المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (133)
المقالات في الصحف المحلية
(133)
|
رياء الغرب !!
حديث القدس
لم يعد ممكناً التملص من «الخط الأحمر» بعد الغوطتين
راغدة درغام
الضربة الأميركية من زاوية عربية
خالد الدخيل
حقيقة الفتح العربي في ذلك الزمان!!
محمد جلال عناية
في انتظار الصواريخ ،،
احمد جميل عزم
إني رأيت عذاب القبر!!
عيسى قراقع
أطراف النهار...إن الذي بيني وبين ... صبحي ؟
حسن البطل
عن أوباما ... والضربة ضد سورية
طلال عوكل
الغرائزية الانتقامية واللاعقلانية: "برادايم" التسيس العربي
د. خالد الحروب
في فن الاختلاف
د.عاطف أبو سيف
دفاتر الأيام...تتريك المنطقة، وسؤال آخر أيضا
غسان زقطان
حياتنا - ارتجالات
حافظ البرغوثي
تغريدة الصباح - حكاية إِبريق الزيت
محمد علي طه
السيناريو العراقي يتكرر
فؤاد أبو حجلة
التحريض والشاشات وأوقاتنا الصعبة
عدلي صادق
نحن الصراصير؟!
د. صبري صيدم
جمعة الشكر
يحيى رباح
مقالات صحيفة القـدس
رياء الغرب !!
حديث القدس
الهجوم اللاذع الذي تعرض له الرئيس الاميركي باراك اوباما أمس في وسائل الاعلام الاسرائيلية وعلى ألسنة مسؤولين اسرائيليين وصفوا الرئيس الاميركي بـ «الجبان» لأنه لم يسارع الى توجيه ضربة عسكرية لسوريا وطلب موافقة الكونغرس على هذه الضربة، يكشف تلهف اسرائيل على قيام الغرب بشن عدوان على سوريا لتدمير دولة عربية اخرى، وهو ما ينسجم مع مصالح اسرائيل التي تفضل ان يقوم الغير بمثل هذا العدوان تحقيقا لمصالحها.
المتأمل في هذا التلهف الاسرائيلي على ضرب سوريا وانحسار دعم العدوان في عدد محدود من زعماء الدول الغربية أمثال اوباما وهولاند فيما شهدت العواصم الغربية مظاهرات حاشدة مناهضة للعدوان إنما يؤشر بوضوح ان لا صلة لهذا العدوان المحتمل بحرية الشعب السوري ولا بالديمقراطية وحقوق الانسان بل إنه يهدف اساسا لخدمة مصالح اسرائيل والمصالح الاستعمارية الغربية كما يراها بعض زعماء الغرب.
ولعل الضربة التي وجهها مجلس العموم البريطاني لرئيس الوزراء كاميرون برفضه مشاركة بريطانيا في هذا العدوان ورفض غالبية شعوب اوروبا واميركا حسب استطلاعات الرأي لمثل هذا العدوان ما يؤكد عدم مصداقية الداعين له والمتلهفين عليه.
ولكن السؤال الذي يطرح ازاء هذا الوضع وبعد ان أكدت كافة المصادر ان العدوان اذا ما وقع فسيكون محدودا جدا هو: هل سيؤدي تدمير بنى تحتية في سوريا وما ستلحقه هذه الضربات المحدودة من ضحايا مدنيين الى حل الأزمة السورية وضمان حرية الشعب السوري وحقوقه ؟ وهل فعلا يحرص الداعون للعدوان على الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان؟
للتذكير فقط أكدت مصادر غربية ان الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد استخدم أسلحة كيماوية في حماة وقتل حينذاك خمسة آلاف مدني كما أكدت ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين، استخدم أسلحة كيماوية ضد الأكراد مما أدى الى مقتل الآلاف في حينه ولم ينبس الغرب ببنت شفة في ذلك الوقت وهو ما يؤكد ازدواجية سياسة الغرب وان ما يحرك هذا الغرب الاستعماري هو مصالحه فقط وهو نفس الغرب الذي يتباكى اليوم على سقوط مئات المدنيين بسلاح كيماوي في سوريا لم يثبت حتى اللحظة ان النظام السوي هو الذي استخدم هذا السلاح كما لم تنشر لجنة المفتشين الدولية التي حققت باستخدام السلاح الكيماوي نتائج تحقيقها بعد.
وهو نفس الغرب الذي شهد سقوط أكثر من ألف مدني فلسطيني في العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة بنيران اسرائيلية وبأسلحة محظورة بما فيها الفسفور الأبيض ولم يحرك ساكنا ولم يبتاكى على حقوق الانسان الفلسطيني وحريته ثم سقوط المئات من المدنيين في العدوان الاسرائيلي الذي تلاه على قطاع غزة، وبين هذا وذاك حصار جائر وسقوط مدنيين ولم يحرك الغرب ساكنا، وهو ما يثبت رياء الغرب والوجه القبيح لكل اولئك الذين يتسترون وراء الحرية وحقوق الانسان لتدمير قطر عربي آخر وهو سوريا خدمة لمصالح اسرائيل ومصالحهم الاستعمارية .
شعب بأكمله هجر من وطنه منذ عام ١٩٤٨ ثم احتلت اسرائيل ما تبقى من فلسطين التاريخية عام ١٩٦٧ ولا زالت تمارس احتلالا بشعا وتمارس انتهاكات جسيمة للقانون الدولي سواء باستيطانها او سياسة التطهير العرقي في القدس في محاولة لتهويدها او الاجراءات الباطلة التي تتخذها في الأراضي المحتلة .... الخ دون ان يقف زعماء الغرب موقفا جادا إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من استلاب لحريته وانتهاك لحقوقه تحت الاحتلال، فأي غرب هذا الذي يريد اقناعنا اليوم أنه حريص على حقوق الانسان وحريص على حرية الشعب السوري وحريص على الديمقراطية ؟؟
ان ما يعانيه شعب العراق اليوم من ويلات وكذا شعب أفغانستان جراء المغامرات العسكرية الغربية التي لم تجلب الحرية والرفاه للشعوب لهو أكبر دليل على ان ما يهم الغرب شيء آخر مختلف تماما عن حرية الشعوب وديمقراطية أنظمتها ، وبذلك ينكشف القناع ويظهر رياء الغرب ونفاقه وازدواجية سياسته تماما كما تظهر نزعاته الاستعمارية القديمة الجديدة مهما حاول تغليفها بشعارات براقة لا رصيد لها .
لم يعد ممكناً التملص من «الخط الأحمر» بعد الغوطتين
راغدة درغام
نقل استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطتين المسألة السورية الى عتبة جديدة نوعياً على الصعيد العسكري في ساحة القتال كما على مستوى العلاقات الدولية والإقليمية. محور روسيا والصين وإيران و «حزب الله» والنظام في دمشق يقع الآن في ورطة حائراً. أمامه خيار الانحناء أمام اندفاع عسكري للولايات المتحدة لتلقين الدرس وتأديب مَن يستخدم أو يحمي الذي استخدم هذا السلاح اللاأخلاقي، وإن كان عبر ضربات غير قاضية هدفها ليس اقتلاع النظام.
وأمامه خيار التصدي للعلميات العسكرية الأميركية المدعومة من دول أخرى في حلف شمال الأطلسي منها تركيا. الخيار الأول مخجل، لا سيما بعد كل تلك المغالاة والغطرسة والتشجيع على التعنت والرهان على ضعف بنيوي في الرئاسة الأميركية. الخيار الثاني معقد، لأن لكل من أطراف محور الممانعة علاقات وحسابات مدروسة مع الولايات المتحدة الأميركية لن يغامر بها بسهولة، لربما بين طيّات تطورات الأسبوع الذي مضى معطيات تدفع اللاعبين الدوليين والإقليميين الى تلك «الصفقة الكبرى» التي كلّف صنعها حتى الآن ما يفوق مئة ألف ضحية سورية ومليون طفل لاجئ سوري واستخدام أسلحة كيماوية تمزق القلب رؤية ضحاياها. لكن الواضح ان ما حدث هذا الأسبوع حذف من المعادلة امكانية حل على نسق نموذج اليمن بحيث يتنحى الرئيس في عملية خروج لائق. لقد فات الأوان. استخدام الأسلحة الكيماوية هو جريمة ضد الإنسانية لن يسهل بعدها البقاء اللائق لبشار الأسد في الرئاسة الى حين الانتخابات المقبلة منتصف عام 2014. ففي هذا أيضاً فات الأوان.
أية «صفقة كبرى» إذاً، إذا كانت في الاعداد، فستتعدى الرئيس السوري ومعظم أركان نظامه باستثناء عناصر مهمة استثنائية في الجيش النظامي. ولذلك برز الحديث عن «جيش جديد» المقصود به ان يضم عناصر من «الجيش الحر» باستبعاد تام للمتطرفين في المعارضة السورية، وعناصر من «الجيش النظامي» باستبعاد من يقدم الولاء لعائلة الأسد قبل الولاء لسورية، وأية «صفقة كبرى»، إذا كانت في الوارد، ستتطلب اعادة فرز العلاقة الأميركية – الروسية، والأميركية – السعودية، والأميركية – الإيرانية، والأميركية – الصينية أيضاً. هذا الى جانب بزوغ حديث من نوع آخر بين القوى الإقليمية الفاعلة في موازين القوى في مقدمه حديث سعودي – إيراني وسعودي - تركي، ايراني – تركي، وربما تركي – اسرائيلي، انما الآن، ما يهيمن على الأذهان هو توقيت ونوعية الضربة العسكرية الموعودة وأهدافها وإفرازاتها وتداعياتها محلياً وإقليمياً ودولياً.
الرئيس باراك أوباما اتخذ قرار عدم غض النظر عن استخدام الأسلحة الكيماوية. تصريحات وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشك هاغل توضح ان التدخل العسكري دُرِسَ والخطط العسكرية تم إعدادها وكل شيء بات رهن اصدار الرئيس أوامره.
زخم التسريبات حول المواقع والأهداف التي سيتم ضربها لافت ومدهش لدرجة اثارة الشكوك حول ما إذا كان الهدف منها التنصّل في اللحظة الأخيرة أو دفع اللاعبين الآخرين الى التوصل الى تفاهم أو صفقة تحول دون الحاجة الى التدخل العسكري. والبعض يمضي الى أبعد ويقول ان كل هذا الزخم من الأقوال والمواقع هدفه امتصاص الغضب والاستعداد الشعبي للقيام بعمل عسكري – وبعد تلك العاصفة يأتي الهدوء لإتاحة فسحة التراجع عسكرياً تحت غطاء الحاجة الى التفاهم السياسي والديبلوماسي.
آخرون يعتقدون ان ذلك التقويم هراء وأن باراك أوباما سيفاجئ من حجّمه وحاول تحقيره بوصفه ضعيفاً لا يمتلك الشجاعة على العمل العسكري وسيضرب مواقع مختلفة تماماً عما تم تسريبه. يقولون انه رجل صبور الى ان يفقد صبره، رجل تهادني الى ان يتخذ قرار المواجهة، رجل ذكي لن يدفع بوزيري الخارجية والدفاع الى اتخاذ مواقف علنية كالتي اتخذاها ثم يتراجع ويحرجهما بل يحرج أميركا.
توقيت العمليات العسكرية أيضاً سيبقى سرياً انما الواضح انه سينتظر مغادرة فريق الأمم المتحدة الذي يأخذ عيّنات هدفها ليس تحميل المسؤولية للطرف الحكومي أو لطرف المعارضة. مهمة الفريق علمية، إذ عليه ان يقدم تقريره حول ما إذا تم استخدام الأسلحة الكيماوية، وبأية نوعية، وما الى هنالك وليس استنتاج مَن استخدمها.
التحرك الأميركي بإعلان واشنطن ان لديها أدلة على قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين – الأمر الذي ينفيه النظام – والتحرك البريطاني بمشروع قرار طُرح في اجتماع للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن يعنيان ان انتظار مغادرة الفريق الأممي الأراضي السورية هو من أجل سلامة الفريق وليس انتظاراً لتقرير يحمّل المسؤولية لهذا أو ذاك. السفير السوري في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، حاول اطالة بقاء الفريق في الأراضي السورية عندما طالب ان يتوجه الفريق الى ثلاثة مواقع أخرى للتحقيق، روسيا وإيران حاولتا ادانة استخدام الأسلحة الكيماوية وإدانة التدخل العسكري في آن. روسيا طالبت انتظار تقرير الفريق. والأمين العام بان كي مون دعا الى انتظار انتهاء الفريق من مهمته لكنه طالب مجلس الأمن بأن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية. الأرجح ان روسيا والصين ستمنعان مجلس الأمن من تبني قرار «اتخاذ كل الإجراءات الضرورية» لأنهما منعتا مجلس الأمن من أي تحرك في المسألة السورية عبر استخدامهما الفيتو المزدوج ثلاث مرات وعبر تعطيل أية محاولة لإصدار بيان رئاسي يتطلب إجماع أعضاء المجلس.
واضح، إذاً، انه لن يكون هناك تدخل عسكري بموجب قرار من مجلس الأمن يعطي تلك الصلاحية. فمن يقول ان قرار مجلس الأمن ضروري لأي تدخل عسكري يقصد القول انه لا يريد أية عملية عسكرية حتى إن كان هدفها احتواء نزعة النظام في دمشق لاستخدام السلاح النووي الفتاك ضد أطفال ونساء ورجال سورية. كل تفسير آخر ليس سوى دفن للرؤوس في الرمال، إلا لدى الذين هم مقتنعون حقاً بأن ذلك القدر من الغازات السامة متوافر لدى المعارضة السورية بما أدى الى قتل مئات الأبرياء – وعلى هؤلاء ان يتحملوا عبء الإثبات، وليس العكس.
يجب ان تكون روسيا مُطالبة بأن تتحمل عبء الاثبات بأن المعارضة استخدمت تلك الأسلحة الفتاكة، وإلا فإنها حقاً تستهتر بأرواح الشعب السوري وبالذات أطفاله، فإذا تمكنت حقاً من اثبات مزاعمها بالسرعة الضرورية، بجدية وبأدلة واقعية ليست على نسق بدعتها الأخيرة، يجب عندئذ ان تتم معاقبة المعارضة السورية التي استخدمت هذا الغاز السام بإجماع دولي بلا تردد أو مماطلة وليس مقبولاً أبداً أن تكون الأسلحة الكيماوية وسيلة لأي هدف ان كان هدفاً للمعارضة أو هدفاً للنظام. انه جريمة لا تُغتفر.
مهما كانت غايات المناورات السياسية أو المحادثات الجانبية، ان ما حدث من استخدام للأسلحة الكيماوية – التي أكدت واشنطن انه أتى على أيدي النظام في دمشق – أسفر عن تحوّل نوعي في موقف الرئيس باراك أوباما الذي طالما قاوم الانجرار الى الساحة السورية. لعل أركان النظام في دمشق أساءوا قراءة الرئيس أوباما أو أساءوا تقدير رد الفعل الدولي بعدما تم استخدام قدر أقل من الأسلحة الكيماوية. ما حدث هو ان ذلك «الخط الأحمر» لم يعد ممكناً التملص منه بعد الغوطتين.
فأميركا دخلت المعركة السورية بعد الكيماوي، مباشرة إذا قصفت، وغير مباشرة إذا سلّحت المعارضة أو سمحت بتسليح نوعي. الحديث اليوم يصب في خانة ضربات عسكرية لـ «تحالف» دولي تقوده الولايات المتحدة يفتح الباب أمام اقامة منطقة حظر طيران أو مناطق آمنة وممرات أمنية كانت تركيا سعت وراءها منذ زمن. هذا تحوّل نوعي. قيام حلف «الناتو» بلعب دور مباشر هو أيضاً تحوّل نوعي. التحاق دول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وقطر وربما مصر أيضاً هو بدوره تحوّل نوعي.
كل التصريحات الأميركية العلنية تفيد بأن الهدف ليس توجيه ضربة قاضية تطيح النظام وإنما الهدف معاقبة النظام وتأديبه لا تغييره. الأسباب كثيرة، منها: أولاً، ان الساحة السورية غير جاهزة للبديل مع ان الكلام عن «جيش جديد» قطع أشواطاً مهمة. ثانياً، هناك حرص بالغ على عدم تحوّل الضربة العسكرية ضد النظام الى تقوية العناصر المتطرفة والإرهابية في الساحة السورية المعارضة. ثالثاً، عدم وضع الإطاحة بالنظام هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية يعطي فرصة لانشقاقات نوعية تسمح بالتحاق عناصر مهمة من الجيش النظامي بالجيش الجديد الذي تقوده عناصر قيادة الجيش الحر. رابعاً، ان العمليات الجوية تأتي ركيزة اضافية وفاعلة في عملية استنزاف النظام.
بكلام آخر، سيتم فتح صفحة جديدة تماماً عندما تبدأ أول عملية عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة والتحالف الجديد. انها صفحة الضربات الجوية المتتالية بقصف قد يدوم اسبوعاً أو سنة أو سنوات عدة . أحد أهداف ذلك، من جهة، هو إضعاف النظام وإنهاكه لدرجة اضطراره للقبول بالتنازل عما قد يكون «جنيف 2» أو صفقة من نوع آخر. الهدف الآخر هو فتح المجال لأطراف أخرى في «التحالف» لتقوم هي بالإطاحة بالنظام بدلاً من الولايات المتحدة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وقطر وكذلك تركيا.
فهذه معركة أساسية في خريطة موازين القوى في الشرق الأوسط كما في نوعية العلاقات الدولية. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أفرط في الرهان على عجز الرئيس أوباما لدرجة الاستهتار به والإهانة له. لم يتذكر ان المؤسسة الأميركية سبق ومرّت بتجارب سوفياتية مماثلة أسفرت عن تقليم أظافر الذي تطاول كثيراً. ظن نفسه حقاً زعيم دولة عظمى ونسي ان شخصية الرئيس – على أهميتها البالغة – جزء من المعادلة. الآن، اضطر الرئيس أوباما للرد قائلاً: أنا هنا.
رفض أوباما الاستماع الى القلق العربي من اعطائه ضوءاً أخضر لتجاوزات إيران في سورية – عمداً أو سهواً – أسفر عن دور سعودي غير تقليدي بعلنيته قيامه هو بدوره أيضاً: نحن هنا. لذلك تحركت الرياض مع موسكو ومع واشنطن على السواء لتقول بوضوح ان المعركة على سورية ليست مصيرية فقط لإيران وإنما هي بالقدر نفسه من المصيرية للمنطقة العربية. انها معركة توازن القوى الإقليمية وهي معركة رفض فرض إيران وتركيا وإسرائيل قوى الأمر الواقع وحدها في موازين القوى في الشرق الأوسط.
تركيا فهمت، اضطراراً، ان مصر ليست لها عبر حكم الإخوان المسلمين. ايران ستفهم، اضطراراً، ان سورية ليست لها عبر هذه الحرب المدمرة فتركيا اليوم أضعف مما كانت عليه مطلع ولاية أوباما إذ ان مصر اليوم تحررت من «النموذج» التركي الذي اعتقد أوباما انه «روشتة» الحكم الجديد في المنطقة العربية. ايران أضعف أيضاً لأنها تورطت عسكرياً في سورية، مباشرة وعبر «حزب الله»، وهي غير قادرة اما على الاستمرار في شراء التهادنية مع الغرب في أعقاب استخدام الأسلحة الكيماوية، أو على مواجهة الغرب عسكرياً بسبب افلاسها اقتصادياً وحاجتها الماسة الى ارضاء الغرب كي لا يحاسبها على طموحاتها النووية. فحتى لو قررت طهران المواجهة عبر استدراج اسرائيل الى المعركة، فهي تدرك ان ذلك سيسفر عن فتح باب الانتقام منها نووياً على الصعيد الإيراني وفسح المجال ميدانياً لتوريط «حزب الله» في حرب لبنانية تسحب مقاتليه من الساحة السورية.
روسيا، كما إيران، لن تدخل في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة أو اسرائيل، إذ ان الساحة السورية لها هي ساحة حروب بالنيابة وليست ساحة مواجهة أميركية – روسية عسكرية. ستمضي موسكو في الغطرسة والتضليل حتى آخر رمق من النظام في دمشق، لكنها لن تنتحر من أجله. فما حدث، كيماوياً، غيّر قواعد اللعبة. وبوتين قد يقدّر الخدمات التي قدمها نظام دمشق، لكنه ليس غبيّاً ولا هو جاهز للانتحار.
انها محطة جديدة قد تؤدي الى سلام في الشرق الأوسط عبر خريطة موازين قوى من نوع آخر، وقد يكون موقع انزلاق آخر لأكثر من لاعب على حساب سورية.
الضربة الأميركية من زاوية عربية
خالد الدخيل
هناك سبل كثيرة للنظر إلى الضربة الأميركية المتوقعة ضد النظام السوري على خلفية استخدامه السلاح الكيماوي ضد مواطنيه. هناك من هو مشغول بحجم هذه الضربة، وهناك من يتركز اهتمامه على توقيتها. وثالث يتساءل عن إمكان فبركة واشنطن والأمم المتحدة - وفي شكل عام الغرب - للدليل على استخدام الكيماوي من قبل النظام السوري. ورابع يرى ضرورة الاهتمام بتداعيات هذه الضربة، وهل ستؤدي إلى حرب إقليمية؟ وخامس يتمنى، وسادس يخشى أن تؤدي الضربة إلى سقوط النظام السوري.
كل ما سبق زوايا نظر مهمة لموضوع مهم، لكن هناك زاويا أخرى لا تقل أهمية، بل ربما أنها أكثر خطورة حتى من الضربة ذاتها. لهذه الزوايا ميزة تفرقها عن غيرها، وهي التي تضفي عليها أهمية وخطورة أكثر من غيرها، وهي أنها زوايا عربية قبل أي شيء آخر. أهم هذه الزوايا العربية تتمثل في السؤال الآتي: كيف ينبغي أن ننظر الى الضربة الأميركية؟ هل هي لخدمة المصالح الأميركية؟ أم لأجل تحقيق مصالح الشعب السوري؟ ماذا ينبغي أن يكون عليه موقفنا من هذه الضربة؟ هل نحن معها أم ضدها؟ أم ينبغي لنا أن نكون في موقف بين الموقفين؟ والغريب أن هذه الأسئلة - وللدقة هذه الارتباكات - تتجاور تماماً مع شبه إجماع عربي رسمي وغير رسمي على دموية النظام السوري، وعلى أنه نظام قاتل، وأنه السبب الأول والأهم في كل المآسي التي مرّ ويمر بها الشعب السوري منذ ما قبل الثورة وبعدها، وبالتالي فإن سقوطه أو تغييره أو استبداله سيكون في مصلحة هذا الشعب.
لكن بعد كل ذلك، ليس هناك اتفاق على أي شيء تقريباً. سيقال إن هذه الأسئلة وحال الخلاف والشقاق حولها تعبر عن عجز متمكن، وعن ارتباك متفشّ بين الجميع أمام حدث كبير غامض في مصادره وأهدافه ومآلاته، وأن مرد ذلك العجز والارتباك الى حال انقسام مزمن بين العرب على كل شيء، وعلى كل مستوى تقريباً. هذا صحيح، ولكن هناك ما هو أقرب الى الحقيقة، وأكثر تعبيراً عن هذا الواقع، وهو أن إشكال الضربة ينبع من حقيقة أنها ستأتي من الولايات المتحدة ومن خلفها الغرب ضد نظام عربي. هنا يبرز السؤال: هل كون النظام عربياً يجيز التغاضي عن جرائمه؟ سيقول الجميع من غير أتباع وأنصار النظام: لا. الجريمة تبقى كذلك مهما كانت هويتها، لكن أن يأتي عقاب جريمة طرف عربي من طرف غير عربي، ومن الغرب تحديداً يجعل منه أمراً محل شبهة يقتضي رفضه، أو على الأقل حرمانه من مشروعية الموافقة العربية عليه. الضربة الأميركية تهدف الى خدمة مصالح أميركية وهي غير معنية بمصالح الشعب السوري ولا بمصالح العرب. وهذا صحيح تماماً، لكن مأزق هذا الرأي أنه يتوقف عند هذا الحد، حدّ الرفض ولا يتجاوزه، ويستند في جوهره إلى تبرير أخلاقي هشّ، بل وزائف أمام حال سياسية تفرض نفسها على الجميع. هل هناك فرق من الناحية الأخلاقية أو القانونية بين أن يُقتل العربي بيد عربي آخر، وأن يُقتل على يد طرف غير عربي؟ ينطوي السؤال على عنصرية باذخة.
قتل الإنسان محرّم لأنه إنسان قبل أي شيء آخر، فما بالك عندما يتم تدمير بلد بكامله لأجل أن يبقى الرئيس في سدة الحكم. سورية تدمر وشعبها يُقتل في شكل يومي، ويتحول إلى لاجئين في المنافي في شكل يومي أيضاً. والعرب عاجزون أو لا يريدون أن يفعلوا شيئاً. من حقك أن ترفض التدخل الأجنبي في الأزمة، لكن ليس من حقك أن ترفضه من دون أن تقدم بديلاً منه. أنت بهذا الموقف تمنح رخصة مجانية للنظام لمواصلة التدمير والقتل، أما الحديث عن المصلحة فهو نوع من اللغو. من الطبيعي أن يعمل الغرب لأجل مصالحه، وهذا يحسب له لا عليه. هل هناك من يعمل لمصالح غيره؟ لماذا لا يعمل العرب لأجل مصالحهم؟ هل الأتراك أو الإيرانيون أو غيرهم يعملون لمصالح العرب؟ هذا نوع من الهذيان. ثم إن السوريين من غير قيادة النظام وأتباعها هم أصحاب القول الفصل في تقرير الموقف من كل ما يتعلق بالمأزق الذي يعيشونه، ويدفعون ثمنه يومياً.
الطرف الأول الذي فرض المأزق على الجميع هو النظام السوري، والدول العربية فرضت بعجزها عن فعل أي شيء في هذه الحال أيضاً. هناك دول عربية تعلن رفضها للضربة بطريقة مرتبكة لا تجعل لرفضها مترتبات سياسية معينة، وتكتفي بأن تكون شاهد زور على ما سيحدث. نموذج ذلك مصر في عهد الانقلاب العسكري. الأردن نموذج آخر لدولة عربية لا تعلن رفضاً ولا قبولاً للضربة، ولكن تؤكد أنها لن تكون منطلقاً لهذه الضربة. على الناحية الأخرى، هناك دول عربية تقبل ضمناً بالضربة لكنها تلوذ بالصمت ولا تعلن موقفاً، وقائمة هذه الدول طويلة من الخليج العربي إلى المغرب العربي. لبنان الأكثر تأثراً بالحرب الأهلية السورية منقسم في موقفه من الضربة بين شعار «المقاومة» وشعار «النأي بالنفس»، أما العراق الذي يعاني حرباً أهلية ونفوذاً إيرانياً ترتفع أكلافه يوماً بعد آخر، فيحذر من مخاطر الضربة ولكن من دون أن يعلن رفضاً قاطعاً لها. الجزء الحاكم من النظام العراقي منقسم بين ارتباط مع طهران على أساس مذهبي، وارتباط مع واشنطن على أساس سياسي، وانطلاقاً من ذلك سيذهب رئيس الحكومة نوري المالكي إلى العاصمة الأميركية لتوقيع اتفاق دفاع مشترك مع أميركا صاحبة الضربة.
الدولتان الوحيدتان في المنطقة اللتان أعلنتا موقفاً واضحاً من الضربة هما تركيا وإيران. تركيا لا تؤيد الضربة وحسب، بل ومستعدة للمشاركة فيها. إيران ترفض الضربة وتطلق تصريحات رنانة، ولكنها مبهمة عن رد فعلها في حال حصلت. لن تفعل إيران شيئاً بعد انسحاب روسيا، وإذا كانت الضربة محدودة وقصيرة الأمد. موقف هاتين الدولتين لافت لجهة أنه يؤكد المؤكد، وهو أن الدول العربية المعنية أكثر من غيرها بحرب أهلية في بلد عربي، والأكثر تأثراً بتداعياتها وتداعيات الضربة الأميركية المتوقعة، هي الوحيدة التي لا تملك موقفاً سياسياً واضحاً ومتماسكاً.
الأيديولوجيا العربية هي العائق الكبير أمام الدول العربية لإعلان موقف واضح من حدث يؤمن بعضها بضرورته، ويؤمن البعض الآخر بحتميته، وهذا ليس جديداً على أية حال. كنا في الموقع نفسه تقريباً في كل الأزمات التي عرفها العرب، أقله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعندما يكون الموقف العربي على هذا النحو، إما مرتبكاً بصمت أو رافضاً بصمت أو قابلاً بصمت أيضاً، فإنه يعبر عن ضعف سياسي وعجز عسكري، ومن ثم عن غياب للرؤية. والدولة من دون موقف متماسك ومعلن - وبخاصة في اللحظات الحرجة - ليست دولة تماماً. في هذه الحال يعبر ارتباك الرأي العام العربي وتناقض مواقفه ما بين سذاجة أخلاقية أو انتهازية سياسية، عن طبيعة الدولة التي ينتمي إليها، والخطاب السياسي الذي تعتاش عليه من أزمة إلى أخرى، ومن مأزق إلى آخر.
حقيقة الفتح العربي في ذلك الزمان!!
محمد جلال عناية
كان على شبه الجزيرة العربية ان تخضع نفسها لنفسها اولاً حتى تستطيع اخضاع العالم. ان القوة الدافعة التي ولدتها الحملات الداخلية، والتي حولت شبه الجزيرة العربية الى معسكر مدجج بالسلاح خلال عدة شهور اعقبت وفاة الرسول محمد «ص»، فأخذت تتلمس المنافذ لطاقتها العسكرية، وان التقنيات الحديثة التي اكتسبتها في الحروب المنظمة جاء وقت تطبيقها في اماكن اخرى. وان ولع القبائل العربية بالحروب تعاظم بتراكم بعضه على بعض حتى تجمع في اخوية شاملة اخذت تبحث لها عن منافذ لتثبت وجودها وتحقق ذاتها.
ان الحدثين الكبيرين اللذين جاءا في العصور القديمة المتأخرة، هما هجرة الجرمان «التوتونيون» التي تسببت في تمزيق الامبراطورية البيزنطية العريقة، والفتح العربي الذي قضى على الامبراطورية الفارسية، وهز الامبراطورية البيزنطية من جذورها.
ومن هذين الحدثين فإن الفتوحات العربية التي بلغت الى حد احتلال اسبانيا، شكلت البداية لمرحلة العصور الوسطى. وهكذا انقضت شبه الجزيرة العربية المغمورة والمتخلفة على اعظم امبراطوريتين عالميتين في ذلك العصر، فورثت الامبراطورية الفارسية، وانتزعت اهم اقاليم الامبراطورية البيزنطية. فتحولت الصحراء العربية القاحلة الى حاضنة لاستنبات ابطال لم يتوفر مثلهم كماً وكيفاً في اي مكان في العالم. وتتميز فتوحات خالد بن الوليد وعمرو بن العاص في العراق وايران وسوريا ومصر عن فتوحات نابليون وهانيبال والاسكندر.
ان التنافس الفارسي البيزنطي الذي ادى الى حروب متواصلة بينهما عبر الاجيال، والضرائب الباهظة التي استوجبها الانفاق على هذه الحروب، والتي فرضت على المواطنين في الامبراطوريتين، وتسببت في ضعف ولائهم لحكوماتهم. وان استيطان القبائل العربية في سوريا والعراق، والانشقاق في الكنيسة المسيحية، التي ادت لقيام الجماعات المونوفستية في سوريا ومصر والجماعات النسطورية في العراق وفارس، بالاضافة الى اضطهاد الكنيسة الاورثوذكسية لهم، مهد الطريق للتطور السريع والمفاجىء للقوة العسكرية العربية، لقد وجد الساميون المتوطنون في سوريا وفلسطين، وكذلك الحاميون المصريون في القادمين الجدد من الاعراب بأنهم من ذوي القربى لهم على غير ما هي علاقة الكراهية بينهم وبين مضطهدين من سادتهم الغرباء.
في الحقيقة لقد نظر الى الفتح الاسلامي على انه اعادة تصحيح للاوضاع التي سادت فيها السيطرة الغربية على المنطقة العربية على امتداد الف عام . من ناحية اخرى، ان الجزية التي فرضها الفاتحون الجدد من العرب كانت اقل من تلك التي فرضها الحكام القدامى، بالاضافة الى ان باستطاعة اهل البلاد ممارسة طقوسهم الدينية بحرية ودون تدخل من الحكام الجدد، ومن جهة العرب انفسهم، فقد شكلوا سلالة نشطة وقوية تشتعل حماسا وتعتز بالوطنية والرغبة في السيطرة والحكم، مفعمين بالشجاعة والاستهانة بالموت تحت تأثير عقيدتهم الجديدة.
ويعود جانب كبير من انتصاراتهم الاسطورية الى مهارتهم في تطبيق التكتيكات العسكرية في سهول غرب آسيا وشمال افريقيا، خاصة مهارات الفرسان والجمالة، مما لم يحسن استخدامها الرومان.
ان التحليلات الاسلامية تؤكد في المصادر العربية على ان الفتوحات العربية شتكل حركة دينية بالدرجة الاولى ولا تشير الى الدوافع الاقتصادية وفي ذات الوقت تؤكد افتراضات دينية مسيحية على ان العرب المسلمين يقدمون القرآن بيد ويلوحون بالسيف باليد الاخرى، ولكن خارج شبه الجزيرة العربية كان هناك خيار ثالث الى جانب القرآن والسيف عرضه الفاتحون الجدد على اهل الكتاب من اليهود والمسيحيين وهو الجزية.
قال تعالى: «واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شي قدير «الانفال: ٤١».
ان هذا الخيار الثالث جاء اخيرا بسبب الضرورة، وعرض على الزرادشتين، وعبدة الاوثان، والبرابرة، والاتراك كذريعة للمغانم. واصبح الاسلام صيحة جديدة للحرب، وكلمة للتجمع، ومادة لاصقة لجماعات غير متجانسة لم يسبق لها ان ساهمت بكتلة وازنة في القوة الدافعة،انه ليس النقد الديني فقط ولكنها ايضا الحاجة الاقتصادية هي التي دفعت بالقبائل، وجيوش الفتح من مجندي البدو للانطلاق الى ما بعد مواطنهم القاحلة الى الاراضي الخصبة في الشمال. وان الرغبة في الفوز بالجنة في الحياة الاخرى ربما تشكل قوة دافعة لدى بعض المسلمين، الا ان الحياة المنعمة في المناطق المتمدينة في الهلال الخصيب شكلت دافعا قويا لاخرين.
ان الدافع الاقتصادي للفتوحات العربية لم يغب عن رصد قدماء المؤرخين العرب، فها هو البلاذري اكثر مؤرخي العرب حكمة ودقة، يدوّن ان ابا بكر في حشده للحملة على سوريا «كتب الى سكان مكة والطائف واليمن وكل العرب في نجد والحجاز يستدعيهم الى حرب مقدسة، ويستثير رغبتهم للمشاركة بها وللغنائم التي سيحصلون عليها من الاغريق».
ان هذه الفتوحات العظيمة لم تتم بناء على تخطيط وتنظيم بل انطلقت على شاكلة الغزوات القبلية التي جاءت بديلا عن تلك الغزوات. وان موجات الفتح تعاظمت خلال انطلاق المحاربين من نصر الى نصر، والتي اعقبها بناء الامبراطورية العربية التي شكلتها الظروف والاحداث.
ان فتح العرب لاقطار العالم وامبراطورياته انطلق على يد الخليفة ابي بكر، وتعاظم خلال خلافة امير المؤمنين عمر بن الخطاب. فخلال خلافة ابي بكر القصيرة (٦٤٢ - ٦٣٤م) انتصر في حروب الردة واخضع الذين ارتدوا عن الاسلام بعد وفاة الرسول (ص). وفرض السيطرة على شبه الجزيرة العربية. وفي شخصيته كان ابو بكر شيخا جليلا ومتواضعا. وقد صاهر الرسول (ص) بتزويجه من ابنته عائشة التي كانت اكثر الزوجات حظوة لدى الرسول. وكان ابو بكر يعيش مع زوجته حبيبته في بيت متواضع، وينتقل كل يوم جيئة وذهابا بين منزله ومسجد الرسول في المدينة حيث يدير شؤون الحكم من هناك، متطوعا دون مقابل.
وكان عمر بن الخطاب البسيط المقتصد، ذو الهمة والموهبة، هو الذي خلف ابا بكر وكان عمر مرفوع الهامة قوية البنية. استمر بعد توليه الخلافة في العمل ليعول نفسه، في حياة تتميز بالبساطة كاي اعرابي اخر . وان عمر بن الخطاب الذي تؤكد المصادر العلمية الاسلامية، والثقافية الشائعة بأنه هو الشخصية العظيمة التي تأتي في المرتبة الثانية بعد الرسول (ص). كان مثاليا في عيون اصحاب الرأي من المسلمين لتقواه وعدله، ومهابته وتواضعه. وما يتحلى به من الصفات التي كانت مثالا يحتذى لمن جاء بعده من الخلفاء ولم يكن يملك عمر لملبسه غير قميص واحد مهترىء، وعباءة واحدة مهترئة قد طلستهما الرقع، ولا يبدو عليهما حسن الهندام. وفي نومه كان يستلقي على خشبة من اوراق النخيل الجافة، وان عمر بن الخطاب هو من حدد الهجرة الى «المدينة» بداية للعصر الاسلامي والتاريخ الهجري.
وحكم قطاعات واسعة من العالم المعروف في ذلك الوقت، وأنشأ السجل الحكومي ونظم حكومة الامبراطورية الجديدة.
في انتظار الصواريخ ،،
احمد جميل عزم
بحثت منذ سنوات طويلة عن أحد الكتب الصادمة في التاريخ العربي، وعنوانه "تحطمت الطائرات عند الفجر"، فوجدته حينها مصنفاً في مكتبات عامة بين الروايات والقصص. يحكي الكتاب قصة جاسوس اسرائيلي اخترق المصريين، وهيّأ لحرب العام 1967. ومن ضمن ذلك، ترتيب حفل غنائي راقص مزعوم لضباط سلاح الجو المصري ليلة الحرب. وبدل أن يصحو العالم على زحف الجيش المصري لتحرير فلسطين، تحطمت الطائرات المصرية في قواعدها فجراً.
مشهدٌ فاق في آثاره التاريخية والنفسية والثقافية، في العالمين العربي والإسلامي، آثار نكبة العام 1948، وكان الصدمة التي غيرت وجه العالم ونفوس الناس.غامرت صحيفة السفير اللبنانية، أول من أمس، جداً، وهي تعدنا أن نستيقظ على وقع الصواريخ. إذ قالت تحت عنوان "هي الحرب الأميركية على سورية.. وليست ضربة لنظامها"، أنّه "إذا صدقت تسريبات البنتاغون الأميركي، سنستيقظ صباح غد على وقع الصواريخ الأميركية العملاقة تعبر سماء لبنان والأردن وفلسطين باتجاه الأراضي السورية". استيقظنا ولم يحدث شيء. وبطبيعة الحال، كان القليل من التدقيق كافيا لرفض التوقعات؛ ببساطة، لأنّ وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لم تسرّب شيئاً يدفع إلى الاعتقاد بأنّه سيكون هناك هجوم أمس.
الحرب الغربية الصريحة في سورية بعيدة ومستبعدة، أمّا الضربات فممكنة، وأقرب من أي وقت مضى. وبقدر ما تبدو فكرة الحرب مثيرة ويريد الإعلام ترويجها، بقدر ما أنّ سيناريوهات الرد على الضربات تغفل العديد من دروس التاريخ. فالضربات نالت سورية مرات عديدة، ولم يستخدم نظام الأسد "حق الرد" الموعود. الحرب بعيدة لأسباب منها "شبح العراق". فالتجربة الأميركية في العراق جعلت الأميركيين يفكرون ألف مرة قبل إرسال جنودهم إلى الميدان. وسورية الآن بالنسبة للجندي الأميركي، بوجود قوات النظام و"القاعدة" وحزب الله وغيرهم، هي وصفة مثالية للانتحار. والسبب الثاني، أنّ سياسة الرئيس باراك أوباما، ومعه وزير خارجيته جون كيري، انكماشية؛ لا تريد التورط في معارك واسعة. ولا توجد أصلا حشود أو استعدادات لوجستية لحرب برية وفعلية. وعلى سبيل المثال، قال عضو مجلس النواب الأميركي البارز عن الحزب الديمقراطي عن واشنطن، آدم سميث: "ما أزال انتظر لأرى ماذا سيقول البيت الأبيض عن ضربة عسكرية، ولدي قلق أنّ ذلك قد يجرّنا لصراع أوسع".
ولعل الكذبات التي روّجها وزير الخارجية الأميركي الأسبق، كولن باول، عشية الحرب على العراق العام 2003، وفُضحت لاحقاً، سبب يجعل الأميركيين لا يتمادون في الحديث عن الأسلحة السورية. ولكن الأهم هو أنّ الأميركيين، مسؤولين وشعبا، لا يريدون الانجرار إلى الحرب، ولذلك لن يهوّلوا أو يجزموا بشأن الأسلحة السورية. أضف إلى هذا أنّ الحليفين البريطاني والفرنسي مترددان في أمر هجوم على سورية، والصين وروسيا تعارضان بشدة. وحذر الحسابات الأميركية يجعل الضربات المرتقبة، إن وُجهت، تكتيكية جراحية وقائية و/ أو عقابية. بمعنى أنّها لعقاب النظام السوري من جهة، وربما تستهدف، من جهة ثانية، ترسانته وبما يجعل شن هجوم على إسرائيل أقل احتمالا مما هو عليه الآن. ووسط حالة التردد هذه، قد تتقزم الضربات الأميركية لتصبح نوعا من "حفظ ماء الوجه" للقوة العظمى. والضربات المحدودة تخدم دعاية نظام بشار الأسد. الآن يصبح السؤال: ما هو رد فعل النظام وحليفه حزب الله على ضربة أميركية أو غربية؟ يُداعب خيال البعض صورة الجبهة المفتوحة من الجولان وجنوب لبنان.
والحقيقة أنّ هناك عدة مآزق في هذا الخيال. أولها، أنّ النظام السوري لم يحارب وهو في أوج قوته ووحدة جبهته الداخلية، فهل سيترك حرب "الغوطة" ودمشق ليقاتل في الجولان؟ أمّا حزب الله، فهو واضح منذ العام 2000 بأنّ تحرير جنوب لبنان نقل الحرب مع إسرائيل من حرب تحرير إلى حرب ردع ومساندة لقوى التحرير (الفلسطينية). والوضع اللبناني الداخلي، وحسابات المعركة داخل سورية، سيجعله يجري حسابات عديدة قبل فتح جبهة حقيقية. أولوية النظام السوري بعد تلقيه الضربات ستكون منع ضربات أخرى وليس الرد.أكثر ما هو محزن في كل هذا أنّ الجميع يشاهد، ويُجري حسابات ويكرر خيالات وسيناريوهات عشناها في الماضي، ولا يوجد نظام ولا شارع عربي قادر على فعل شيء للسوريين سوى المراقبة.
إني رأيت عذاب القبر!!
عيسى قراقع
دمي أمامي ، أشباح من الأم تعذبني على مدار الساعة، يستجوبني وجعي وكأنه محقق شرس من طبيعة أخرى لا يعرف الرحمة، يدق جسدي ، يدق أضلاعي ، يدعس على آهاتي الحبيسة في هذا القبر المظلم، حراس حولي، يجلسون على أكتافي، يلبسون البساطير ، تتدلى من أياديهم كل وسائل التعذيب والبطش.
هنا حيث أنا، لا ماء ولا دواء ولا ابيض، لا شفاعة لي، أموت ألف مرة ولا مجيب للاستغاثة، ملوحة في دمي وجروحي، اسمع صرختي ولا أراها، متمددا على جثتي حيا تارة وميتا تارة أخرى، قيح من جسمي يصب في فمي، فأين أنا، لا أنا على التراب ولا ذاهب للتراب، لا شيء تحتي ولا شيء فوقي.
إني رأيت عذاب القبر، هنا في عيادة مستشفى الرملة، أسلاك تتدلى من بطني للتبول، معدتي من البلاستيك بعد أن مزقها الرصاص، اجلس على كرسي متحرك، رأسي ثقيل ، وظهري مكسور الفقرات، الموت أسهل وأكثر حنانا، لأني لا أعيش ولا أموت، لا أنسى ولا أتذكر، هي فوضى الوجع في سجون الاحتلال.
أنا الاسير منصور موقدة، جسد محطم ومدمر، أتعذب منذ خمسة عشر عاما، جريحا لم يفقد الحياة عندما أراد الجنود ذلك، ولم يصل الموت عندما حلق فوق رأسي ثم ابتعد، لقد عادت روحي لترصد حالتي بعد ثلاثين عاما من حكمي، وداخل قبر يتمدد فيه أسرى مثلي وأكثر، اشتروا الأكفان بدل الزنابق وينتظرون القرار بالمغادرة ساكتين.
إني رأيت عذاب القبر، أنا الاسير رياض العمور ، على قلبي آلة تنظم دقاته، وفي رئتي ما ء كثير، اسقط أحيانا على الأرض داخل الحمام ارتطم وأنجو، انتظر الموت ليخبرني بالحقيقة عن موعد حريتي مسجى محمولا خارج السجن في بلادي لتكون النهاية مختلفة، لم أفكر بتدابير الجنازة ، أفكر بالخلاص من وجعي بعد أن أبلغني قلبي أنه بدأ يفقد السيطرة على الصمود.
إني رأيت عذاب القبر، سرطان يسير في عظام الشهيد ميسرة أبو حمدية ومعتصم رداد وعامر بحر وأورام في رقبة محمود أبو صالح وفراغ تركه الشهداء اشرف أبو ذريع وزهير لبادة ، دم ينز من جروح الاسير معتز عبيدو، وسكين لازالت تقطع أقدام الاسير ناهض الأقرع، كأني في مجزرة، رائحة أجساد خدرها الدواء والمسكنات، ولا يستطيع الاسير خالد الشاويش أن يكمل سرد حكايته إلا نائما في الهذيان.
في قبر سجن مستشفى الرملة تنسى وظيفة أعضاءك، تنسى طعم الهواء ورائحة الكلام، خوف وفزع، لا زيارة لأي مكان، لا شكر للحياة ولا شكر للموت، وحيدون في مسلخ يسلخنا من داخلنا، يسلخ جلدنا وفكرنا، ويقولون لنا: حياتكم كلها مريضة، فاجرعوا آلامكم حتى تختنقوا. إني رأيت عذاب القبر، يقف أمامي الاسير محمد براش بقدم واحدة، وبعين واحدة ، لا يسمع ولا يرى، سائل أحمر ينز من قدمه المبتورة ، لا يذهب لأحد على عكازته، ولا يستقبل أحدا لأنه لم يعد يشبه الإنسان، كأنه واحد غيره، ليس ابن المخيم الفدائي، ولا الذي نادته السفن كي تنقذه بعد اختفاء السلام من البحر.
المقبرة الآن مزدحمة، سكانها يكثرون استعدادا للموت، نعيم شوامرة، محمود سلمان، طارق عاصي، عثمان الخليلي، محمد غوادرة، جهاد أبو هنية، فواز بعارة، علاء الهمص، سامر عويسات، صلاح الطيطي، مراد أبو معليق، يوسف نواجعة، سلام الزغل، الشرايين خارج الأجساد، لم تأت ساعتهم بعد، لا ملائكة يزورون المكان، سجانون أطباء يملكون ساعة الموت وساعة الحياة. إني رأيت عذاب القبر، هنا في حوض البحر المتوسط، وداخل معسكر كبير في سجن الرملة، وفوق الأرض وتحت السماء في زنازين ضيقة، محشورين نتعذب نيابة عن كل المؤمنين والمظلومين في الأرض، صامدين وخائفين أن نخذل أحباءنا وأن نترك غدنا قبل أن تحمل أعمارنا لغيرنا كل الأسماء.
قال لي المحقق لا أريد منك اعترافا، أريد روحك في قبضتي اشويها لأوصلك إلى الفناء، مهمتي أن أزيلك من الحلم وأن أمحو المدينة والراية والنشيد من بساتين ذاكرتك، لأننا نخشى في موتك أن تحيا اللغة، ونخشى من غيابك البطولي أن تعود في اليقين ، لهذا نريد أن تصير عدما لا حيا مؤقتا ولا ميتا إلى حين. إني رأيت عذاب القبر، لا هو في السماء ولا هو في الأرض، هو في دولة فولاذية بوليسية تسمى دولة إسرائيل ، التراب ليس اخضر، وغدي غياب.
مقالات جريـدة الأيام
أطراف النهار...إن الذي بيني وبين ... صبحي ؟
حسن البطل
زميلي صبحي الحديدي، المحترم: في الثامن من شباط 1958 نظرتُ في عيني أبي، مصباح حسين البطل، ورأيتُ صفحة وجهه كما لم أرها من قبل .. ومن بعد، فقد وافته المنية، فجاءة، من ضغط شرياني في دماغه. كم كان عمرك، آنئذ، يا زميلي؟ وهل نظرت في وجه والدك (حفظه الله) في ذلك اليوم، حيث دَخَلَتْ سورية (بلادك دستوريا .. وبلادي في التكوين الثقافي) عصر الاستفتاءات الرئاسية. كان أبي سيعطي صوته، بالتأكيد، لجمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة. ولا ادري بالنسبة المئوية التسعينية التي توج بها ناصر رئيسا. لم تكن اول وحدة عربية في التاريخ الحديث تحتاج اصوات الفلسطينيين في سورية. ما دمتُ حيا، لن انسى مزيج الافتخار والانكسار على صفحة وجه أبي. كان لي من العمر 13 عاما؛ وكنتُ ناصريا. وعندما انفكت عرى الوحدة، انتفضت دوما، كبرى قرى دمشق، وامتشقت السلاح (المقاومة الشعبية) دفاعا عن الوحدة.
لأسابيع طويلة، بقيت اذاعات القاهرة (صوت العرب بالذات) تعتاش على انتفاضة بلدة دوما ضد الانفصاليين في صبيحة 29 ايلول. كان السبب المباشر مجموعة تلاميذ في الصف العاشر (فلسطينيين وجزائريا).
سيحمل "حي الكلاسة" الناصري في حلب راية التمرد المدني. وسيحمل ضباط حامية حمص راية التمرد العسكري.. ولن يعرف الشعب "مقررات مؤتمر حمص" في اذار 1962. أنت، يا زميلي صبحي، من بين القلة السورية المثقفة الذين اصارحهم: "انا سوري بمقدار ما أنتم؛ وأنتم فلسطينيون بمقدار ما أنا ". ومن قلة الكتّاب اللبنانيين هناك زميلي وصديقي الياس خوري، ولا أجرؤ ان اقول له: انا اجاريك في لبنانيتك؛ واقبل منه القول: اباريك في فلسطينيتك.
اخي صبحي:
في أرشيف قسم فلسطين ملف لي، كمواطن عربي فلسطيني، وفيه بصمت بأصابعي العشر، بل بـ " لبعة " كفي. وكان الموجب تجديد هوية لاجئ فلسطيني مقيم في سورية، لن تصدر، فعلا، الا بعد عامين من هذا البصم واللبعة (يسمونها هنا: تشبيه).ما زال رقم المعاملة لدي، وفي غضون ذينك العامين صرت مواطنا فلسطينيا، ومارست، للمرة الاولى، ما حُرم منه والدي مصباح: انتخاب رئيس؛ وانتخاب نواب. اذهب - يا زميلي - الى السفارة السورية بباريس، مع مواطنيك السوريين (اعرف معظمهم) وضعوا نقطة تملأ كل خانة "غير موافق".آنئذ، ستصير مثلي، لأنني لم اعط الرئيس عرفات صوتي. قلت ذلك للعموم، بل وكتبت عن ذلك في هذا العامود. تصويت مزاجي، احتجاجي .. سيّان!.
اخي صبحي:
بحق العروبة، وبحق حقوق ديمقراطية يجب ان تكون طبيعية او مكتسبة (ربما كما اكتسبت انت حق التصويت في فرنسا). اسأل: لماذا تحرم الانظمة العربية اللاجئين من حق التصويت؟ ولماذا تستبيح صوتهم؟ تعرف ان الفلسطينيين هم "خميرة الأنفحة " التي تجعل الحليب العربي لبنا. وتعرف ان لطائفة "الاحباش" المذهبية السنية اللبنانية نوابا في البرلمان.. وتعرف ان اللاجئين الفلسطينيين، من اللجوءين اللبناني والسوري الى اللجوءات الفرنسية والاسكندنافية والاسترالية، اكتسبوا حق التصويت .. دون ان يغيروا قلبهم الفلسطيني، بل ويوبخونني بالفاكس (في قبرص) وبالانترنت (في رام الله) على ليبراليتي المفرطة. هل يبرر - اخي صبحي - للانظمة حرصها الاعمى والاعرج على الشخصية الفلسطينية، حرمان اللاجئين من قول : "لا" لرفعت الاسد، او قول "نعم" ؟ ولماذا يزداد اتجاه الفلسطنة لدى "عرب اسرائيل، حتى انهم صاروا اخبر اجزاء الشعب الفلسطيني في ممارسة التجربة الديمقراطية.
هل استطيع طمأنتك - ولو قليلاً؟
تأكد ان عرفات لن ينحني وبخاصة في مسألتي : اللاجئين والقدس، وسيدعو دول الطوق، ودول الجامعة العربية .. ودول ديار الاسلام، الى تحمل الامانة التاريخية معه. عليك ان تقلق، فقط، من النزعة الانفصالية الفلسطينية عن العروبة السياسية في اوساط الشعب الفلسطيني هنا. في هذا القلق نتشارك ايضا، وفي معظم الامور: "ان الذي بيني وبين (صبحي الحديدي) لـ (مشترك) جد ا". وختاما، حزنت جدا لان وصال بكداش الشيوعية اكثر بعثية من البعثيين، وكذلك قادة احزاب "الجبهة الوطنية المتحدة ". الامور عندنا تختلف جدا. لك تحياتي.
عن أوباما ... والضربة ضد سورية
طلال عوكل
اصرار الادارة الاميركية "الديمقراطية" جداً، برئاسة باراك اوباما، على شن الحرب على سورية، ولو منفردة، هو اصرار طبيعي، من حيث انه يستجيب لطبيعة الولايات المتحدة، بما انها طبيعة استعمارية، قهرية، لا ترى في الشعوب الاخرى الا بقرات تقدم لها الحليب. بدأت الادارة متفائلة بدعوة قادة جيوش عشر دول معظمها غربية، ومعظمها تنتمي الى حلف النيتو، في محاولة لقيادة تحالف دولي، حتى لو كان اقل عددا من تحالفاتها السابقة، ابان حروبها على العراق وافغانستان، وها هي تجد نفسها منفردة، بعد ان تخلت عنها حليفاتها القويات بريطانيا، والمانيا، وايطاليا، وبات على فرنسا ان تواصل الاستعداد للمشاركة مع الولايات المتحدة، ولكن ماذا تفعل وفرنسا لا تزال تتصرف على ان سورية ولبنان، من بقايا ارثها القديم، ومن حدائقها الخلفية التي لا يجوز ان تترك الاخرين للعبث بها، بدون ان يكون لها دور.
الرئيس اوباما، قرر مع ادارته، واستنادا لمعلومات اجهزته الاستخبارية الخاصة، سلفا وقبل ان يقدم المفتشون الدوليون تقريرهم، ان النظام السوري هو من ارتكب جريمة استخدام اسلحة كيماوية ضد شعبه، لا يريد اوباما الانتظار، فالقرار الثابت، والاسبق هو شن هجمة عسكرية قوية، وواسعة على النظام السوري، بهدف قلب موازين القوى، التي تميل منذ بعض الوقت لصالح النظام، هذا يعني ان اوباما قرر الانحياز لصالح القاعدة، ولصالح جماعة النصرة والجماعات الاسلامية الاخرى، ولكن ليس قبل ان يجري تحطيم كل قوة في سورية سواء اكان النظام، او المجتمع، او القوى التي يناصرها اوباما وينتصر لها، لا يكلف اوباما نفسه، عناء الكشف عن الادلة والقرائن التي تحدث عنها، والتي تنطوي على ادانة اكيدة للنظام السوري الذي لا يستطيع احد الدفاع عنه، ولكن مقاومة التدخل العسكري الخارجي، تصبح واجبا وطنيا وقوميا، طالما ان اهداف الحرب الخارجية على سورية تنحصر في تحقيق المصالح الاميركية والاسرائيلية.
كان فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، اكثر من واضح في طلبه من الرئيس اوباما للكشف عن ادلته، ان كانت موجودة، ونعتقد ان الاجهزة الاستخبارية الروسية، تمتلك قدرات، كافية لمعرفة الحقيقة، ولذلك فإن طلب بوتين جاء في صيغة تحدٍ.
من حيث المبدأ، فإن استخدام اسلحة كيماوية، من قبل النظام، من عدمه لا يغير من حقيقة، ان النظام مستبد، وانه هو من اختار الحل الامني، وهو يتحمل قسطاً وافراً من المسؤولية عن سقوط آلاف الشهداء والقتلى، والجرحى، وعن تشريد ملايين السوريين، ومن حيث المبدأ لا يصدق عقل، ان النظام سيلجأ الى استخدام هذا السلاح، فيما المفتشون الدوليون موجودون في سورية، بموافقة النظام، اذا افترضنا ان النظام بحاجة لاستخدام هذا السلاح، فيما ميزان القوى في الصراع يميل لمصلحته.
على كل حال، لا نملك لا الحق، ولا المعلومات، والوسائل التي تخولنا القطع في الاتهامات لصالح النظام، او لصالح غيره، ولكننا نتحدث وفق مقتضيات التحليل المنطقي، ولكن لماذا يقرر اوباما توجيه ضربة عسكرية، اصبحت محدودة جداً، لسورية، ولو بأقل عدد من الحلفاء، ثم يتردد في التنفيذ، هو يعرف مسبقاً انه لن يحصل على قرار من الامم المتحدة، بسبب معارضة كل من روسيا والصين، وهو يعرف ايضا انه لن يحصل على غطاء عربي بأغلبية اصوات الجامعة العربية، لكنه على الارجح فوجئ، بأن حلفاءه، الذين ارتكن اليهم، لم يعودوا موجودين الامر الذي يضعف قراره، وينزع عنه الغطاء الاخلاقي والسياسي.
لقد سئمت الشعوب الغربية، الانجرار وراء حروب تقودها وتديرها، وتستثمرها وحدها الولايات المتحدة ونظن ان الشعب الاميركي هو الآخر سئم قرارات الحرب، بعد ان دفع ثمنها من لحمه ودمه ومن عائدات ضرائبه، التي ينبغي ان تذهب في خدمة دافعيها، اوباما اتخذ القرار، وهو يذهب الى الكونجرس من باب الحصول على الدعم، ولكنه يناور حول توقيت الضربة، التي كانت وشيكة جدا الاسبوع الماضي، ثم تصبح ممكنة بعد ساعات او ايام او اشهر، الامر الذي يقدم دليلاً اضافيا على ان اوباما، صعد مستعجلاً، الى اعلى الشجرة، ولم يعد قادرا على النزول عنها، طبعاً اوباما، الفاشل، يذهب الى هذه المغامرة التي قد تدفع المنطقة الى اضطراب كبير، وهو لا يخشى شيئا بالمعنى الذاتي، فلقد حصل على فرصته الثانية كرئيس، ولم يبق له الا ما سيسجله التاريخ من صفحات الفشل في كل شيء، خلال الولايتين اللتين اتيحتا له.
اوباما يدرك التداعيات التي تنتظر بلاده وحليفته اسرائيل حالما تبدأ صواريخه عن بعد، مهماتها في القتل والتدمير، ويعرف حلفاؤه ذلك ايضا، ولذلك، نصحوا رعاياهم بمغادرة لبنان فوراً، مغادرة الرعايا الاوروبيين فورا، وبأعداد كبيرة، يقدم مؤشرا متوقعا من ان حزب الله، قد يطلق العنان لعشرات آلاف الصواريخ المتجهة نحو اسرائيل، فلم يعد لدى سورية وحلفاؤها سوى خيار شمشون، فلنتصور معا كيف سيكون المشهد السياسي والميداني، حين تقوم اميركا بضرب سورية ثم ترد سورية وحلفاؤها بضرب اسرائيل، لتتخذ المعركة بعداً قوميا فهي معركة ضد الاستعمار المتمثل بأميركا، وضد المحتل الاسرائيلي عدو العرب الدائم، كيف سيكون وضع المعارضة التي تستهدف تحرير السوريين، وكيف سيكون وضع الدول العربية التي تتحمس للتدخل الاجنبي الخارجي في شأن هو من حق وواجب السوريين فقط؟ ان اللجوء الى التدخل الخارجي، كمن ينتقل من تحت الدلف الى تحت المزراب.
الغرائزية الانتقامية واللاعقلانية: "برادايم" التسيس العربي
د. خالد الحروب
في فهم وتحليل السياسة ومواقف السياسيين والاحزاب والجماعات ثمة بعض المنطلقات والمفاهيم التي تستخدم وتشتغل بفعالية إلى حد معقول. يمكن أن نفهم مثلا ان سياسة معينة تقوم على الايديولوجيا إذ تتبنى مجموعة مبادئ توجه تلك السياسة والقائمين عليها، وتستهدف تطبيق "البرنامج" الايديولوجي المعلن. ويمكن ان نفهم ان سياسة معينة تقوم على البراغماتية حيث تكون المصلحة الضاغطة هي بوصلتها وبوصلة القائمين عليها، وفي حال اصطدام هذه المصلحة مع مبادئ سابقة فإنها تنحاز إلى المصلحة. ونفهم ان سياسة معينة تقوم على المثالية وتلزم نفسها بمجموعة مبادئ وقيم كبيرة وربما غائية وتنزع الى تطبيقها ونشرها (احيانا بالقوة) في سبيل تحقيق صورة المجتمع والعالم المثالي الذي يستحوذ عليها. وقد يكون الدين (وغالبا المؤدلج والمسيس) هو ما يتم استخدامه كإطار لسياسة معينة، يتم الاحتماء به او توظيفه واستغلاله في الخطاب الذي تعتمده سياسة ما. وقد تكون السياسة المتبعة من قبل دولة، او حزب، او جماعة، او فرد هي خليط من ذلك كله، فتشترك عناصر ايديولوجية وبراغماتية ومثالية ودينية، كلها، او بعضها، لتكون الإطار العام الذي تشتغل فيه تلك السياسة.
كثيرون يرون ان الامر الاساسي الذي يحتل موقع القلب في كل تلك المفاهيم والمنطلقات والايديولوجيات والمبادئ المعلنة او غير المعلنة، المثالية منها وغير المثالية هو المصلحة الضاغطة للاعبين السياسيين. سواء أكان اولئك اللاعبون احزابا ام دولا فإن مصلحة الحزب او مصلحة الدولة وبقاءها هو الشاغل الاكبر والاهم.
كل الادعاءات الايديولوجية والشعارات الكبيرة تُزاح جانبا ويتولى "محرك المصلحة" قيادة السياسة وتوجيهها. ويمكن القول ان جل التسيس الانساني عبر التاريخ كان مُقادا بهذا المحرك سواء اقر بذلك السياسيون ام لا.
وكلما كانت المصلحة عارية وفجة فإنها تتدثر بشعارات اكثر وتزعم اتساقها مع مبادئ معينة، او ان ما يراه الاخرون من انجرافها وراء مصلحتها هو في الواقع لنشر مبادئ معينة او الدفاع عنها.
كل حروب التوسع والغزو واحتلال اراضي الآخرين في التاريخ البشري منذ عهود الفراعنة والاغريق الى الصين والهند والرومان والفرس والمسلمين والاوروبيين كانت تتدثر بالمبادئ، في ما هي خليط من دوافع ومصالح واهداف سياسية عديدة. في الوقت الراهن هناك الكثير من التسيس العربي الذي يتحدى كل تلك المفاهيم ولا يندرج في اي سياق منطقي للفهم. فهناك اطراف سياسية، احزاب، وجماعات، وحكومات، ودول عديدة تتبنى سياسات ومواقف يصعب تفسيرها وفهمها من منظور اي منطلق من المنطلقات التقليدية المعروفة في فهم السياسة، إذ لا علاقة لها بالمبادئ، او تندرج وفق منطق المصالح، وبعيدة العقلانية والبراغماتية التي تسم السياسة الرشيدة.
يكفي التأمل في جنبات المشهد السياسي العربي، من مصر، الى سورية، الى العراق، الى ليبيا ثم تونس، ومواقف الاطراف الاقليمية، حيث تسود دوافع وعوامل تكاد لا تنتمي للسياسة بشيء لكنها تقود التسيس وتتحكم فيه. ويمكن رصد اكثر من "آلية" تتحكم في التسيس الراهن. تتربع على عرش آليات التسيس العربي الراهن اللاعقلانية وهي التي تسود معظم الفعل السياسي ورد الفعل. مراقبة السيرورة السياسية اي من بلدان الربيع العربي تقدم الدليل تلو الدليل كيف ان البعد عن العقلانية يكاد يكون القاعدة المشتركة التي تلتقي عندها معظم الاطراف.
اللاعقلانية هي التي حكمت الوعود والبرامج الانتخابية التي رفعت اسقف التوقعات عند الناس وكأن البلد سيتحول الى جنان وارفة في اليوم التالي للانتخابات. واللاعقلانية هي التي حكمت سياسة الاحزاب التي فازت في الانتخابات وظنت وكأنها حازت على تفويض كوني بأن تفعل ما تشاء وكيف تشاء. واللاعقلانية هي التي ايضا حكمت سياسة الاحزاب المعارضة حيث اصبح تحطيم الآخر، والذات والوطن معه، هو البوصلة. واللاعقلانية هي التي حكمت سياسة دول وحكومات كثيرة في المنطقة، إذ تذهب سياسات تأييد هذا الطرف، او معارضة ذلك الطرف، إلى الحد الأقصى الذي لا تأني معه ولا تبصر. وفي جو سياسي تتسيده اللاعقلانية سيكون المنتج الاكثر رواجا هو التوتر والدفاع المستميت عن النفس، لأن كل شيء يدخل في صراع صفري، موت او حياة.
في السياسة اللاعقلانية تغيب البراغماتية التي تعتمد اللقاء في منتصف الطريق، والتي تحسب حسابات الربح والخسارة بدقة، تتقدم حيث يفسح المجال، وتتراجع حيث تضغط الظروف. في السياسة الراشدة والمصلحية التي بوصلتها مصلحة الطرف السياسي، حزبا ام حكومة، تكون المساومة واللقاء في منتصف الطريق بين الاطراف هي السياسة الهادية، وليس الحرد، والانتقام، وإدارة الظهر كلياً. ويكون الانشغال في توسيع مربع الاصدقاء وتقليل الاعداء اوتحييد ما امكن منهم. على العكس من ذلك رأينا "إبداعات" حزبية وحكومية واقليمية في ممارسة سياسات تزيد من الاعداء، وتقلل من الاصدقاء، من دون اي تسويغ او ضرورة لذلك.
ورأينا كيف ان التراجع عن خطوات او سياسات مدمرة لا يمكن ان يتم، حتى لو جلب الدمار والحطام على الذات، الحزبية او الحكومية، ناهيك عن الوطن.
لهذا تسود الحيرة وسط الرأي العام، حتى في الشرائح البسيطة منه، حيث تسير امور السياسة على الضد من اي منطق سليم وتكون مرئية تحت الشمس وفي رابعة النهار، لكن الطرف المعني يكون قد ركبه العناد والتصميم اللاعقلاني. لكن ذلك العناد والتصميم اللاعقلاني يحتاج إلى دوافع ومحركات اضافية حتى يواصل حركته التدميرية، وهنا تتدخل الغرائزية والانتقامية لتوفر الوقود المطلوب. وهنا تتم عملية استدعاء تقاليد الثأر والانتقام التي لا تنتسب لا إلى العقل ولا المنطق ولا العصر الحديث. فالحس الظافري يتقولب في عقلية قبلية ثأرية لا ترى شرعية في الحياة السياسة إلا لصاحبها، وتريد إقصاء كل الباقيين. وتتبادل الاطراف مواقع الجلاد والضحية كما في لعبة الكراسي الموسيقية، والكل يتلطى بخطاب الضحية، والكل مشحون بغريزة الانتقام، والكل يريد للخصم، مهما كان كبيرا أو صغيرا، ان يختفي عن ارض الوجود، وينخرط في عملية إقصائه بكل جهد ممكن، حتى لو ادى ذلك إلى فنائه ذاته. "عبقرية" تسيس اللاعقلانية والانتقامية انها تدمر صاحبها والاخرين معاً، ويسقط الحطام على رأس الوطن والناس والشعب المسكين.
في فن الاختلاف
د.عاطف أبو سيف
لم يكن اتفاق البشر يوماً على رأي غاية ترجى، لأن الآفة المرعبة التي ستنتشر في جسد المجتمع لو اتفق الناس ستقود اكثر إلى مصائبهم من عودتها عليهم بالخير. ليس لأن في الاتفاق والتوافق خيراً بل لأن في وقوف الناس خلف وجهة نظر واحدة حرماناً للمجتمع وللناس من فوائد وجهات النظر الأخرى. من هنا كان الاجتهاد في السياسة وفي الدين كما في القضايا المجتمعية على مختلف أنواعها عادة صحية لأنها تجعل البحث مفتوحاً عن أفضل الآراء واكثرها قرباً من المصلحة العامة.
ولأن لا احد مهماً علا شأنه يمكن له أن يمتلك الحقيقة، ولأن الحقيقة الوحيدة المسلم بها أن الحقيقة لا يملكها أحد، فإن البحث عنها يعني أن نسلك طرقاً مختلفة في سبيل الوصول إليها. ولو قدر لشخص ما أو مجموعة من الأشخاص أن يستحوذوا على الحقيقة المطلقة لتحولت حياة الناس إلى جحيم، إذ عليهم أن يتحولوا إلى عبيد ورعايا مكبلين بالجهل. إن عدم تحقق الحقيقة والمعلومة المطلقة هو أساس اتفاق الناس على ذواتهم وفردانيتهم، بحيث لن يكون من المتعذر التعايش بل إن من المحبب أيضاً، إضافة لذلك، أن نختلف وأن نتناقش ونتحاور وتتصارع أفكارنا وتتجادل كي تختمر في عقولنا. لم يخلق الإنسان بلا عقل، بل كان عقله هو السمة الوحيدة التي تميزه عن باقي موجودات هذا الكوكب. وإذا ما قدر لهذا العقل أن يتعطل برغبة ذاتية أو بقوة مفروضة، فإن الإنسان وقتها قد يفقد سبب وجوده، ولا يعود حقاً يستحق الحياة على هذه الأرض التي عليها الكثير مما يستحق الحياة.
تبدو هذه الملاحظات طرفة غير مرغوبة حين النظر إلى السياق الفلسطيني الآني المليء بالاختلاف دون أن يكون هذا الاختلاف فناً مرغوباً. فالاختلاف عندنا عادة ولكنها عادة تنغص حياتنا وتحولها إلى اقتتال وشتم وردح وسباب. لا يوجد نار تحت الرماد، ولا يوجد منفعة من اختلافنا. هكذا هو الحال عندنا. عند أقل تفصيل تندلع حروب كلامية تصل حد الخجل من سماعها، وتنطلق مدافع التخوين والتكفير والشتائم والمسيرات المؤيدة وتلك المعارضة في جعجعة بلا طحن وغيوم بلا مطر. في مرات قد يفيد الكتّاب تجميل واقعهم، أو أن من عاداتهم البحث عن الأجمل في هذا الواقع. لكن التأمل وحده لا يطور الواقع كما أن تجميل هذا الواقع لا يجعله جميلاً. ثمة حاجة للوقوف أمام المرآة ومواجهة الحقيقة، الصراخ في الوجه، و"البحلقة" في العيوب، لعلنا نرى الحقيقة كما هي وليس كما يريد كل منا أن يراها. إن أسوأ لحظات الشعوب هي تلك اللحظات التي يصبح البحث فيها عن المستقبل مقصوراً بوجهة نظر واحدة، ويغيب التفاعل والاختلاف الذي ينتج عنه كيمياء الحياة. نحن فقدنا هذه الكيمياء ووصلنا طريقاً مسدوداً، لكننا عاجزون عن إدراك ذلك.
الشواهد كثيرة والمفارقات مؤلمة، ويكفي المرء فقط أن ينظر حوله ليرى كيف يصبح الخلاف عندنا عادة سيئة وليس ظاهرة صحية في البحث عن المستقبل الأفضل. قبل أيام ثار خلاف ونقاش طويل بعد المسيرة التي قام بها بعض النشطاء احتجاجاً على العودة للمفاوضات. لم يكن الخلاف بسبب وجود المظاهرات بل على ما جرى خلال التظاهر من سب وشتم وعبارات بذيئة وغير أخلاقية بحق رجال الشرطة الذين التزموا الصمت وعكسوا صورة حضارية للشرطي الملتزم بواجباته والذي يعرف أن المواطن فوق كل شيء. بالطبع لم يكن ما صدر عن المشاركين في المسيرة بالشيء الذي يحمد أو يذكر بالخير فهو مسيء لعادات وثقافة شعبنا كما أنه شيء لا يعبر عن جوهر حقيقي في فهم الاختلاف ووجهة النظر. أولاً ليس لأنه استخدم عبارات نابية سواء بحق الذات الإلهية أو بحق الأخلاق العامة، ولكن إلى جانب ذلك لأنه انطلق من قاعدة أن ثمة وجهة نظر واحدة من يخالفها خائن. هؤلاء أرادوا أن يهينوا الشرطي ورجل المؤسسة لأنهم يعتقدون واهمين بأنهم وحدهم يملكون الحقيقة. نفس الشيء أيضاً تراه في المسيرات التي تجوب غزة ضد المفاوضات وضد وضد وضد وضد. مرة أخرى واهم من يعتقد أنه يملك الحقيقة وواهم من يخون الناس ويبرئ نفسه.
في المقابل أيضاً لم يكن رد المعلقين على ما بدر من المتظاهرين في رام الله يعكس فهماً لحق الاختلاف، بل إنه عكس أيضاً فهماً أقل سوءاً، وركض في نفس اتجاه السباق. فتوصيف الفتيات المشاركات بعبارات نابية وغير أخلاقية، والطعن فيهن وفي المشاركين ليس أيضاً أقل خطورة مما تم في المظاهرة. أيضاً الخطورة ليست في الكلمات بل في منطق الهجوم المضاد لأنه ينطلق من فرضيتين تقول الأولى إن ثمة من يمتلك "قربة" الأخلاق ووحده من يقرر ما هو المقبول وما هو غير المقبول فيها، والثانية لأنه يستخدم ما حدث لتقويض حق الناس في التعبير عن وجهة نظرهم وفي التظاهر كل دقيقة. هذا حق لا يمكن المساس به أو الانتقاص منه، بل يجب تشجيعه. المطلوب فقط أن يواصل رجال الشرطة كونهم الحريصين على حقوق المواطن وليسوا منتهكيها. لأن ليس من حق أحد أن يكون وصياً على رأي الأفراد ولا مستقبل تعبيرهم عن هذا الرأي. كما ان الشعوب لا تصل إلى طرق التعبير عن رأيها وترجمة هذا التعبير إلا عبر التعلم من التجارب. أيضاً بحيث لا تستغل هذه التجارب في تقويض الحقوق.
لم يكن هذا إلا غيضاً من فيض أما بقية الشواهد قد تكون اكثر إيلاماً. فحكاية الانقسام الفلسطيني تصلح نموذجاً تدرس عيوبه في ذلك. كما عجزنا عن فهم الفرق بين الحاجة للاختلاف وضرورة التفاهم على الأقل في القضايا الاستراتيجية والحيوية مثل الأزمة المصرية والموقف بشأن المشروع الوطني والجمع بين النضال بكل أشكاله دون الخروج عن المصلحة. كما أيضاً الجمع بين المصلحة العامة والمصلحة الحزبية. أشياء كثيرة تصلح لأن تكون "فلاشات" في طريق معتم.
تتريك المنطقة، وسؤال آخر أيضا
غسان زقطان
ثمة سؤال يتجول في المنطقة، سؤال يتجول في الفوضى وفي مجاميع المحتجين الذين يرفعون صورة محمد مرسي ويشيرون بأصابعهم الأربعة تماما كما فعل أردوغان في تركيا البعيدة عن القاهرة وغزة، قفز اردوغان على كتف المظاهرة في "اشارة رابعة العدوية" بعد ان انهى حسابه مع المظاهرة في اسطنبول وشقيقاتها، تلك التي رفعت الأعلام الحمراء وفي طرفها البعيد بورتريه بالأسود لملامح أتاتورك الذي ايقظته احتجاجات ميدان تقسيم.
اردوغان رجل دولة، لا شك في ذلك، يتكئ في تعاليه، وتهوره أحيانا، على تاريخ سياسي وقاعدة شعبية قدم لها الكثير من الامتيازات وحقق لها الكثير من المطالب والحقوق، الحقوق التي امتدت الى اقصى المناطق المهمشة في الأرياف التركية، ومن هناك من الريف ومن القرى البعيدة الصامتة استطاع ان يحكم المدينة التركية وان يتولى رئاسة بلدية اسطنبول ثم رئاسة الوزراء، لقد جاء بالضبط بعد ان استنفد السياسيون العلمانيون احلام الأتراك، وبعد ان بهتت تعاليم أتاتورك وتكسرت الموجة القومية العلمانية، جاء محمولا على ضجر الشعب التركي من البلاغة الليبرالية المأخوذة بأوروبا، استبدل كل شيء تقريبا دون ان يغير شيئا في النواة، الخطاب القومي العلماني بخطاب قومي عثماني والبلاغة الليبرالية ببلاغة دينية، خاطب الشرق بينما يحلم بالاندماج في الغرب، كل هذا جيد لتركيا ومفيد لحزب العدالة والتنمية في هذه البلاد التي تتوسط اوروبا وآسيا.
آردوغان هو زعيم الإسلام السياسي في العالم، لا أحد يجادل في هذا، ونجاحه الاقتصادي وادارته للدولة التركية ذات المكونات المتعددة يثير اعجاب الاخوان المسلمين العرب ويلهب مخيلتهم، هو يعرف ذلك جيدا.
ولكن اسقاط التجربة التركية، التي لم تختبر بشكل جيد، على واقع الشعوب العربية، هذا الاقحام للنموذج التركي يبدو مستعارا من المرجعية العثمانية التي تلهم الزعيم التركي وتلهم الإسلام السياسي في تجلياته العربية، هي ببساطة اعادة انتاج النظرة العثمانية المتعالية نحو شعوب المنطقة ، وببساطة أشد هي عودة الى سياسة التتريك بصيغ معاصرة.
لعل هذا ما يمنح اردوغان تلك "الجرأة" المبالغ فيها في خطاباته المتعلقة بالثورات العربية، وفي انحيازه المطلق وضيق الأفق ايضا، لطرف دون الآخر، وهو ما سيؤدي، دون شك لانحسار طفرة الإعجاب التي حظي بها في السنوات الأخيرة، وهو في نفس الوقت استكمال لجدل لم ينطفىء تماما في المنطقة، الجدل الذي ثار بقوة اثر هزيمة الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، واندلاع التمرد العربي ضد الأستانة، هذا التمرد الذي اعتبره البعض خروجا على ولي الأمر وخيانة للخلافة في حين اعتبره البعض حركة تحرر في وجه استعباد تركي تراكم لمدة اربعة قرون تحت راية الدين ومتطلبات الولاء اللا نهائية المقدسة التي يقتضيها الايمان حسب معايير السلطنة.
ولكن بعيدا عن كل هذا ثمة سؤال يتجول في المنطقة:
أين خالد مشعل؟!.
مقالات جريدة الحياة
حياتنا - ارتجالات
حافظ البرغوثي
* المهزوم داخليا لا ينتصر خارجيا.
* ممثل حماس في لبنان ضد ضرب سوريا وحماس قطر مع الضرب .. ما رأي اسطنبول؟.
* كل نظام سيلقى حتفووه.
* المظلومون ينتظرون القصف بفارغ الصبر .. والأنظمة تنتظرها بفارغ القبر.
* الأسد وقادته في ملاجئ تحت الأرض وفقا لأنباء لبنانية .. مثل قادة حماس أثناء الرصاص المصبوب.
* التاريخ لم يرحم من رحبوا بالغزاة قط .. ولم يرحم من قتلوا شعوبهم ايضا.
* كل عاصمة ذائقة القصف .. بالدور يا عواصم.
* يا ما رأى النظام السوري بغداد وبيروت تحت القصف وهو لاه .. وأمثاله الآن لاهون عنه.
* الجمهوري ماكين لن يؤيد ضربات محدودة لسوريا بل يريدها حربا شاملة لاسقاط النظام .. ربما سيصير أراب أيدول وفقاً لتصويت الجامعة.
* في الضربات الجوية ضد سوريا لن تخطئ الصواريخ أهدافها فان لم تقتل الناس قتلت الشعب.
* القوى الثورية العربية تعلن تأييدها للاستعمار في ضربة سوريا .. والقوى الديمقراطية تعلن تأييدها للرئيس المستبد بشار.
* الغزاة يجلبون الطغاة والطغاة يجلبون الغزاة .. تبادلية الطغيان.
تغريدة الصباح - حكاية إِبريق الزيت
محمد علي طه
كانت خابية بل خوابي من الفخار في كل بيت فلسطيني لحفظ زيت الزيتون، وبجانب الخابية (الجرّة الكبيرة) إبريق فخار صغير للاستعمال اليومي. وزيت الزيتون مقدّس في تراثنا الفلسطيني مثل الخبز. وكانت أمي – رحمها الله - تصبّ الزيت من الإبريق في الصحن أو الطنجرة أو المقلاة بعد أن تبسمل وتقول « يا بركة الله», وإن لم تفعل ذلك – كما تعتقد – يمحق الشيطان الخير من الدار وعندئذ تتبدد المونة شذر مذر.
ودخل إبريق الزيت فولكلورنا الشعبي فكانت حكاية إبريق الزيت، توأم صخرة سيزيف اليونانية، التي تجعل المرء يقف مذهولاً حائراً متعباً يقلّب راحتيه في الفضاء اللا محدود ثمّ يبتسم ساخراً من نفسه حينما يدرك بأن حاجته للحكاية العبثية لا تقل عن حاجته للزيت الصافي الذي في الإبريق.
- هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟
- نعم.
- نعم أم لا. هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟
- احكها !
- أحكيها أم لا أحكيها. هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟
- لا نريد أن نسمعها.
- لا تريدون أن تسمعوها أم تريدون أن تسمعوها؟ هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟
وتطول السهرات، وتمتدّ الجلسات، وتتوالى الأسئلة والإجابات ونحن نطحن الهواء.
ويبقى الأمل في الأفق البعيد القريب.
مفاوضات السلام بين الوفد الفلسطيني وبين الوفد الإسرائيلي برعاية أميركا تجري في القدس وفي أريحا وقد تجري في تل أبيب وفي رام الله أو في واشنطن أو جنيف.
- هل ستنجح المفاوضات؟
- تنجح أم لا تنجح. المهم أن تجري المفاوضات.
- هل ستفشل؟
- تفشل أم لا تفشل. المهم أن تستمر المفاوضات.
هي حكاية إبريق الزيت.
ومفاوضات المصالحة لإنهاء الانقسام حكاية ابريق الزيت أيضاً، فحماس لا تريد المصالحة ولا تريد إنهاء الانقسام وتأتي إلى المفاوضات لتسجل نقاطاً في الساحة الفلسطينية.
لا مصلحة لحماس في إنهاء الانقسام، ولا مصلحة لايران ولا مصلحة لأميركا ولا مصلحة لإسرائيل في إنهاء الانقسام. وأنقرة والدوحة تدفعان لتكريسه. والإخوان المسلمون في مصر وفي إسرائيل وفي الأردن وفي سوريا يدعمون الانقسام.
وأمير المؤمنين من بني عثمان ينتظر الخلافة كي تأتيه منقادة تجر أذيالها.
وحماس لن تنهي الانقسام إلا إذا «نشفت».
والحكاية مستمرة.
هل أحكي لكم حكاية إبريق الزيت؟
أحكي أم لا أحكي.
حكايتنا حكاية.
حكاية إبريق الزيت.
السيناريو العراقي يتكرر
فؤاد أبو حجلة
لا تستخف الإدارة الأمريكية بالذاكرة العربية فقط بل هي تستخف أيضا بذاكرة الأمريكيين وتستعيد في سوريا ذات السيناريو الكارثي الذي نفذته واشنطن في العراق والذي بدأ بضربة جوية أعقبها بعد سنين اجتياح بري كامل انتهي باحتلال العراق.
اليوم تستعد أمريكا للضربة الجوية لمواقع مختارة في الأراضي السورية، ويعيد الرئيس باراك حسين أوباما ما كان يقوله سلفه جورج بوش حول الالتزام الأمريكي بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان ومعاقبة الديكتاتوريات الحاكمة في بعض دول العالم. ويؤكد أن النظام السوري لن ينجو من العقاب على جريمة استخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه في الغوطة.
ذات اللغة استخدمت في الحديث عن حلبجةفي شمال العراق في تسعينيات القرن الماضي، وقد كانت سوريا في ذلك الوقت شريكة في المؤامرة على العراق وساهمت في ترويج هذه الأكاذيب الأمريكية والتحريض على حكم صدام حسين. لجان التفتيش التي بحثت عن الكيماوي في سوريا كانت قد بحثت عن النووي في العراق ورغم أنها لم تجده الا أن استخلاصات واشنطن كانت تؤكد امتلاك النظام العراقي لقدرات نووية خطيرة.
الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة هو أيضا استعادة للانتشار العسكري الأمريكي الذي سبق احتلال العراق. وكذلك التحذير من ضربات انتحارية لاسرائيل ومن امتلاك دمشق صواريخ قادرة على الوصول الى تل ابيب. ويبدو أن اربعين عاما من حراسة حدود الاحتلال الاسرائيلي لم تشفع لنظام بشار الاسد أمام الأمريكيين الذين يريدون تتويج الربيع العربي بهدم الدولة السورية.
لم يتغير شيء، فالعرب ما زالوا بلا موقف والغرب جاهز لتنفيذ العدوان على سوريا بغطاء عربي ودولي، وجيش النصرة جاهز لسنوات طويلة من التخريب والاقتتال والشعوذة وتقسيم سوريا إلى مناطق للسنة وأخرى للعلويين ومناطق للأكراد وأخرى للأرمن مثلما تقسم العراق بين السنة والشيعة والأكراد والتركمان.
سيبدأ السيناريو بضربة «محدودة» وسينتهي بغزو سوريا بمباركة عربية.
لم يتغير شيء سوى اسم الدولة المستهدفة ومشاركة ست دول وقناة تلفزيونية عربية في العدوان على الشام.
التحريض والشاشات وأوقاتنا الصعبة
عدلي صادق
في مكتب "فتح" في شارع عدلي وسط القاهرة، وهو المكان الذي شهد تاريخاً، وكان مقصد أجيال من الفتحاويين على مر عشرات السنين؛ التقيت صديقي "أبو رجب" أمين سر الإقليم، وكان من بين الموضوعات التي أردت تبيان حقيقتها، مسألة اتهامات "حماس" لحركة "فتح" بالتحريض عليها في مصر، واستناد اتهامها الى ما سمته "وثائق" ورسائل من مراكز المسؤولية في الحركة والسلطة، الى الكادر الفتحاوي في مصر، تحمل تعليمات بممارسة الدسيسة ضد "حماس" لدى الإخوة المصريين وإعلامهم. وقد شملت تلك الاتهامات كوادر متقدمة في سفارة فلسطين. وبالطبع، لا يقبل العبد لله هكذا توجهات، في حال وجودها، لأن "فتح" أنزه وأكثر وطنية وأنضج رؤية، من أن تسلك مسلكاً سيكون مردوده النهائي، إساءة بالغة للشعب الفلسطيني ككل. طلبت من أخي "أبو رجب" أن يصارحني إن كان ثمة من أخطأ في مراكز المسؤولية الفتحاوية، واعتمد هكذا أسلوبا، ووعدته أن أتعرض لهذا الأمر إن وقع فعلاً، وأن أوضح مخاطره في الدورة المقبلة للمجلس الثوري.
غير أن أخي أمين سر إقليم حركة "فتح" تأثر وأبدى أساه لهذا الظلم التزويري الذي وقع، وممن؟ من حركة ترفع شعار الإسلام الذي هو جمّاع كل القيم، ومن بينها الصدق وتحاشي رمي الناس بالباطل، حتى وإن كانوا من خصومهم السياسيين. وسرعان ما بدا أن "أبو رجب" قد جمع ما سمته "حماس" الوثائق، وهي بعض الذي نشرته وكان له أساس، وأكثر ما نشر كان مفبركاً ولا أساس له. ففي الرسائل والتعميمات، التي لها أساس، وضع "أبو رجب" الوثيقة الأصلية، وبجانبها تلك التي طالها التزوير، فاستطالت وزادت بنودها وأضيفت اليها أسماء. ففي تعميم للأخ عضو "المركزية" مُفوّض الساحات، هناك حث على تنشيط العمل وأداء الواجبات الطبيعية، وجاءت التعليمات ببنود مرقمة تنتهي عند الرقم 5. وللأسف ارتضى الحمساويون زيادة البنود، كذباً وبهتاناً وتزويراً، ليكون ثمة توجيه حركي، بممارسة التحريض ضد "حماس".
وللأسف مرة أخرى، كانت وثيقة كهذه، وهي عبارة عن تعميم، قد وصلت الى "حماس" فتكفلت بالإضافة عليها. وبأم عيني رأيت الوثيقتين، الأصلية والزائدة. غير أن اتهاماً كهذا، لا يدحضه الفارق بين الوثيقتين وحسب؛ وإنما يدحضده كذلك المنطق السياسي. فما هي الفائدة، التي ستعود على "فتح" من جعل "حماس" شريكة في التآمر على الأمن القومي المصري، وهي في النهاية، حركة فلسطينية، سيكون أي فلسطيني في موضع الاشتباه لدى عامة المصريين، بأنه ينتمي اليها؟ وهل ستكون ثرثرات شبان صغار، حين يُكلفون بالتحريض، هي من يرشد المصريين الى حقائق العمل الأمني وميادينه؟ والأهم من ذلك، ما الذي ستجنيه "حماس" من هكذا تزوير؟.
كأن "حماس" لا تعلم الحقائق الجديدة في المجتمع المصري وفي الدولة، مثلما يتعامى "الإخوان" كعادتهم، عن الحقائق الكبيرة، ويتغذون على ما يسمعونه داخل القوقعة. هكذا هم، لدرجة أن وسائل إعلامهم ما تزال تتعامل مع الحدث المصري، وكأن هناك ثورة يشعلها "الإخوان" ستنتصر حتماً. وهؤلاء لا يرون المجتمع المصري ولا يسمعون إلا أصداء ما يقال بلسان أبعدين،. فالأبعدون يناورون بالكلام، وهم في الحقيقة لا يريدون سوى الظفر من الغنيمة بالإياب، أي مقايضة أمن كبارهم بسكينة الصغار. فالدولة المصرية حسمت أمرها، والدم الذي سُفك، له عندها محرضون. والكذب وادعاء السلمية، تكذبه الأشرطة.
ثم إن قناة "الجزيرة" تؤدي دورها المشبوه من بعيد، وهي مستريحة، فلا هي على حدود مصر، ولا يتوقف مصير حركتها وحياتها وأمرائها على معبر معها، مثلما هو حال غزة. ويرتكب أي طرف فلسطيني خطأ حياته، إن هو تبنى موقفاً مضاداً للدولة المصرية يتعلق بشأنها الداخلي، وإن هو توهم أن الطرف نقيض الدولة، هو الذي سيفلح. فـ "الإخوان" عاجزون عن ابتلاع بلد صغير حجمه أقل من كسر عشري من حجم مصر التي لن يتمكنوا من ابتلاعها بممارسة الإكراه ضد مؤسسات الدولة. ولم يعد ثمة مجال لممارسة الخداع، والإصرار على أن محازبي "الإخوان" لم يهاجموا أقسام الشرطة والكنائس ومحال الأقباط، ولم يحملوا السلاح ولا الزجاجات الحارقة، ولم يقتلوا ولم تنطلق أفواههم بأقذع الألفاظ، التي كتبوا بعضها على الجدران. فكل شيء مسجل بالصوت والصورة. وفي هذا الخضم، يكون من الحماقة التماشي مع منطق "الجزيرة" عبر شاشات ذات رمزيات فلسطينية!
نحن لا نتمنى إطلاقاً، أن تُتهم "حماس" بأية مخالفة ضد أمن المصريين واستقرارهم. لكن بعض الشاشات ذات الرمزيات الفلسطينية، كأنها تقول إننا ضالعون. بل إن واحدة منها، استضافت حمساوياً من جيران العبد لله ومن أصدقاء ما قبل التحزب، وما قبل قيامتنا؛ فإذا بالأخ يُكيل المديح لمدينة "الكرداسة" ويباهي بتمردها، ويفترض أن حصوله على الجنسية المصرية، سيجعله حريصاً على امتلاك بيت في "الكرداسة". كنت أتمنى الافتراض أن يبقى فلسطينياً وأن يحلم ببيت في القدس. ويباهي الأخ بأن عبد الناصر عجز عن تطويع "الكرداسة"، علما بأن مشكلة الدولة في الستينيات كانت مع مروجي بانغو، ومشكلتها الآن مع نفر قليل، اقترف جريمة ذبح رجال الشرطة بعد الإمساك بهم وتعذيبهم!
في السياق العام، إن "فتح" لا ولم ولن تحرض. ولو فعلت ذلك فإنها لن تحرض بحكايا شبان صغار، من الطلاب أو من المقيمين، لتضليل دولة بحجم مصر. التحريض الحقيقي، ضد "حماس" هو ما تقدمه الشاشات متنسمة خطى "الجزيرة". وهذه الأخيرة، بعيدة، ويدها في الماء، وتلعب بالبيضة والحجر. أما نحن فقريبون، ويدنا في النار، ولا يحتمل وضعنا مزاحاً ولا مقامرة!
نحن الصراصير؟!
د.صبري صيام
جموع من الناس تصطف في طوابير طويلة بانتظار الكمامات التي قرر الجيش الإسرائيلي صرفها أو تحديثها للإسرائيليين تحسباً لصواريخ سورية كيمياوية تنطلق إيذاناً بحربٍ مجنونة جديدة واستعراضاً متجدداً لتاريخٍ قريب قام خلاله الاحتلال بما يقوم به اليوم إبان حربي الخليج.
جيش الاحتلال وحكومته ومؤسساته الرسمية وأمام عدم توزيع الأقنعة على شعبنا المحتل تتناسى مسؤوليتها القانونية بموجب القانون الدولي على الشعب الفلسطيني باعتبارها دولة احتلال وليس لأن الشعب الفلسطيني يرتضيها. وهي بالتالي مسؤولة عن حياة الفلسطينيين الذين تحتلهم عنوة. وهي لا تستطيع أن تتذرع بأن تلك مسؤولية السلطة الفلسطينية اليوم كونها القائمة والمصرة على الاحتلال وهي أصلاً لم توزع الأقنعة خلال الحروب التي لم تكن السلطة الفلسطينية فيها قد ولدت. فإسرائيل التي تدعي الإنسانية وتحاول أن تسوق نفسها كديمقراطية حقيقية تواجه اليوم بمن يقول فيها بأنها تعامل الفلسطينيين كصراصير لا يهمها إن ماتوا خنقاً كالصراصير الاعتيادية التي تجابه بصنوف الأدوية لإبادتها.
الغريب في الأمر أن حكومة الاحتلال تعرف تماماً ما يتضمنه القانون الدولي من مواد تؤكد واجب المحتل في حماية المدنيين ورعايتهم وتجنيبهم آثار الحروب والنزاعات لكنها تصر وفي كل مناسبة مواتية على تناسي أحكام هذا القانون ومبادئه.
وعليه فإن الدولة التي تشتكي طغيان جيرانها وأسلحة دمارهم الشامل ترتكب جريمة حربٍ جديدة إن هي تناست هذا الأمر لأن موت فلسطيني واحد أو مئات الآلاف من الفلسطينيين بفعل ضربة كيمياوية لا قدّر الله لن تعفي إسرائيل من مسؤوليتها كدولة احتلال ولن تجعلها إلا في كفة مستخدمي أسلحة الدمار الشامل الذين يزهقون أرواح البشر.
وفي حالٍ كهذه فإن من حق البعض أن يتساءل إذا ما كانت إسرائيل تعي تماماً حجم جريمتها المقبلة أم أنها تنوي أن توجه ضربة لسوريا تحقق فيها أهدافها العسكرية بينما تنتظر إبادة الفلسطينيين بفعل معركة يستخدم فيها سلاحٌ فتاكٌ ما فتلقي إسرائيل على إثره باللوم على خصومها السوريين متهمةً إياهم بأنهم هم من قتل الفلسطينيين بأسلحته وليس إسرائيل.
إسرائيل أيضاً لا تستطيع أن تعفي نفسها لاعتباراتٍ عدة يعرفها الجميع وليس أقلها أنها هي ذاتها من قدمت وحسب وكالات الأنباء المختلفة المعلومات الاستخباراتية التي ستؤسس لضربة قادمة لسورية وهي من قدمت في الماضي معلوماتٍ استخبارية في معارك الخليج المتعاقبة وغيرها الكثير.
إسرائيل وفي واقع الأمر أرادت ذات يوم أن تتعامل مع الفلسطينيين كخرافٍ يسهل سوقها لكنها لم تفلح وتعود اليوم لتجرب أن تعاملهم كما الصراصير التي تباد بزخة مركبات كيميائية قاتلة دون أن تتحمل هي مسؤولية أمرٍ ما أو هكذا تعتقد.
الاحتلال المأزوم يتصرف وكأن البشرية تموت أو تنسى وأنا أطمئنه بأن صراصير اليوم في منظوره سيشكلون شهود الغد على بطش المحتل وغطرسته في زمن لن ينفعه أسوده أو حتى صراصيره!
جمعة الشكر
يحيى رباح
الإعلامي المصري والعربي الكبير عماد الدين أديب طرح في برنامجه الشهير (بهدوء) على قناة cbc فكرة لامعة كعادته دائماً, بأن يبدأ الزملاء الصحفيون والإعلاميون على القنوات الفضائية المصرية وعبر وسائط الإعلام الأخرى, بالتمهيد لجمعة مميزة يعبر من خلالها الشعب المصري العظيم إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتوجه إلى العمل والإنتاج, واستئناف الحياة العادية والتقدم في خارطة الطريق التي تعهد بها النظام المصري الجديد بعد ثورة الثلاثين من يونيو التي هي بطبيعة الحال من أصلاب ثورة الخامس والعشرين من يناير جمعة يطلق عليها اسم (جمعة الشكر) الشكر لله سبحانه وتعالى أولاً على هذه اللوحة الرائعة والمجيدة التي رسمها المصريون بإبداع فاق كل توقعات الدول الكبرى والصغرى على حد سواء وهي صورة وحدة الشعب المصري في إيقاع خارق مع جيشه وقواته المسلحة وأجهزته الأمنية وأهمها جهاز الشرطة ووزارة الداخلية المصرية!
والشكر للجيش المصري العظيم الذي أكد منذ أحمس حتى يومنا هذا أنه جيش الشعب المصري ملك الشعب المصري وبما أنه كذلك فهو درع الأمن والأمان لهذه الأمة العربية بكل المجال الحيوي لأمنها القومي من جبال طوروس شمالاً إلى منابع النيل جنوباً ومن سهول آسيا الوسطى إلى شواطئ الأطلسي.
هذا الجيش العظيم هو ورفاق الواجب الوطني في وزارة الداخلية وعد فصدق وتعهد فأوفى وكرس تلك العقيدة السامية التي نطق بها قائده العام الفريق أول عبد الفتاح السيسي عندما قال: (إن شرف حماية الوطن المصري والشعب المصري أرقى وأهم وأعظم كثيراً من حكم مصر).
هذه الفكرة اللامعة التي أؤيدها بقوة وأنا أكتب من فلسطين توفرت لها شروطها الموضوعية وأهم هذه الشروط إن انطفاءً ملحوظاً بدأ يراه الجميع في طاقة الشر التي تهدد مصر فمسيرات الجمع التي كانت تدعو إليها جماعة الإخوان المسلمين وتفريعاتها قد بدأت تذوي مثل أوراق الخريف المتساقطة وأعتقد أن آخر جمعتين اللتين كانتا تحملان عناوين منتفخة مثل جمعة الخلاص أو جمعة الحسم أو جمعة الطوفان ظهرتا بوضوح يفوق فج البرق في العيون ودوي الرعد في الآذانانهما من علامات هزيمة العدوان والمعتدين وإفلاس الإرهاب والإرهابيين وأن الشعب المصري الذي أعطى الفرصة هو الذي أخذ ما أعطى بعد أن رأى الفشل المريع يتراكم ويهدد سلامة الوطن وحين يعطي الشعب المصري فإنه يكون كريماً كفيضان النيل وحين يمنع فإنه يكون قاسياً وصافعاً مثل رياح الصحراء الباردة.
أتمنى أن تتحقق قريباً هذه الفكرة اللامعة وأتمنى أن تقول الأمة كلمتها أيضاً فتشارك أقطارنا العربية وشعوبنا العربية في جمعة الشكر, ترى هل يجهل أحد من ملايين المخلصين في هذه الأمة أن سلامة مصر وانتصارها على الإرهاب وإسقاطها للمخططات السوداء وعودتها إلى دور القيادة في محيطها العربي والأفريقي والإسلامي هو الخير كل الخير, والمتعة والعزة لهذه الأمة من أقصاها إلى أقصاها؟
تعالوا نشارك مع مصر شقيقتنا الكبرى في جمعة الشكر فنشكر رب العزة الذي أعاد إلينا إسلامنا الحنيف الذي هو عمقنا الحضاري وأعاد إلينا مصرنا الغالية القائدة العظيمة وأنقذنا مما كان يعد لنا من ردة سوداء في كهوف محقونة بأضغاث الأحلام وأضغاث الأوهام.