول هذا الموضوع.

إعلام الاحتلال اعتبر أنّ هذه العمليّة كانت شرّاً لا بدّ منه وأنّ هذه كانت الفرصة الأخيرة لإطلاق شاليط على قيد الحياة خوفاً من أن يلاقي مصير رون أراد، وعمل على حصر ارتدادات تلك العمليّة على المجتمع إلاسرائيلي إلى أدنى درجاتها، وإظهار الاحتلال وكأنّه حقّق إنجازاً بدلاً من إظهار تراجعه أمام إصرار المقاومة وقدرتها، في حين اعتبر غالبيّة الكتّاب والسّاسة والمحلّلين السّياسيين في دولة الاحتلال أنّ هذه العمليّة تعتبر إنجازاً كبيراً للمقاومة الفلسطينيّة، معترفين بعجز دولتهم عن منع أسر الجندي، فعدم قدرة على معرفة مكان الأسير، وانتهاءً بعدم القدرة على تحريره بدون ثمن حرّيّة أكثر من ألف أسيرة و أسير فلسطيني.

إعلام حركة " حماس" تعامل مع مع عمليّة التّبادل بجدّيّة كبيرة واعتبر هذه العمليّة إنجازاً وطنياً كبيراً، واستضاف الكثير من الأسرى وعائلاتهم وأظهر حجم الفرحة الغامرة التي غمرت قلوب أهاليهم والمتعاطفين معهم، كما بيّن دور المقاومة في كسر معايير الاحتلال في الإفراج عن الأسرى عبر قاعدة " الأيادي الملطّخة بدماء اليهود" بالإضافة إلى تجنّب الإفراج عن أسرى حركتي " حماس" والجهاد الإسلامي في كل عمليّات الإفراج عن الأسرى منذ أوسلو وقصرها على أطراف معيّنة من الطّيف الفلسطيني، وعمل إعلام "حماس" على استضافة الكثير من المحلّلين السّياسيين الّذين أشادوا بقدرة "حماس" على الإفراج عن هذا العدد من المحكومين مدى الحياة من كافّة الفصائل الفلسطينيّة.

الإعلام الفضائي العربي قام بتغطية الحدث بمساحة أقل من المتوقّع، وهذا يعود لانشغال هذا الإعلام بتغطية ثورات العرب، بالإضافة إلى أنّ تغطية هذا الموضوع كانت تخضع لسياسات التّحرير لتلك القنوات وميول بعض المراسلين السّياسيّة، فقد عملت بعض تلك القنوات أو مراسليها على البحث عن نقائص وعيوب وانتقادات لعمليّة التّبادل واستضافة محلّلين معروف حرصهم على مناكفة المقاومة الفلسطينيّة وكانوا ضدّ عمليّة أسر الجندي من أساسها، ومنح هؤلاء مساحة مميّزة من التّغطية الإعلاميّة، بالإضافة لتطعيم التّغطية الإعلاميّة بمآسي عائلات أسرى لم يطلق سراحهم بطريقة تعمل على تفريغ منجزات العمليّة في عيون المشاهدين.

الإعلام الفلسطيني انقسم بدوره حسب السّياسة التّحريريّة والميول السّياسيّة للأطراف التي تديره، فقد قامت الوسائل الإعلاميّة الّتي تجمع أصحابها مع حركة "حماس" في الكثير من المواقف السّياسيّة بالإشادة بالعمليّة ولكنّها كانت في بعض الأحيان تكيل لها بعض النّقد المبطّن أو الصّريح.

طيف آخر من الإعلام قام بتغطية الحدث بعدّة طرق، ففي الوقت الّذي لا يمكن إغفال أهمّيّة حدث كهذا وأثره على السّاحة الفلسطينيّة، قام هذا الطّيف من الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع بتغطية الحدث ولكن بطريقة أخرى، ففي جزء منه أظهر القليل من إيجابيّات العمليّة، وفي الشّق الأغلب عمل كل ما يستطيع للانتقاص منها وتبهيتها، فقد تمّ التّركيز على معاناة وخيبة أمل أهالي الأسرى الّذين لم يتمّ إطلاق سراحهم، وتمّ إفساح مجال كبير لمن ينتقدون المقاومة الفلسطينيّة ويهاجمونها على خلفيّة عدم شمل العمليّة لأبنائهم وأقاربهم، فيما تمّ تجاهل موقف من أشادوا بالعمليّة حتّى ولو استثنت أبناءهم، وفي أفضل الأحوال تم إفساح حيّز قليل جداً لهم، كما تمّ اتهام المقاومة بقلّة الخبرة في التّفاوض والجهل بالأسماء والأرقام والحالات بالإضافة إلى اتهامها بأنّ هذه العمليّة فئويّة وشملت في أغلبها من عناصرها، مع أنّ هذا ادّعاء غير صحيح لكون العمليّة شملت عدداً كبيراً من الأسرى من كافّة التنظيمات، بل إنّ المرحلة الثّانية لم تشمل أسرى من حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي، ولم يثر هذا استياء المقاومة ولا جمهورها، بل إنّ الكثير من جمهورها وقياديّيها وإعلامها أشاد بالحدث وأعربوا عن سعادتهم لرؤية الفرحة ترتسم على وجوه إخوتهم في الوطن، مثلما كانوا يفرحون لكل من أطلق سراحه في كل عمليّات الإفراج عن الأسرى السّابقة التي كانت تستثنيهم، المتابع لهذا الأداء الإعلامي يصل إلى خلاصة بأنّ نتاج هذا النّوع من التّغطية يهدف إلى إثارة الحنق ضدّ من عمل وأنجز عمليّة أطلاق سراح الأسرى، بدلاً من أن يشكر لدوره في كسر قيد هؤلاء وإدخال الفرحة إلى أكثر من ألف بيت فلسطيني.

من الواضح أنّ مفاوضات عمليّة التّبادل كانت صعبة وشاقّة كما قال المحرّر حسن سلمة لقناة "الجزيرة" الفضائيّة، مبيّناً أنّ التّفاوض على إطلاق المحرّر نائل البرغوثي استغرق ثلاث سنوات، معتبراً أنّ ما تمّ كان أفضل المتاح نتاج خمس سنوات من المفاوضات لتحرير أكثر من ألف أسير مقابل جندي واحد، بل ذهب الكثير من المراقبين إلى اعتبار عمليّة التّبادل بشقّيها أفضل من الكثير من العمليّات حتّى تلك التي تمّت بين الاحتلال والمقاومة اللبنانيّة، من ناحية العدد والنّوع، ولذلك فقد (أنجزت حركة " حماس " إطلاق سراح المئات من الأسرى بينهم الكثير من المحكومين مدى الحياة، والإفراج عمّن بقي من الأسرى في السّجون مسؤوليّة الجميع، ومن لا يعجبه ما قامت به "حماس" فليحرّر هو من بقي من السّجون، وهيّ الميدان يا حميدان) كما قال قيادي كبير في الحركة.

فإطلاق سراح كافّة الأسرى مقابل أسير واحد لم يكن ممكناً منذ البداية، وكان معروفاً سلفاً أنّ هناك من لا يمكن إطلاق سراحه في هذه العمليّة، كما بقي الكثير من رموز وقيادات "حماس" وعناصرها في السّجون، وقد كان بإمكان "حماس" أن تحرّر أسراها فقط في العمليّة كما قال أحد مسؤوليي التّفاوض في هذا الملف، لأنّ الاحتلال اقترح على "حماس" عبر الوسيط الألماني منذ البداية أن تتم العمليّة بأسرى من "حماس " فقط، ولكنّه قوبل برفض جازم .

المفكّر الفلسطيني عبد الستّار قاسم اعتبر أنّ من يهاجمون عمليّة التّبادل وينتقصون منها يفعلون ذلك من باب المناكفة فقط، قائلاً أنّه ( لو قامت "حماس" بإطلاق سراح كافّة الأسرى في العمليّة لانتقدها هؤلاء معتبرين أنّها لم تتفاوض على إطلاق سراح من لم يعتقل في المستقبل أيضاً) معتبراً أنّ هذه العمليّة حقّقت أفضل ما يمكن وطنيّاً، وتعتبر إنجازاً يضاف إلى إنجازات المقاومة الفلسطينية.

في الوقت الّذي كانت بعض وسائل الاعلام تسلّط الضّوء على ما تعتبرها نقائص العمليّة، كانت تحرص أحياناً على نسب أيّ إنجاز لأطراف أخرى غير حركة " حماس" فالشّكر والتّبجيل والإحترام يذهب لدور المخابرات المصريّة، ويتمّ تهنئتها على ( إنجازها)؟! وعندما يتمّ الحديث عن خبر موعد أو قائمة أسماء فينسب المصدر إلى أطراف لا علاقة لها بالعمليّة مطلقاً، أمّا الّلوم والتّقريع فلمن قدّم تضحيات هائلة كي يتنسّم أكثر من ألف أسير عبير الحرّيّة؟!.

من الممكن أن يطول الحديث كثيراً عن تفصيلات شقّي مشهد التّغطية الإعلاميّة لعمليّة التّبادل بمرحلتيها، ولكنّ أهمّ تغطية لها هو إعلام الواقع بالعين المجرّدة والأذن البشريّة والأحاسيس الإنسانيّة والمشاعر الوطنيّة الّتي سيجدها ويلاحظها المتابع ترتسم على وجوه عائلات المحرّرين والمحرّرين أنفسهم من مقابر الأحياء، هذا هو المشهد الّذي لا يمكن أن يخضع للمونتاج والانتقائيّة والمناكفة الحزبيّة أو لميول المراسل أو توجّهات غرفة التّحرير، وهو ما ينفع النّاس بتحقّقه على الأرض.

المقاومة الشعبية بين الواقع والممكن(2/5)

المركز الفلسطيني للاعلام ،،، سري سمور

التعاطي الجماهيري -العربي والإسلامي- مع الفلسطيني الإنسان وقضيته كان عائـقا أو عامل تأجيل لنقد المسيرة؛ فغالبية الجماهير تتعاطف مع الفلسطيني، ولفلسطين مكانة خاصة في قلبها ووجدانها، مما جعلها تضع الفلسطيني في قالب أسطوري مفرط في مثاليته، وظهر هذا في الآداب والفنون والتعبيرات العفوية للناس التي شاهدنا شيئا منها عبر الشاشات ولمسها العديد ممن يسافرون إلى بلاد إخوتهم أو حتى في رحلات العمرة أو الحج إلى بيت الله الحرام، وهذا الحب والعشق كان في إحدى جوانبه قيدا منعنا من نـقد ذاتنا؛ إما للحفاظ على «العشاق» وعدم إحباطهم، أو لأننا لربما صدّقنا أننا قوم لا يأتـينا الباطل من بين أيدينا ولا من خلفنا!

و أصبح للفلسطيني صورة نمطية جاهزة في الوعي الجماهيري العربي؛ فحين يردد الشقيق العربي:«كلنا محمد الدّرة» وتتلى ملاحم شعرية، وتعزف ألحان لأغان لها أوّل ما له آخر عن طفل الحجارة، ولاحقا عن حامل الحزام الناسف، والرغبة العاطفية بإبقاء الفلسطيني ضمن هذه القوالب دون أن تمتد له يد تساعده أو تحميه، بحجة العجز بسبب إجراءات النظم، أو الحساب الخاطئ بأن ذرف الدموع ونظم القصائد والأشعار وبعض التبرعات المادية والعينية تـفي الفلسطيني حقه عند شقيقه العربي والمسلم...ويا دار ما دخلك شر!

هذه النظرة التي تضع الفلسطيني في مصاف أبطال الأساطير القديمة وتخرجه من إطار الإنسان الذي يصيب ويخطئ، وتوحي بأنه منزّه عن كل نـقص فُطر عليه البشر، ومبرّؤ من كل عيب يعتري أي فرد من كل شعب، تـقابلها نظرة متطرفة عكسية ترى بأن الفلسطيني إنسان انتهازي باع أرضه لليهود وهو عالة على إخوته العرب، والفلسطيني يقاتل ابن شعبه من أجل أمور تافهة، وهو حيثما حل جلب معه الخراب والدمار، ومقاومة الفلسطيني للاحتلال لا طائل منها وهي كذب أو تجلب له ولأخوته العرب الدمار والبوار!وهذه النظرة المجحفة المتطرفة لا تـقتصر على بعض العوام، لأن هناك كتبة تـفرد أمامهم صفحات الجرائد وتستقبلهم استوديوهات الفضائيات يتبنون مثل هذه النظرة الظالمة للفلسطيني، وأخص منهم –دون ذكر أي اسم- صحافيين برزوا في عهد نظام حسني مبارك.

وأمام هذه وتلك اضطر الفلسطيني لتأجيل أو تناسي نـقد ذاته، لأنه يريد أن يحافظ على صورته المشرقة أمام الفئة الأولى، ولا يريد أن يشمت به الفئة الثانية التي تحب الاصطياد في الماء العكر.

والآن وبعد الثورات العربية، وفي ظل وجود وسائل اتصالات وإعلام متطور ينبغي على الفلسطيني أن يحرص على عرض صورة فيها نوع من الواقعية و التوازن أمام شقيقيه العربي والمسلم؛ فالفلسطيني مرابط صامد صابر في فلسطين، أو شرّد منها بقوة السلاح، و دعمه واجب شرعي وقومي، و صمود الفلسطيني هو الذي حال دون تمدد المشروع الصهيوني، ويجب اعتبار الفلسطيني رأس حربة في مواجهة السرطان القاتل، وهذا هو بيت القصيد فيما يجب أن ترانا به عين الشقيق العربي والمسلم؛ فلا يجوز أن تغلق الأبواب في وجه الفلسطيني، ولا يجوز أن يعامل الفلسطيني في المعابر والمطارات بازدراء واتهام حتى يثبت براءته، ولا يجوز -بل عيب- أن تفتح البرازيل أبوابها أمام اللاجئ الفلسطيني ويغلق دونه باب بلاد العرب الواسعة، وجريمة أن يذبح اللاجئ الفلسطيني في العراق، ومنع اللاجئ الفلسطيني من العمل في عشرات المهن في لبنان أمر يندى له الجبين....والقائمة الطويلة للمظالم التي دقت ساعة تمزيقها من أحرار العرب، مثلما وُجد في مكة من أراد أن يمزّق صحيفة المقاطعة التي أكلتها الأردة، بعد سنوات ثلاث، فكيف بعشرات السنين؟!

أما إذا كان ثمة إساءات في الماضي أو الحاضر أو المستقبل من بعض الفلسطينيين فهي حالات فردية بالتأكيد، ولا ينبغي تعميمها، وأمام الحسنات الكثيرة يفترض أن تذهب بعض السيئات غير المقصودة، وقد تكشّف عن أن بعض أجهزة الأنظمة المخابراتية هي التي سعت لتشويه الفلسطيني أمام شقيقه العرب، وإلى تضخيم بعض الأخطاء الفردية والإيحاء بأنها صفات راسخة فيه!

ولا أرجع عدم نقدنا لذاتنا أو لثوراتنا وانتفاضاتنا فقط لهذا السبب(نظرة العرب والمسلمين لنا) فهناك أسباب أخرى، إلا أن هذا كان سببا رئيسا وأنا أراه السبب الرئيس!

(6) لم تكن سلمية

يبدو أن المهللين للانتفاضة الأولى والمطبلين والمزمرين لها من منطلق سلميّتها المزعومة ينسون، في غمرة الانفعال والهجوم على الانتفاضة الثانية، أن الشبان والفتيان لم ينثروا الأرز والزهور على جنود الاحتلال ومركباتهم، بل رشقوهم بالحجارة والزجاجات الفارغة والحارقة، وكانوا أحيانا يستدرجونهم إلى أماكن معينة فيلقون عليهم صخورا أو طوبا أو أكياس اسمنت من بعض الأسطح، وقد تعرض رابين أثناء توليه وزارة الحرب لعملية كهذه في غزة (سنة 1988م) ونجا بأعجوبة، فهي لم تكن انتفاضة سلمية تـقتصر على المقاومة السلبية، وحين كانت تنظم مظاهرة أو مسيرة كان معروفا سلفا بأنها ستتطور إلى مواجهات سيرتـقي فيها شهداء، ويسقط جرحى.

وهذا ما أجبر الاحتلال على استدعاء حتى الاحتياط، لتعزيز لوائي جولاني في الضفة وجفعاتي في غزة ومن معهم من قوات حرس الحدود وتحصين الأفراد والمركبات؛ فارتدى الجنود الخوذ الحديدية المزودة بواقيات من البلاستيك الشفاف المقوّى أو الجلاتين تغطي منطقة الوجه، وتم وضع شبك حديدي قوي وله ثقوب صغيرة على مقدمة ومؤخرة وجوانب المركبات والجيبات العسكرية، ووضع قضيب حديد مائل(بينسة) في مقدمة الجيبات الصغيرة التي لا سقف لها( عرف هذا الجيب بالشاتوح أو الصرصور أو الطرّاد حسب تسمية كل منطقة)لمنع إصابة الجنود حيث كان الشبان يربطون سلكا معدنيا بشكل عرضي على جانب الشارع بارتفاع مواز لعنق الجندي الجالس فيه.

الخلاصة هي أن الانتفاضة الأولى لم تكن سلمية بمجملها، بل قيل صراحة أن سبب لجوء الشعب للحجارة هو عدم توفر وسيلة أخرى لديه، ثم تطورت الانتفاضة واستخدمت الزجاجات الحارقة(المولوتوف) بشكل مركّز دفع سلطات الاحتلال إلى فرض عقوبات قاسية على من يلقيها كالسجن عدة سنوات مع هدم أو إغلاق منزله، وإطلاق النار بلا تردد على رأس كل من يشتبه بنيته إلقاء المولوتوف، بل عقاب جماعي لكامل المنطقة التي تلقى منها زجاجات حارقة مثل منع التجول أو المداهمات العنيفة، بينما كان الحكم على ملقي الحجارة يتراوح ما بين ستة شهور إلى سنة مع غرامة مالية، ولا حقا (خاصة في 1990م) اشتعلت حرب السكاكين وازدادت دعوات عسكرة الانتفاضة الأولى وهدد شامير بأنه لن يبقي للفلسطينيين أثرا إذا استخدموا السلاح!

والسؤال الموجّه إلى من يطرحون فكرة العودة إلى الانتفاضة الأولى –بأساليبها- هو:هل هذا مقصدكم، أي استخدام ما ورد أعلاه؟ أم أن الأمر التبس عليكم وحسبتم أن الانتفاضة الأولى كانت مسيرات وتظاهرات فقط، وهل –في حال كانت الإجابة نعم- ترون الظرف والواقع الحالي مناسب لمثل تلك الوسائل والفعاليات؟!....يتبع

ربيعُ الإسلام والعَرَب يفرض على الاحتلال حُسْن الأَدَب بسلاح الرعب والرَّهَب

المركز الفلسطيني للإعلام،،، د. يونس الأسطل

( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ )آل عمران(27)إن الصهاينة في أمرٍ مَريج، وفي قولٍ مُختلف، فقد اتسعت أمامهم الجبهات، فهل يبدؤون بضرب المفاعلات النووية في إيران، مع أن ذلك ينذر بحربٍ عالمية؟!، أم يوجهون ضربتهم إلى جنوب لبنان، مع أن المقاومة هناك عندها عتاد وصواريخ، وتكرار تجربة تموز محفوفٌ بكثيرٍ من المخاوف؟!، ويذهب بعضهم إلى ضرورة إعادة السيطرة العسكرية على صحراء سيناء، حيث إن قبضة الأمن المصري على شبه الجزيرة تلك رِخْوة؛ بل هي شَلَّاء، وقد أضحتْ مسرحاً للإرهاب، وساحة خلفية للمقاومة – على حَدِّ زعمهم-؟!، أم يتوجهون بضربتهم إلى قطاع غزة ؛ بحكم أنه الخاصرة الأضعف بالقياس إلى الجبهات الثلاث الأخرى، أم ينتظرون حتى حين، وهم يرقبون الربيع العربي الذي تحول في صناديق الاقتراع إلى ربيع إسلامي، مع زيادة التحصينات، والمضي في سياسة القبة الحديدية، ووسائل الإنذار المبكر، وتجنيد المزيد من الجواسيس، وغير ذلك؟!.

إن التصعيد الأخير على القطاع يجيء في إطار جَسِّ النَّبْض، وتسخين الجبهة؛ اختباراً لمستوى القوة، بعد أن اشتكى بعض قادة الصهاينة أنهم يواجهون نقصاً كبيراً في الأسرار التي ينطوي عليها القطاع، ويجدون عنتاً في بَثِّ شبكات التجسس، بعد أن أجهز الأمن الداخلي عندنا على عددٍ منها، وفَقَدَ الصهاينة مفاصل مهمة، تخضع الآن للتحقيق، وتواجه الأحكام أو العقوبات الرادعة التي تجعلهم نكالاً لما بين أيديهم وما خلفهم، فقد ذاقوا وَبَالَ أمرهم، وأصبحوا على ما أَسَرُّوا في أنفسهم نادمين، لاسيما أولئك الذين يتخابرون مع الأجهزة الأمنية المجندة في خدمة الاحتلال في رام الله، ويُجَدِّدُونَ بنك الأهداف؛ تمهيداً لعدوان صهيوني جديد، أو لما يسمى بالرصاص المصبوب (2) على ما يبدو.

إنني أعتقد أن الصهاينة سيهزمون بالرعب، ولئن اندفع بعضهم تجاه قرار الحرب سيتصدى له الذين غلبوا على أمرهم مستخصرين جملة المخاطر التي تحتفُّ بأي عدوان أو تصعيد، ومع مرور الأيام سيجنحون إلى القبول بتهدئة أو هدنة طويلة الأجل في مقابل تنازلاتٍ مهمة، أو مؤلمة–بتعبيرهم-، من مثل إطلاق سراح الأسرى، والقبول بالانسحاب من الضفة الغربية، أو تجميد الاستيطان في أضعف الإيمان، فضلاً عن التوقف عن سياسة التهويد والتهجير لأهلنا في القدس، أو أصحاب الأرض في مناطق (48)، والتوقف عن إجراءات التقويض للمسجد الأقصى، وبناء الهيكل، وغير ذلك من جوانب الاحتلال والعدوان.

إن آية آل عمران تُبَشِّرُ المؤمنين بأن الله جل جلاله سيلقى في قلوب الذين كفروا الرعب؛ بسبب ما في قلوبهم من الشرك الذي لا يملكون سلطاناً أو برهاناً على صحته، فهو كبنيانٍ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ؛ لا يغني عن ذويه فتيلاً؛ حين يعلمون أنهم سيقاتلون قوماً أولي بأسٍ شديد؛ لأنهم يحرصون على الموت؛ بل الشهادة بأشدَّ من حرصهم هم على الحياة.

ولعل سبب النزول يُسهم في زيادة معنى الآية وضوحاً ونوراً؛ ذلك أن المؤمنين قد خرجوا من غزوة أُحُدٍ بوعكةٍ عسكرية، حين نال منهم جيش قريش سبعين شهيداً، وعدداً من الجرحى، ثم قفلوا راجعين؛ اكتفاءً بالظفر بالثأر لِمَا أصابهم يوم بدر، أو للهزيمة التي حاقت بهم في الجولة الأولى، قبل أن يختل الانضباط، أو السمع والطاعة لأكثر الواقفين على جبل الرماة؛ من أثر ميل النفوس إلى الغنائم التي اشتعل إخوانهم في الساحة بجمعها، واغتنام ما فيها من الأسلاب، لذلك فقد صرفكم ربكم عنهم ليبتليكم بفقد الغنيمة، والنصر، وضعف المهابة في قلوب أعدائكم منكم، ولكنه عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين.

وفي أثناء الطريق تساءل المشركون: ماذا فعلنا بهم؟!، ولماذا لا نرجع فنستأصلهم؟!، وقد حاولوا أن يزرعوا الرعب في قلوبنا عندما علموا بمطاردتنا إياهم إلى حمراء الأسد، فأوعزوا إلى نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يومها لا زال على شِرْكه، أن ينقل لنا رسالة بأن قريشاً قد جمعوا لكم، فَفِرُّوا من وجوههم؛ فإنهم يوشك أن يصلوا إليكم، ويدوسوكم، فكان جوابنا:حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فإنهم لن تغني عنهم فئتهم شيئاً ولو كثرت.

وفي نفس الوقت كان معبد بن أبي معبد الخزاعي ينقل لقريش نبأً مغايراً؛ بأن الذين تخلفوا عن يوم أُحُدٍ من المؤمنين قد ندموا على ما كان منهم، فخرجوا جميعاً في جيش لم أَرَ كاليوم مثله، وإنكم لا تكادون تبرحون منزلكم هذا حتى يكون أولهم قد بدا لكم؛ فإنهم يَتَحَرَّقون على ما أصاب إخوانهم بالأمس، ومن هنا فما تَلَبَّثُوا بها إلا يسيراً، ثم وَلَّوْا مدبرين.

وقد أنزل الله تبارك وتعالى شَطْرَ آلِ عمران يؤكد فيه أن الله مولاكم، وهو خير الناصرين، وأنه جل جلاله سيهزم عدوكم بما يلقيه في قلوب؛ عقاباً للشرك الذي هو كشجرةٍ خبيثةٍ اجْتُثَّتْ من فوق الأرض، ما لها من قرار، وأين من يطلب النصر من صنم أصمَّ لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً؛ من إلهٍ حقيقي بيده الملك، وله مقاليد السموات والأرض، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم؟!!.

إن ذلك الرعب الذي هزم الله جل وعلا به المشركين في حمراء الأسد يوشك أن يهزم به يهود بني النضير بعد أن نقضوا غَزْلَهم من بعد قوة أنكاثاً، فنقضوا عهدهم وهم يُبَيِّتُونَ دحرجة صخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلونه، وظنوا أنهم مَانِعَتُهُمْ حصونُهم من الله، فأتاهم الله من حيثُ لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرُّعب، ولم تُغْنِ عنهم القُرى المحصنة، ولا الجُدُر، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، كما عَذَّب إخوانهم بني قريظة من بعد، إذْ نقضوا عهدهم يوم الخندق، فأنزلهم ربهم من صياصيهم في رؤوس الجبال، وقذف في قلوبهم الرعب؛ فريقاً تقتلون، وتأسرون فريقاً، وأورثكم أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وأرضاً لم تطؤوها، وكان القتل لمقاتلتهم هو حكمَ الله فيهم من فوق سبع سموات.

وإذا عُدنا لقريشٍ وجدناهم يُهزمون بالرعب، ويميلون إلى الصلح يوم الحديبية، وهم في عقر دارهم، وبكامل عُدَّتهم، أمام مسيرة سلمية من المُحْرمين، لا لشيءٍ إلا لأن الجاهزية للقتال عند أولئك المعتمرين كانت في القمة، مع أنهم لا يحملون إلا السيوف في قرابها، وقد حصل هذا عندما دُعُوا للبيعة على الموت، فتدافعوا يبايعون تحت الشجرة، وتأكدت قريش أنهم لن يَخْلُصوا إلى واحدٍ منهم إلا إذا قتل فارساً من قريش، ولو قاتلكم الذين كفروا يومها لَوَلَّوُا الأدبار، ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً، سنة الله التي قد خلتْ من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

ثم إن المنافقين قد تخلفوا عن غزوة العُسرة في تبوك، فقد ظنوا أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، كما كان اعتقادهم هم والأعراب يوم الحديبية، فَخَيَّبَ الله فَأْلَهم، وجعله فتحاً قريباً، كما نصرنا يوم تبوك بالرعب مسيرة شهر، وتقهقر الرومان إلى أعماق الشام بمجرد علمهم بزحفنا عليهم.

ومالي أركضُ وراء السيرة والتاريخ، والواقع خير شاهد؟!، فإننا في الذكرى الرابعة والعشرين لانتفاضة المساجد، كيف قاومنا الاحتلال، وما هي أدواتنا يومئذٍ؟!، ولماذا اضْطُرَّ أن يستصرخ زبائن منظمة التحرير، ويغريهم بدولةٍ أيِّ دولة؛ إنْ هم أراحوه من رُعْبِ المقاومة التي تصاعدت في بضع سنين؟!، وهل أفلحت كل أنواع الحيل والعدوان أن تضعف المقاومة؛ فضلاً عن أن تستأصلها، أم أن الجماهير في المسيرات، والمهرجانات، والصمود لا زالتْ تبرهن على أنها ماضية في صمودها ومقاومتها إلى أن تَغْسِلَ دَنَسَ الاحتلال، ورِجْسَ المنافقين المتآخين معه؟!.

إن وعد الله تبارك وتعالى قائم مُذْ أوحى للملائكة أني معكم، فَثَبِّتُوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، ثم أرشدنا أن نضرب فوق الأعناق، وأن نضرب منهم كلَّ بنان، وأن نُشَرِّدَ بهم مَنْ خلفهم، وأن نُثْخِنَ في الأرض.

والله يعلم متقلبكم ومثواكم

من يحرر الأسـرى ومن يعتقلهم؟!

المركزا الفلسطيني للإعلام،،، ياسر الزعاترة

بعد الإفراج عن الدفعة الثانية من الأسرى ضمن صفقة شاليط (550 أسيراً) يتأكد الآن أن النسبة الأكبر من الذين أفرج عنهم هم من حركة فتح، لاسيما أن الدفعة الأخيرة لم تشمل أياً من أسرى حماس أو الجهاد الإسلامي (بقرار إسرائيلي انتقامي بالطبع). سيقول البعض هنا إن ذلك أمر طبيعي لأن ما يقرب من نصف المعتقلين هم من حركة فتح (بقي في السجون حوالي 4500) وهذا صحيح، لاسيما أن المعتقلين الجنائيين (جميعهم من الضفة) الذين لا صلة لهم بالسياسة غالباً ما يفرزون في مهاجع حركة فتح لأنها حزب السلطة، ولأنهم غالباً ما يحصلون على الإفراج في كثير من المحطات السياسية (تحت مسمى حوافز للسلطة)، مع العلم أن جميع الأسرى الـ 550 الذين أفرج عنهم هم معتقلون أمنيون، لأن ذلك كان جزءاً من الشروط التي وقعت مع حماس بضمانة مصرية، ومع العلم أن الصهاينة لم يلتزموا بالاتفاق الذي نص على أن لا يكون من بين المفرج عنهم من ينتهي حكمه قبل مطلع 2014، الأمر الذي تسأل عنه القيادة المصرية في واقع الحال.

لا يلغي ذلك حقيقة أن لحركة فتح نسبة كبيرة من الأسرى معظمهم اعتقلوا بعد انتفاضة الأقصى، وكثير منهم للمفارقة من رجال الأمن الذين يختلفون كل الاختلاف عن رجال أمن مرحلة دايتون (بعده الجنرال مايكل مولر)، وحيث عنوان العقيدة الأمنية هو التعاون والتنسيق الأمني مع الاحتلال وليس مقاومته مهما كانت تصرفاته وردود أفعاله.

في الدفعة الأولى من المعتقلين كان نصيب حماس هو الأكبر، لكن الدفعة الثانية كانت من نصيب حركة فتح، مع العلم أن الإسرائيليين قد وضعوا في الأصل "فيتو" على العشرات من أصحاب المؤبدات المنتمين لحركة حماس (وهم أصحاب الأحكام الأعلى)، تبعاً لتقديرات أمنية تقول إنهم سيعودون إلى "الإرهاب" من جديد، حتى لو أبعدوا إلى قطاع غزة أو خارج الأراضي المحتلة.

كل ذلك يؤكد أن حماس لم تدر مفاوضاتها مع العدو فيما يتصل بالأسرى على أساس فصائلي، وهذه نقطة تؤكد حرص الحركة على الوحدة الوطنية، وعلى برنامج المقاومة ورجاله بصرف النظر عن انتماءاتهم، مع إدراك الحركة لحقيقة أن الدفعة الثانية ستستثني معتقليها، فكان أن أضيف إليهم معتقلو الجهاد أيضاً.

لم يتوقف الأمر عند ذلك بل تجاوزه إلى حرص الحركة على كسر جميع المعايير الإسرائيلية المتعلقة بتبادل الأسرى، وهي كما يعرف الجميع رفض الإفراج عمن تسميهم الملطخة أيديهم بدماء الإسرائيليين، ورفض شمول أبناء القدس والأراضي المحتلة عام 48 بوصفهم مواطنين إسرائيليين.

كسرت حماس هذه المعايير جميعاً، وتمكنت بفضل الله من فرض شروطها بنسبة كبيرة، حتى لو لم تتمكن من الإفراج عن عشرات من كبار أسراها، وفي مقدمتهم أبطالها الذي يحملون على كاهلهم أعلى الأحكام في تاريخ السجون (على رأسهم البطل إبراهيم حامد الذي سيحطم الرقم القياسي المسجل باسم عبد الله البرغوثي وهو 67 مؤبداً، حيث يطلب له الادعاء الصهيوني حكماً بـ 82 مؤبداً)، فضلاً عن الأسيرين الكبيرين مروان البرغوثي (فتح) وأحمد سعدات (الجبهة الشعبية) وسواهم من أصحاب المؤبدات.

ما نحب التركيز عليه أكثر من استعادة حكاية الصفقة يتمثل في حقيقة أن ما جرى لم يوقف مسلسل الاعتقالات في صفوف حماس من طرف السلطة (اعتقل 76 بعد لقاء مشعل- عباس نهاية الشهر الماضي)، ومعظمها لأسرى محررين قبل الصفقة صدرت بحق بعضهم أحكام غيابية وهم في سجون المحتل، ولم تبادر فتح، ولو من باب رد الجميل إلى الإفراج عن أبناء الحركة المعتقلين في سجونها، وهو ما يثير القهر في واقع الحال، كما يمنحنا فرصة الحديث إلى قادة فتح الذين لا ندري كيف يبررون لقواعدهم استمرار اعتقال مجاهدي حماس، بينما حركتهم تفرج عن أبناء حركة فتح في السجون، ولا تسأل عن تأجيل تشكيل حكومة الوحدة الذي جاء بطلب من محمود عباس وليس بسبب تراجع حماس، مع أننا بالطبع ضد أي مصالحة على أساس الانتخابات التي تكرس وضع السلطة كبلدية ومركز شرطة تريح الصهاينة من الوجه القذر للاحتلال، إلى جانب تهمش الشتات الفلسطيني؟!

إن اعتقال المجاهدين عار يتحمله الذي يشاركون فيه بأي قدر كان، ونأمل من أبناء فتح الذين أفرج عنهم أن تكون لهم نشاطاتهم على صعيد المطالبة بالإفراج عن إخوتهم من حماس في معتقلات السلطة ووقف سائر الإجراءات التعسفية بحقهم، فضلاً عن منع أي شكل من أشكال الإساءة للمحررين الجدد.

في القطاع لا يوجد معتقلون سياسيون، وطالما طالبت حماس بتزويدها بأسماء معتقلين سياسيين، وإذا حصل ذلك فنحن ندينه من دون تردد وندعو إلى الإفراج عن أي معتقل سياسي مهما كان انتماؤه.

بعد ذلك كله يأتي من يدافع عن زمن دايتون ومايكل مولر والتنسيق الأمني، ثم يحاول إقناعك بأن القوم مقاومون بالفعل ومتمسكون بالثوابت، والأسوأ انه يأتي ليقنعك بأنهم يقاومون الاحتلال سلمياً، كأن المقاومة السلمية مجرد مظاهرة استعراضية قرب الجدار يشارك فيها العشرات أو المئات كثير منهم متضامنون أجانب!!

في مواجهة بديهيات الخطر الإسرائيلي

المركز الفلسطيني للإعلام،، بلال الحسن

منذ أن أعلن الرئيس محمود عباس أنه لن يمارس المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لقي ترحيباً من الولايات المتحدة الأميركية. وكان يفترض في هذا الترحيب أن يفتح الباب أمام العمل الدبلوماسي. وأملاً في ذلك ذهب الرئيس عباس إلى الأمم المتحدة، عازماً على إلقاء خطاب أمام مجلس الأمن باعتباره الهيئة السياسية الدولية العليا التي يمكن أن تبت بأمر من هذا النوع، ولكن تم عملياً إيقافه أمام باب المجلس، ومنع عملياً من الدخول إليه، فألقى خطابه أمام باب المجلس، ثم تسلم المجلس منه الخطاب، وكفى الله المؤمنين شر القتال. وبهذا تكون الولايات المتحدة الأميركية قد دفعت باتجاه وقف العمل العسكري، ثم دفعت باتجاه وقف العمل السياسي الدولي، وطرحت فقط أن يجلس الطرفان على طاولة التفاوض الثنائي بينهما، وهو أقصى ما تريده "إسرائيل".

وحين أعلن عباس أنه مستعد للعمل السياسي على قاعدتي حدود 1967 ومبدأ الانسحاب من الأراضي المحتلة في حرب ذلك العام، أعلنت "إسرائيل" رفض قبول هاتين القاعدتين، وطالبت كما هي العادة بمفاوضات دون شروط مسبقة، ولكنها بادرت فوراً، وكنقيض لقاعدتها التفاوضية، بالإعلان عن أنها تريد تفاوضاً يضمن لها أمنها. وترجمة ذلك إسرائيلياً أنها تريد تفاوضاً يعدل في حدود عام 1967، والوصول إلى حدود جديدة، تطرح هي صيغتها، وتقرر هي إن كانت تضمن أمنها أم لا.

لقد جاء الرئيس محمود عباس إلى السلطة حاملاً شعار وقف العمل الفدائي، ومؤكداً شعار التفاوض والتفاوض فقط، ولكن الرد الإسرائيلي أغلق الباب أمام هذا المنهج بالشروط التعجيزية التي وضعها. وبذلك يكون طريق الدبلوماسية قد أغلق، كما تم من قبل إغلاق باب المقاومة المسلحة.

يلقى هذا النهج الإسرائيلي في العمل تأييداً من الولايات المتحدة الأميركية، وهو ليس نهجاً يدعم مبدأ التفاوض، بل هو منهج يدعم ما تطلبه "إسرائيل" فقط. ومن شأن هذه النتيجة التي انتهت إليها الأمور أن يتجمد التفاوض السياسي، وأن يغلق بابه نهائياً. وحين تصل الأمور إلى هذا الحد لا يكون هناك من خيارات منطقية سوى أمرين:

الأمر الأول: العودة الفلسطينية إلى المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي.

والأمر الثاني: الرضوخ لمطالب "إسرائيل" والتفاوض معها حسب صيغتها، وصيغتها ترفض منطق الشرعية الدولية التي تقوم على قاعدة ضرورة الانسحاب من أرض احتُلت بالقوة. وعند هذه النقطة يكون طريق المفاوضات قد سد نهائياً.

وبسبب وجود احتلال لأراضي 1967، وبسبب رفض منهج محمود عباس الداعي للتفاوض (فقط) حسب القانون الدولي، تنشأ الحاجة إلى وجود بديل لكل هذه الطرق المسدودة. والبديل الموضوعي الوحيد هو العودة إلى منهج المقاومة المسلحة للاحتلال.

ولكن ما هو قائم على الأرض هو أن الاحتلال الإسرائيلي مستمر لأراضي 1967، وهو أن المقاومة المسلحة للاحتلال غائبة نهائياً، بل ويعيش الاحتلال الإسرائيلي الآن حالة اطمئنان، وحالة هدوء، وهو ما يغري "إسرائيل" بأن تواصل احتلالها ما دامت لا تدفع أي ثمن لمواصلة هذا الاحتلال، وما دام الدعم الأميركي لموقفها قائماً لا يتبدل.

نظرياً ومنطقياً.. هناك احتمال وحيد لتحريك هذا الوضع الجامد، وهو بروز إرادة عربية تتطلع إلى مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وإنهائه. ولكن هذه الإرادة العربية معطلة بسبب الموقف الفلسطيني، مهما بدا هذا الأمر غريباً وعجيباً.

الموقف الفلسطيني الآن يقوم على قاعدتين: القاعدة الأولى رفض منهج مقاومة الاحتلال بالقوة المسلحة. والقاعدة الثانية أن الموضوع المطروح هو موضوع فلسطيني، وهو موضوع ثنائي بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل". وهذا يعني مباشرة: إقصاء العامل العربي من الصراع الدائر مع "إسرائيل"، سواء كان الأمر من خلال المقاومة المسلحة، وهي مرفوضة، أو من خلال التفاوض، وهو معطل بشروط إسرائيلية وبدعم أميركي للشروط الإسرائيلية.

لقد كانت قضية فلسطين منذ أن قامت قضية عربية، وكان الصراع منذ أن قام صراعاً عربياً إسرائيلياً، ولكن منذ اتفاقات أوسلو المشؤومة برز النهج القائل بأن الصراع فلسطيني فحسب، يعالجه الفلسطينيون مع "إسرائيل". وبرز النهج الذي يحبذ أن لا يكون للعرب دور في هذا الصراع، سوى دور الدعم المعنوي لما يطلبه الفلسطينيون.

وحين تبلورت فكرة أن الصراع مع إسرائيل" هو صراع عربي، لم يكن ذلك رغبة في دعم الفلسطينيين وتقويتهم، بل كان تأكيداً لنهج راسخ ولا جدل حوله (حتى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993) بأن "إسرائيل" تشكل خطراً على العرب كلهم، وليس على الفلسطينيين فقط. ولكن جاءت اتفاقات أوسلو، وانتزعت «عروبة» الصراع، وأحالته إلى صراع ثنائي فلسطيني - إسرائيلي، وأحالته أيضاً إلى صراع تفاوضي لا مكان للقوة المسلحة فيه.

وحين نراقب الأمور الآن نجد ظاهرتين بائستين:

الظاهرة الأولى: أن "إسرائيل" مرتاحة إلى هذا الوضع، فهي تعيش احتلالاً هادئاً غير مكلف.

والظاهرة الثانية: أن هذا الاحتلال المحمي بالهدوء العربي محمي أيضاً بالرغبة الفلسطينية التي تظن أن التفاوض، والتفاوض فقط، هو الطريق المؤدي إلى النجاح، حتى قيل رسمياً وعلنياً إن الكفاح المسلح كان شراً على الفلسطينيين.

لقد آمنت السلطة الفلسطينية، وبخاصة أثناء رئاسة الرئيس محمود عباس، بمنهج التفاوض هذا، ولكنها فوجئت بصد إسرائيلي وأميركي، حين سعت إلى نقل هذا الصراع إلى مجلس الأمن، من خلال محاولة الرئيس عباس إلقاء خطاب في مجلس الأمن يحرك النقاش حول الوضع.

لقد دعت أميركا الفلسطينيين دائماً إلى وقف المقاومة المسلحة، واللجوء إلى منهج التفاوض. وحين حاول الرئيس عباس أن يكرس هذه القاعدة، معلناً أنه مع التفاوض والتفاوض فقط، اعترضته أميركا قبل "إسرائيل" على باب مجلس الأمن، وقالت لا بد من عودة الطرفين إلى التفاوض الثنائي بينهما. وموقف أميركا هذا ليس في حقيقته دعوة للتفاوض الثنائي، بل هو دعوة لتفاوض الطرفين في ظل توازن القوى القائم على الأرض، حيث الطرف الأول هو الإسرائيلي المحتل، والطرف الثاني هو الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال. وفي ظل معادلة من هذا النوع فإن المحتل للأرض هو الطرف الأقوى، وهو القادر على فرض شروطه وإرادته، الأمر الذي يعرقل أي تفاوض محتمل.

الأمر المهم هنا أن منهج التفاوض والتفاوض فقط قد تم تجريبه، وعلى يد الرئيس عباس، وهو أشد المتحمسين له، وكان أن واجه الصد لموقفه من قبل "إسرائيل" ومن قبل الدولة العظمى أميركا، بحيث لم يعد هناك مجال لمواصلة الجدل حول هذا الأمر وجدواه. لقد فشل هذا المنهج أيضاً، ولا بد من استخلاص العبر من ذلك. والعبر في صراعات الشعوب المحتلة أراضيها معروفة ومسلم بها تاريخياً، وهي أنه لا بد من مقاومة الاحتلال. وهذا يعني عملياً أن على الفلسطينيين واجب الإعلان عن أن موقفهم الداعي للتفاوض قد فشل، والفشل يعني دعوة الشعب الفلسطيني للعودة إلى تنشيط المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي، ويعني أن على السلطة الفلسطينية مسؤولية الإعلان عن أنها لم تعد تتبنى منهج التفاوض وحده، وتدعو إلى العودة لمنهج المقاومة المسلحة للاحتلال.

وإذا كان قد جرى في السنوات السابقة تأكيد وتكريس منطق «فلسطينية» النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، فلا بد من الآن وصاعداً من تأكيد وتكريس «عروبة» المواجهة مع "إسرائيل". وتعني عروبة المواجهة مع "إسرائيل" دعماً مباشراً للفلسطينيين، ولكنها تعني أيضاً أن العرب يدركون خطورة المشروع الإسرائيلي، وهم مستعدون لمواجهته، إما مباشرة، وإما من خلال دعم النضال الفلسطيني بكل أشكاله وصوره.

يكابر كثير من العرب، ويرفضون الوصول إلى هذه النتيجة، ولكن أي قراءة استراتيجية للواقع تؤكد أن مواجهة "إسرائيل" هي مصلحة عربية مثلما هي مصلحة فلسطينية.