المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (327)
|
المقالات في الصحف المحلية
|
وقاحة اسرائيلية !!
بقلم: حديث القدس - القدس
ماذا بعد التاسع والعشرين من نيسان؟
بقلم: المحامي راجح أبو عصب – القدس
رسالة مفتوحة الى المجلس المركزي لمنظمة التحرير
بقلم: د. ممدوح العكر – القدس
إسرائيل تواصل لعبة الطرد والاستيطان
بقلم: ماجد الشيخ – القدس
العالم أدمن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية فقط
بقلم: آرون ديفيد ميلر – القدس
مصالحة؟ فعول، فاعلاتن، مستفعلن .. ومفاعلتن!
بقلم: حسن البطل – الايام
المتشائلون .. والمصالحة
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
الهجوم الفلسطيني الإستراتيجي المعاكس بدأ الآن
بقلم: حسين حجازي – الايام
ارحموا عزيز قوم شاخ وهدّه المرض
بقلم: صادق الشافعي – الايام
الاحتكار مفتاح اللغز لارتفاع الأسعار
بقلم: صلاح هنية – الايام
إكرام المجلس دفنه
بقلم: رامي مهداوي – الايام
عاللِّي جَرى وِاللِّي كانْ
بقلم: آصف قزموز – الايام
هل رقصت فرحاً؟
بقلم: وليد بطراوي – الايام
"طلوع" روح لا "حلاوة"
بقلم: وليد ابو بكر – الايام
تغريدة الصباح - الأغنية والقذيفة والمليحة
بقلم: عدلي صادق – الحياة
التغيير والإصلاح في المحكمة العليا
بقلم: جواد بولس – الحياة
المصالحة في ضوء المتغيرات السياسية
بقلم: د. إيهاب بسيسو – الحياة
حكومة إسرائيلية غير مقنعة!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
الرد على الجنون الاسرائيلي
بقلم: عمر حلمي الغول – الحياة
وقاحة اسرائيلية !!
بقلم: حديث القدس - القدس
حملة التحريض الاسرائيلية السافرة التي اطلقتها حكومة نتانياهو المتطرفة ويشارك فيها وسائل الاعلام الاسرائيلية، ضد القيادة الفلسطينية بسبب الاعلان عن الاتفاق الفلسطيني الداخلي لتطبيق المصالحة، هذه الحملة إضافة الى التهديد بفرض سلسلة من الاجراءات والتدابير ضد الفلسطينيين تثير الاشمئزاز وتبعث على الادانة والاستنكار ليس فقط بسبب الزرائع الواهية والاكاذيب التي تستند اليها وانما ايضا وبالاساس بسبب الدوافع الحقيقية ورائها وهي خطيرة جدا وما تكشفه هذه الحملة التي يشارك فيها اقطاب هذه الحكومة كافة من اليمين وما يسمى بالوسط وحتي اولئك الذين ينتمون لليسار او صنفوا انفسهم كذلك، ما تكشفه من زيف هذه التقسيمات لتؤكد ان الغالبية الساحقة في الحلبة السياسية الاسرائيلية وفي وسائل الاعلام انما هي مناهضة للسلام وللشرعية الدولية وتنتمي الى عقلية الاحتلال واطماع الاستيطان والتوسع.
بداية لابد من التأكيد ان المصالحة الفلسطينية شأن داخلي فلسطيني لا شأن لنتانياهو وحكومته ومستوطنيه كما لا يحق لأي طرف أجنبي التدخل في هذا الشأن الداخلي. كما يجب التأكيد لنتانياهو وحكومته ان اسرائيل ليست هي الجهة التي يحق لها منح الحقوق أو فرض العقوبات على الشعب الفلسطيني وقيادته بل انها هي الجهة التي يجب ان تحاسب وتعاقب على احتلالها غير المشروع وانتهاكاتها الفظة للقانون الدولي ومصادرتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وانتهاكاتها اليومية لحقوق الانسان ... الخ من الممارسات والمواقف التي تضع اسرائيل في مصاف قوى الاحتلال والعنصرية التي ناضلت البشرية طويلا في مكافحتها والتخلص منها.
لقد تذرع نتانياهو واقطاب حكومته المتطرفة وكذا اقطاب الحكومة السابقة بأن القيادة الفلسطينية لا تتحدث باسم كل الفلسطينيين بسبب الانقسام وعندما استطاع الفلسطينون التوصل لاتفاق لانهاء هذا الانقسام أقام نتانياهو الدنيا ولم يقعدها تحت ذريعة جديدة وهي أن على الرئيس عباس ان يختار بين السلام مع اسرائيل أو السلام مع "حماس" وكأن حكومته جاهزة للسلام متناسيا أن محادسات حكومته ومواقفها هي التي وأدت عملية السلام، كما تذرع بأن "حماس" لا تعترف باسرائيل ولا بالاتفاقيات متجاهلا ان بعض اقطاب أئتلافه الحكومي دعت الى الغاء اتفاق اوسلو ولا تعترف بالحقوق الفلسطينية وتؤيد الضم والتوسع، عدا عن ان نتانياهو نفسه لا يعترف حتى الآن بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
والغريب العجيب ان تنبري تسيبي ليفني زعيمة حزب "الحركة" التي طالما تشدقت شعارات السلام الى هذه الحملة المسعورة ضد السلام وضد الشعب الفلسطيني وحقوقه لتكشف مجددا عن وجهها الحقيقي المتطرف المناهض للشعب الفلسطيني ولمتطلبات السلام العادل. والأغرب ان تعطي نفسها الحق في التدخل السافر بالشأن الفلسطيني متجاهلة انها تمثل قوة احتلال غير مشروع والاجدر بها ان تنظر لنفسها بالمرآة قبل ان توجه المواعظ للشعب الفلسطيني وقيادته.
إن ما يجب ان يقال هنا ان هذه الحكومة الاسرائيلية المتطرفة بكل اقطابها لا تريد السلام ولا تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتبحث عن ذرائع جديدة يوميا للتستر على عزلتها الدولية بعد ان بات العالم بأسره يدرك من هو الذي يعطل عملية السالم وبعد ان أكدت الولايات المتحدة حليفة اسرائيل الكبرى الأولى ان مواقف نتانياهو وحكومته اسهمت في وصول عملية السلام الى طريق مسدود.
كما أن ما يجب ان يقال انه يجدر بنتانياهو وحكومته ولفني التي اوهمت العالم انها تبحث عن السلام، التخلي عن هذه الغطرسة وان يدركوا أن حقوق الشعب الفلسطيني ليست منَّةً تمنحها اسرائيل وان الشعب الفلسطيني لن يقبل بأن يكون موضعا لعقوبات اسرائيل وغطرستها تماما كما يرفض أي تدخل من قبل اسرائيل في شؤونه الداخلية.
واخيرا فإن هذه الحملة المسعورة انما تكشف عجز وافلاس الاحتلال الذي يعود بالتلويح باجراءات وتدابير عفا عليها الزمن ناسيا ان الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يقايض حقوقه المشروعة بكل اموال الدنيا ولن نركع أو نستسلم اذا ما عادت اسرائيل وفرضت اجراءات اقل ما يقال فيها انها انتهاكات فظة للقانون الدولي. كما تكشف هذه الحملة زيف الادعاء بأن وسائل الاعلام الاسرائيلية وصحفها مستقلة وموضوعية بل هي تتماهى مع الاحتلال وتخدم سياساته وتشكل بوق دعاية بشع لاطماع التوسع والاستيطان والاحتلال واستمرار الانتهاكات رغم بعض الاصوات الشاذة لكتاب اسرائيليين امتلكوا الجرأة كي يقولوا ان المصالحة شأن فلسطيني وفرصة لتقدم عملية السلام.
ماذا بعد التاسع والعشرين من نيسان؟
بقلم: المحامي راجح أبو عصب – القدس
تنتهي يوم الثلاثاء القادم التاسع والعشرين من نيسان الجاري مهلة الأشهر التسعة التي حددتها الإدارة الأميركية وبالذات وزير خارجيتها جون كيري بالإتفاق مع الرئيس محمود عباس لمفاوضات مكثفة ومباشرة مع الجانب الإسرائيلي من أجل الوصول إلى تسوية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وكان الرئيس أبو مازن قد وافق على طلب شخصي من الوزير كيري للعودة إلى المفاوضات وذلك عقب قرار القيادة الفلسطينية الإنسحاب من تلك المفاوضات لأنها رأت أن الحكومة الإسرائيلية تتخذ المفاوضات وسيلة للتهرب من تنفيذ استحقاقاتها تجاه عملية السلام، وللإستمرار في سياساتها التي لا تؤدي إلى إنهاء النزاع.
وكان الوزير كيري قد أقنع القيادة الفلسطينية بالعودة إلى المفاوضات بعد أن أكد أن الجانب الأميركي سيلقي بكل ثقله لإنجاح تلك المفاوضات، وبعد أن استجاب كيري لطلب الرئيس عباس بتحديد مهلة زمنية للمفاوضات مدتها تسعة أشهر. وقد جاءت تلك الإستجابة دليلا على أن الجانب الفلسطيني مازال متمسكا بالسلام كخيار استراتيجي وبتحقيقه من خلال مفاوضات جدية تكون وسيلة لإنجاز ذلك السلام المنشود وليس غاية للتهرب من استحقاقات والتزامات اسرائيل تجاه تحقيق ذلك السلام.
والآن وقد شارفت مهلة الأشهر التسعة على الإنتهاء فإن الجميع أي الفلسطينيين والإسرائيليين والأمريكيين يقفون أمام لحظة حاسمة وأمام مفترق مصيري، ذلك أن المفاوضات خلال الأشهر التسعة الماضية لم تحدث اختراقا في الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات وذلك بسبب تعنت القيادة الإسرائيلية وإصرارها على السير في ذات الطريق الذي سلكته خلال الأعوام الماضية والذي أدى إلى انسداد الأفق أمام تحقيق السلام. فلا هي أوقفت الإستيطان بل سارعت من وتيرته، كما أنها رفضت الوفاء بما التزمت به من تحرير الدفعة الرابعة من الأسرى.
ومع أن الحكومة الإسرائيلية تتحمل المسؤولية الكاملة عن الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي وعددا من الوزراء المتشددين في حكومته تهربوا من تلك المسؤولية وألقوها على الجانب الفلسطيني وبالذات على شخص الرئيس محمود عباس علما أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري في كلمته أمام لجنة الإستماع في الكونغرس حمّل شخصيا اسرائيل المسؤولية عن الأزمة الخانقة التي وصلت إليها المفاوضات، وإن كانت الخارجية الأميركية حاولت نفي أقوال الوزير كيري بعد ذلك بضغط من اللوبي اليهودي في واشنطن.
إن رئيس الحكومة نتنياهو بدلا من أن يستجيب لليد الفلسطينية الممدودة للسلام الذي هو مصلحة إسرائيلية بنفس مقدار ماهو مصلحة فلسطينية وعالمية فإنه يعاقب السلطة الفلسطينية ويقرر حجز أموال الضرائب التي تجبيها اسرائيل من المستوردات التي يستوردها التجار الفلسطينيون ليضع السلطة الفلسطينية في أزمة مالية خانقة بحيث تعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه موظفيها وتجاه مسؤولياتها الخدماتية لأبناء شعبها. كما أنه يفضل الحفاظ على ائتلافه الحكومي والإستجابة لوزراء اليمين المتشدد في حكومته الذين يهددون بالإنسحاب من الحكومة إذا تم إطلاق سراح الدفعة الأخيرة من الأسرى الفلسطينيين أو تم تجميد الإستيطان، إنه يفضل ذلك على التوصل إلى تسوية تتيح إنهاء الصراع وتحقيق السلام.
إن اليمين الإسرائيلي المتشدد يريد نسف عملية السلام من خلال رفضه تنفيذ اسرائيل استحقاقاتها تجاه عملية السلام، ويختلق الذرائع والحجج الواهية من أجل ذلك ويزعم أن الرئيس عباس لا يريد السلام، من ذلك ما زعمه الوزير نفتالي بينت رئيس حزب البيت اليهودي من أن الرئيس عباس "يشجع الإرهاب ضد اسرائيل ثم يهددنا بالإستقالة ولذلك إذا رغب في الذهاب فلن يوقفه أحد".
وفي ذات السياق فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يشجع السلطة الفلسطينية، ففي كلمته مساء الإثنين الماضي في احتفالات عيد الميمونة اليهودي قال "إن على السلطة الفلسطينية أن تختار بين حل السلطة أو الوحدة مع حركة حماس" وأضاف قائلا "عندما تريد السلطة السلام فليتصلوا بنا" فهو يرفض تحقيق المصالحة وإعادة الوحدة الى صفوف الشعب الفلسطيني وإنهاء الإنقسام. علما أن إنهاء ذلك الإنقسام وإعادة اللحمة الى جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة من شأنه أن يجعل الفلسطينيين يتحدثون بصوت واحد ويقوي موقفهم في أية مفاوضات قادمة.
ومن هنا فإن على حركة حماس أن تتجاوب مع دعوات الرئيس عباس المستمرة والملحة لتحقيق تلك المصالحة وأن تتوقف عن عرقلة هذه المصالحة لأن المصالحة أصبحت اليوم وفي ظل هذه الظروف القاسية التي تمر بها القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني أصبحت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
والرئيس عباس وقد سئم من المناورات والمماطلات الإسرائيلية فإنه أعلن أكثر من مرة أنه يفكر في الإستقالة وحل السلطة الفلسطينية، والواقع أن حل السلطة سيكون له نتائج كارثية على الجميع. وقد أكد الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين مساء يوم الإثنين الماضي في حديثه خلال برنامج "الرأي الثالث" على شاشة التلفزيون الأردني "أن الجانب الفلسطيني أصبح الآن في عين العاصفة" وقال "إن موضوع حل أو عدم حل السلطة أو إعادة النظر في شكل السلطة أمور مطروحة أمام الإجتماع القادم للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية" ويذكر أن السلطة أنشئت بقرار من منظمة التحرير عقب توقيع اتفاق أوسلو مع الجانب الإسرائيلي في عام 1993.
إن على الجميع خاصة الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها الراعي الرئيسي لعملية السلام والمشرفة مباشرة على المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أن يقفوا أمام مسؤولياتهم الكبرى في هذه اللحظة الفارقة التي تعيشها عملية السلام وأن يتجنب الجميع اللجوء إلى خيار حل السلطة وعلى واشنطن ألا تكتفي بالتحذير من حلها، كما فعلت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية مساء الإثنين الماضي حيث قالت إن حل السلطة الفلسطينية ستكون له تداعيات خطيرة على الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية بما في ذلك المساعدات الفلسطينية.
والحقيقة كما أشارت المتحدثة الأميركية فإن واشنطن بذلت جهودا كبيرة في الأعوام الأخيرة لبناء المؤسسات الفلسطينية من خلال مساعدات أميركية مالية، ومن أجل ذلك فإن على الإدارة الأميركية أن تسعى بكل ثقلها من أجل منع حل السلطة الفلسطينية من خلال الضغط على الحكومة الإسرائيلية للوفاء بالتزاماتها تجاه عملية السلام وهي تعلم يقينا أن الجانب الفلسطيني قد وفى بكل التزاماته تجاه تلك العملية، وإذا كانت المتحدثة الأميركية أعربت عن أملها في أن يتمكن الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي من الإتفاق على تمديد فترة المفاوضات بينهما وأن الوزير كيري سيكون على استعداد للعودة إلى المنطقة للمساعدة إذا أشارت التقييمات الى أن هذه الزيارة قد تكون مثمرة، فإن على واشنطن ألا تحمل الجانب الفلسطيني المسؤولية عن الأزمة الخانقة التي تمر بها عملية السلام وألا تحذر الرئيس عباس من مغبة العمل على حل السلطة بل تضع النقاط على الحروف وتكون نزيهة وتشير بأصبعها إلى من يعرقل المفاوضات من خلال اصراره على الاستمرار في سياسة التوسع والاستيطان والتهرب من استحقاقات عملية السلام.
إن الأيام القادمة عقب انتهاء مهلة الأشهر التسعة تنذر بالكثير من الإحتمالات، وإن المنطقة تقف على عتبة مرحلة غاية في الخطورة وعلى الجميع تحمل مسؤولياتهم. والقيادة الفلسطينية مستعدة للعودة إلى المفاوضات الجادة والمستمرة التي تؤدي إلى سلام عادل وشامل يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة في الأراضي الفلسطينية ضمن حدود الرابع من حزيران عام 1967. فعلى اسرائيل والولايات المتحدة ألا تضيعان هذه الفرصة النادرة لتحقيق السلام العادل والشامل. والله الموفق
رسالة مفتوحة الى المجلس المركزي لمنظمة التحرير
بقلم: د. ممدوح العكر – القدس
السادة أعضاء المجلس المركزي المحترمين،
أشعر كمواطن أن من واجبي الوطني ان أخاطبكم بكل مسؤولية وصراحة وأنتم مِمّنً يتحملون عبء اللحظة التي تواجهها بلادنا فلسطين ، أرضاً وقضيةً وشعباً، خاصة وأن توقيع اتفاق المصالحة الوطنية في غزة قبل أيام يمكن أن يؤشر إلى مرحلة جديدة تفتح أفاقاً واسعة لشق مسار جديد لحركتنا الوطنية بقيادة م ت ف أذا ما أحسنّا مراجعة تجربة أكثر من عقدين واستخلصنا الدروس والعبر الصحيحه، وإذا ما أدركنا أن هذه المرحلة التي قد نكون مقبلين عليها تتطلب تعزيز تماسكنا الداخلي مقروناً بالإرتقاء بآلية اتخاذ قراراتنا إلى مستوى المسؤولية الجماعية وأن تكون هذه الآليه قائمة على المعرفة والتحليلات المعمقة والسيناريوهات والخيارات المدروسه.
وأي محاولة للإسهام في هذه المراجعة الشاملة كخطوة ضروريه لشق هذا المسار الجديد لا بد وأن ترى أن المشروع الصهيوني يزداد تغولاً ، ونراه يسابق الزمن وبشكل خاص في نشاطاته الاستيطانية المحمومة وفي عملية تهويد القدس بما لا سابق لها. بينما تقطعت السبل بنا وبمشروعنا الوطني، في حق تقرير المصير والاستقلال والعودة ، منذ ان دخلنا نفق أوسلو المظلم والمغلق ، أجل المظلم والمغلق .
فقد قبلنا على أنفسنا الالتزام بأن نسلك طريقا وحيداً أوحداً لحل " الصراع " وهي طريق المفاوضات. فسلكناها دون ضوابط ومرجعيات واضحة وبلا سقوف زمنية ، وبلا أخذ الحيطة بالعمل على بلورة بدائل وخيارات فيما لو اتضح لنا ، خلال هذه المفاوضات ، سوء النوايا الإسرائيلية وسعيها لأن تجعل ميزان القوى على الأرض وإملاءاته المحدد الأساسي للحل دونما اعتبار لحقوق شعبنا ، و فيما إذا تبين لنا ان إسرائيل تستغل المفاوضات غطاءً لتعميق الاحتلال بدلاً من تفكيكه ، وللمضي حثيثاً في تنفيذ المشروع الصهيوني لتحويل فلسطين الى وطن قومي حصرياً للشعب اليهودي .
قبلنا بكل ذلك ، وتعاملنا مع اتفاق أوسلو بحسن نية مفرطة وبتوقعات لا أساس لها على أرض واقع الممارسات الإسرائيلية اليومية ، بل ورضينا حتى بما هو أقسى من ذلك حين قبلنا بالتنسيق الأمني مع الاحتلال .
لقد اعتبرنا أن كل ذلك إنما كان ثمناً نقدمه على مذبح حريتنا واستقلالنا ، وأن طريق المفاوضات التي أُجبرنا على سلوك نفقها كممر إجباري وحيد لا بد وأن نرى نور الحرية في نهاية هذا النفق .
فماذا كانت نتيجة هذا المسار . لا أظنني بحاجة لأن أسرد عليكم تفاصيل الواقع ألذي آلت إليه أحوالنا من منظور اقترابنا أو ابتعادنا عن أهدافنا الوطنية المعلنة التي من أجلها دخلنا عملية المفاوضات .
والآن ، أما وقد اتضحت أمامنا كل الصورة وحقيقة ظلمة وانسداد نفق المفاوضات، وما آلت إليه حالنا بعد مسار أكثر من 22 عاما من التفاوض المرير مع إسرائيل خاصة مع تجربة الشهور التسعة الأخيرة، أما آن لنا ان يتوقف مجلسنا المركزي لمواجهة الحقيقة، وندرس هذه التجربة، ونستخلص الدروس والعبر وصولا إلى تصحيح ذلك المسار .
حتى صاحب أي مشروع فردي إذا ما أكتشف ان مشروعه يعاني من خسائر متتالية بعد سنتين او ثلاثة او خمس سنوات، فإنه يجد نفسه مضطراً لأن يراجع نفسه ويعيد حساباته وطريقة إدارته للمشروع . فما أحرانا بمثل هذه المراجعة ونحن لسنا بأصحاب مشروع فردي بل أصحاب مشروع وطني ومصير وطني، وأمضينا أكثر من 22 عاماً من الالتزام بسلوك طريق وحيد هو المفاوضات رغم أنها أدت وتؤدي يومياً الى خسائر متواصلة من لحم قضيتنا ودمها . أما آن لنا ان ندرك ان هذه المفاوضات قد حشرتنا في مربع وفي قلب ملعب المشروع الصهيوني الذي أصبح واضحاً للقاصي والداني أنه لا يمكن أن يقبل لنا بأكثر من حكم ذاتي فاقد للسيادة حتى لو طاب لنا ان نسمي ذلك إمبراطورية وليس فقط دولة. أما آن لنا ان ندرك أننا لن نتمكن من إنهاء الاحتلال من خلال عملية تفاوضية فقط ، حتى لو كان لدينا عشرات كبار المفاوضين، لن ينتهي الاحتلال يا سادة إلا عندما يصبح هذا الاحتلال مشروعاً خاسراً لإسرائيل يومياً، وعلى كل الأصعدة: مادياً، واقتصادياً، وأمنيا، وسياسياً، ودبلوماسياً، وأخلاقياً. آن لنا أن ندرك يا سادة، وقبل فوات الأوان، أن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة هو مشروع كفاحي نضالي بامتياز ، ولا يمكن ان يكون على الإطلاق مشروعاً تفاوضيا. دور المفاوضات في المشروع الكفاحي يأتي فقط في مرحلة تالية ، و فقط بعد أن يدرك المحتل ان مشروعه أصبح خاسراً وأن " عليه أن يحمل عصاه ويرحل".هذه حقائق و بديهيات أدركتها كل حركات التحرر الوطني من قبلنا، ولن نكون نحن الفلسطينيون استثناءً تاريخياً لهذه البديهية، خاصة أننا نواجه خصماً ليس محتلاً وحسب بل هو صاحب مشروع استعمار استيطاني إحلالي وبنكْهةٍ خاصةٍ لنظام أبارتيد وفصل عنصري .
الإخوة أعضاء المجلس المركزي
أمامكم الآن، وأمام شعبنا و قضيتنا، فرصةٌ فريدة، وأكاد أقول أنها ربما تكون الفرصةٓ الأخيرةٓ لمجلسكم كي يمارس دوراً تاريخياً فيقوم بتصحيح المسار، بعد أن أصبح هذا التغيير ضرورةً ملحةً لا تحتمل المزيد من التأخير أو المماطلة أو الهروب من استحقاقاتها. ومن هنا وفي هذا السياق أرى أهمية أن يكرس اجتماعكم جلّ اهتمامه للتصدي للأولويات التالية: -
أولاً - حول المفاوضات :
لا بدّ من اتخاذ قرار حاسم بالنسبة للمفاوضات على ضوء استعراض التجربة كاملةً على نحو ما ذكرت آنفاً، كخطوة أولى لتغيير المسار باتجاه تفعيل الخيارات الأخرى المتاحة والممكنة والضرورية، مع وضع العمل السياسي بما فيه المفاوضات في سياق المسار الجديد والتوجهات الإستراتيجية الجديدة وليس العكس. بمعنى ان العمل السياسي والمفاوضات يجب ان يخدما التوجهات الإستراتيجية وجزءا داعماً لها، لا أن نجمد كل خياراتنا خدمة لخيار المفاوضات ، وفقط المفاوضات، ومفاوضات إثر مفاوضات .
ويجب أن ندرك أن المراجعة الشاملة لمسيرة المفاوضات على طريق تغيير المسار يجب ان يقترن بإعادة النظر بالكثير من المواقف التي أتت في سياق تلك المفاوضات، وأولها سحب فكرة تبادل الأراضي من التداول. ففكرة تبادل الآراضي أًصبحت غطاءً إسرايلياً لشطب حدود 67 التي نريد إقامة دولتنا الحره المستقلة عليها، كما أصبحت صكاً يمنح الشرعية للإستطيان الذي هو جوهر المشروع الصهيوني
من الضروري أن يكون قراركم واضحاً وقاطعاً أن لا رجعة للمفاوضات ( عندما تنضج الظروف الملائمة لها) إلا ضمن الشروط التي تم الإعلان الرسمي عنها من حيث التزام إسرائيل بالإفراج عن الأسرى، وتجميد كافة النشاطات الإستطيانيه بما يشمل القدس، والتزامها بحدود 67، وأن تكون مفاوضات ذات مرجعية واضحه وملزمه. كما لا بد من التمسك إضافة لذلك بأن تتم المفاوضات مستقبلاً ضمن إطار دولي ذي مصداقية وألا نعود إطلاقاً لمفاوضات تنفرد أمريكا برعايتها. وأهم من كل ذلك ألا تتم أية مفاوضات مستقبلاً إلا في سياق مسارٍ جديد وجزءاً من خيار استراتيجي جديد أخذت مكوناته في التبلور في السنوات الأخيرة ، وتتركز في المحاور التالية: -
أ - تفعيل كافة أشكال المقاومة الشعبية. وهذا يعني تلقائياً وقف التنسيق الأمني . مٓنْ يقاوم الاحتلال لا يمكن أن ينسق معه أمنياً.
ب - المضي قدماً في تفعيل دور القانون الدولي، واستكمال الخطوات المترتبة على حصول فلسطين على مكانة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، من أجل مساءلة إسرائيل ومحاصرة سياساتها على الساحة الدولية. فهناك الكثير مما يمكن عمله لقضِّ مضاجع إسرائيل على هذه الساحة.
ج - دعم برنامج مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها ( BDS ) ولا يليق بنا في هذا السياق أن نحاكم نشطاء حملة (BDS) لممارستهم حقهم في حرية الرأي والتعبير طالما وشريطة أن يتم ذلك بطرق سلمية. كما لا يليق بنا ونحن نوقع على أرقى ما وصلت إليه الإنسانية من مواثيق وعهود لصيانة حقوق الإنسان أن نلجأ إلى نصوصٍ قانونيه تم العثور عليها في قوانين عقوبات بالية وليست بذات صلة ووردت في قانون يتعلق بضبط "التسول"
د - تبنّي خطة صمود اقتصادية تنسجم مع مقتضيات ومتطلبات شعب تحت الاحتلال ، من حيث استعادة روح التضامن والتكافل المجتمعي وضبط النزعات الاستهلاكية المفرطة والتي جعلت شرائح واسعة من شبابنا رهائن لرواتب وقروض ، وإعادة النظر في الكثير من السياسات الاقتصادية الخاطئة التي قادت بنا الى تكريس جلّ ميزانيتنا العامة نحو أجهزة "الأمن "بدلاً من تكريسها نحو شبكة "الأمان" المجتمعية ونحو التعليم والصحة والزراعة على سبيل المثال. خطةً تدير ظهرها لكل محاولات مقايضة وربط المساعدات الاقتصادية بالمساومة على مواقفنا السياسية وحقوقنا الوطنية.
ثانياً - حول إعادة بناء منظمة التحرير :
لا بد من اتخاذ خطوات عملية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتستعيد دورها إطاراً وجسماً تمثيلياً حقيقياً يقود الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، بما في ذلك إعادة موضعة دور السلطة الوطنية كذراع لمنظمة التحرير الجديدة ويخدم توجهاتها الإستراتيجية الجديدة بعد أن أصبحت هذه السلطة في وضعها الحالي عبئاً، إن لم تكن عقبةً على طريق المشروع الوطني ، وبعد أن أصبح الحفاظ عليها هدفاً في حد ذاته بدلاً من أن تكون وسيلةً وأداة على طريق إنهاء الاحتلال . وفي هذا السياق علينا أن ننتبه، وبإمعان شديد لمغزى ودلالات التهديدات الإسرائيلية والأمريكية ضدنا لمجرد تلميحاتنا بحلّ السلطة ...!
ثالثاً - حول تعزيز المصالحة وإنهاء الانقسام
والآن وقد تم اتخاذ خطوه كبيره على طريق إنهاء الإنقسام والتي لن تكون بالتأكيد طريق تنفيذها معبدهً بالورود وخالية من الصعاب والإحباطات. اسمحوا لي في هذا السياق ان اقترح أن يتم التركيز بشكل خاص على أحد أهم بنود إتفاق المصالحة لاعتقادي أن من شأن هذا البند أن يكون مدخلاً لإعادة بناء. م.ت. ف.، ويمكن له أن يكون في ذات الوقت مدخلاً لتعزيز المصالحة والوحده الوطنية،
وذلك البند هو المتعلق بتشكيل الإطار القيادي المؤقت. إذ أنني أعتقد مع الكثيرين بألا نكون في عجلةٍ من أمر الإنتخابات قبل أن يتم التمهيد الضروري لإجرائها كي تأتي هذه الإنتخابات تتويجاً للوفاق الوطني، وللحيلولة دون أن تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الإنقسام والاستقطاب الداخلي، وكي لا تعيدنا إلى كوابيس التناحر العشائري والجهوي والفصائلي، وحتى داخل الفصيل الواحد نفسه. وهذا يتطلب أن نسير في تشكيل الإطار القيادي المؤقت جنباً إلى جنب مع بلورة توافق على برنامج عمل وطني ومسار جديد يعيد صياغة مشروعنا الوطني
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ولتأكيد أن لا نكوص عن الانتخابات يترتب على الإطار القيادي المؤقت المبادرة إلى إجراء انتخابات قاعدية لمختلف النقابات والاتحادات المهنية والقطاعية في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني كخطوات تمهيدية لإعادة بناء م . ت .ف . من الأسفل الى الأعلى .
الأخوه أعضاء المجلس المركزي:
إذا كنا قد وصلنا، أخيراً، إلى الاستنتاج الدقيق والذي عبّر عنه مراراً د. صائب عريقات بأن بعض أهداف اسرائيل الاستراتيجية تتلخص في أن إسرائيل تريد لنا سلطة بدون سلطة وتريد إحتلالاً بدون تكلفة وتريد أن تبقى غزه خارج فضائنا الوطني.
ألا يقودنا هذا إلى ضرورة تغيير المسار للحيلولة دون تحقيق إسرائيل لهذه الأهداف؟؟
فهل يستطيع مجلسكم الموقر ان يسمو ويرتقي الى تحديات المرحلة المصيرية ، وأن يفكر خارج الصندوق ؟
إذا لم يتمكن مجلسكم الآن من ذلك، فمتى ؟
وإذا لم يتحمل مجلسكم هذه المسؤولية ، فَمَنْ غيركم ؟
أبٓعْدٓ فوات الأوان ؟ وهل يغفر لكم التاريخ وشعبنا ذلك ؟
وهل يبقى لكم من شرعيةٍ بعدئذٍ .. ؟؟
إسرائيل تواصل لعبة الطرد والاستيطان
بقلم: ماجد الشيخ – القدس
بعد أكثر من ستين عاماً على قيامها، تجد إسرائيل نفسها اليوم في وضع مهتز، وحساس جداً، وربما أكثر مما كانت عليه عام 1948. ووفق تقارير إعلامية وسياسية إسرائيلية، فإنّ أداء نتانياهو قد يقود إلى العقوبات الاقتصادية والمقاطعة. في وقت وجد من يتساءل: هل نحن في حاجة إلى نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية يقاتلون على ثلاثة في المئة من الأرض؟ في حين أنّ المشكلة المركزية لإسرائيل ليست الحروب، إنما الوضع الاقتصاديّ، وقد تبين في ضوء دعوات المقاطعة الأوروبية، أنّ لا حاجة لقرار من الأمم المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية أو مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، إذ يكفي أن تبدأ بذلك دولة واحدة لينتشر في كل أوروبا. وبما أن إسرائيل دولة مصدرة، فإنه في ظل الوضع الصراعي مع الشعب الفلسطيني واستمرار الاحتلال، بات العالم يميل إلى اعتبارها دولة أبارتهايد، في إشارة إلى تشابه وضعها مع وضع جنوب أفريقيا.
في هذه الأثناء، يمضي الفلسطينيون بصورة متزايدة، نحو اعتماد نموذج جنوب أفريقيا القائم على المقاومة الشعبية في الداخل، والدعوة إلى مقاطعة دولية لإسرائيل من الخارج، وذلك في أعقاب مضي مجموعة من الناشطين الفلسطينيين بتنظيم الكثير من الأنشطة التي تنامت مع الوقت، مولدة أشكالاً متنوعة من المقاومة الشعبية السلمية التي كانت بدأت بقرية بلعين الصغيرة عام 2004، وامتدت إلى عدد أكبر من القرى والتجمعات، ثم تحولت إلى تنظيم أنشطة رمزية مركزية، مثل إقامة قرى في مناطق مهددة بالمصادرة، أو إعادة إحياء قرى مهجرة وغيرها.
وتوجت جهود الفلسطينيين الداعية إلى مقاطعة المستوطنات ومنتجاتها والمؤسسات العاملة فيها، بإعلان الاتحاد الأوروبي وقف كل أشكال الدعم والتعاون مع مؤسسات تعمل في المستوطنات ابتداء من العام الحالي، وإلزام إسرائيل إظهار منشأ كل سلعة تصل إلى السوق الأوروبية، لتمييز سلع المستوطنات عن السلع المنتجة في إسرائيل. وبيّنت منشورات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية تراجعاً كبيراً في صادرات المستوطنات من المنتجات الزراعية العام الماضي بنسبة 50 في المئة، وتراجع صادراتها الصناعية والتجارية بنسبة 14 في المئة.
من هنا، تلك الملاحظة التي خلصت إليها دراسة إسرائيلية، تقول إن إسرائيل توقفت منذ زمن طويل عن إنتاج خطاب أخلاقي كباقي الدول المتنورة، وهي لا تستطيع مواصلة الرقص في حلبة الديموقراطية على ألحان رقصة الاحتلال، على حد تعبير باحثة، كشفت النقاب عن أن نظرية حديثة لتحليل الاحتلال الإسرائيلي، تؤكد أن وضع السكان الفلسطينيين تحت الاحتلال، يشبه كثيراً وضع العبيد السود في أميركا في القرن الـ19، وأن الإسرائيليين المأسورين والمرتهنين لنظرية التوسع الاستيطاني، ليسوا على استعداد للاعتراف بذلك، كما قالت عالمة الاجتماع الإسرائيلية إيفا إيلوز التي أعدت الدراسة ونشرتها في ملحق صحيفة (هآرتس).
وإضافة إلى العنصرية المقيتة والأبارتهايد الذي بات مكشوفاً أكثر من ذي قبل، يحاول الكيان الاستيطاني الصهيوني اللعب على الوتر الطائفي، عبر تبني ما يبدو وكأنه خطة جهنمية لتفرقة أبناء الشعب الفلسطيني، بطوائفه المختلفة المسيحية والإسلامية. ومن ضمن التوجهات العنصرية المتنامية، إعلان رئيس كتل الائتلاف في الكنيست، النائب ياريف ليفين، اعتزامه طرح مجموعة قوانين مؤداها «فرق تسد» على أساس طائفي ضد فلسطينيي 1948، وتمنح حقوقاً للعرب المسيحيين وفصلهم عن المسلمين، بادعاء أنهم «ليسوا عرباً»، وفي محاولة لجعلهم وفق توصيفه «يتماثلون مع إسرائيل»: وبالفعل أصدر الكنيست، قانوناً اعتبر فيه المسيحيين العرب تحت الاحتلال، أقلية منفصلة عن المسلمين العرب!
واعترف ممثل النيابة الإسرائيلية قبل أيام بأنّ إسرائيل تنظر إلى احتجاجات عرب الـ48 السياسية بمنظور أمني، وترى فيها تهديداً أمنياً، وتصفها بأن دوافعها «أيديولوجية تآمرية – على خلفية قومية». جاءت أقوال ممثل الدولة في معرض دفاعه عن الدور الذي لعبه محققو «الشاباك» خلال الاحتجاجات على مخطط «برافر» بناء على التماس «جمعية حقوق المواطن» للمحكمة العليا، والتي قالت إنّ جهاز الأمن العام «الشاباك» يلاحق الناشطين السياسيين الذين شاركوا في الاحتجاجات ضد مخطط برافر التهجيري.
يجري هذا كله على خلفية ذاك «الإجماع الصهيونيّ» الذي يرى أنّ المشكلة الديموغرافية هي الخطر الأعظم الذي يتهدد أسس الكيان، وبشيء من مفارقات السخرية يقول البروفيسور أرنون سوفير أستاذ قسم الجغرافيا في جامعة حيفا، إنّه لا بأس من أن نُبقي على حاجتنا من الفلسطينيين، لجهة استخدامهم في جمع القمامة، والعمل في البنية التحتية الرثة، وكذلك في توفير الخضار والفواكه لنا، وكذلك الخدمة في المقاهي والمطاعم. علاوة على ذلك، يقترح سوفير على عجل، لإنقاذ التدهور السكاني اليهودي في إسرائيل، العمل على استيعاب أكثر من 200 ألف يهودي كل سنة. والأمر في رأي سوفير يتطلّب، وعلى جناح السرعة، قرارات سياسيّة صعبة ولا رجعة عنها، بدءاً مثلاً من الطرد الجماعي، وكل ما خلا ذلك لا يفيد الإسرائيليين، لا اليوم ولا غداً، على حدّ تعبيره.
ديغول إسرائيلي!
وإذا كانت أيديولوجية إسرائيل قامت على مبدأ طرد السكان العرب وإحلال يهود مكانهم، فإنّ مخازنها اليهودية في الخارج بدأت بالنضوب، لجهة إمدادها بالصهاينة الراغبين في العودة إلى ما يُطلقون عليها أرض الميعاد، الأمر الذي جعل سوفير وأصدقاءه يعلنون تعويم الترانسفير الجديد، وطرد كل من فلسطينيي 1948، ومعهم فلسطينيو غزة والضفة الغربية أيضاً إلى الأردن والعراق، وتوطين الفلسطينيين حيث هم في الدول العربية ودول العالم كافة.
وتحت عنوان (دولة تل أبيب تهديد لإسرائيل)، كتب أرنون سوفير يقول: إنّ إسرائيل ستُواجه خلال الـ15 عاماً المقبلة، أخطار انهيار داخلي مريع، يتهددها أكثر من القنبلة النووية الإيرانية والجيوش العربية مجتمعةً، يتمظهر ذلك في فقدان السيطرة على أطرافها، وفي إطار اختزال تمركز ذاتها في دولة تل أبيب، على حدّ وصفه.
أخيراً، وللخروج من هذا الانسداد المزمن في المفاوضات وقضايا الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، دعا اللواء المتقاعد والأكاديمي الإسرائيلي آهرون بريغمان الشعب الفلسطيني إلى إطلاق «انتفاضة شعبية غير مسلحة» ضد إسرائيل، لإجبارها على الرضوخ لمتطلبات السلام. وقال: «لإنجاح عملية سلام في المنطقة يجب أن تتوافر ثلاثة عوامل غير متوافرة الآن، وهي: انتفاضة فلسطينية غير عنيفة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثانياً: ممارسة ضغط دولي على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وأخيراً، وجود حكومة يمينية في إسرائيل تكون قادرة على تقديم تنازلات». المطلوب أكثر من ذلك: وجود ديغول إسرائيلي ووضع دولي مساند، وغالبية إسرائيلية تقف في مواجهة ما يسمى «الإجماع الصهيوني» المتماسك حتى اللحظة.
العالم أدمن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية فقط
بقلم: آرون ديفيد ميلر – القدس
في افتتاحية استثنائية نشرت في الأيام الأخيرة، دعت صحيفة "النيويورك تايمز" الولايات المتحدة إلى التوقف عن إضاعة وقتها على المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، والانتقال منها إلى شيء آخر. في عالم آخر، ربما لم تكن هذه النصيحة لتكون مرضية عاطفياً وحسب، وإنما ستكون عملية أيضاً. إن عملية السلام تفعل أكثر مما يفعله السلام لكل من بنيامين نتنياهو ومحمود عباس: إذ يحصل كلا الجانبين على أشياء من دون أن تترتب عليهما التزامات حقيقية. ويشكل جون كيري الغطاء الأمني الذي يجعل ذلك ممكناً.
وإذن: لماذا لا نرفع ذلك الغطاء؟
من منظور كيري، أعرف تقريباً لماذا لا يريد فعل ذلك. إنك لا تستطيع التوصل إلى اتفاقية لإنهاء الصراع حالياً —وهي وجهة نظر ما أزال أداوم على طرحها منذ العام 2003، على نحو يخيب أمل العديدين ممن لا يوافقونني على تحليلي السلبي. لكنك تستطيع من العملية تجنب العنف والإبقاء على الأمل حياً.
ثمة مسوغ آخر لاستدامة العملية الجبارة، هو أن أميركا والعالم عاجزان مؤسسياً عن التنصل منها. وتلك كانت الحالة في العقدين ونيف الماضيين منذ بدأت العمل في سلام الشرق الأوسط، وهو ما يصح الآن أكثر من أي وقت مضى على الإطلاق. وثمة عدة أسباب لذلك.
أحيانا يتولد لدي الشعور بأن العالم بأسره يعتبر عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين نقطة ارتكاز للحضارة الحديثة. ويشكل شهادة استثنائية على استدامة هذه القضية أنه، مع كون مصر في حالة فوضى عارمة مزمنة، وسورية في حالة تحلل، وليبيا في حالة فشل معدل، وفلاديمير بوتين يهدد بالتهام المزيد من أوكرانيا، وآسيا تتطلع إلى مزيد من الاهتمام أيضاً، فإن عملية السلام تستمر في جلب الزخم الذي تستقطبه.
يعود هذا، في الجزء الكبير منه، إلى صناعة عملية السلام الحقيقية التي تبقي على الطبول تقرع. وتتكون هذه الصناعة من المدافعين عن الدولة اليهودية والحاطين من قدرها والذين عقدوا العزم على جعل الموضوع مهماً لأعوام كثيرة ستلي: الزعماء الدينيون والمؤمنون المسلمون واليهود والمسيحيون على حد سواء؛ والدبلوماسيون من كل أنحاء العالم ممن يكسبون عيشهم من الموضوع (وأنا أتحدث من تجربة شخصية). وبالطبع، ثمة الإعلام، الذي يرى في هذه المسألة مصدراً للأخبار—قصة تستمر في العطاء.
كل هؤلاء اللاعبون مجتمعون سوية يوفرون قوة هائلة لبقاء عملية سلام معمرة. وحتى لو أن النتائج لا تظهر على الإطلاق، فإن جماعة الضغط من أجل السلام ستحافظ على بقاء النار مشتعلة.
يشكل كيري عضواً رئيساً في هذه الكينونة. إنه، باختصار، مدمن على عملية السلام. وأنا أعرف ذلك الشعور. إنه يعتقد بحق بأن المصلحة القومية الأميركية لا تكمن في الحفاظ على العملية حية وحسب، ولكن أيضاً في جعلها تؤتي أكلها. وهو يعتقد بأن هذه هي بالفعل الفرصة الأخيرة للسلام، وهو يعتقد بأنه يتوافر على ثقة الأطراف والإرادة والمهارة التي تمكنه من حلها. وهو يعتقد بالإضافة إلى ذلك بأن التوصل إلى اتفاقية هو تذكرته وصوله إلى قاعة مشاهير وزارة الخارجية الأميركية.
إنك لا تنسحب فقط عندما يكون لديك إيمان بمثل بهذه الأشياء. ولا يستطيع كيري التظاهر بأنه لا بأس عليه إذا غادر. إ،ه يهتم كثيراً جداً. ولذلك يفعل كل ما بوسعه من أجل شراء الوقت، على أمل أن شيئاً ما قد يحدث وينقذ العملية: مثلاً صفقة أميركية إيرانية حول الموضوع النووي، أو اختفاء بيبي من المشهد السياسي بطريقة سحرية (الاحتمال الأول أكثر ترجيحاً مقارنة مع استحالة الاحتمال الثاني). لا شك في أن أميركا كانت قد هددت بالانسحاب من هذا الشأن من قبل. واللحظة الأيقونية التي غالباً ما يستشهد بها في هذا الصدد كانت عندما أعطى جيمس بيكر (وزير الخارجية الأميركية الأسبق) الإسرائيليين رقم هاتف البيت الأبيض خلال شهادة له أمام الكونغرس في حزيران من العام 1990، وقال: "عندما تكونون جادين بشأن السلام، اتصلوا بنا."
لكن ظروف اليوم مختلفة بشكل جذري قياساً بما كانت عليه وراء عندها. في حزيران 1990، لم تكن ثمة أي عملية سلام للانسحاب منها. ولم يكن لا العرب ولا الإسرائيليون قد أمضوا 20 عاماً وهم يتفاوضون تحت الأحزمة. وفي أي حال، لم يكن لتعليقات بيكر أي تأثيرات ذات بال حينذاك. لكن بعد 18 شهراً، وفي أعقاب انتصار إدارة بوش على صدام حسين (الرئيس العراقي الأسبق)، بدأت عملية مدريد بشكل جدي. وعندها استخدم بيكر التهديد بالانسحاب مرة أخرى —وعلى نحو أكثر فعالية بكثير. فقد كان لديه شيء ما ليخسره، وكذلك كان حال كل الأطراف الأخرى. لقد أدركوا ذلك، وقد أرعبهم.
إن كيري ليس ببيكر، ومع ذلك، فقد استثمر كثيراً بحيث لا يستطيع رفع يديه من الموضوع -الأمر الذي بينما قد يخاطر بإفشال العملية برمتها، ربما يرسل شيئا من قبيل دعوة إيقاظ للأطراف، والتي مؤداها أنه لم يعد يحميهم. وأعتقد أن الرئيس لن يصدر أمراً إلى وزير الخارجية بالقيام بذلك. فانهيار العملية ربما يرعبهما كليهما أكثر مما يرعب بيبي وعباس، وهو شيء ليس جيداً أبداً.
لعل ما هو أكثر من مرجح هو أن تمضي العملية قدما. وفي المدى المنظور، فإما سيحاول كيري الحصول على اتفاقية لتمديد نسخة ما من الصفقة الأصلية، وإما ستقدم الأطراف، لغاياتهم الخاصة، على الخروج بصيغة تنقذ ماء الوجه لتجاوز ما يدعى الموعد النهائي في 29 نيسان ، ويتم خلال ذلك وضع نوع من إطار عمل لبحث قضايا الوضع الدائم.
لكنه حتى مع عدم حدوث أي من تلك الأشياء، وحتى لو انهارت العملية، فإنها لن تكون قد ماتت تماماً مع ذلك. إن جماعة الضغط من أجل السلام قوية جداً بحيث أن عملية السلام ستعيش على شكل ما –فحيوات الإسرائيليين والفلسطينيين ومستقبلهم هي أمور مرتبطة بشكل لا يقبل الانفصام.
إذا كان ثمة شيء يستطيع إجبار الجانبين على الوصول بهذا الصراع إلى نهاية، فإنه قد يكون المخاطر المتأصلة في قربهما من بعضهما البعض. ولأنها غير مقبولة أخلاقياً وغير صحيحة سياسياً كما ينبغي الاعتراف، فإن جهودنا للإبقاء على عملية السلام حية، بينما يكون القصد منها هو مجرد تجنب انفجار العنف، قد لا تكون أكثر من مجرد تأجيل ليوم الاعتراف، فحسب.
*نائب رئيس المبادرات الجديدة وعالم بارز في مركز وودرولسون الدولي للعلماء. كتابه المقبل بعنوان نهاية العظمة: لماذا لا تستطيع أميركا ( وهي لا تريد) رئيساً عظيماً آخر.
مصالحة؟ فعول، فاعلاتن، مستفعلن .. ومفاعلتن!
بقلم: حسن البطل – الايام
إن قالوا: جدّ الجدّ، قد نسأل عن المستجد في إعلان غزة. من بين عناوين الصحف الوطنية، لعل عنوان "الأيام" على ثمانية أعمدة هو المقاربة الأنجح: "إعلان غزة يرسم خارطة طريق لإنهاء الانقسام".
خارطة طريق فلسطينية هذه المرّة، وقد نتذكر أن المفاوضات الحالية، المستجدة، بدأت من خارطة طريق صار لها من العمر عقد من السنوات، وخلالها توضّح الطريق الرئيس (دولتان لشعبين) ولم تتوضح الطرق المفضية الفرعية الى خارطة (دولتان لشعبين).
لنسأل عن المستجد في "خارطة طريق" فلسطينية، فقد نجده أن "جاهة" الضفة للصلحة كانت، هذه الخطرة، في معيتها رؤساء أحزاب فلسطينية صغيرة (وشخصيات كبيرة فيها) ورجال أعمال مستقلون.
قرار إيفاد "الجاهة" الى غزة اتخذته القيادة الفلسطينية ليحمل راية م.ت.ف، وليكون الحوار هذه المرة، أقرب الى حوار بين فصائل م.ت.ف وفصيل "حماس"، وليس كالسابق حواراً (وأوراق تفاهم) بين فصيلين. يعني: قريباً من حوار وطني شبه شامل لا حواراً بين "فتح" و"حماس".
ما السر في أن أجل تنفيذ "خارطة طريق" إنهاء الانقسام متزامن تقريباً مع أجل مفاوضات الشهور التسعة العاثرة، أو حتى مع تمديدها فترة مماثلة؟
"لخمة" في إسرائيل من "إعلان غزة" و"خيبة" في واشنطن.. وأما في الشعب الفلسطيني فالأغلبية في "حيرة" والأقلية بين تشاؤم وتفاؤل.
هذه، ربما، نالت خطوة، خلال عامين، فاجأت فيها القيادة الفلسطينية إسرائيل وأميركا: جرأت القيادة عام 2012 على تحدي التحذير الأميركي، وربحت التحدي بالتصويت في الجمعية العامة على عضوية فلسطين دولة مراقبة. المفاجأة الثانية كانت أول نيسان عندما وقع رئيس السلطة، بطريقة مشهدية، أوراق انضمام الى مجموعة من المواثيق الدولية (14 ثانوية وواحدة مهمة) .. والآن، قبل أيام من 29 نيسان "مفاجأة" ثالثة لإسرائيل، و"خيبة" أمل لأميركا.
في هذه المفاجآت الثلاث كان أبو مازن كمن "يضرب كفّ ويعدّل طاقية" وهو نفسه قال، عندما ترأس وفد السلطة للتصويت على عضوية - مراقب، قال مداعباً: كنت كمن ضرب كفاً .. واحتمى تحت الطاولة. (من أميركا؟).
في حين أن المستجد الفلسطيني - الفلسطيني كان "جاهة" وطنية من أحزاب وشخصيات الضفة، فإن "حماس" كانت ستحسن صنعاً لو أشركت في وفدها فصيل "الجهاد الإسلامي" حتى لو عارض او تحفظ.
معه حق خالد البطش، القيادي في "الجهاد الإسلامي" لأن حكومة تشكيل كفاءات (خبراء تكنوقراط) لا تحتاج خمسة أسابيع، ما دام هذا البند متوافقا عليه من قبل (الدوحة والقاهرة) وكذلك بند الاحتكام الى الانتخابات بعدها بنصف عام.
هل يشمل هذا العام 2014 نجاح مفاوضات مديدة ومتقطعة ومكثفة، مع إسرائيل، أم أننا لن نجد الطريق الى "خارطة الطريق". هل يشهد هذا العام إنهاء انقسام وحوار حثيث عمره سبع سنوات. او أن الاتفاق مع إسرائيل مستبعد، والوفاق الفصائلي سيضيف الى ملف المصالحة مشروع وفاق ثالث أو رابع؟
في الأقل، سيتمتع الفلسطينيون، حتى نهاية العام الحالي، بهدنة من "المناكفة" بين الحكومتين (اذا تشكلت حكومة تكنوقراط خلال شهرين)، ومعها فترة تركيز فلسطينية على "مناكفة" تفاوضية مع إسرائيل.
خلالها، لرئيس السلطة الفلسطينية أن "يضحك في عبّه" على الهستيريا الإسرائيلية بعد "إعلان غزة" وبالذات حول الخيار الذي يطرحه نتنياهو: إما السلام مع "حماس" وإما السلام مع "إسرائيل". أبو مازن لا يرى تعارضاً بين استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز مطلب المفاوض الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية.
إسرائيل لا تريد، حقاً، ان تسفر المفاوضات عن دولة فلسطينية تضم غزة والضفة، حسب اتفاقية أوسلو عن الوحدة السياسية بين المنطقتين، بل تريد شبه دولة فلسطينية في الضفة، تكون محتواة من إسرائيل في جميع جهاتها.
ترفض إسرائيل أن يشمل تمديد المفاوضات ترسيم الحدود، وكذا تجميد الاستيطان، ولكنها تجمّد اتفاق تحرير النبضة الرابعة، والآن تجمد جلسة مفاوضات لتمديد المفاوضات؟
المهم، ان الفلسطينيين يسيرون على سكة ثلاثية: المفاوضات، اللجوء الى الشرعية الدولية، ومحاولة أُخرى لإنهاء الانقسام.
لا بد أن شارون يتقلب في قبره، لأنه قال: أبو مازن صوص بلا ريش؟
المتشائلون .. والمصالحة
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
«المتشائل» رواية للأديب الفلسطيني المبدع إميل حبيبي، وفيها يقع الفلسطيني متقلباً بين التشاؤم والتفاؤل، لا أحد يعرف كيف يلتف الفلسطيني منذ النكبة بعباءة التشاؤم أو عكس ذلك، هل هي الظروف، هل هي الأفكار والعقائد، هل هي طبائع الناس، هل هو الاحتلال، أم سقوط الأنا في ظلمات الاحتلال النفسي الداخلي. قصة المصالحة فعلاً قصة «تشاؤلية» إن جاز لنا التعبير... تصعد بك فجأة إلى أعلى قمم التفاؤل... ثم فجأة تجد نفسك في حفرة عميقة مظلمة تثير فيك تشاؤماً شبه مطلق... . منذ الانقلاب في العام 2006 وماراثون المصالحة لم يتوقف، مرّ في محطات عدة، في اليمن، والسنغال، والدوحة، ومكة المكرمة، والقاهرة... وفي كل محطة من هذه المحطات كانت العملية تبدأ بتفاؤل كبير وتنتهي بتشاؤم أكبر، لماذا؟ وكيف؟ ومن يقف وراء ذلك؟ وأسئلة كثيرة أخرى توصلك إلى التشاؤل، بمعنى انتظار المحطة القادمة. ثلاثة تصريحات توقفت عندها، وهي ربما بقدر ما فيها من التفاؤل الجاد فإنها تحمل بذور التشاؤم أيضاً، وبناء على ذلك نقول لنكن متشائلين فربما وصلنا إلى نهاية التيه المتمثل بالانقسام... . التصريحات الثلاثة هي أولاً تصريح رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي ومايسترو المصالحة منذ انطلاقتها الأستاذ عزام الأحمد... والذي ناشد الإعلام الفلسطيني أن يدافع بكل مقدراته عن هذا الإنجاز التاريخي وألا يضع العراقيل أمامه... والمتابع للإعلام الفلسطيني خلال الأيام الماضية يرى فيه قمة التفاؤل، سواء في الأخبار أو التقارير المنشورة عن اتفاق غزة أو المقالات الصحافية التي سادتها روح التفاؤل، وإن كان بعضها حذراً من النتائج... وهنا نقول إن الإعلام لم يكن هو السبب في يوم ما في عدم تحقيق هذه المصالحة... لكن التطورات الداخلية والإقليمية كان لها الدور الأساسي في التقدم أو التجميد أو التراجع، ولعل الأحمد أعلم بذلك... . إذن الإعلام مرآة الواقع، أما اللاعبون الأساسيون فهم أطراف المصالحة... المتمثلة بالقوى الفلسطينية الفاعلة وعلى رأسها حركتا فتح وحماس. التصريح الثاني كان لوزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قاله فيه إن المصالحة لن تتم لأن الشيطان يكمن في التفاصيل؟! إذن إسرائيل وكعادتها ترى أن الفشل دائماً يكون في التفاصيل ولهذا سقطنا في امتحان أوسلو عندما تركنا التفاصيل للعموميات فأصبحت الضفة الغربية كقطعة الجبن السويسري. واليوم هل نترك اتفاق المصالحة ضمن إطاره العمومي... أم أن القضايا الصعبة والمعقدة ستحتاج إلى محطات أخرى عديدة من أجل إيجاد حلول لها.. هذا جزء من مشهد التشاؤم. لكن هناك جزء يظهر فيه التفاؤل واضحاً من خلال ما أطلق عليه «خارطة الطريق»، بمعنى وجود آليات وتواريخ محددة لإنجاز كل مرحلة.. نتمنى ألا نصل قريباً إلى التشاؤل في هذا الموضوع. التصريح الثالث للشيخ إسماعيل رضوان وزير الأوقاف في الحكومة المقالة، وربما هي المرة الأخيرة التي يستخدم فيها هذا المصطلح إذا ما تم تشكيل الحكومة الموعودة حسب الاتفاق.. الشيخ رضوان قال في خطبة الجمعة أمس، المصالحة الفلسطينية فريضة شرعية.. كلام يغمرك بموجة من التفاؤل.. فما دام فريضة شرعية فلماذا لم تؤدها حركة حماس سابقاً ووضعت كل العراقيل أمامها، وهي بذلك كانت قد خسرت ثواب الدنيا والآخرة؟! أم أنها فريضة لا تجوز إلاّ بتوافق الطرفين، وبالتالي لحقت بالطرفين الأساسيين كثير من الخطايا والآثام، أي أنهما سارا في طريق جهنم مثلاً... والآن عادت العقول إلى العمل من جديد... إذن هو تفاؤل نتمنى أن يستمر وأن نتمكن من ردع الشيطان الكامن في التفاصيل، فهل نعيد نحت تساؤل الكاتب حبيبي إلى تفاؤل واقعي... أمامنا ستة أسابيع لا ستة أشهر؟!.
الهجوم الفلسطيني الإستراتيجي المعاكس بدأ الآن
بقلم: حسين حجازي – الايام
الانتصار على الذات وتصفية التفكك الداخلي أولاً:
انتصر الفلسطينيون على أنفسهم وأعادوا السلام إلى بيتهم، عاقدين المصالحة أولاً مع ذاتهم قبل أن يذهبوا الى عقده مع عدوهم، ان كان لهذا الصلح أن يتحقق يوماً ما. والمسألة واضحة قالها السيد المسيح ابن هذه الأرض وعلى هذه الأرض : "كل بيت ينقسم على نفسه مصيره الدمار". وقد نجونا الآن أيها الفلسطينيون من هذا الدمار الذاتي، الذي هو أصعب من الطاعون وكل تهديدات إسرائيل وأميركا. وحيث أميركا هي الطاعون قال شاعرنا أيضا منذ زمن، فالسلام أولا داخل البيت وبعد ذلك كل شيء مقدور عليه، حين يتعلم الفلسطينيون بعد الآن على جلدهم ويعلمون انفسهم بأنفسهم بكل جماع ذكائهم وعنفوانهم شيوخهم وشبابهم، انه ليس أمامهم سوى وحدهم يهتدون الى الوسيلة التي بها يقهرون خيال عدوهم. فنحن هنا يا نتنياهو وليبرمان لا "فتح" تخشى "حماس" ولا "حماس" تخشى من "فتح" واللعبة السخيفة انتهت.
بشروا ولا تنفروا
ستعاقبنا إسرائيل وربما أميركا وربما الشيطان الذي ينتظرنا في التفاصيل، ومعهم أيضا ويضاف اليهم كل أولئك الذين كانوا يصرخون ويولولون ليل نهار، من بين ظهرانينا عن كارثة الانقسام، ولما قربت ساعة إنهاء الانقسام لم يصدقوا وحاولوا بث الشك التنفير بدل التبشير، ولما صار الأمر حقيقة تلعثموا وحبسوا ألسنتهم وكأن على رؤوسهم الطير، أولئك المستترون غربان الشؤم يمكن ان يعاقبونا، وقد نمر بضائقة شديدة وسيرى البعض من خفافيش الظلام يقرأ علينا من الذي انتصر على من؟ من الذي كسب ومن الذي خسر؟ وقد كان لماحاً وسباقاً هذا القيادي الضليع عزام الأحمد حين خاطب الإعلام الفلسطيني، مطالباً إياه بالدعم في هذه اللحظة. لم تنتصر "فتح" على "حماس" ولا "حماس" على "فتح"، لقد انتصرا معا على انفسهم وعلى إسرائيل.
يعاقبنا كل من ورد ذكرهم آنفا، ولكني أقول لكم أيها الفلسطينيون، ان كل هذه العقوبات لا تساوي في ميزان الواقع، الحقيقة، والتاريخ معاقبتنا وظلمنا لأنفسنا، لو أننا لم نقوَ على هذا الانتصار.
الإستراتيجية على أصولها
هذه هي ممارسة الإستراتيجية على أصولها باعتبارها نوعاً من الفن الخلاق، أن تواصل الضرب المتلاحق على رأس الإزميل بالشاكوش بلا توقف وبلا هوادة، لكي تحدث الخرق في الجدار. هل عرفت الآن يا بنيامين نتنياهو ان ساعة الحقيقة قد حانت؟ وبعد الانضمام الى الـ 15 اتفاقاً ومعاهدة دولية فإن الإنزال يحدث هكذا بصورة مفاجئة ومباغتة على شاطئ البحر في مخيم الشاطئ. المصالحة مع "حماس" نعم، ولو كان الظرف يحتمل نوعاً من التفكه او الفانتازيا، فقد يكون السؤال ماذا حل بالاعتراف بيهودية الدولة بعد الآن؟ ماذا حل بترف الطلب من محمود عباس الاعتراف بيهودية الدولة بعد ان أصبحت المسألة المؤرقة لواشنطن، هي اعتراف حكومة الوحدة الوطنية الجديدة بإسرائيل. وقالت "حماس" مراراً على لسان إسماعيل هنية انها لن نعترف بإسرائيل، فهل تكون المقايضة الآن على ثمن صمت "حماس" فقط عن الموضوع، وفتح المجال أمام أبو مازن للمناورة بهذه الورقة بعد أن أحرق أبو مازن وهنية ورقة الدولة اليهودية.
كضربة ثنائية موجعة
إعادة خلط الأوراق
شهدتُ شخصياً في مثل هذه الأيام من شهر نيسان العام 1987، في قاعة قصر الصنوبر في الجزائر مهرجان حفل التوقيع على انتهاء الانقسام الفلسطيني آنذاك، بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية و"فتح". كان ذالك في زمن القادة الشيوخ وفي المقدمة ياسر عرفات، وكان نجم الحفل جورج حبش الحكيم، ببدلته البيضاء وعصاه التي يتكئ عليها، ويتوسطهما صلاح خلف (أبو إياد) والى جوارهم خليل الوزير (ابو جهاد ). وسوف يخاطب عرفات حبش "يا حكيم الثورة وضميرها ". لكن أحداً في ذلك الوقت لم يعر اهتماماً الى ان الانقسام الحقيقي لم يكن بين هذين الممثلين لليسار حبش وحواتمة وبين عرفات، ولكن الأزمة والانقسام الحقيقي كان في الانشقاق الذي قاده العقيد ابو موسى في "فتح"، وكان الخصم الأساسي الذي يقف أمام عرفات هو الرئيس السوري حافظ الأسد.
لقد أعطى عرفات الكلمة السحرية التي طلبها حبش وحواتمة، إعادة توحيد منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة العداء للإمبريالية الأميركية. واحتد صارخاً في وجهي نايف حواتمة أمد الله في عمره اكثر من مرة، بينما كنت استفزه بأسئلتي وهو يتحدى صحيفتي ان كانت ستجرؤ على نشر أجوبته رداً على أسئلتي، فيما كان رجل واحد يراقبنا بفضول يغلب عليه الابتسام، وكان هذا الرجل الذي يجلس قبالتنا هو محمود عباس (أبو مازن)، ولا زلت أذكره بشاربه الأسود المحفوف بعناية وأناقة لباسه غير المتكلف.
كان إنهاء الانقسام سهلاً وبجرة قلم بسيطة كما كان إنهاء الانقسام ظهر يوم الأربعاء في منزل إسماعيل هنية، لم يستغرق سوى جلستين. فهل ندرك الآن ان الانقسام الحقيقي ما كان أيضا في المرة الثانية بين "فتح" و"حماس"، بل كان يضرب في حقيقته على محور او مفصل خفي، هو ما سمي في حينه بأزمة صراع الأجيال داخل "فتح" نفسها وليس بين أبو مازن وهنية، او بين "فتح" و"حماس". حين اقر الرجل بفوز "حماس" وكلف هنية بتشكيل الحكومة، وكتبت هنا مبكراً في حينه منبهاً ومحذراً "حماس" من عدم الخطأ، من أن هذا الرجل هو الحليف لكم وكان من الواضح أن ثمة من تدخل لإفساد ومنع هذه الشراكة وقتلها في مهدها.
على يد رجلين من الجيل الثاني في "فتح" و"حماس" تم الإعلان والتوقيع على نهاية الانقسام، سوف أقابل عزام الأحمد سفيرنا في العراق العام 1978، حين كانت العراق تدعم انشقاق أبو نضال. وبدا لي هذا الممثل المخلص لـ "فتح" وعرفات في بغداد وسط كل هذه الضغوط والحملات الإعلامية، ضد الخط السياسي لـ "فتح" وعرفات، كما لو انه رجل المهمات الصعبة الذي اختير بذكاء من عرفات لمواجهة هذا العراك في ملعب على ارض الخصم.
ولعلني أرى اليوم دلالة رمزية في حفل التوقيع في بيت إسماعيل هنية، على إنهاء هذا الفصل المشؤوم بمثابة رد الاعتبار لهذا الجيل الثاني، وتعبيرا عن إعادة تصحيح مسار خاطئ. وبهذه الضربة اللامعة خرجوا جميعا من مأزق، وأكاد أقول من مؤامرة وخطة كانت تستهدف التخلص من كليهما "فتح" و"حماس" معاً، الأولى بخلق أزمة تمثيل داخلي، والثانية بتطويقها بين كفي كماشة وإنهاء سلطتها في غزة.
لقد كان الصراع القادم على غزة يلوح في الأفق كنذر مشؤومة في مخطط نتنياهو للهروب من استحقاق المفاوضات في الضفة، وللانقلاب على أبو مازن و"حماس" معا. والذي حدث أن أبو مازن و"حماس" تغديا بنتنياهو واستبقا المؤامرة التي كانت تعني الحاق الهزيمة بهما معاً على مراحل متعاقبة، قبل ان يؤكل الواحد منهم قبل الثاني على طريقة الثور الأبيض. وللإنصاف والتاريخ فإن الفضل في هذه الضربة الاستباقية التي تعني اليوم بداية التحول الفلسطيني، في الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي المعاكس، لا يعود الفضل فيه الى أحدهما وإنما للإثنين معا أبو مازن وإسماعيل هنية على حد سواء، وهذا ما أغاظ خصومهما وجعل هذه الضربة الثنائية موجعة أكثر.
ارحموا عزيز قوم شاخ وهدّه المرض
بقلم: صادق الشافعي – الايام
عزيز القوم هو المناضل أولاً ثم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه، هو لم يشخ فقط بل اجتمع عليه المرض إلى الشيخوخة شفاه الله.
لا يمكن تذكر تاريخ الرجل وماضيه إلا بالإعجاب بالدور الكبير الذي لعبه في خدمة بلده بتفان وإخلاص مقترنة بالكفاءة والدينامية.
في الأسابيع الأخيرة عرضت إحدى الفضائيات لقطة فيديو تصور بوتفليقة وهو يترأس الجمعية العمومية للأمم المتحدة وكان يدير الجلسة بحيوية واقتدار. كان في ريعان الشباب تشع منه الصحة والحيوية ويفرض لنفسه حضوراً قوياً ومقبولاً.
كانت صورة مفرحة لزمن كان فيه بعض من الفرح.
يوم الجمعة الماضي18/4 عرضت معظم الفضائيات نقلاً عن التلفزيون الجزائري صورته وهو يدخل مقراً انتخابياً ليدلي بصوته، كان يجلس على كرسي متحرك يدفعه أحد معاونيه، وكانت الشيخوخة مقترنة مع المرض ترمي بثقلها عليه، تسحب منه الحيوية وتغيّب عنه الحضور وتحرمه القدرة على الإدلاء بأي تصريح.
كانت صورة محزنة في زمن فيه من الحزن الكثير.
من لا يعرف تاريخ هذا الرجل ودوره في خدمة بلده، نذكّر :
إنه كان في ريعان شبابه مناضلاً متقدماً في جبهة التحرير الوطني الجزائرية من أجل انتزاع الاستقلال الوطني للجزائر من الاستعمار الفرنسي.
وبعد انتصار الثورة بقليل ومع تولي هواري بومدين سدة الرئاسة في الجزائر، شغل بوتفليقه موقع وزير الخارجية، فكان نجماً لامعاً من نجوم السياسة الدولية في كل المحافل الدولية وفي العلاقات الثنائية.
وبالتوافق التام مع توجهات بومدين السياسية والتحالفية، قاد بوتفليقة سياسة الجزائر الخارجية يوم كانت الجزائر قاسماً مشتركاً في معظم السياسات الدولية وذات حضور ودور مؤثر في التجمعات السياسية من حركة دول عدم الانحياز إلى منظمة الوحدة الإفريقية الى الأمم المتحدة الى جامعة الدول العربية .....الخ وكان في كل ذلك شخصية ذات حضور دولي مميز يتمتع بالكاريزما وبالقبول وبدرجة عالية من المبادرة.
ومنذ أن عاد الى السلطة بعد فترة من الابتعاد وانتخب رئيساً، قام بإنجازات كثيرة وهامة لصالح الجزائر واستقرارها وامنها، ولصالح الجزائريين ووحدتهم وتقدمهم وسلامهم المجتمعي، وهو ما مكّن من تجديد انتخابه لثلاث دورات رئاسية بقبول شعبي وأغلبية مريحة.
اذن، هناك تسليم بنظافة الرجل ونضاليته وتاريخه المشرف، وإقرار بما قدمه للبلد وللناس.لا جدال حول ذلك ولا تشكيك فيه.
وإذن، أليس من حقه بعد كل هذا المشوار ان يرتاح معززاً مكرماً محتفظاً بمكانته في ضمير الشعب الجزائري، وفي ذاكرته أيضا. خصوصاً وان مرضاً صعباً تحالف مع تقدمه بالعمر ليمنعه من ممارسة مهماته الدستورية لمدة ليست قصيرة بمقياس موقعه ومسؤولياته.وان شفاءه التام من هذا المرض لم يتحقق؟
لماذا أصر المتنفذون في حزبه الحاكم وفي أجهزة الدولة على دفعه للترشح لولاية رابعة وهو في هذه الحال؟ ولماذا يوافق هو على ذلك؟
هل أن وضعه الصحي أضعف قدرته على الحكم والتقدير السليمين وجعله في موقع المتلقي لنصائح وطلبات أولئك المتنفذين وتنفيذها؟
أم هو مرض شهوة الحكم والاستمرار به؟ أم الاثنين معاً؟.
إن بقاءه في موقع الرئاسة لا يضيف الى رصيده شيئاً. على العكس تماماً، فإنه يخصم من ذلك الرصيد الذي بناه لنفسه طوال تاريخه الموصوف آنفا، ويخصم من مكانته في نفوس الناس.
- يخصم من ذلك الرصيد وجود نسبة وازنة من الجزائريين ترفض ترشحه وترفع في وجهه شعار "بركات" أي كفاية. وهذا ما ينقله في آخر عمره من موقع القبول الشعبي الى موقع الجدل الخلافي، وربما يتحول هذا الجدل حاداً بعد ان تمت الانتخابات، وبعد ما يدور من تشكيك حول حصول تلاعب فيها، خصوصاً وان أجهزة السلطة الحالية بقيادة المتنفذين المذكورين هي من اشرف على الانتخابات، وأنها كانت مصرة على الفوز بها بأي وسيلة.
- ويخصم من رصيده أن يضمه الناس إلى الكثير من الرؤساء والقادة الذين ما أن يصلوا الى كرسي الرئاسة أو موقع القيادة حتى يتشبثوا به ولا يتركوه إلا عند نفاذ أمر الله بموتهم.
- ويخصم من رصيده أنه لن يكون قادراً بسبب وضعه العمري والصحي على قيادة البلد والناس بالكفاءة والحيوية اللازمتين، وانه سيكون أسيرا لمستشاريه وتنفيذييه، وسيتحمل وزر سياسات وبرامج ومواقف ليس هو صاحبها الحقيقي.
يبدو، والله أعلم، أن هؤلاء المتنفذين لم يجدوا من بينهم من هو قادر على الفوز بالسباق الرئاسي وخافوا أن يفقدهم اي رئيس ينجح في السباق من خارجهم مواقعهم وسطوتهم ونفوذهم، فلم يجدوا مخرجاً من ذلك سوى الضغط على الرئيس بوتفليقة للترشح للرئاسة ليمارسوا الحكم من خلاله، مراهنين أن نسبة كافية من الناس ستصوت له لما له في نفوسها من مكانة وكنوع من الوفاء لتاريخه، وأيضا من أجل سلام البلد وأمنها واستقرارها في مقابل ما تشهده بلاد عربية ومجاورة من اضطرابات.
ما يعزز هذه الفرضية أنه، وقبيل موعد الانتخابات، طرحت فكرة استحداث موقع لم يكن موجوداً، هو موقع نائب الرئيس.
وبالتأكيد سيتم اختيار واحد من المتنفذين المذكورين أو مريديهم لشغله ليضمنوا مواصلة الحكم في حال داهم الموت الرئيس بوتفليقة خلال فترة رئاسته.. شفاه الله وأطال في عمره.
لكن المتنفذين، لم يضعوا في حساباتهم بشكل جدي، احتمال رفض قطاعات من الشعب الجزائري الانتخابات ونتائجها وما قد يقود اليه ذلك من مخاطر تهدد السلم الاجتماعي والاستقرار، وتقود البلد الى المجهول.
الاحتكار مفتاح اللغز لارتفاع الأسعار
بقلم: صلاح هنية – الايام
على عتبة المسجد استعداداً لأداء صلاة الجمعة كان التاجر يدخل الى المسجد فأمسك بيدي وقال: المفتاح السحري لنشاطاتك ومتابعاتك يتجسد بكلمة واحدة تحل اللغز هي محاربة الاحتكار، وإذا وجدت من يخلص النية في هذا البلد ويحل هذا اللغز ستجد أن الأسعار ستنخفض 30% على الأقل، والباقي عندك بالأسماء والمسميات والألقاب.
ولم يتركني التاجر الا بعد التأكيد على قضيتين أساسيتين "لقد بت مكروهاً لأنني أجادل الناس بخصوص توجههم إلى "رامي ليفي" وبقية مراكز التسوق الإسرائيلية، وانت تعرف يا صديقي أنني كنت أُلبي طلبات زبائني بالأشياء الفاخرة والمتميزة، ومع الاحتكار وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بات الخيار "رامي ليفي" والتصريح الثاني "أنني سأغير طبيعة عملي وهذا نتيجة للاحتكار".
الحكاية باختصار شديد جداً، أننا على الأقل اقتصادياً وفي منظومة حماية المستهلك لا زلنا نتخبط كعمل حكومي رسمي، وهذا له انعكاساته على مؤسسات المجتمع المدني المعنية بخفض الأسعار ومحاربة الأغذية الفاسدة ومنتهية الصلاحية وتشجيع المنتجات الفلسطينية ذات الجودة العالية والسعر المنافس، فنحن نتمسك باقتصاد السوق بحذافيره دون محاولة للمواءمة مع احتياجات وأولويات الناس في فلسطين.
هل يحرمنا اقتصاد السوق من تحديد سقف لأسعار السلع الأساسية عندما يتغول فيها؟
أليس بالإمكان أن نتدخل لفتح السوق وزيادة العرض للتأثير على الأسعار في ظل اقتصاد السوق؟
ألا يحق لنا حماية المنتج الفلسطيني والتحيز له في المواصفات والبنود الفنية للعطاءات الحكومية والمشتريات للوازم العامة؟
ولا يتوقف الاحتكار عند مفهوم ضيق، فهناك احتكار اتخاذ القرار على قاعدة غياب المسوغات المنطقية لهذا القرار، والجواب أنا صاحب القرار هنا والبقية لاعبون، وهذا النوع من القرارات يفضي إلى تحقيق امتيازات لمؤسسات يمثلها الأشخاص الذين هم في موقع صنع القرار كأن تعفى مؤسساتهم من دفع فاتورة المياه أو الكهرباء، في الوقت الذي تستمر فيه المساجد والكنائس مثلا بدفع فواتير المياه مثلا.
ويمتد احتكار اتخاذ القرار إلى مجالات أوسع مبنية على القياس أن المشروع الذي نفذ قبل أعوام لم يكن جيداً لأننا استخدمنا منتجاً فلسطينياً في قطاع الصناعات الإنشائية، وهذا ينسحب على بقية المشاريع كمقياس دون وجه حق، قد يكون مرة عدم الجودة بسبب عدم قدرة المهندس أو المقاول أو كلاهما على التركيب حسب الأصول المرعية، وبالتالي ما هو ذنب المصنع الفلسطيني، تماماً كما يحدث مع أغطية المناهل في الطرق العامة في المدن ويصبح المبرر الأول انها منتجة فلسطينياً او مستوردة من مستورد فلسطيني والبديل هو الإسرائيلي، لكن أحداً لا يقيم مواصفات التركيب والمقاييس.
كنت مرة مشاركاً في اجتماع مخصص للإعلاميين مع رئيس الوزراء السابق الدكتور سلام فياض، يومها كنت أول المتحدثين يوم اشتد الغلاء في السوق الفلسطينية، فقلت: دولة رئيس الوزراء الغلاء له حلول وتصورات وسيناريوهات لكن ما يزعجني وما يربك عملنا أن يظهر وزراء دولة فلسطين عاجزين أمام جمهورهم، من خلال إجابات على استفسارات تكون غير مدروسة، فتارة يقال ان هذا يقع في المنطقة "ج" وتارة يقال هذا بسبب عدم سيطرتنا على المعابر، ومرة يقال اننا نستورد التضخم فماذا نفعل".
اليوم نحن نعود لذات الحلقة بأشكال مختلفة، هناك هامش ربح كبير في السوق الفلسطينية سببه الاحتكار وانعدام التنافسية وعدم تشجيع أية مبادرة لتعزيز التنافسية في فلسطين، بل بالعكس توضع أمامها كل المحاذير المقبولة وغير المقبولة.
اليوم نعود لذات المربع، يسافر الوزراء والمسؤولون في رحلة قد تصل عشرة أيام والمستهلك يعاني الأمرين من الأسعار وارتفاعها وعدم إيجاد حلول لهذه الارتفاعات، فيغادر الوزير المختص دون جواب شاف على الأسعار الملتهبة الا "أننا نستورد التضخم".
وخاتمة القول، وجدت ذاك المسؤول عابساً غاضبا يتحدث معي من برات منافسه وكأني عدوه اللدود وما أنا الا نصير للمستهلك، وحتى أضع حدا لهذا التصرف ذهبت صوب وزير الشؤون الاجتماعية وسألته بالعربي الفصيح : هل يوجد قرار حكومي لديكم لإعفاء حالات الشؤون الاجتماعية من الحد الأدنى للمياه أسوة بالكهرباء، قال لي "لا لا يوجد، وعندما يصلنا قرار واضح بالإعفاء بنسبة معينة ورقم معين لا يوجد أمامنا الا تزويد جهة الاختصاص بأسماء العائلات المشمولة بالشؤون الاجتماعية".
بالتالي، عفواً، عدادات المياه مسبقة الدفع ستحول المياه إلى سلعة وهي حق إنساني بالأساس.
قالوا لي : هل انت مصر على "عمار يا بلد"؟
قلت: نعم نعم لأنني لا زلت أتابع ان هناك تاجراً استورد الأرز بأسعار منخفضة حتى يوفره للمستهلك ويعزز التنافسية.
قلت: نعم لأن أساتذة وطلبة من جامعة النجاح الوطنية قرروا إعادة الاعتبار لاستخدام الدراجات الهوائية والقيام برحلة في ريف نابلس منذ صلاة الفجر.
قلت: نعم لأن "هند" فرحت لخريجي قسم الهندسة المدنية في جامعة النجاح الوطنية فرحتها لنفسها حتى أنني هاتفتها لأبارك لها فقالت لي "عمو أنا السنة الجاي بس هذه فرحتي بزملائي وزميلاتي واعتزازا بأساتذتي"، شكراً "هند"
قلت : نعم لأن سائق السيارة العمومي أتحفني بكلمات جميلة "أنا اعتز بجيراني كأهلي، نتشارك معاً في السراء والضراء" سعدت لأن هناك من لا زال يقيم شأناً للجار.
قلت : نعم رغم أنني رأيت الشيخ صالح يجلس في مسجد الحي ليس خطيباً لأنه نقل من مسجدنا لأسباب اقلها انه انتقد جولات كيري وزير الخارجية الأميركي المكوكية التي لم تؤت أكلها بالتأثير على حكومة نتنياهو بالاعتراف بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني. "عمار يا بلد"
إكرام المجلس دفنه
بقلم: رامي مهداوي – الايام
اجتماعات... اجتماع.. لقاءات.. مؤتمر.. جلسة... ما فائدة أي "قعدة" لأي مؤسسة إذا ذات المؤسسة جسداً وروحاً وبنيوياً بانهيار... مُنْهارة!! هل الشكل والاسم والبنية أهم من فعل الجسد المؤسساتي؟! من السهل خلق مسميات ومناصب وكراسيّ... أنت عضو في الجمعية، أنت عضو في المؤسسة، أنت عضو مجلس، أنت عضو وهو عضو وهي عضو، أعضاء الوفد المفاوض، أعضاء وفد المصالحة، عضو في النادي، والبعض تجده عضوا في كل شيء بس لو أنه عضو نشيط... يا دوب 3 حبات زُرُق تخليه نشط!! يا جماعة الخير.. نحن شعب أعضاء ودولتنا أصبحت عضوا.
حاولت النظر الى مفهوم "المجلس" و "العضو" في النظام السياسي الفلسطيني من حيث الدور والمهام والوظائف وعلاقة المجلس بالمجالس الأخرى وخصوصاً أن مجالسنا كثر _والحمد لله_ ما بخفي عليكم بأني تعبت لدرجة ضياعي في مفهوم النظريات الخاصة بالعلوم السياسية التي تختص بالواقعية السياسية، لهذا قمت محاولاً التعرف على حقائق المجالس الفلسطينية كما هي على واقعيتها.
ولذلك فان تحليل الطبيعة السياسية للمجال السياسي في المجتمع بمكوناته التنظيمية الفردية والجماعية ومؤسساته السياسية وعوامل البيئة المحيطة "بالواقع الفلسطيني" لا تفهم إلا إذا أخذت كل العوامل المؤثر والمتأثر بتفاعل وتداخل لكون أن طبيعة هذا المجال تختلف من دولة إلى أخرى.
لكن بقراءة سريعة لعدد من التجارب الدولية الشبيهة نوعاً ما بحالتنا، وجدت أن حل الصراعات التي تدب في داخل المجتمع لأسباب اقتصادية، سياسية، ثقافية.....الخ والتي يفترض إيجاد حلول لها إذا ما أريد للمجتمع أن يستمر بالوجود، يفترض وجود قوة منظمة تعمل داخل مؤسسة ما.
في حالتنا الفلسطينية هناك فائض في المؤسسات والتي تتداخل وتتشابك وتتقاتل في بعض الأحيان فيما بينها سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي. إذن كيف لنا أن نعالج ما يجب علاجه والأدوات التي نعالج بها" المجالس" أكل الدهر عليها وشرب؟! إلا إذا كان المقصود فقط بهذه المجالس هو الشكل أكثر من المضمون.
اسمحوا لي أن أنظر الى المجالس الفلسطينية من خلال عين العم جون لوك، هذه المجالس غير موجودة في الطبيعة، بل هي من صنع الإنسان أوجدها لخدمة مصالحه، وان هذه المجالس في جوهرها هي سلطة الحرية التي تهدف إلى تحقيق سعادة الإنسان.. وتعني هذه الأفكار أن جذور شرعية الدولة تجد سبب وجودها في حاجة الأفراد الذين ولدوا أحراراً لحماية حريتهم وملكيتهم الخاصة ضد ممارسات السلطة التعسفية. لهذا فان المجالس التي وجدت لابد أن تكون سلطة عدل، وهنا عند العم جان جاك روسو، فبالنسبة له أن الدولة تجد شرعية وجودها من خلال التقاسم المشترك لأفراد مجتمع ما للمصالح المشتركة بتفضيل المصالح العامة على الخاصة في تنظيم المجتمع من خلال تقاسم السلطات، حيث تعتبر إرادتهم المشتركة مصدرا للقانون لأنها تمثل سيادتهم التي لا تعلوها سيادة ثانية.
وللتعبير عن هذه السيادة فان فكرة التفويض تترجم عملياً تلك الإرادة الجماعية بحكم المواطنين أنفسهم بأنفسهم من خلال ممثليهم المنتخبين في "المجالس" عندما يفوض هؤلاء بالتكلم عنهم لوضع القوانين وصنع السياسة كتعبير عن الإرادة الجماعية.
وهنا مربط الفرس!! إن أعضاء هذه "المجالس" هرمووووووووا وانتهت صلاحيتهم.. ولا يمثلون المجتمع وربما لا يمثلون أنفسهم، وهنا تسأل المواطن عن وظائف هذه "المجالس" تجده يستغرب من ماهية هذا المجلس؟ وما الفائدة التي يقدمها مجلس "س" له كمواطن!؟ بالتالي أستطيع الادعاء بأن أغلبية أعضاء هذه "المجالس" هدفهم الوحيد الحصول على السلطة بمفهومها الحرفي، وذلك من خلال تبني شعارات ومبادئ قد تكون في بعض الأحيان متناقضة مع وجودها أو مع الأفكار والمبادئ التي تنادي إليها "المجالس" ذاتها، ولإثبات حالة الوجود تجد هؤلاء الأعضاء من فترة الى فترة يخرج لنا بتصريح صحافي ناري، من أجل إشباع الرغبات الذاتية بأنه صاحب سلطة كونه "عضوا" من أجل الحفاظ على مصالحه الشخصية ثم يختفي كأنه في سبات عمييييييييق.
فحالتنا تنطبق على تحليل روبيرتو ميشيل "إن احتلال القيادات مركز الصدارة داخل الحزب يسمح لها أولا الحصول على السمعة الاجتماعية التي تلعب دورا في الحصول على شرعية تواجدهم في قمة الهرم الحزبي، وثانياً التعرف على آراء المنتمين إلى صفوفهم، مما يسهل عليهم العمل باتجاه إشباع مصالحهم والاستجابة لها، وثالثاً الاستفادة من هذا الموقع أيضا في استخدام وسائل الاتصالات الجماهيرية لجلب الأنظار من حولهم وللتلاعب بالرأي العام".
بالنهاية أقولها وبكل قوة أن هذه "المجالس" هي بذمة الله، علينا التجديد والتجدد وضخ دماء جديدة لها، وإعادة هيكلتها من جديد بما يتلاءم مع التغيرات التي تمر بها قضيتنا والتغيرات الإقليمية والعالمية، وإعطاء الشعب حقه المقدس بأن يكون شعباً فقط لا غير.... لهذا على الشعب أن يقوم بإكرام هذه المجالس.
عاللِّي جَرى وِاللِّي كانْ
بقلم: آصف قزموز – الايام
قالوا بينما كان الضرغام يسير في الغابَهْ، في حر الشمس اللهابَهْ، يبحث عن عيشةٍ مُهابَهْ، وفريسة يسد بها رمقاً، من غولِ الجوعِ اللذي أصابَهْ.
والقرد من أعلى الشجرهْ، يراقبهُ والكلُّ وَرَى. قد كان يقرأ لحظتها، عن قصة ترويضِ النَّمِرَهْ. والقصة أضحت منتشرَهْ، والسلطَة باتت مستَتِرَهْ، طار العُصفور عن الشَّجَرهْ. قد كنا أمَّهْ مُقتَدِرَهْ، ما أكثَر من صاروا وُزَرا، وتزاحَمَ جُلُّ الجُلِّ وَرَهْ. لكن من ازدانَ بسعدان، تلقاهُ هزيمَهْ مُنتتظَرَهْ.( يا جماعَة البلد صارت مليانه سعادين، في الشارع في البيت في الشغل، من البلد ومن خارج البلَد، يعني اللي ما بْيركبو سعدان، بيلاقي البوم والغِربان، فصبرٌ جميل وبالله المُستعانْ).
صاحَ السَّعدانُ على الأسَدِ، أنا فَوقُ فوقِكْ يا وَلَدي. شِكلَك جوعان وَفي كَمَدِ، محسوبَك جاهِزْ بالعُدَدِ. من دوني مش رايحْ تفْلِحْ، ستفتش عنها ولن تَجِدِ. لا جامعَة العُرْبِ سَتَنْفَع، ولا حتى الأممِ المُتَّحِدِهْ.عرضَ السعدان على الأسَدِ، ما بين الجَدِّ وباللعبِ. صفقَة مضمونَة بلا أحَدِ، سَتُفَتِّشُ عَنها يا وَلَدي.( الله وكيلكُم، لَو بِدنا انْعِد صفقات مضمونِه برسائل ضمانات وتعهدات وقرارات أمم متحدة ومؤتمرات، مِش راح انْلَحِّق، وكان صرنا عاملين دولِه ومتوسعين فيها حتى الأندلُس، وْهاي كملناها بالخفاجا عامِر واعْمِلنا مصالحة تَقْرُب من المطارَحَة إن لم تكن هي بعينها، ومع ذلك ندعو أن تتكلل بالسِّتِر وِالنجاح وِالفاتْحَة على نِيِّةِ التوفيق. وعلى فكرة قضية السعادين مع الأسود مش محصورة فينا وفي عدونا، لأنو في أعداء كثير، وعندنا سعادين منا وفينا، وبتشتغل معانا وْعلينا زي البوم اللي بيدلك عالخَرابْ، وهدول أخطر مليون مرة من السعدانْ، وكل اللي بنشوفه من عجايْبِ الزمانْ. إحنا عارفين إنو الولد العاطل بيجيب لأهلو المَسَبِّه، لكن شو بنقدر نعمل لما كل واحد بينَصِّب حالو عَ ظَهرَك سعدان، وبِيْلَمْلِم حَوالِيْه مجموعِة غِربانْ، علشان يِثبِت إنو الوطن خربان، اتقوا الله يا داعِشْ ويا داشِعْ ويا حِمْسان وْيا إخوانْ).
وأضاف السعدان من روس العلالي: أنا الرابِضِ دوماً في الأعالي، يعني ولا ستين رادار يا خالي، ما رأيك أعتلي ظهرَك ياغالي، مقابل أن أكشف لك الفرائس واحِدَة واحِدَة على التوالي، ولن يفيدك غيري لا إخوان ولا حِمسان ولا ملالي. وبلّش يغنيلو بالصوت العالي: أستحلفك بالله لا تسيبني خالي، قلبي عليك مشغول يا حلو يا غالي، وساعَة يغنيلو بين الدوالي بالكَرْمِ العالي، وساعَه يغنيلو بَعدَك على بالي، وأنا لما حبيتَك خَطَر على بالي، إللي جرالي واللي راح يِجرالي، يا حصِرتِي ويا كَشَلي ويا ظِيمْ حالي،(أنا اللي أستاهِل كل اللي يِجرالي، الغالي بِعتُو رْخِيص وَلا احسِبُوش غالي، يعني شو هالعِيشِه المِقِرْفِه وِالْهَمالِهْ، لما بدك تِتعامَل مع ناس زْبالِهْ).
صاحِ الأسد عزيز الدارْ، بَعِد ما العَقِل مِنو طارْ، أنا الأسَد أنا الملِك أنا الجبارْ، أنا اللي ما تِنطِفيلو نارْ، ولَكْ بدّك تركب عَ ظَهري مفكرني بَغِل وِلاَّ حْمارْ؟! إنتي ما بْتِسْوا بِوَقْتِ الغَلا عصايِةْ مِكْنَسِه ولا فَرْدِةْ بُصطارْ، تْفُو على الزَّمان اللي بدّوُ يْخَلي سعدان يِعمَل الأسَد حْمارْ.
على هُونَكْ يا بعِد عُمري عَ هُونَكْ، ما في حَدا شايِف غير أنا وِنتي وأنا عْيونَكْ. خليني بَس اركَب عليك شْوَيِّي، وكل الفرايِس والطرايِد مِلكَكْ وْلَعْيونَكْ. وبلش يْغَنيلو وِيْقول: شلونك عيني شلونَك، شو مْخلِّي على عيُونَكْ. وافكَّرَك بالليل وِاشْجُونَكْ، واحلِفْلَكْ عالشوق بِعْيونَكْ.
على طول قاطعو الأسد وِتْساءَل باتِسامِهْ: يعني فِكْرَك يا حِلُو يا بُو شامِهْ؟
قاللو: طبعاً فِكري وْفِكِر فِكري يا حفيظ السَّلامِهْ، إنتي الكسْبان عَ مَسؤولِيْتي وِالضَّمانِهْ، وِبْإذنِ الله ما راحِ ايْكُون نَدامِهْ.
اقتنع الأسد وِتْقَبّلِ الفِكرَهْ، وْنَط السعدان عَ ظَهرو وْعِمْلُو قُرَّهْ، بَعِد ما غَطى وْسَتَرْ قَفاهْ هالغَبْرَهْ، وْلِبِس بَدالِ البنطَلونْ وَزْرَهْ، وْلادِ الأكارِم بِشْحَدُوا وْحاملينْ صُرَّهْ. وْوَديعِ الصافي مِن قبرو ايْغَني ابْحَسْرَهْ، مُرَّه يا ليالي الهَجِرْ مُرَّهْ، أكثَر مِنِ العَلْقَم ألِفْ مَرَّهْ. يعني احذَر عدوك مرَّهْ، وِاحْذَرْ صديقَكْ ألفْ مرَّهْ، فَلربما انْقَلَبَ الصديق فكانَ أعلَمُ بالمَضَرَّهْ. واللي ما فِهْمِشْ محمود درويشْ، بَلْكي يِفْهَم جَبْرا ابراهيم جَبْرا. يا عمي اللي مِش عاجبو جِبْنِتْنا البِيضَه، يروح يْدَوَّر عَ جِبْنِه صَفْرا. بَس اللي خَليتو شَقْتُو أُوْضَهْ، بلاش تْخَلُّوا عِيشْتُو أَخْرَى. بِيكَفي وِلاَّ اقول الْكُمْ بَعِد أُخرَى؟!
يا إخوان شو بِدْكُم بالطويلِهْ، رِكْبِ السعدان عالأسَدْ أبو جْديلِهْ. وقالو الأسَد بَعِد ما ظَل إلو حِيْلِهْ، إنْزِل وَرجيني الفرايِسْ يا دَليلي. اتْنَطَّط السعدان بْذِيْلُه الطويلِهْ، وقالُّو مِشْ نازِل يا أسَدْ يا هَبِيْلي، حتى لَو جِبِت كُل أهْلَك وِالعَشيرِهْ، وَلو ضَرَبْتِ بْمَطاطي وْمِيْتْ مُسِيْلِه. عُمْرَك شُفِت حَدا بْيِنْزِل لَحالُو، غير اولادِ الأصايِلْ وِالأصيلِهْ؟
ما قِدْرَتِشْ إيدُو تِوْصَل لَظَهرو، لما حاول الأسَد يِلُقْطُو بِالإيْد. وِالقِرْد يِضْحَك وِمْخَلِّيْه بْقَهْرو، جابْلُو مْنِ الآخِرْ مُخْتَصَر مُفيدْ. ما اجَتْشِ العَتْمِهْ عَ قَدّ إيْدِ الحرامي، وِالدار قَفْرَه وِالمزارِ بْعِيدْ.
لَزَّقِ القِرْد عَ الأسد بِلُزِّيْكَهْ، وِالمَثَل قال عَلْقِة واوي بْعُلَّيكَهْ. فَتَّش وْدوَّر تا يِلقالو طريقَهْ، تا مَرّْ ابُو لِحصينْ بآخِر دقيقَهْ.
أبو لِحْصين قالُّلو بَنْصَحَكْ، تِرجَع عَ أهْلَك وْرَبعَك لأْسودِهْ. ولما السعدان ايْشُوفَك صِرِتْ بِيْنْهُمْ، بِفْعَط مِن خُوفو عَ أقرَب عُودِهْ. وعينَك تْشوفوا بْذَنْبَتُو المعقُودِهْ، ما تْقُول غير دِيكْ حايِفْتُو حُودِهْ. وْساعِتْها بِنْغنيلَك يا بُو بارودِهْ، يا مَربَى الدَّلال وْمَرْبَى لأِسُودِهْ.
لما وِصْلِ الأسَد عَلى أجَمْتُو، وْلِقي أهلو لِاسْباعْ عالِحْدودِهْ. فَلَخ السعدانْ عن ظهرو يِوَلْوِلْ، وِيْقُول الْحَقوني يا رَبْعي وِجْدودي. شُو جابْني لأسَدْ مِشْعَراني، وانا اللي بينكُمْ قَفاهْ جْرُودِهْ. يا حيف لما الهَمالِه وِالفَسادْ، بِتْصير بْهاالزمَن عَلامِةْ جُودِهْ.
أقولْكُم، نِذرٍ عَلَيْ إن صار اللي بِبَالي، لَصرَخ وَرَوِّدْلُو وِالْقُولْ في العالي:
سَبْعِي يا بو بارودِهْ/ عودِ النَّخِلْ مِتْدَلِّي
يُومِن اتْشُوفَك عِينِي/ كلِّ لِهْمُومِ اتْوَلِّي
يا جماعة القصة مش قصة سعدان فالِتْ مِتْجَلِّي، ولا قصِّة شفيقَة وْمِتْوَلِّي، القصة قِصِّة شَعِبْ مظلومْ، مع احتلالْ وْعَدُو مِتْسَلِّي.
المصالحَه مِش مَنسَف عَ لَحْمِه أو جاجْ، ولا خَلْطِة قَطيع اسْباعْ مَعِ نْعاجْ. الموضوع هُوِّ الناس اللي وِقْعَت بِسْياجْ، مِشِ الناسِ اللي عِمْلَت في الهَوى حُجَّاجْ. لا تِنْدَهي ما في حَدا، لِبْواب مْسَكَّرَه وِالعِشِبْ غطَّى دّْراجْ.
صحيح العصفور ابْيِتفَلَّى والصياد ابيِتْقَلَّى، إلاَّ في بلادنا الصياد ابْيِتْبَلَّى وِبْيِتْحَلَّى وِبْيِتسَلَّى.
هل رقصت فرحاً؟
بقلم: وليد بطراوي – الايام
الإجابة "لا"، لست وحدي من لم يرقص فرحاً، فكما يقولون "لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين"، فالابتسامات والقبلات والسلامات والقهقهات رأيناها من قبل، لكن تبعتها استدراكات ومناوشات وتفصيلات، وبقيت اتفاقات المصالحة تراوح مكانها، الأمر الآخر الذي لم يرقصني فرحاً، هو أننا وبقدرة قادر وخلال زيارة لم تستغرق 24 ساعة توصلنا إلى اتفاق بعد أن انتظرنا سبع سنوات، ما أفقدني وأفقد الكثيرين الثقة بأن جميع الأمور والخلافات قد تم حلها!
Wall Street
شارع البنوك والمطاعم والمقاهي والفنادق في رام الله، الممتد بين فندقي "السيزارز" و"روكي" يطلق عليه مجازاً wall street تيمناً بالشارع الأصلي في "نيويورك" والذي اصبح الواجهة الرئيسة للسوق الأميركية حيث توجد فيه بورصة نيويورك والكثير من الشركات المالية الأميركية الضخمة.
المشكلة في "وول ستريتنا" انعدام التخطيط، فالشارع مكتظ بالمؤسسات دون الأخذ بعين الاعتبار عدد الموظفين والمراجعين والزبائن والزوار لكل منشأة، ما يشكل ازدحاماً كبيراً في المنطقة يضطر فيه أصحاب المركبات إلى إيقاف مركباتهم كيفما جاء.
أمور غائبة
افتتح "مهرجان ربيع أريحا" والذي تقام فعالياته في "قصر هشام" و"الحديقة الإسبانية"، ومن المتوقع أن يؤم المهرجان آلاف المواطنين، الاستعدادات للمهرجان تضمنت الكثير من الجهد والعمل، إلا أن بعض الأمور قد غابت عن منظمي المهرجان، فاستضافة بعض الفعاليات في "قصر هشام" الأثري قد ينعكس سلباً على سلامة الآثار في الموقع وبالتالي إصابتها بالضرر، كما غاب عن المنظمين تشكيل لجنة للحفاظ على النظافة والبيئة، وقد غاب عنهم توفير المراحيض العامة.
يوم مشهود وعظيم ومميز
أشارك في كثير من المهرجانات والمؤتمرات والفعاليات التي يبرع المتحدثون فيها، وفي كل يوم يلقي احدهم خطبة عصماء لا تخلو من الشعارات الرنانة التي تشيد بهذا "اليوم العظيم والمشهود والمميز" حتى أصبحت كل أيامنا عظيمة ومشهودة ومميزة!
لو كنت مسؤولاً
في إحدى الدول المانحة أو إحدى المؤسسات التي تنفذ مشاريع بتمويل من المانحين، لحرصت أن أتابع هذه المشاريع وأن أتفقدها بين الحين والآخر للاطمئنان على أن أموالي لم تذهب هدراً، فلا يعقل أن تتحول حديقة "الوفاء" للأطفال في مدينة البيرة إلى "مزبلة" بعد أن مولتها الحكومة اليابانية من خلال مشروع الأمم المتحدة الإنمائي لمساعدة الشعب الفلسطيني.
الشاطر أنا
حوادث الطرق صارت جداً مقلقة ومزعجة، وخاصة على الطرق خارج المدن، واضح ان حملات التوعية والسلامة "ما جايبة نتيجة"، "علشان هيك أنا بشطارتي ابتدعت طريقة جهنمية لتخفيف السرعة على الطرق الخارجية وبالتالي تخفيف حوادث السير.. الشغلة بسيطة، إني طول ما أنا على الطريق بظل أضوي للسيارات اللي قبالي، بعطيهم إشارة انه في شرطة إسرائيلية على الطريق، طبعا لا بيكون في شرطة ولا ما يحزنون.. وبهيك السيارات بتخفف السرعة بلاش شرطي إسرائيلي ما بيسوى بصلة يطرقهم مخالفة، أو طيارة الهوليكوبتر تصورهم وتمسكهم الشرطة بعدها ويصيروا يترجوا فيهم ما يخالفوهم.. عمل وطني نبيل.. هيك الشطارة!".
"طلوع" روح لا "حلاوة"
بقلم: وليد ابو بكر – الايام
تحتاج إلى صبر حتى تجبر نفسك على استكمال فيلم "حلاوة روح" وأنت تكتشف، لقطة بعد لقطة، أن هذا الفيلم ليس فيه حلاوة ولا فيه روح، خصوصا وأن "روح" هو اسم المرأة التي توصف بهذه الحلاوة، فتخرج التعبير من شاعريته الأصلية، لتستعرض اللقطات جسدها، قطعة قطعة، دون هدف آخر، مهما ادعى صانعو الفيلم غير ذلك.
الفيلم من أوله حتى آخره، إذا اعتبر له أول أو آخر، مجرّد لقطات تنطلق من قصدية مسبقة، تهدف إلى "إثارة" نمط معين من المشاهدين، لأن محاولة الإثارة بهذا الشكل الفجّ لا تثير. وقد ركبت على هذه اللقطات حكاية سخيفة، فكان كل مضمون الفيلم الصريح يقول: تفرّجوا على تفاصيل حميمة (تبدو لمن اختاروها مثيرة) لامرأة (مطروحة في سوقهم باعتبارها من الجميلات)!
يكاد الفيلم يعلي من شأن مهنة الدعارة دون تخفّ، وهو يدين المرأة التي تحافظ على شرفها وسط حارة تبيع هذا الشرف، ولا يتوقف فيه من "يسوّق" النساء عن الفخر بالنجاح الذي يحققه في مهنته، وهو يتمنى لابنه، الفتى الصغير، مستقبلا بمثل هذا "النجاح" في "التزبيط"، كما أنه يشرح له "فلسفته" حول الشرف الذي لا يكون إلا فيما يخصّ منزله، أما أعراض الأخريات فهي مجرّد سلع في تجارة يتقنها، وهو يراهن، من خلال خبرته الطويلة، على أن أية امرأة لا تستطيع في آخر الأمر أن تهرب من قدرها أمام هذه الخبرة.
من الصعب الحديث عن "حلاوة روح" ـ وكلمة يا حلاوة مرتبطة بإحدى لوازم التحرّش الجنسي إلى حدّ كبير ـ كفيلم سينمائي، حتى مع التفكير بتصنيفه في فئة أفلام "البورنو"، وهو ما يميل إليه الظن، خصوصا حين تنظر ممثلته إلى الكاميرا، مقلدة ممثلات تلك الأفلام، (الصريحة في توجّهها، دون أن تدعي حمل رسالة تثقيفية!)، وكأنها تسأل المصوّر (أو المخرج): على أي عضو من الجسد سوف تركز اللقطة التالية، حتى تستعرضه؟ إن ما نشاهده مجرد لقطات فيها مباشرة، وفيها افتعال، وفيها ما هو منفر أيضا، رغم كل تجليات "ما يقترب من العري"، التي تسودها.
لا توجد في الفيلم سوى أربع شخصيات: رجل يسوّق النساء بقناعة تامة واحترام للذات والمهنة، ورجل يدفع من ماله (الذي لا يتضح من أين يجيء به ـ كتاجر سيارات في حارة صغيرة ـ بالقدر الذي يصرفه)، ثمن الأعراض، وامرأة زوجها غائب، يطمع فيها كلّ طامع، ويطاردها صاحب الخبرة بهدف تقديمها للغني الذي يشتهيها (ويدّعي العشق)، وأخيرا صبيّ، يثير الحزن والأسف، ويثير دوره (واستغلاله) كثيرا من الغضب، لأن عمرَه يُنتهك بهذا الشكل: فهو يشتهي، ويتلصص، ويدعي الحب، والقدرة على الحماية، ويكذب، فيقدم دروسا لمن هم في مثل سنه حول مشروعية كلّ الرذائل التي يمارسها، باعتباره ابن أبيه "الكشخان". أما بقية "الوجوه" في الفيلم، فلا فعل لها، من "أم الزوج الغائب" التي لا فعل لها سوى الصراخ، إلى الموسيقيّ الأعمى، ودوره المفتعل، حتى الراقصة المتقاعدة، التي تمارس تسويق النساء أيضا، في دور أكثر افتعالا.
تقول حكمة الفيلم إن "كلّ امرأة مومس"، والمرأة التي تحاول أن تصون عرضها لا يكون لها مكان في الحارة "الشريفة" التي لم يخرج الفيلم منها، لأن كل "الأحداث" تجري حول "تكتيكات" محترف المهنة من أجل إلحاق "روح" العصية هذه ببقية النساء، فالشريفة في حارة لا تعترف بالشرف، هي "الخاطئة"، كما أن العاقل في بلد المجانين هو المجنون!
أما كيف تحافظ على نفسها هذه الشريفة العفيفة وتحفظ فرجها في غياب الزوج، (غير المفهوم، وغير المبرر، ويتبعه طلاق، لا يشار إلى سبب يستلزمه الفن ــ فالفن كله يغيب عن الفيلم تماما)؛ فذلك هو الذي يفجع المشاهد، ولا يثيره قط، رغم أن شكل الفيلم يوحي بأن هذه الإثارة الغائبة هي التي كانت هدفا لصناعه. الفيلم ليس أكثر من امرأة تستعرض تفاصيل جسدها كل الوقت، فحين تفعل أي شيء تنحني، وحين تستلقي، تكشف الزاوية التي يرغب الفيلم في إبرازها، بحركات مفتعلة ليس فيها من العفوية شيء. أما حين تحلم (نائمة أو يقظة)، فإن تعبيرها عن ذلك يكون بما يظنّ الفيلم أنه رقص، وإن كان في الواقع مجرد عرض ـ يريد أن يكون مثيرا ـ لبعض أعضاء الجسد، وكل ذلك يجعل من الصعب إقناع المشاهد بأن "المحافظة على الشرف" يمكن أن تمثلها هذه المرأة.
وحتى مع تجاوز هذا الخلل الصارخ في كلّ شيء، فإن في الفيلم أمرين يستحقان الإدانة، إلى جانب تهافته الفني الذي لا لبس فيه: الأول هو أن محصلة الفيلم تعلن أن المرأة الشريفة غير مقبولة، ولا تستطيع أن تحافظ على نفسها في هذه الحارة ـ التي تمثل نموذجا لمجتمع بالطبع ـ ولذلك يتمّ اغتصابها بالقوة، بعد تخطيط كامل، وإرادة واعية، وبشكل علني يكاد يكون مقبولا من الجميع، وكأنه حقّ طبيعي في حقها، كما تضطر في نهاية الفيلم إلى مغادرة الحارة (مع إضاءة على الوجه تثير السخرية من سذاجة الإخراج)، بينما يستعرض الرجل الذي اغتصبها رجولته في جلسة مع الأرجيلة، توحي بانتصار كبير، دون ندم أو تأنيب ضمير، وكأنه يعلن بكلّ صفاقة أن "الشرّ" هو الأصل، وأن على "الخير" أن يغادر الساحة.
الأمر الثاني هو الذي يتعلق بموضوع "انتهاك الطفولة"، وهو صحيح مئة بالمئة، والطفل (وبعض زملائه من الأطفال في الفيلم) يوصل إلى أبناء سنه رسالة شديدة السوء، تبدأ من التلصص على البيوت، وتشهي النساء، والكذب، ومساعدة الوالد في تسويق المجون، والسهر مع الكبار في مجالس المخدرات والنساء، والاستماع إلى كلّ كلمة قبيحة من "لغة المهنة". وكل هذه "السوءات" لا يمكن أن تغفرها محاولة حماية المرأة، لأنها تنبع من شهوة في الأساس، ولا تغفرها معارضة الأب فجأة، لأن فيها كل ما في الفيلم نفسه من افتعال، ومن هدف تسويق ما لا يمكن تسويقه في أي مجتمع، مهما بلغ تحرره، أو حرية العمل الفني فيه، لأن هذه الحرية، في أي مجتمع يحترم نفسه، محكومة بعدم تجاوز ما لا يجوز تجاوزه، من تسليع للجسد، ومن انتهاك لحرمة الطفولة. إن محصلة القول هي أن "حلاوة روح" ليس أكثر من "طلوع" روح في سوق لحم رخيص، لا يستطيع أن يغري حتى الجائعين إلى ما يحاول أن يغريهم به.
تغريدة الصباح - الأغنية والقذيفة والمليحة
بقلم: عدلي صادق – الحياة
على قدر ما أنا شغوف بآداب الروس؛ فإنني لا أعرف من اللغة الروسية، ما يزيد عن تلك الكلمة التي يمكنك فيها الإعراب عن الامتنان: سباسيبا.
كثيرة هي أغنيات هؤلاء، الشجية والحزينة والبهيجة. لكن "كاتيوشا" ربما تكون عميدة الأغنيات، بمعيار تاريخي، مثلما هي أم الصواريخ التي سُميت باسمها.
فما وجه للعلاقة بين "كاتيوشا" الأغنية و"كاتيوشا" القذيفة؟! ثمة حكاية بنت ريفية، اسمها "كاترين" ولهذا الاسم عند الروس، تدليع وتصغير. الثاني "كاتيا" بينما يطابق الأول اسم الصاروخ الذي كنت ذات يوم معلماً يشرح كيفية إطلاقه. يعجب واحدنا لسبب إطلاق اسم البنت على القذيفة، إذ كيف تتماهى المليحة الأنثى، الناعسة الحالمة، مع ذكر حارق ذي نيران عشوائية، مثلما توصف "كاتيوشا" القذيفة؟
سجلات الأغاني، تأخذنا الى المغزى الحقيقي لـ"كاتيوشا" الصغيرة العذراء، والى مناخها الأول. فقد أذيعت الأغنية في خضم الحرب العالمية الثانية، وصدحت بها المطربة الشعبية "راسلانوفا". أما كلماتها فهي لواحد من أهم شعراء روسيا وهو "إيساكوفسكي" الذي تولاه الروائي "مكسيم غوركي" بالرعاية في حياته.
يُقال إن "كاتيوشا" وهي في طور الشعر وقبل أن تصبح لحناً؛ كانت أنشودة رددها تلامذة المدارس في مناسبات وداع الجنود المتجهين الى الجبهة، لمقاتلة النازيين. وقد رآها القائمون على التعبئة المعنوية، سطوراً تختزل مطولات الحماسة والحب، للوطن وللإنسان فيه. وسأحاول الآن، وقد قرأت كلمات تلك الأغنية بالإنجليزية، وضع مقاربة لمعانيها:
فيما كانت تُزهر أشجار التفاح والكُمثرى، وبينما كان ضباب الصُبح يهبط فوق مجرى النهر؛ صعدت "كاتيوشا" الصبية الى حافة ناهدة، فرأت الضباب يلف النهر. بدأت تغني من علوْ، وتستذكر النسر الشامخ في السهول. استحضرت طيف الحبيب الغائب، الذي خبأت رسائله الرقيقة اليها في موضع مصون. فيا أيتها الأغنية القصيرة التي سطعت بها الفتاة الصغيرة المليحة؛ طيري وتتبعي خيوط الشمس. حلّقي كطائر حتى تصلي الى الجندي المحارب على الحدود البعيدة. أوصلي له السلام من "كاتيوشا". فربما يتذكر هو الحالمة القروية ويسمعها كيف تغني. لعله يحمي وطنه الأم مثلما تحمي "كاتيوشا" الحب الذي بينهما.
* * *
على أجنحة المشترك الإنساني، بين الأمم، وفيه الكثير من مشاعر العشق لكل وطن، ومن إحساس النفس البشرية بكراهية الطغاة المتجبرين الأوغاد، الذين يجافون حقوق الشعوب وكراماتها؛ طارت "كاتيوشا" الى إيطاليا وإسبانيا وحطت في الولايات المتحدة التى أعاد فيها مقدمو أغنيات الضجر الاجتماعي، ومبغضو التوحش الرأسمالي، توزيع لحن الأغنية نفسها، وإخراجها على النحو الذي يلائم حروبهم ضد التهميش والإقصاء والاستعلاء الطبقي. قبلهم، كان الطليان، يرشقون فاشيي بلادهم ونازيي ألمانيا، بالأغنية نفسها. أما الإسبان، فقد جعلوها نشيداً وهم يقاتلون ضد الفاشيست في الحرب الأهلية. تضاءل الصاروخ الأول الذي تنازل لـ "كاتيوشا" الحنونة، عن اسمه الأول (بي 8 عيار 107 ملم) وبات عاجزاً، لكن اللحن والمعنى والأغنية والمليحة، ظلوا حاضرين على الشفاه جاهزين للإطلاق. الفتاة الريفية تحفظ رسائل المحارب. أما الريف ومعه المدينة، فإنهما يحفظان رسائل الوطن ومدركاته وأسراره. قبة حديدية، يمكن أن تعترض "كاتيوشا" القذيفة، لكن كل قباب الفولاذ، لا تحمي ظالماً ظلامياً استعمارياً، مما يضطرم في وجدان شعب أو أمة. أما نواطير الهوان والصِغر والامتثال؛ فإنهم ذاهبون حتماً.
عند حافة ناهدة، تطل على نهر الحياة والتاريخ، سوف تقف الأمم البريئة الحزينة التي جُرحت كراماتها، لتتأمل هذا الضباب الذي يلف راهنها. تماماً مثلما رأت "كاتيا" الصغيرة، الضباب الذي يلف النهر، فتوعدته بشمس طاردة. ترسل الأمم للأجيال التي أحبت أرضها وحفظت ذاكرة وطنها ورسائله، أغنية قليلة الكلام عميقة المعنى. لقد ترعرع الفاشيون والنازيون والإمبرياليون الظالمون، وظنوا في أسابيعهم المشمشية، أن الدنيا والمستقبل قد انعقدا لهم، وأنهم ماكثون على صدور ضحاياهم الى الأبد. أين هم اليوم؟ ليتهم ظفروا بما ظفرت به القمامة في مزابلها الأنيقة، الموزعة في شوارع الأمم الهانئة. متفائلون نحن على الرغم من كل الإحباطات. إن غابت "كاتيوشا" النيران العشوائية، وعزّت النيران المُحكّمة؛ فإن "كاتيوشا" الأغنية وقلب المليحة ـ الأمة، سيتكفلان بإنصاف المستضعفين.
التغيير والإصلاح في المحكمة العليا
بقلم: جواد بولس – الحياة
من منكم يتذكر اسم محمود الرمحي؟ ذلك الطبيب الفلسطيني الذي ما زال يدفع ثمن إيمانه ووهمه بأن العالم سعى، حقيقةً، في العام 2006، لرفعة فلسطين وسلامة أهلها، وما كان عليهم الا أن يحسنوا التصرف ويختاروا، كما تختار شعوب العالم المتحضرة، قادتهم وقباطنتهم ليقودوهم إلى بر السلامة وإلى المستقبل الآمن المضمون.
"حرّية بثلاثين كلمة"، كان عنوان تلك الخاطرة، التي نشرتها قبل ثلاثة أعوام، وفيها أخبرتكم كيف قضى ثلاثة من قضاة العدل الإسرائيلي، وقرروا بثلاثين كلمة فقط رَفْض التماس قدمته في حينه باسم محمود، وقرروا أنه فلسطيني خطير على أمن وسلامة الجمهور، فهو، ومن خلال موقعه كأمين سر المجلس التشريعي الفلسطيني وقيادي في قائمة "التغيير والاصلاح"، يعمل لمصلحة حركة "حماس" ولتعزيز مكانتها بين الجمهور الفلسطيني.
لمحمود قصة طويلة تشبه حكايا ابريق الزيت الفلسطيني. بدأ فصلها الحالي، حين قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله وعشرات من زملائه مباشرة بعد انتهاء الانتخابات التشريعية التي جرت في محافظات فلسطين المحتلة في العام 2006. قدّمت بحقه لائحة اتهام، وعلى كونه منتخبًا عن قائمة "التغيير والاصلاح"، التي اعتبرتها اسرائيل، بعد نجاحها في الانتخابات ذراعًا لتنظيم "حماس" (على الرغم من قبولها متنافسة شرعية قبل النتائج). حكمت محكمة عسكرية إسرائيلية بسجنه فعليًّا لمدة ثلاثة وثلاثين شهرًا. ثم قامت إسرائيل باعتقاله مجددًا، في أكتوبر 2010، وأعلنت عنه أسيراً إدارياً. لم أنجح في معاركي القضائية العديدة، فالمحاكم الإسرائيلية أبقته أسيرًا إداريًا حتى شهر تموز عام 2012.
أفرج عن محمود ليبدأ ترميم حدائق عمره، فعاد إلى أحضان زوجته وأولاده الخمسة وإلى عمله طبيباً في رام الله. لكنّهم لم يتركوه، فهم يحترفون إجهاض الفرح. جاءوه في ليلة باردة من كانون الأوّل عام 2012، وانتزعوه من حضن الدفء. أصدروا بحقه، مرّةً أخرى، أمر اعتقال إداري لستة أشهر ما زالوا يجدّدونها، والحجة، أنه بقي فلسطينيًا يكره الاحتلال ويحب شعبه ووطنه أكثر.
لا أعرف لماذا عدت مجدّدًا إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية؟ وهي التي لم تنصفني طيلة ثلاثة عقود من عملي أمام قضاتها المتعاقبين. مئات القضايا خضتها أمام معظم هيئاتها، وفي كل مرّة كنت أجتهد وأوظف ما تيسّر لي من حِكَم تاريخ القمع ومشاهد من مسارح العبث. كانوا يسمعونني، أحيانًا على مضض، وأحيانًا بشهية تميّز أبناء حضارة "قبة السماء".
طالما ذكّرتهم، كذلك، بما كتبه بعض زعماء دولة إسرائيل، من أمثال يتسحاك شمير ومئير شمجار وغيرهما، من الذين كانوا "ضحايا" للاعتقالات الإدارية الأولى زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين الكبرى، وكيف وصف هؤلاء الضحايا همجية "الإنجليز" للجوئهم إلى هذه الوسيلة ولا انسانيتها ووحشيتها.
لم يسعفني الجد ولا تشبيه حالي بحال "دون كيخوته" الذي حاربت رماحه طواحين الهواء، ولم تسعفني الاستعانة، أحيانًا، بقصص "قراقوشنا" التي أضحكتهم، فأصغوا إليها بلهفة، فقد تعلموا منها، وأبكوني.
سمعوا مني كثيرًا عن حكايا جدتي، وأحبوا ترديدها الموزون لحكمة أيوب: "الصبر يا مبتلي واللي ابتلى يصبر"، فبطبيعة الحال هم أحفاد أيوب وخبراء بفقه الوجع والاصطبار. ولكنهم تفاجأوا ببعض الأشعار التي كنت أختار أن "أطعّم" كلامي بها، وذلك لإدخال بعض المرح، وأحيانًا لأعيد لهم يقظةً، بعد أن كنت أشعر، من طريقة إلقاء رؤوسهم إلى الخلف أو باتجاه الطاولة أو لأحد الجانبين، أنني أفقد إصغاءهم؛ أفلا يكفي أنني سأفقد القضية؟
غالبًا ما وجدتهم يجهلون كيف أقسم شاعر/ إنسان منا ومن الناصرة تحديدًا: "أن يعطي نصف عمره لمن يجعل طفلًا باكيًا يضحك"! ومرّة، هكذا أذكر، دهشوا، حتى أني خفت من أن يغمى على واحد منهم، حين عرفوا أن فلسطينيًا اسمه "أبو سلمى" مات وهو مطمئن:
"أن البلابل لما تزل هناك تعيش على أشعارنا"
بعد أن أنهيت مرافعتي، سألني أحدهم، أين تقع "الهناك" التي تغنى بها هذا الشاعر؟ فقلت، أظنني "بقلبه"، فصمت وبدا عليه بعض الحزن، أو ربما كانت تلك علامات قلق.
لماذا عدت اليوم إليهم ولم يقبلوا مني حجّة وذريعة؟
هم دائمًا انتصروا لأسطورة الأمن وغلّبوها على كل دمعة أو وجع أو جرح فلسطيني.
لماذا عدت وأنا أمام إجراء وُلد "مخصيًا" منذ البداية، فكيف له أن ينجب عدلًا وأبناءه؟
المهم، أنني عدت اليوم ولاحظت، لأول مرة، أنني بدوت كبيراً وهم أصغر مني. اليوم شعرت أنهم منتوجات من صناعة إسرائيلية خالصة، عقولهم مصبوغة بالأزرق والأبيض، ولا يحلمون بالزنابق البيضاء..
وقفت وطمأنتهم أنني لن أطيل عليهم، فقصة هذا الفلسطيني شبيهة بكل قصص الفلسطينيين التي تابعوها كمسلسل، تحافظ فيه الأبطال على أدوار الصدارة، والضحايا فقط هي التي تتبدل.
طلبت على عجالة أن أسمع منهم نصيحة قد تؤدي وتضمن حرية موكلي، فهو لن يحب الاحتلال، ولن ينضم للبيت اليهودي ولا الى مجموعات تدفيع الثمن. وهو عربي فلسطيني مسلم يعتز بهذه الولاءات والهوية ولن يبدّلها، فما العمل؟
بعد دقائق من حيرة، اقترحت عليهم مخرجًا، ونصحتهم بأن يفرجوا عن موكلي بعد هذه الشهور الطويلة، ويمهلوه بضعة أيام، وبعدها يصطاده صاروخ ذكي تقذفه "أباتشية" جميلة، وهكذا سيضمنون، أن لا يبقى خطرًا يهدد أمن وسلامة الجمهور.
أغضبهم اقتراحي بوقاحته. بسرعة وبتلقائية استجرت بـ"شكوى الضفدع" وصحت:
"كلامي إن قلته ضائري/ وفي الصمت حتفي فما أصنع"
وأردفت شارحًا الكلام، فتعلموا عن فكاهة العرب وحذاقتهم، وكيف تكون الشكوى إذا سيقت مجازًا، على لسان ضفدع، حكمةً أو نهفةً، فاطمأنوا..
لم أنتظر قرارهم، محمود لم يكن حاضرًا ومحظور على عائلته دخول القدس، تركتهم، فمثلي لم يعد ينتظر المفاجآت.
المصالحة في ضوء المتغيرات السياسية
بقلم: د. إيهاب بسيسو – الحياة
إمكانية أن تكون المصالحة مدخلاً لحالة سياسية فلسطينية جديدة وارد في ظل المتغيرات السياسية المحلية والاقليمية، فخارطة المشهد السياسي المتغيرة عربياً تنعكس وبشكل تدريجي على ديناميكة السياسة الفلسطينية المحلية، كما أن التحديات السياسية على صعيد المفاوضات تدفع باتجاه تعزيز القدرات السياسية الداخلية، للحد من ضعف البنية السياسية الفلسطينية بسبب سنوات الانقسام. في هذا السياق تبدو التوجهات العامة للمصالحة ايجابية وملائمة لطبيعة المشهد السياسي بتكويناته الدولية والعربية والمحلية، وهي تختلف عن كل المحاولات السابقة باختلاف طبيعة المشهد العربي، واختلاف التوجهات الداخلية.
يمكن القول إن الحالة السياسية هذه المرة تتميز عن سابقاتها في سياقها الاستراتيجي العام وهي بحاجة إلى دعم جاد للدفع باتجاه خلق واقع سياسي فلسطيني بديل للانقسام، لهذا فإن أي محاولة أو ذريعة لعرقلة هذه الجهود التي انطلقت مجددا مع التوقيع في غزة ستؤدي إلى تكريس الخلل البنيوي في الجسم الفلسطيني السياسي والمجتمعي.
في المقابل فإن إنجاح المصالحة على المستوى السياسي والمجتمعي (بتنوعاته السياسية والإعلامية والثقافية) في ظل المتغيرات المختلفة يشكل بداية حقيقية لرسم مسار سياسي مغاير للحالة الفلسطينية في السنوات الماضية، رغم كل ما قد يبدو من صعوبات أو تحديات على صعيد آليات تنفيذ اتفاق المصالحة في الإطار الإجرائي أو المؤسساتي.
إن النظر - بشكل جزئي - إلى التراكمات السياسية الماضية، وما نتج عنها من مواقف وتجاوزات كرَّست حالة الانقسام وأفضت إلى مناخ سياسي فلسطيني يتسم بالثنائيات الحادة، قد يكون بحاجة إلى نظرة موازية تهتم بتقليص الآثار السلبية التي انعكست على الرأي العام الفلسطيني، هذا التوجه الموازي يتمثل بامكانية الدفع قدماً - رغم كل العراقيل والتحديات - باتجاه الخروج من واقع الاكتفاء بتشخيص الحالة وتحليل نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، إلى إمكانية تغيير طبيعة الواقع السياسي بالانتقال من مفهوم إدارة الانقسام إلى آليات انهاء الانقسام.
إن النظرة المقترحة الموازية تسعى إلى تغليب الرؤية الوطنية العامة لتشمل التوجهات الاستراتيجية الفلسطينية على الصعيد الدولي، فقد شكل التوجه إلى الأمم المتحدة والحصول على مقعد دولة مراقب، مدخلاً استراتيجياً على صعيد العمل السياسي الفلسطيني الدولي، هذه الخطوة التأسيسية أفسحت المجال لغلاف سياسي دولي يحصن الحالة الفلسطينية بالقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، ونقلت المشهد السياسي الفلسطيني من حالة شعب تحت الاحتلال إلى حالة دولة تحت الاحتلال، بالتالي فإن خطوة التوقيع على 15 معاهدة دولية مؤخراً جاءت لتعزيز هذا التوجه السياسي ضمن الغلاف الاستراتيجي الفلسطيني كخطوة مرحلية وتدريجية نحو دخول الدولة الفلسطينية الأسرة الدولية بشكل مؤسساتي فعّال يعزز الحضور الفلسطيني من خلال المجال الملائم سياسياً.
إن الانضمام إلى المعاهدات والمواثيق الدولية يمثل انتقالة نوعية في طبيعة العمل السياسي الفلسطيني على المستوى الدولي وذلك من خلال تفعيل آليات العلاقات الخارجية بشكل مؤسساتي ضمن القوانين الدولية من أجل دعم الموقف الفلسطيني في سعيه للوصول إلى الحرية والاستقلال.
وباعتبار أن هذه الحالة تمثل مدخلاً استراتيجياً للمشهد الفلسطيني على المستوى المؤسساتي الدولي، فإن المصالحة تمثل في المقابل المدخل الأبرز على صعيد المشهد السياسي المحلي، وبالتالي فإن دعم المصالحة بتوفير المناخ المناسب سياسياً لإجراء الانتخابات يعيد الحيوية إلى المؤسسة الديموقراطية الفلسطينية وينقذ المشهد الفلسطيني من تداعيات الانقسام ويعزز من الحضور السياسي الفعّال بإعادة الاعتبار إلى قدرة المؤسسة الفلسطينية على مواجهة التحديات وذلك بالاستناد إلى موقف وحدوي فعال يعزز التوجهات الاستراتيجية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
حكومة إسرائيلية غير مقنعة!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
ردة الفعل لدى الحكومة الإسرائيلية على اتفاق غزة، اتفاق نيسان 2014، اتفاق تنفيذ المصالحة الذي وقعنا عليه في حركة فتح منذ العام 2009، ثم جاءت حماس ووقعت في 2011، ثم وقعنا معاً على إعلان الدوحة في السادس من شباط 2012، أقول ان ردة الفعل الإسرائيلية غير مقنعة، وغير مبررة، وهي تكشف بعمق شديد عن خيبة الأمل التي يعاني منها نتنياهو وائتلافه الحاكم الحالي في إسرائيل، فهذا الائتلاف اتفق على قراءة خاطئة جداً للأحداث والوقائع والمتغيرات، وبنى كل حساباته على أساس تلك القراءة الخاطئة، وخيبة الأمل هذه بدل أن يتحملها نتنياهو وفريقه من المزايدين، فإنه عبر عنها بنوع من الهروب من المسؤولية، فأطلق الاتهامات والتهديدات ضد الرئيس محمود عباس، وضد المصالحة، وضد السلطة الفلسطينية، وضد الشعب الفلسطيني، هل هذا معقول، هل هذا سلوك حكومة تقود الدولة أم سلوك عصابة لا ترى إلا ما تريد، حتى لو تعارض ذلك مع أبسط بديهيات التاريخ والجغرافيا وقواعد السياسة الدولية؟
شخصياً كنت أتوقع ردة الفعل الإسرائيلية على هذا النحو وأكثر، وأن تنزلق إسرائيل أكثر وأكثر إلى الوحل، وأن تكشف عن وجهها القبيح بما يعجز عن حليفتها الكبرى الولايات المتحدة عن الدفاع عنها، لماذا؟
لأن انتهاء الانقسام يعتبر فشلاً إسرائيلياً خارقاً، لأن هذا الانقسام صنعته إسرائيل باتقان، وخططت له منذ عقود، ومهدت له بخطوات متعددة، واستثمرته بشكل بشع يفوق الوصف، ولعلي أضيء الذاكرة حين أذكركم أن إسرائيل ابتداءً من رئيس حكومتها نتنياهو حتى مندوبها في الأمم المتحدة، ظلت سبع سنوات عجاف تعيرنا بالانقسام، وتشكك في شرعيتنا بسبب الانقسام، وتطعن في أهليتنا بحجة الانقسام، ثم ثبت لديها وأمام عينها أن هذا الانقسام بكل بشاعاته وأوهامه وأفعاله الشائنة، ليس سوى بثور خارجية سطحية لم يدمر الأعماق، وأن الشعب الفلسطيني منتم بقوة إلى وحدته وإلى مشروعه الوطني، وإلى حلمه المقدس في قيامته من جديد عبر دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
بحجم الرهان الخاطئ الذي استند إلى الانقسام يحق لنتنياهو أن يلطم خديه، وقد نرى قريباً أعضاء هذا الائتلاف يقومون بدور الذئاب الجريحة حين ترتد على أعقابها وتنهش لحم بعضها.
بالطبع، فإن السرعة التي جرى فيها التوقيع على اتفاق تنفيذ بنود المصالحة بدءاً بتشكيل الحكومة الواحدة والاستعداد للانتخابات، هذه السرعة تستند إلى معطيات أخرى ضاغطة، من بينها وصول الاشتباك السياسي بيننا وبين إسرائيل إلى الذروة، وقد يتطور إلى أبعد من ذلك، ومن بينها أن هناك مراجعة شاملة في المنطقة للتعامل مع فصائل الاسلام السياسي والأخوان المسلمين على وجه الخصوص، وأن هذه المراجعة بدأت تصل إلى أوروبا وأميركا نفسها، كما أن العلاقة المستعصية بين حماس والدولة المصرية الشقيقة أصبحت عبئاً خارقاً أكبر ألف مرة من أن تتحمله حماس، وبالتالي فإن باب الدخول إلى الشرعية الفلسطينية هو وحده الذي يحل لها هذه الاشكالية المعقدة.
هناك عوامل رئيسية أخرى تجعل إسرائيل تشعر بالارتباك، حيث مصر تتقدم بخطوات حثيثة لاستكمال خارطة المستقبل، وسوريا استعادت قدراً كبيراً من حضورها إلى الحد الذي تستعد فيه للانتخابات، وقد اكتسب جيشها القوي العقائدي تجارب ما كان له أن يكتسبها حتى لو أنفق المليارات، حين دخل كل صفوف المعارك وأنواع القتال في الثلاث سنوات الأخيرة، ورهانات تفتيت سوريا ومصر والمنطقة تراجعت، وعادت خطوط الاشتباك وقواعد الاشتباك إلى قواعدها الأولى، وبالتالي فإن إسرائيل التي صعدت على قاعدة الأوهام، والقراءات الخاطئة، يتوجب عليها أن تهبط إلى أرض الواقع من جديد.
هذه الحكومة المتطرفة بقيادة نتنياهو حاولت أن تجرف الوعي الإسرائيلي، بأن كل شيء سيكون كما تريد إسرائيل، والآن يتضح أن هذا غير واقعي، وصوت المعارضة الإسرائيلية الذي خفت في المرحلة السابقة أمامه فرصة لكي يعلو من جديد بناءً على حقائق موضوعية جديدة، وبناء على مفردات فشل كثيرة لهذه الحكومة الإسرائيلية غير المقنعة.
لا نعرف على وجه الدقة، كيف ستكون قائمة العقوبات الإسرائيلية ضدنا فلسطينياً، ولكن في الأساس نحن مازلنا في الضفة وغزة تحت الاحتلال بكل عناوينه، ونحن لن نقدم لإسرائيل أي ورقة مجانية، لا حل السلطة ولا أي شيء آخر، لماذا نعطي لهذه الحكومة الإسرائيلية الفاشلة أي شيء بالمجان، وهذه هي الصدمة التي لم يكن نتنياهو ومجموعته قد وضعوها في الحسبان، لا مفاوضات إلا بمرجعية، لا نكوص إسرائيليا عن أي اتفاق أو صفقة إلا وله ثمن، نحن دولة تحت الاحتلال، ونريد إنهاء هذا الاحتلال، بالتفاوض أهلاً وسهلاً، بالصمود أهلا وسهلاً، وعلى قاعدة الشرعية الدولية أهلاً وسهلاً، ولكن أن تظل إسرائيل فالته دون أن تلتزم بشيء من زمن ولى إلى الأبد، فأهلاً بالمصالحة الوطنية.
الرد على الجنون الاسرائيلي
بقلم: عمر حلمي الغول – الحياة
الاتفاق التتويجي لاتفاقات المصالحة السابقة يوم الاربعاء الماضي بين فصائل منظمة التحرير وحركة حماس اطلق صرخات الجنون الاسرائيلية والاميركية ضده، لانه وجه لطمة قوية لخيارهم الاستراتيجي، الهادف لتأبيد الانقلاب والتشرذم في صفوف الشعب الفلسطيني كمقدمة لتبديد المشروع الوطني.
الجوقة الاسرائيلية بدءا من رئيس الحكومة نتنياهو ومرورا بليبرمان وبينيت وارئيل وصولا للبيد وتسيبي ليفني، صرخت بأصوات وردود فعل منددة بالاتفاق، ورافضة له، ووضع اتفاق المصالحة وكأنه يتناقض مع خيار التسوية والسلام، داعية لتخلي القيادة عموما والرئيس محمود عباس عنه وإلا فالويل والثبور وعظائم العقاب، وبدأت باجراءات عقابية، وجميعها معروفة وليس فيها جديد، مثل: وقف المفاوضات (وكأن هناك مفاوضات بالمعنى الدقيق للكلمة) ووقف تحويل اموال المقاصة ووقف التسهيلات الممنوحة للسلطة والمواطنين والشروع بقصف ابناء الشعب الفلسطيني في محافظات الجنوب كما حصل في بيت لاهيا يوم اعلان الاتفاق، وحدث ولا حرج عن اعلان العطاءات وزيادة الاستيطان... إلخ
المواقف الاسرائيلية تعكس بشكل واضح وعميق اهمية استمرار الانقلاب على الشرعية، لانها تعتبره خيارا استراتيجيا في برنامجها السياسي لتصفية القضية الوطنية أو على اقل تقدير تقزيم الأهداف الوطنية في نطاق الإمارة الغزية مع حكم اداري هلامي ومشوه في محافظات الشمال. وهو ما يفرض على القوى المختلفة دفع الخطوات الوحدوية للامام، وقطع الطريق على كل المنغصات والقنابل الموقوتة، التي شاء البعض دسها في نطاق الحوارات التفصيلية لتنفيذ الاتفاق المذكور. وعدم الالتفات لردود الافعال الاسرائيلية، أو التوقف امامها، لأن وحدة الشعب والارض الفلسطينية اولوية وطنية لا تعلو عليها اولوية اخرى، وكون الوحدة الوطنية اساساً لخيار التسوية السياسية، ولا يمكن استثناء اي جزء من الاراضي المحتلة عام 1967 من مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
كما ان القيادة الاسرائيلية بمكوناتها المختلفة، تعلم ان الوحدة الوطنية شأن داخلي وطني لاصلة لها به. وكما في اوساط المجتمع الاسرائيلي قوى سياسية وفكرية من أقصى اليمين واليمين والوسط واليسار، يوجد في الشعب الفلسطيني قوى من اتجاهات ومشارب مختلفة تمتد على مساحة العقائد الدينية والمشارب الفكرية والسياسية القومية والوطنية والليبرالية واليسارية، أم ان إسرائيل وأميركا تريد ان تفصل الشعب العربي الفلسطيني على مقاس رؤاها ومشروعها الاستيطاني؟
بالنسبة للموقف الاميركي المتعارض مع المصالحة، اولا مرفوض جملة وتفصيلا، لأن اميركا بمعارضتها المصالحة ووحدة الارض والشعب، تتساوق مع إسرائيل وسياساتها التدميرية لعملية السلام، كما انها تعلم دون اي جهد كبير، ان المصالحة شأن داخلي فلسطيني، وآن الاوان ان تكف اميركا عن لعب دور البلطجي في حياة الشعوب، وعليها ان تتجه نحو سياسات اكثر عقلانية ودعما لحرية واستقلال ارادة شعوب الارض وخاصة الشعب الفلسطيني، الذي يئن تحت نير الاحتلا ل الاسرائيلي الاخير في العالم. فضلا عن ان الحكومة التي سيقودها الرئيس ابو مازن، هي حكومة تلتزم بخيار السلام ليس لسواد عيون اميركا واسرائيل، بل لأن السلام، هو خيار القيادة والشعب الفلسطيني، وتلتزم بقرارات الشرعية الدولية وتعترف باسرائيل، وبالتالي على الادارة الاميركية ان ترتقي الى مستوى دورها كراعي لعملية السلام، لا ان أداة تخريب وتفجير للتسوية السياسية كما ربيبتها وحليفتها الاستراتيجية إسرائيل.
المصالحة والوحدة الوطنية لا تتعارضان مع خيار السلام، بل تعززه وتدعمه، في حين الانقسام والانقلاب على الشرعية يهدده حتى لو خدم مؤقتا مصالح اسرائيل واميركا، لكنه بالمعنى الاستراتيجي يضرب ركائز السلام، لانه ينتج كل عوامل تفجير المنطقة.
فهل تدرك اميركا واسرائيل خطر دعم الانقلاب والتشرذم داخل صفوف الشعب الفلسطيني؟