عندما تنتهي الادعاءات
بقلم: د. رئيف زريق، عن هآرتس
المضمونيقول الكاتب إن الحركات الصهيونية باختلافها لا تؤمن بأن حرب عام 1948 هي حرب استيطانية واقتلاعية، وإنما تراها حربا لأجل تثبيت القومية اليهودية).
إن قراءة ما كتبه البروفيسور شلوم افنري على هذه الصفحات عن “اليمين واليسار”، بتاريخ 31 تموز، ردا على مقالتي التي نشرت في “هآرتس″ قبل ذلك بأسبوع تحت عنوان “1967 هي استمرار لـ 1948″. هذه القراءة دفعتني للتفكير أن افنري لم يقرأ المقال وأنه يجادل في أمور لم تكتب. ليس غريبا أنه لم ينجح في اقتباس حتى جملة واحدة مما كتبت.
سأبدأ بعرض الأمور التي كتبها افنري. حسب قوله مقالتي “تهاجم اليسار الصهيوني الذي يريد التمييز بين ما حدث في 1948 وبين احتلال 1967″. “حسب زريق”، يزعم، “لا يوجد فرق: هنا وهناك الحديث يدور عن حرب كولونيالية إسرائيلية هدفت إلى اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من وطنه”. ويستمر افنري يقول إن موقفي هذا يشبه موقف اليمين الاستيطاني وموقف شارون الذي قال “إن حكم نتساريم كحكم تل ابيب”.
أريد التذكير أنني بدأت المقال بطرح ثلاث نظريات أساسية عن الصهيونية: “الأولى، التي تنتشر في أوساط اليمين، تعتبر الحركة الصهيونية حركة قومية بكل معنى الكلمة. الثانية، توجد في أوساط غير صهيونية وتعتبر الحركة الصهيونية مشروع كولونيالي ولا تجد أي فرق بين احتلال 1967 و1948. الثالثة، تميز اليسار الصهيوني وتقول إنه يجب التفريق بين 1948 و1967: ما حدث في 1948 هو جزء من المشروع القومي، أما ما حدث في 1967 فهو تجاوز للحاجات القومية المبررة، وبذلك فهي خطوة كولونيالية. أريد المقارنة بين 1948 و1967 وتقديم نظرية رابعة.
في هذا السياق اقترح نظرية رابعة تدمج بين التاريخين، لكن بشكل يؤكد أنه لا يمكن التمييز بين القومي والكولونيالي. وقد كتبت أن ما كان بين الحربين هو حدث واحد متواصل – سواء قصة الانبعاث القومي أو عملية كولونيالية من الاستيطان والاقتلاع. الحقيقة هي أن الدمج بين 1967 و1948 يُمكننا من فهم الصهيونية بشكل أكثر تعقيدا. هكذا كتبت.
افنري ينسب لي موقفا أرفضه، كي يكون أسهل عليه الجدال معي. صحيح أنني اعتقد أن هناك تواصل بين 1948 و1967، وأن هناك طرق متشابهة للاستيطان، وعمليات اقتلاع متشابهة. لكن أساس ادعائي أنه يصعب فهم الصهيونية في إطار الأبيض – الأسود، إما الكولونيالية أو القومية. الصهيونية هي الاثنتين معا. فهي ليست فقط حركة لاجئين ولا حركة مستوطنين مُقتلعين. وهي ليست فقط حركة ضحايا بل هي تسبب بالضحايا.
الموقف الذي يؤيده افنري والذي يقول إن 1948 تعكس القومية، أما 1967 فتعكس الكولونيالية، يمكنه أن يقدم نظرة سياسية براغماتية من اجل حل الصراع. لكنه ليس البديل عن التحليل التاريخي. لقد كان عنصرا كولونياليا واضحا في أحداث 1948 وهو يستمر في إسرائيل في حدود 1948؛ كان وما زال قائما العنصر القومي في المستوطنات التي تم احتلالها في 1967. قد يكون هناك فرق في المستوى، ولكن يوجد كهذين العنصرين في كل مكان. محاولة التمييز ببساطة بين هنا وهناك ستفشل لأنها لا تسمح بفهم القدر الذي تتداخل فيه القومية مع الكولونيالية في الصهيونية.
موقفي لا يعني أنه لا يوجد فرق بين 1948 و1967. لكن هذا لا يعني أيضا أنه لا توجد استمرارية بين الاثنتين. لا أعرف لماذا لا يفهم افنري هذا التشابه والاختلاف في نفس الوقت. لماذا لا يرى أن سياسة الأراضي في إسرائيل 1948 ولا سيما في النقب والجليل اشتملت على جوانب كولونيالية واضحة، كما أنه في جزء من المستوطنات وراء الخط الأخضر توجد جوانب دينية وقومية. لماذا صعب عليه رؤية الأمور بتعقيداتها؟ إذا تحدثنا عن دروس التاريخ، فمن الواضح الآن أن ماكينة السلام لم تنجح في فصل إسرائيل القومية 1948 عن إسرائيل 1967 المحتلة والمستوطنة. هل هذا صدفي؟ هذا ليس صدفي. فقط حسب افنري هو صدفي.
ويضيف افنري: “من يزعم أن حرب 1948 أيضا كانت جزءً من الخطة الكولونيالية الصهيونية فهو يقول عمليا إن الانتصار الإسرائيلي في 1948 كان انتصارا كولونياليا. ومن كان يفترض أن ينتصر هو الطرف العربي”.
افنري يضعني إلى جانب صدام حسين وبشار الأسد. وهو يريد ببساطة وضعي في مكان يكون فيه من السهل عليه أن يجادلني.
أين يظهر هذا في مقالتي؟ هل هذا هو الاستنتاج المطلوب؟ هل يمكنني سياسيا وتاريخيا معارضة خطة التقسيم وفي نفس الوقت انتقاد الأنظمة العربية القمعية؟ لماذا يجب تبني هذا الأبيض – الأسود الذي لا يسمح بوجود موقف ثالث؟ 1948 كانت حرب اليهود ضد البريطانيين، وفي نفس الوقت الحرب ضد الفلسطينيين. هل يمكن رؤية هاتين الجبهتين بنفس القدر؟ قد يعتبر الجمهور اليهودي حرب 1948 حربا قومية في الوقت الذي كانت فيه حربا كولونيالية مع الفلسطينيين، وفي الجبهة ضد البريطانيين كانت ضد الكولونيالية. ولم لا؟.
الذروة في رد افنري كانت حينما نسب لي قوله “قومي عنصري عربي مغطى بكلمات تقدمية، ويرى فقط القومية العربية كمشروعة ومن حقها إقامة دولة قومية”.
هل شرط إخراجي حسب افنري من قائمة “القومية العنصرية العربية” هو اعترافي بحق كل شعب في كل زمان وكل مكان في إقامة دولة خاصة به بغض النظر عن تأثير ذلك في مجموعات أخرى؟ هل شرط ذلك هو موافقتي كفلسطيني بالتنازل عن وطني من اجل مشروع قومي لشعب آخر؟ هل كل من عارض قرار التقسيم في عام 1948 هو عنصري؟ هل يجب علي الموافقة على الاستيطان اليهودي في فلسطين وتأييد حق اليهود في إقامة دولة مع أغلبية يهودية في فلسطين حتى لو كان هذا على حساب شعبي من اجل الخروج من قائمة العنصرية القومية؟.
هل الجلوس في وطن شعب آخر وتحويله إلى شعب لأجيء وسلب أرضه وبيته وأملاكه وكتبه واحتلال باقي وطنه – هل كل ذلك هو خطوات ليبرالية، ومعارضتها هي عنصرية؟ أنا أُذكر افنري: اعترض على خطة التقسيم كل من حنا ارنديت ومارتن بوبر والشيوعيين العرب (إلى أن غير ستالين موقفه) – فهل كانوا عنصريين؟.
وتظهر في مقالتي جملة أخرى تتعلق بحرب 1948، كان يفترض أن يتطرق إليها افنري: “في حالة الصهيونية، فان الجغرافيا التي تتحقق فيها القومية هي أيضا الجغرافيا التي تتحقق فيها الكولونيالية. وحسب هذا يمكن الادعاء أن حرب 1948 كانت حرب كولونيالية وفي نفس الوقت حرب وجودية قومية، وذلك لسبب بسيط هو أن الصهيونية أنشأت وضعا يكون فيه الوجود والكولونيالية شيئا واحدا، وليس هناك وجود قومي من غير الكولونيالية والاقتلاع″. السؤال هو ماذا يوجد لافنري ليقوله عن هذا؟ لماذا لا يمكن أن تكون الحرب قومية وكولونيالية في نفس الوقت؟.
بالنسبة لافنري فان البعد القومي للصهيونية والبعد الوجودي لحرب 1948 يوفران الدفاع ضد الكولونيالية والاقتلاع. ويمكن قول العكس تماما: الصهيونية هي حركة قومية، يمكن أنه لم يكن في نيتها أن تكون مُقتلعة وكولونيالية، لكن الاقتلاع والكولونيالية هي نتائج تاريخية طبيعية – حتى لو لم تكن ضرورية. وقد حاول افنري التملص من هذا، في حين أنني مصمم عليه.
المشكلة هي أن الموقف الذي يمثله افنري لا يسمح بوجود نوع آخر من القومية اليهودية في فلسطين، غير كولونيالية – وبهذا فانه يخلد الصراع على مر الأجيال. افنري يقول لنا إما أن توافقوا على الكولونيالية اليهودية وإلا فأنتم عنصريين. إما أن توافقوا على التفوق اليهودي وإما أن تكونوا كارهين لليهود. وفي رفضه، بدل اقتراح بداية حوار يُمكن من التفكير في إنهاء الوضع الكولونيالي، فهو يخلد الوضع الكولونيالي ويبقي القومية اليهودية – هنا والآن في فلسطين – أسيرة للكولونيالية.
انتهى مقالي باقتراح لتفكير متجدد يسمح بقومية يهودية جديدة واعية لجذورها الاستعمارية الكولونيالية وتأخذ المسؤولية. يبدو أن ما أغضب افنري ليس انعدام استعدادي للاعتراف بالقومية اليهودية في فلسطين اليوم، بل بالذات استعدادي للاعتراف بها في ظل الفصل بينها وبين الكولونيالية القائمة هنا وخلف الحدود، إذ أن مثل هذا الفصل يسمح بقومية غير كولونيالية. لهذا الغرض هناك حاجة لتنفيذ عملية جراحية لفصل قاس وحذر وطويل. فاليهود لا يمكنهم، وهم غير قادرين على إجراء مثل هذه العملية الجراحية دون تعاون الفلسطينيين.
ولكن يبدو أن افنري يصر على التمسك بالفكر الكولونيالي. ففقرة النهاية في مقاله، التي يطالبني فيها بشكره على أنه أبقاني في الوطن وسمح لي بالتعلم في مؤسساته، بل والتعلم في جامعة هارفارد والعمل في مؤسسة بتمويل ألماني، هي دليل حي على هذا المزاج الفكري الذي يقيم فيه افنري نفسه كممثل لأوروبا وأمريكا وعموم “العالم المتنور”. هذا على ما يبدو ما يحصل عندما تنتهي كل الحجج.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
أضرار الصيف.. حماس والاستعداد للتسوية
بقلم: ألون بن دافيد، عن معاريف.
المضمونانتقد الكاتب وسائل الإعلام الإسرائيلية وعدم مساهمتها في التخفيف من حدة العنصرية والتطرف التي سادت المجتمع الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، كما انه ذكر تهديد الأنفاق الذي تشكله حماس، وقضية الاتفاق النووي الإيراني، ومشكلة موازنة الجيش).
لا رحمة له، صيف الشرق الأوسط. حر لا يطاق، رطوبة مزعجة. صحيح أنه هذه المرة أعفانا من الحرب، ولكنه جلب معه جنون التطرف، الذي يبدو في هذه اللحظة عديم التحكم.
كان محزنا ومخيفا قراءة ردود الفعل على المقابلات التي أجريت مع رئيس الدولة في نهاية الأسبوع الماضي. فما فهم منها هو أن في إسرائيل 2015 يوجد جمهور غفير في نظره من يؤيد الديمقراطية والرسمية هو يساري منبطح، إن لم نقل خائن. وتحرص وسائل الإعلام في معظمها على الإعراب عن التحفظ والصدمة، ولكن في ذات النفس تواصل منح منصة للتحريض ونشر الكراهية على المعقبين ممن ينشرون إلى جانب المضمون الصحفي.
أجهزة الإعلام، التي في معظمها تكافح في سبيل بقائها الاقتصادي، لا تتجرأ حاليا على المساهمة بنصيبها في مكافحة التحريض وهي ستواصل إرضاء المعقبين الأكثر نذالة بالدعوى العليلة “لحرية التعبير”، بل ولن تكلف نفسها حتى عناء فرز وترشيح ردود الفعل. تعابير الكراهية والتحريض العنصري، الخوف من المثلية والتشهير بالشخصيات العامة ستواصل النشر في المواقع الالكترونية المؤطرة مستغلة المنصة الصحفية لبث السم. ولعل هذا يتوقف بعد الاغتيال السياسي التالي، التي باتت أسسه قائمة هنا منذ الآن.
المأساة هي أن كل هذا يحصل بالذات في فترة تتمتع فيها إسرائيل برفاه استراتيجي. صحيح أننا تلقينا هذا الأسبوع تأكيدا لما اشتبهنا به منذ زمن بعيد: حماس تحفر أنفاقا إلى أراضينا وأنهت حتى الآن حفر عدد كبير من الأنفاق إلى داخل إسرائيل. هذا مقلق ويشغل بال سكان غلاف غزة أكثر من الآخرين، ولكن قبل لحظة من دخولنا منافسة “من يقترح القضاء على حماس بنجاعة أكبر” – يجدر بنا التوقف والتعالي لدقيقة عن خنق الصيف، والنظر إلى هذا التهديد بشكل واع.
في الجنوب يدور في هذه اللحظة سباق تسلح: حماس تحفر الأنفاق تمهيدا للمواجهة التالية وإسرائيل تبدأ بنصب منظومات تكنولوجية للعثور على الأنفاق، والتي ستكون حتى السنة القادمة ذات قدرة عملياتية. حماس تحفر هذه الأنفاق ليوم الأمر. وجهتها ليست نحو المواجهة مع إسرائيل في هذه اللحظة بل العكس: تبحث عن تسوية مع إسرائيل.
في ضوء هذا الفهم تفضل إسرائيل انتظار استكمال منظومات العثور على الأنفاق وألا تعمل في هذه اللحظة ضدها. والتقدير هو أن لإسرائيل معلومات استخبارية جيدة عن مكان الأنفاق والطريقة التي يستعد فيها الجيش الإسرائيلي في غلاف غزة يمكنها أن تحتوي هجوما مفاجئا، إذا ما جاء مثل هذا الهجوم، عبر الأنفاق. والبديل هو الدخول في مواجهة أخرى في غزة، بتنا نعرف ثمنه وفي نهايتها سيبدءون مرة أخرى بحفر الأنفاق من غزة إلى إسرائيل.
كيف يمكن النوم في الليل مع تهديد الأنفاق التي تخرج إلى بواباتنا؟ بالضبط مثلما ننام مع مئة ألف صاروخ ومقذوفة صاروخية موجهة إلينا من لبنان. إسرائيل لم تخرج أبدا إلى الحرب كي تمنع العدو من التعاظم. العكس هو الصحيح، فقد بحثت دوما عن السبيل لإبعاد الحرب التالية، انطلقا من الفهم بان في نهاية كل حرب يبدأ التعاظم المتجدد.
في حالة غزة، لا تزال هناك فرصة لإبعاد الحرب التالية كثيرا. فحماس تلمح بأنها معنية بتسوية وأنها ستوافق على التعهد بوقف نار طويل المدى إذا ما سمحت لها إسرائيل بمخرج نحو العالم. ومع أن الجنوب يتمتع بهدوء غير مسبوق في هذه اللحظة، فان إسرائيل تواصل تجاهل تلميحات حماس. نافذة الفرص أمامهم لا تزال مفتوحة ولكنها لن تبقى كذلك دوما.
نافذة فرص أطول فتحت الآن مع إيران. فمع أن حامل المسدس نتنياهو يستعد إلى نزاله البطولي مع النذل الأمريكي، في الجيش الإسرائيلي باتوا ينظرون إلى الاتفاق مع إيران كحقيقة منتهية وبدؤوا يفحصون مزاياه، إلى جانب نواقصه المعروفة.
الاتفاق سيء، وخلافا لمنشورات مختلفة لم أرَ حتى اليوم مؤيدين متحمسين له بين قيادة الجيش. ولكن كمهنيين، في الجيش الإسرائيلي يفهمون بان هذا الاتفاق يمنحهم الوقت، على الأقل في الموضوع النووي. فهو يؤجل التهديد الإيراني النووي بعقد على الأقل، ما يسمح للجيش الإسرائيلي بان يوزع ويقلل استثماراته في إعداد الخيار العسكري حيال إيران. هذا الخيار ينبغي حفظه ورفع مستواه في هذا العقد، ولكن ليس بذات إلحاح الاستثمار الذي رافقه في السنوات الأخيرة.
إضافة إلى ذلك، ففي هذه الفترة سيتعين على إسرائيل أن تنوع صندوق أدواتها أمام إيران. فالجيش سيكون مطالبا بان يطور القدرة على توجيه ضربة سايبر للجمهورية الإسلامية، تأتي مع أو بدلا من ضربة جوية. وسيتعين على الموساد أن تشدد قدراتها العملياتية للإحباط السري للبرنامج النووي – بالتصفيات، بالتخريبات وبهجمات السايبر.
يرى الجيش نافذة الفرص هذه ويأمل في أن تسمح له بان يستغلها لبناء جيش ذي صلة أكثر بالمهام الجديدة. ولرئيس الأركان غادي آيزنكوت الشجاعة والفهم اللازمين ليكون إصلاحيا، وبالذات لهذا السبب خسارة أن تقرير لوكر انهزم على صخرة خلاف التقاعد.
ثلاثة أسئلة
في الأسبوع الماضي انجرفت في أثناء الكتابة عن التقرير وأسفت في نظرة إلى الوراء على الصيغة التي أصدرتها ولم تعكس نواياي. ليس عندي أي شك بان ما حرك يوحنان لوكر وأعضاء اللجنة كانت الرغبة في تعزيز الجيش وتحسينه. وكان انتقادي عن الاستخدام الذي يقوم به بعض من الصحافة الاقتصادية للتقرير من اجل مناكفة الخادمين في الجيش والتشهير بهم.
الفجوة بين موقف الجيش وتقرير لوكر ليست كبيرة. فالأغلبية الساحقة من التقرير تتطابق والخطة متعددة السنوات التي أعدها رئيس الأركان. في الطرفين يريدون تصفية المسخرة التي ترافق كل سنة ميزانية الدفاع ووقف طريقة العلاوات والغمزات. في الطرفين يريدون ميزانية دائمة للدفاع (الفجوة بين لوكر والجيش هي نحو مليار شيكل)، مما يتيح تخطيطا بعيد المدى.
إذا ما وضعوا جانبا الموضوع المتفجر المتعلق بالتقاعدات، فان هذا التقرير هو أساس جيد لبحث مشترك. لوكر بالذات كان مستعدا لان يترك مسألة التقاعد جانبا وان يجري بحثا في الـ 52 توصية الأخرى له، وكذا رئيس الأركان ما كان ليعارض، ولكن وزير الدفاع لم يأتِ إلى البحث.
يفسر بوغي يعلون توصيات لوكر بالشفافية في الميزانية كمحاولة لمنح المالية السيطرة على وزارة الدفاع. قلقه مبرر. أغلبية الوزارات الحكومية يديرها الاصلاحيون الشباب في المالية. فعندما يريد وزير الأمن الداخلي أن يشتري سيارات دورية جديدة للشرطة يتعين عليه أن يبعث مديره العام كي يستجدي رجال المالية.
لكل الوزارات الحكومية، باستثناء الدفاع، لا توجد حقا قدرة على إدارة المجالات التي يتولون المسؤولية عنها. رجال المالية هم الذين يقررون كم صحة تكون لنا، أي تعليم يتلقاه أطفالنا وكم رفاه. كما أن المالية تحرص على ألا تنجح الوزارات الحكومية في تحقيق ميزانيتها وان تنهي كل سنة مع فائض ميزانية، يكون ممكنا استخدامه لتلبية مطالب سياسية أو سد ثقوب في الميزانية.
يدعي لوكر بان توصياته تستهدف خلق شفافية ميزانية في وزارة الدفاع حيال وزارة المالية، ولكنها تبقي السيطرة والإدارة في يد الدفاع. أما يعلون ورجاله فغير مستعدين حتى للبحث في هذا. والجيش الإسرائيلي يسير على خطهم – وهو لا يمكنه لا يعترف بان وزارة الدفاع، على المليار ونصف مليار شيكل اللذين تستهلكهما في السنة، هي عبء آخر على ميزانية الجيش.
ولكن فضلا عن صراعات القوى والمكانة الخالدة بين المالية والدفاع، توجد هنا فرصة لمعالجة مسائل ملحة وضرورية: هل مبنى القوة القائم للجيش الإسرائيلي مناسب لمهامه الحالية؟ هل فكرة استخدام الجيش ذات صلة بالمحيط الجديد الناشئ هنا؟ هل نموذج الخدمة الحالية، لجيش نظامي صغير يعتمد على جيش احتياط كبير، يستجيب لاحتياطات الأمن الإسرائيلية؟
في الجيش الإسرائيلي يفهمون بان الجواب على السؤالين الأولين هو لا. كما أن لجنة لوكر فهمت هذا. الجواب على السؤال الثالث ينطوي على معان اجتماعية عميقة، تتعلق بفكرة “جيش الشعب” ومكان الجيش في المجتمع الإسرائيلي. ليس الجيش الإسرائيلي هو ما ينبغي أن يجيب عليه.
يخلق محيط إسرائيل لها الآن لحظة مناسبة. هذه فرصة للبحث في هذه المسائل، وعدم الخوف حتى من تناول مسألة شروط الخدمة، ولكن أيضا جعلها الموضوع الأساس. الجيش الإسرائيلي تواق للتغيير، ولديه أيضا من يقود مثل هذا التغيير، وهو بحاجة الآن إلى شراكة وإسناد المسؤولين عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
تركيا والأكراد
بقلم: غاليا لندنشتراوس،عن موقع مبات عليون
المضمونتقول الكاتبة إن تركيز واشنطن هو على محاربة تنظيم «الدولة» فيما تركز أنقرة على ضرب حزب العمال الكردستاني ).
الهجمات الجوية لسلاح الجو التركي في شمال سوريا، والتي بدأت في 24 تموز، ونية إقامة منطقة حظر طيران في شمال غرب سوريا، حظيت بعنوان «انضمام تركيا إلى التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية»، هذا رغم أن تركيا عضو في هذا التحالف منذ إقامته في 2014.
ومع ذلك فان شركاء تركيا في التحالف برئاسة الولايات المتحدة، لم يكونوا راضين عن إسهامها في الصراع الذي يديرونه، ولكون الحدود بين تركيا وسوريا كانت مخترقة ومفتوحة أمام المتطوعين لتنظيم الدولة الإسلامية. إضافة إلى ذلك فقد كان هناك تعاون بين جهات في التنظيم وجهات خاصة في تركيا (، مثل زبائن لشراء النفط وتوفير ونقل المواد اللوجستية لتنظيم الدولة الإسلامية. والى جانب التغيير في السياسة التركية يطرح السؤال حول التزام تركيا بالتحالف على المدى البعيد.
سؤال آخر هو هل تركيا تعطي الأولوية للصراع مع الأكراد وفرع الـ بي.كي.كي في سوريا، في حين أنها تعطي أهمية أقل للصراع مع تنظيم الدولة الإسلامية؟.
بالتوازي مع الهجمات الجوية التركية لأهداف تنظيم الدولة الإسلامية فقد سمح الأتراك لطائرات التحالف باستخدام قاعدة انجرليك العسكرية ـ الموافقة التي لها مغزى واسع، وكانت مثار خلاف منذ فترة بين تركيا والولايات المتحدة، الخلاف الذي تم حله بشكل يرضي الأمريكيين. خلال زيارة الجنرال المتقاعد جون ألان، المنسق الأمريكي للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في بداية حزيران في أنقرة، كان يمكن ملاحظة بداية التغير في السياسة التركية.
وفي أعقاب الزيارة سجلت زيادة في عدد الاعتقالات في أوساط الذين ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية في تركيا، وكذلك التشدد في منع الدخول إلى تركيا والمراقبة في المعابر الحدودية.
تحليل أسباب التغير لدى تركيا يقود إلى الأهمية المركزية للأحداث في تل ابيض في منتصف حزيران، حيث سيطرت القوات الكردية السورية على البلدة التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ونجحت في الوصل بين الكانتون الكردي المستقل الشمالي الشرقي (القامشلي) وبين الكانتون المستقل الشمالي الوسطي (كوباني)، وفي ضمن ذلك تهديدهم بالتقدم غربا لضم الكانتون الشمالي الغربي أفرون الذي هو تحت سيطرتهم. وبهذا يمكن إيجاد تواصل جغرافي بسيطرة كردية في شمال سوريا.
أيضا الضغوط التي مارسها الأمريكيون منذ فترة على الأتراك لإظهار التشدد والجدية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أثمرت الآن. العملية الإرهابية التي حدثت في 20 تموز في مدينة سوروتس في جنوب شرق تركيا ـ مخرب منتحر من تنظيم الدولة الإسلامية تسبب بموت 32 شخصا ـ ساعدت وشكلت سببا كافيا بالنسبة للجمهور التركي لتغيير السياسة الخارجية.
إلى جانب التطورات في شمال سوريا حدث تدهور في العلاقة بين تركيا والأقلية الكردية في الدولة، حيث يتهم الأكراد في تركيا الحكومة بالتعاون، أو على الأقل تجاهل عمليات تنظيم الدولة الإسلامية على الأراضي التركية. وقد أعلن التنظيم السري الكردي عن مسؤوليته عن العمليات الأخيرة التي نفذت ضد الشرطة والجنود الأتراك كـ «عمليات رد» على العملية في سوروتس.
استئناف الهجمات الجوية ضد نشطاء التنظيم السري الكردي الذي يجد ملجأ له في شمال العراق، أدى إلى انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه في آذار 2013. وكون المخرب المنتحر في عملية «سوروتس» هو مواطن تركي من أصل كردي، أظهر تعقيد الأمر في الأماكن التي توجد فيها أغلبية كردية، حيث أن شباب أكراد يختارون الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية.
إضافة إلى ذلك فان عدم نجاح حزب العدالة والتنمية في تشكيل حكومة الائتلاف يزيد من خشية الأكراد من إعادة الانتخابات وعدم تحقيق الانجاز الغير مسبوق للحزب المؤيد للأكراد ـ حزب الشعوب الديمقراطية ـ في الانتخابات الأخيرة، حيث نجح في تجاوز نسبة الحسم الأعلى في تركيا وحصل على 13 بالمائة من الأصوات. جهات في حزب العدالة والتنمية هددت بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطية بسبب علاقته مع التنظيم السري الكردي، مما يضع قادة الحزب في الصراع بين ولائهم للأهداف الكردية وبين رفضهم طريق الإرهاب والرغبة في التقدم في المسار السياسي.
إن التطورات الخارجية تغذي التطورات الداخلية، وهكذا دواليك في دائرة تعمل الآن ضد هدف الحل السلمي لمشكلة الاقلية الكردية في تركيا.
التوافق بين تركيا والولايات المتحدة حاليا حول الصراع ضد تنظيم الدولة الإسلامية يبين أن العلاقات بين الدولتين قد تم تأبينها مبكرا. ومع ذلك هناك إشكالية في الإستراتيجية الجديدة التي وضعتها الدولتان.
من ناحية الأمريكيين فان التعاون مع الأكراد السوريين كان ناجحا وساعد في كبح تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا، لكن من الواضح أن الأتراك يطلبون من الأمريكيين الآن كبح تقدم الأكراد من اجل السيطرة على شمال غرب سوريا. لهذا فأنهم يفرضون على الأكراد التركيز على المعارك الدفاعية مع تنظيم الدولة الإسلامية، وبهذا يقللون من قوة الردع الكردية، مع أهمية القدرة على القصف الجوي من موقع انجرليك العسكري. السؤال هو هل إلحاق الضرر بالتعاون الأمريكي مع الأكراد السوريين يستحق ثمنه. إضافة إلى ذلك، في حين أن الأتراك يعتبرون مسألة تنظيم الدولة الإسلامية مشكلة مؤقتة ترتبط باستمرار نظام بشار الأسد، يبدو أن الأمريكيين يعتبرونها مشكلة إستراتيجية خطيرة وبعيدة المدى.
الأتراك قاموا بتليين موقفهم الذي يقضي بالتفكير في استراتيجية شاملة لإسقاط نظام الأسد، قبل توسيع التعاون مع الأمريكيين. والأمريكيون من ناحيتهم يؤيدون الخط التركي الذي يعتبر أن التنظيم السري الكردي الذي يعمل في تركيا ويجد الملجأ في شمال العراق، هو تنظيم إرهابي ومن حق تركيا الدفاع عن نفسها في هذا السياق. لكن كما يدعي الأتراك أنفسهم، فان الفصل بين المقاتلين الأكراد في شمال سوريا وبين الـ بي.كي.كي هو إلى حد كبير مصطنع. وفي المثلث بين تركيا والأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية غير واضح كيف سيمر فيه المسار الحالي للحرب ضد التنظيم السري الكردي وتنظيم الدولة الإسلامية في نفس الوقت، وسيترجم بتوجيه الجهود المطلوبة حسب الأمريكيين، لمواجهة التحديات التي يفرضها تنظيم الدولة الإسلامية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ


يقول الكاتب إن الحركات الصهيونية باختلافها لا تؤمن بأن حرب عام 1948 هي حرب استيطانية واقتلاعية، وإنما تراها حربا لأجل تثبيت القومية اليهودية).
رد مع اقتباس