المقالات في الصحف المحلية 101
23/7/2013
صحيفة القـــــــــدس
الاستفتاء والعودة الى الشعب ضرورة وطنية دائما !!
حديث القدس
الربيع العربي مازال في بداياته
ديفيد رود
أبا السكر ... رحلت كالأشجار وقوفا!!
حسن عبدربه
ما جرى في مصر إنقلاب أم ثورة؟
الأسير المقدسي: حسام...
أردوغان ... أيقونة تركيا ومشكلتها
عريب الرنتاوي
سلام على اللد
زهير الدبعي - داعية.
الايـــــــــــــــــام
أطراف النهار...أبـــو الــجــلــيــل
حسن البطل
من مفاوضاتٍ بلا مرجعيّة ... إلى انتخاباتٍ بلا وحدة
هاني المصري
الإعلان عن مفاوضات غامضة!
رجب ابو سرية
حل جون كيري الرهيب
مهند عبد الحميد
دفاتر الأيام...الرائعون المبكرون في المجيء
زياد خدّاش
نقطة ضوء....مصير مصر في الميزان..!!
حسن خضر
الحيــــــــاة الجديدة
تغريدة الصباح - الجزء المتاح من الوطن
احمد دحبور
ثورة فوق النيل (5)
فؤاد أبو حجلة
الوفاء للشهداء,, وعبدلكي
موفق مطر
شباب ضد اليأس!
د. صبري صيدم
لعبة الاستغماية الفلسطينية الاسرائيلية
عادل عبد الرحمن
مقالات صحيفة القدس
الاستفتاء والعودة الى الشعب ضرورة وطنية دائما !!
حديث القدس
أثار القرار الفلسطيني بالعودة الى المفاوضات ردود فعل واسعة ومتباينة بين رافض بشدة او مؤيد او منتظر للنتائج، إلا ان اغلبية الرأي العام، في تقديرنا، كانت ضد هذا التحرك بسبب المواقف الاسرائيلية الرسمية والمعلنة والتي تتعارض مع كل متطلبات السلام المنشود ترفض تجميد الاستيطان او التفاوض بمرجعية ٤ حزيران ١٩٦٧ ووقف تهويد القدس وموضوع عودة اللاجئين وما الى ذلك من مواقف يكررونها باستمرار ويعملون على تنفيذها.
ويرى كثيرون ان التفاوض وسط هذه الظروف فيه "قبول نظري" بالمواقف الاسرائيلية وتراجع عن الموقف الفلسطيني المعلن لاستئناف المفاوضات وفي المقدمة تجميد الاستيطان، وقد جاء ذلك، كما يبدو، بسبب الضغوط السياسية الاميركية بصورة خاصة والغربية عموما والوعود بالدعم الاقتصادي الواسع، ومع هذا فان الرأي العام ظل بصورة كبيرة، في حالة شكوك وعدم رضا، ولذلك فقد جاء الرئيس ابو مازن في محاولة ناجحة لتهدئة الرأي العام حين اكد ان اي اتفاق يتم التوصل اليه سوف يعرض على استفتاء شعبي لقبوله او رفضه.
ان العودة الى الشعب لسماع رأيه والعمل بقراره، هي ضرورة وطنية واجبة لدى كل شعوب العالم التي تؤمن بالديمقراطية، وفي اسرائيل نفسها، ورغم كل الغطرسة والتمسك بالمواقف المتطرفة، فان رئيس الوزراء نتانياهو لا يتوقف عن ترديد القول ان اي اتفاق سيعرض لاستفتاء شعبي.
نحن لا نعتقد انه سيتم التوصل الى اتفاق في هذه المرحلة من المفاوضات على ضوء المواقف الاسرائيلية وتجربة التفاوض نحو عشرين عاما ادت بنا الى ما نحن عليه اليوم من اوضاع، ومن الضروري والهام جدا ان يتم تحديد فترة زمنية محددة للتفاوض، نحو ستة اشهر مثلا، واذا لم يحصل خلالها اي تقدم فلابد من وقفها وتحميل المعوق كل المسؤولية الدولية، لان اسرائيل تتبع سياسة استغلال التفاوض والحديث عن السلام للتغطية على (اهدافها) التوسعية ولتنفيذ المخططات المدمرة للسلام، ويجب علينا الا نعطيها اية فرصة لتحقيق ذلك بعد ان دفعنا ثمنا غاليا نتيجة هذه الممارسات.
وفي هذا السياق ايضا، فان الرئيس ابو مازن مدعو لمزيد من التشاور مع القوى الوطنية والاسلامية الاخرى، كما انه مدعو لتقديم المزيد من التفاصيل والحيثيات والملابسات التي تحيط بهذه الخطوة ومخاطبة الناس مفصلا ومباشرة ووضعهم بالصورة الكاملة لما جرى وما هو متوقع وما هي الخطوات الممكنة فلسطينيا وعربيا ودوليا، لان الغموض هو سيد الموقف والتقديرات الخاطئة او الشخصية هي التي تملأ الاجواء.
الربيع العربي مازال في بداياته
ديفيد رود
بعد أن أطاح الجيش المصري بالرئيس محمد مرسي عبر عضو في الكونجرس الامريكي خير تعبير عما يدور في خلد الكثيرين في واشنطن. فقد قال "الجيش هو المؤسسة الوحيدة المستقرة في ذلك البلد." وفي وسائل الاعلام الغربية انتشرت محاولات تشريح الربيع العربي بما في ذلك تقرير خاص نشرته مجلة الايكونوميست على 15 صفحة وطرح السؤال "هل فشل الربيع العربي؟" وكانت الاجابة "هذا الرأي سابق لاوانه في أفضل الأحوال وخطأ في أسوأها."
وهنا في الاردن كان الربيع العربي مصدر إلهام لاحتجاجات طالبت الملك عبد الله الثاني بتسليم السلطة لحكومة منتخبة ثم تلاشت. ولم تؤد حملة على وسائل الاعلام أغلقت السلطات فيها 300 موقع على الانترنت الشهر الماضي إلى احتجاجات تذكر.
وقال لبيب قمحاوي وهو من الشخصيات المعارضة واتهم في العام الماضي بمخالفة قانون يحظر على الاردنيين العيب في الذات الملكية "نحن نشهد عودة سريعة إلى الدولة البوليسية... ستجد أن كل شيء خاضع للسيطرة." ومع ذلك يقول محللون ومعارضون ومسؤولون سابقون في الحكومة إن الربيع العربي توقف هنا ولم ينته تماما. فالمشاكل الاقتصادية الاساسية التي أدت للاحتجاجات التي أطاحت بحكومات في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا مازالت قائمة. ويخطيء الحكام العرب والمسؤولون الامريكيون إذا اعتقدوا أن بوسعهم الاعتماد على القادة العسكريين والملوك في تحقيق استقرار طويل الاجل.
قال روبرت بلتشر محلل شؤون الشرق الاوسط في مجموعة الازمات الدولية "الطاقة السياسية التي انطلقت في مختلف أنحاء العالم العربي والاردن في 2011 لم تتبدد. والمشاكل التي ولدت من رحمها الانتفاضات العربية لم تحل."
فما الذي يحدث في الاردن إذن؟ بكل بساطة الاردنيون ينظرون شمالا إلى سوريا وإلى الجنوب الغربي حيث مصر وترتعد فرائصهم مما يرونه. لقد خففت الحرب الأهلية الوحشية واشتباكات الشوارع من الرغبة في التغيير السريع. ورغم أن الملك عبد الله يقيد حرية التعبير هنا فلا وجه للشبه بينه وبين قسوة الرئيس السوري بشار الأسد. كذلك فإن الأحداث في مصر جعلت الشبان العلمانيين في الاردن يكرهون الحياة تحت حكم الاخوان المسلمين. وباختصار فالاردنيون ينتظرون.
وقال علاء فزاع رئيس تحرير أحد المواقع التي كان مآلها الاغلاق "أنا أقل عداء تجاه الملك لانني شهدت ما يمكن للاسلاميين أن يفعلوه. أرى ما يحدث في المنطقة. وأنا في انتظار الوقت المناسب للهجوم." والمشاكل الاقتصادية بالغة الضخامة في منطقة تقل أعمار 60 في المئة من سكانها عن 30 عاما. ولن يقبل الجيل الأصغر الحريص على اقتناص الفرص الاقتصادية ونيل الحقوق السياسية الاساسية بعودة دائمة إلى حكم الفرد. وهذا القول يصدق على الأردن. فقد خفض الركود الاقتصادي العالمي النمو الاقتصادي في الاردن من ستة في المئة إلى ثلاثة في المئة خلال السنوات الثلاث الماضية. ويبلغ معدل البطالة الرسمي في الاردن 12.5 في المئة ويزيد المعدل إلى مثليه للبطالة بين الشبان. كما تدفق أكثر من 550 ألف لاجيء سوري على الاردن الذي يعتمد على المساعدات الخارجية ويحتاج إلى كل قطرة من النفط والمياه ويبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة.
وقال عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية هنا إن أكبر المخاوف التي يعبر الاردنيون عنها في استطلاعات الرأي ليست سياسية. وقال "الاولويات الخمس القصوى للاردنيين اقتصادية. ستجد أن الاصلاح السياسي رقم 10 أو 11." ومما يحسب للملك عبد الله (51 عاما)أنه واحد من أكثر ملوك الشرق الاوسط ليبرالية. فبعد أن ارتقى العرش في عام 1999 أشاد به كثيرون ووصفوه بأنه من المجددين. إلا أن اصلاحاته تباطأت في السنوات الأخيرة وتراجعت شعبيته.
وأثار مقال رسم صورة للملك ونشر في مجلة "ذي اتلانتيك" في شهر اذار ضجة في الاردن. فقد نسب المقال الذي شكك فيه القصر الملكي إلى الملك انتقاده الشديد لقادة بالمخابرات وللاخوان المسلمين وشيوخ قبائل ودبلوماسيين أمريكيين وزعماء في المنطقة بل وعائلته. وقال إن الساسة المحليين أخفقوا في الاستفادة من الاصلاحات التي طبقها وسخر من البرنامج الاجتماعي والاقتصادي لاحد الأحزاب الوليدة. ونسب المقال إلى الملك قوله "الأمر كله عبارة عن ’سأعطي صوتي لهذا الشخص لانني من قبيلته’. أما أنا فأريد من هذا الشخص أن يضع برنامجا يبدأ الناس على الاقل في فهمه."
لكن منتقدي الملك يصرون أن اصلاحاته وهمية. فالأردن له رئيس وزراء ومجلس نيابي منتخب لكن بوسع الملك أن يعزل رئيس الوزراء وأن يحل البرلمان حسبما يتراءى له. وفي السنوات الخمس الأخيرة عزل الملك ستة رؤساء حكومات.
ومن حسن حظ الملك عبد الله أن الجناح الاردني لجماعة الاخوان المسلمين يفتقر للحكنة السياسية مثل جماعة الاخوان في مصر. وقد قاطع الاخوان الاردنيون الانتخابات التشريعية هذا العام. وسمح الاقبال المعقول على التصويت للملك عبد الله أن يعلن أن الانتخابات تمتعت بالمصداقية لتصبح أكبر كتلة معارضة في البلاد بلا صوت في البرلمان. وفي الوقت نفسه وفي ضوء القتال المستعر في سوريا وسعي وزير الخارجية الامريكي جون كيري لاستئناف مفاوضات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين فإن واشنطن في حاجة إلى الملك عبد الله. وفي الاونة الأخيرة سكتت الاصوات المطالبة بالاصلاح الواردة من واشنطن.
وقال بلتشر المحلل بمجموعة الأزمات "في عام 2011 كانوا يطالبونه بالاصلاح بل وبسرعة. أما الان فقد أصبحت الرسالة أضعف كثيرا."
ولاتزال المشاكل الاقتصادية الكبيرة قائمة في الاردن. وفي الشهر المقبل ستبدأ الحكومة تنفيذ زيادة في أسعار الكهرباء متفق عليها مع صندوق النقد الدولي وتأجل تطبيقها لفترة طويلة. وعندما نفذ في الخريف الماضي خفض في دعم الوقود يطلبه الصندوق تفجرت أعمال شغب. ومن الخيال المحض أن يصدق المرء أن بوسع الملوك والقادة العسكريين أن يحققوا الاستقرار في الشرق الاوسط اليوم. وعلى عبد الله أن يطبق اصلاحات اقتصادية كاسحة ويعمل على القضاء على الفساد ويشرع في تسليم السلطة لحكومة منتخبة. وعلى واشنطن أن تشجعه في كل خطوة خلال هذا المشوار.
فلا يمكن ارجاع عقارب الساعة إلى الوراء في الشرق الاوسط. في الاجل القصير ينتظر أن تشهد المنطقة مزيدا من الاضطرابات. وفي الأجل البعيد سيتحقق الاستقرار من خلال النمو الاقتصادي لا من خلال نمو حكم الفرد.
أبا السكر ... رحلت كالأشجار وقوفا!!
حسن عبدربه
في ساعة إفطار رمضانية من شهر الرحمة والمغفرة والتوبة خطفك الموت فجأة من بيننا لترتقي روحك الطاهرة الى بارئها في العلياء معانقة عنان السماء ، كيف لا يا أبا السكر وانت من عانقت بوطنيتك الأصيلة ووحدويتك الرائعة والراسخة وصمودك الأسطوري كل محطات الأسر والاعتقال وجعلت من كل زرد من سلاسل وقضبان السجن محطة للانطلاق نحو الأمل والحرية ، لتشهد لك كل الزنازين وساحات الفورة في السجون بأنك كنت مثالا للقائد المتميز في العطاء اللا محدود تماما كما كنت متميزا في المقاومة والثورة والبطولة في (عملية الثلاجة) فاقترن اسمك باسمهما.
والعكس بالعكس ، اخترت طريق العزة والتضحية من أجل الكرامة والحرية للشعب والوطن وامضيت 27 سنة عجافا في الأسر ولكنها لم تفت في عضدك وتركت ورسخت في عقول ونفوس كل من عايشك أو سمع عنك خلف القضبان معاني قوة الارادة والشموخ والتمسك بالحياة الكريمة ، كنت مليئا بالحيوية والنشاط وطابور الصباح الرياضي فلا السجن ولا السجان ولا قهر الزمان منعوك من الانطلاق نحو الحياة والحرية .
أبا السكر ،،، أنت لم تكن مدرسة تخرج الاجيال فحسب وانما شعلة عطاء لا
تنطفئ متقدة جذوتها ومتجددة دوما مع كل اشراقة شمس أو اطلالة قمر وسطوع نجم ، لم تثنيك رحلة العذاب والقهر الآدمي من الحفاظ على بوصلة الوطن. كنت دائما معنا ونحن تشرفنا بك وان نرافقك في جولات وزارة شؤون الاسرى والمحررين من أزقة مخيم جنين وقراها ومدينتها الى قرية كسر القيد وسجن عوفر وخرب دورا ويطا والخليل وحواري طولكرم واريحا ودهاليز البلدة القديمة في نابلس وارياف بيت لحم وسلفيت وقلقيلية وطوباس وضواحي القدس وبلدات رام الله وشوارعها وساحات الوطن عامة ،كنت حاضرا معنا كالبوصلة لا تفقد اتجاه الحرية والكرامة في كل مسيرة أو اعتصام أو مهرجان أو احتفال أو حفل تكريم أو مؤتمر واقتحمنا بوجودك مئات ان لم يكن آلاف بيوت الأسرى والأسيرات وكذلك المحررين صيفا وشتاء، ليلا ونهارا ، افطارا وصياما ، انها عظمة الانتماء لقضية الانسان الفلسطيني الأسير!!! هذه القضية التي يتناساها كثيرون !!!
لا زلت أذكر كلماتك عند كل زيارة وجولة عندما كنت تقول لنا وبلغتك الفلسطينية البسيطة والعامية شو بدها ام الأسير ؟وشو بدها مرة السجين ؟ وشو بدهم اولاد وبنات الأسير ؟ ببساطة متناهية كل منهم يريد أن يخرج الابن والزوج والأب والاخ والقريب والجار والصديق من السجن سالما معافى !!! لا يريدون تكرار تجارب زهير لبادة ولا أشرف ابو ذريع ولا زكريا داوود ولا ... ولا .. كنت دائما وعند ايقاد شعلة الحرية للأسرى لاطلاق فعاليات يوم الأسير الفلسطيني كنت تقول ما بدناش نظل نعد عمداء أسرى كل سنة بدنا اياهم يروحوا ويتحرروا من السجون ،، وهناك في مؤتمر بغداد لنصرة الأسرى في السجون الاسرائيلية وبكل جرأة ووضوح قلتها ان تحرير الاسرى والافراج عنهم لا يأتي بالكلام ولا المؤتمرات وانما بخطف جنود وعمليات تبادل ، هذه كانت صرختك من الألم على الاحباب الذين تناساهم البعض لسنين طويلة دون أن يتنسموا طعم الحياة والحرية ،،
غيبك الموت وهذه سنة الحياة ولكن ما غابت رسالتك وحلمك وتطلعك في بوصلة الحياة والكفاح من أجل الحرية والوحدة التي تاهت في دهاليز مصالح السياسيين ، نفتقدك كثيرا جدا فلم يعد بالامكان الآن ان نتحدث معك في اعتصام الصليب الاحمر أو نستنشق الغاز امام سجن عوفر ولم تعد تنتظرنا امام بلدية البيرة لنكون سوية في جولة على ذوي أسرى أو زيارة لمن تحرر من القيد. اعتدنا على كلماتك وممازحتك ،ولحظة سكوتك وصمتك في السيارة كنا ندرك انها للصلاة أو قراءة القرآن خلال التجوال ، رحلت عنا والقهر والألم موجود وهناك غصة في القلب من هذا المسؤول أو ذاك والذي لا يدرك معنى أن يمضي أبو السكر أكثر من ربع قرن في السجون ولأنهم لا يعرفون سوى لغة أرقام وتعليمات جامدة !!!
ولأن الكثيرين اعتادوا على معرفة قيمة الانسان بعد رحيله عن الحياة الدنيا فمتى نخرج من هذه الدائرة لنقدر الانسان والبطل خلال عطائه وكفاحه لأنه من لا يرى ويقدر عطاء وانتماء الآخرين ولا يكون وفيا لهم في حياتهم لا يستحق الاحترام ، هناك عشرات الأبطال في كل محافظة من المحررين والذين صنعوا أمجادا للوطن من رموز الفداء والتضحية رجال صناديد وقادة كانوا في وقت عز فيه الرجال ولكنهم يرفضون ان يطويهم النسيان وان نسيهم البعض فتاريخهم محفور في الذاكرة والصخر لا تمحوه الريح فهل نتذكرهم ويتذكرهم من هم في موقع (المسؤولية) الفصائلية والوطنية والرسمية ليشهدوا لحظة تكريم وتقدير أخلاقي قبل فوات الأوان!!. الأخ والصديق أحمد جباره (ابو السكر): رسالتك ستبقى في عقول كل محبيك الأوفياء الذين جمعتهم ووحدتهم في ألم القيد والأسر ولحظة التحرر ويوم الوداع الأخير ، أبا السكر نم قرير العين ، المجد لك.
ما جرى في مصر إنقلاب أم ثورة؟
الأسير المقدسي: حسام...
لكي نتمكن من معرفة ما يجري على الأرض من أحداث متسارعة، بشكل دقيق، وبعيداً عن تزاحم الصور والمشاهد المؤلمة على بوابة الذاكرة، والتي من الممكن أن تقع تحت تأثيري الإرتباك والإرباك نتيجة مهاجمتها بخطة محكمة تعتمد على الخطاب الديماغوجي (التضليلي)، أو الخطاب التبريري، وما يقابلهما من وسائل دفاعية ترتكز على الخطابين الإنفعالي أو التفسيري مما يضع المواطن العربي بشكل عام، وتحديداً الفئة البسيطة في دوامة التفكير والتكفير التي تجعله يتردد في اتخاذ قراره، بين: اين الخطأ؟ وأين الصواب؟ خاصة عندما يتعلق الأمر بأزمة داخلية لها حساباتها الدقيقة على حيثيات حياته في المجالين الاجتماعي والسياسي، لذلك إرتأيت منذ البداية أن أوضح صورة ما يجري على الأرض من خلال تركيب هذه الأحداث على معادلة التفسيرين العلمي والديني، لنعرف إذا ما كان الذي حدث ثورة تغيير وتصويب مسار ثورة كما يقول الطرف الأول، أم إنقلاباً عسكرياً كما يروج الطرف الآخر، وبالتالي نخلص إلى الإستنتاج الذي يريح ضمائرنا، ويخرجنا من دائرة التردد والحيرة، إلى دائرة الفعل والقرار.
حيث يميز الباحثون بين الثورة والإنقلاب وفق مذهبين:
الأول: يرى ان الحركة (movement) تعتبر ثورة (revolution) إذا كان القائم بها هو الشعب، وتعد إنقلاباً إذا كان القائم بها إحدى الهيئات صاحبة الحكم أو السلطة. وبعبارة أخرى إن الإنقلاب عبارة عن تغير في زمام الحكم أحدثه ذوو السلطان من غير أتباع الأحكام الدستورية.
الثاني: يُرجع التفرقة إلى الهدف، فإذا كان الهدف هو تغيير النظام السياسي أو تغير النظام الإجتماعي تعتبر الحركة ثورة بالمعنى الصحيح على أن يكون لها سمتان:
أن تكون حركة شعبية تستند إلى إرادة جماهيرية أكيدة.
أن تكون حركة هادفة أو بعبارة أخرى أن تكون حركة تقدمية ترتبط بأهداف واضحة من التغيير السياسي أو الإجتماعي أو بهما معاً.
وعندما نحاول تطبيق ما قامت به حركة تمرد وقوى الشعب المصري الحية على كلا المذهبين، نجد أن لا كلمة تنطبق على وصف ذلك الفعل غير كلمة "ثورة"، فبناء على التفسير الأول، يتضح لنا على أن الشعب هو صاحب العلاقة الأولى بكل ما حدث، والجيش المصري إنحاز له بفعل واجبه الدستوري ومهمته الوطنية، ورفض الخضوع للرئاسة التي كانت تنوي الإنقلاب على شرعية الشعب، تماماً كما حدث سابقاً في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولو حدث العكس من ذلك لكان الجيش ساعد على ارتكاب انقلاب عسكري لصالح جماعة الأخوان المسلمون، التيار السياسي صاحب البرامج والأهداف الحزبية الخاصة، التي –وباجماع المثقفين المصرين- تجاوزت الحدود الدنيا للقواسم المشتركة التي أجمعت عليها مختلف القوى والتيارات المصرية بعد ثورة 25 يناير، وذلك بهدف الاستئثار بالحكم واقصاء الآخرين ضاربة بعرض الحائط كل القيم الأخلاقية والثورية التي توافقت عليها مختلف فئات الشعب المصري العظيم.
أما عند الاحتكام إلى المذهب الثاني الذي يحمل في طياته إحدى سمات المذهب الأول والتي تؤكد على وجوب توفير العمق الشعبي، الحاضر بقوة كما أسلفنا، بالإضافة إلى أن كل الصور التي شاهدناها في ميادين مصر التي ازدحمت بالملايين، وكل الشواهد والمدلولات المادية، سياسية ومعنوية، تثبت ارتباط ذلك الفعل بحركة تقدمية لا رجعية، رفضت المنطق الأخواني الذي يجر مصر عشرات السنين إلى الوراء، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في خطاب الرئيس المخلوع محمد مرسي الذي دعا إلى التمسك بشرعيته كرئيس ولو أدى ذلك إلى سفك دمه. أوليست هذه دعوة صارخة لزج مصر العروبة في حرب أهلية كارثية وتحد سافر لإرادة الشعب؟ عدى عن اعتباره الحراك الشعبي قائم بفعل فلول النظام السابق، متجاهلاً حقيقة أن ثلثي المتواجدين في ميدان التحرير هم الذين صوتوا له في الانتخابات التي سلمته مقاليد الحكم في مصر.
وعند الإنطلاق من زاوية المعادلة الدينية لمفهوم الإنقلاب، فضلت الإستفادة من رؤية الأب الروحي لجماعة الأخوان المسلمين، فضيلة الشيخ القرضاوي، فخلال استعراضه إلى سبل تحقيق الحل الإسلامي، ونقاش كل واحد منها بما له وعليه من إيجابيات وسلبيات، تطرق فضيلته إلى "سجل الإنقلابات العسكرية" وبعيداً عن كل المبررات التي تلجأ إليها جماعة الإنقلاب العسكري في تأييد فكرتها، إلا أنه يبقى هناك جانب كبير من الأهمية لم يؤخذ بالحسبان ومنه "أن النجاح في الإستيلاء على السلطة بالقوة لايعني النجاح في تطبيق المبادئ التي قام الإنقلاب من أجلها، وكم من فئات حزبية إنقضت على السلطة، وتمكنت من إزاحتها، وظلت تحكم عدة سنين، ومع هذا ظلت معزولة عن الشعب، مبغضة إليه، وكلما طال بقاؤها، إزدادت كراهية الناس لها". فحتى لو كان الإنقلاب مرتبطاً بمجموعة من المبادئ الإجتماعية والسياسية، فإن نتائجه لن تقود إلا إلى الإستبداد والكراهية والبغضاء، وعليه فالحركة الإسلامية يجب أن تنكر هذه الظاهرة الخطرة، لا أن تسهم في بقائها واتساعها".
نستشف من هذا الفهم الواعي لخطورة بناء الحكم على فوهات البنادق –فيما لو استجاب الجيش لرغبة مرسي- بأن مصر العروبة ستنهار، ناهيكم عن الاثار السلبية التي يراكمها اللجوء إلى القوة في ثنايا المجتمع، لأن الإنقلاب على إرادة الشعب عبارة عن هزة اجتماعية وسياسية عميقة تضرب كل مقومات التماسك الداخلي لأبناء الشعب الواحد، وبالتأكيد سيتبعها هزات ارتدادية طويلة الأمد يصعب التكهن بحجم أضرارها، لذلك على جماعة الأخوان المسلمين ان تعيد قراءة الواقع مرة أخرى ومن زاوية شعبية أوسع من زاوية المرشد، ففرصة مشاركتها في العمل السياسي لا زالت متاحة، فمصر الديمقراطية الحديثة قائمة على احترام التعددية الحزبية، وهذا ما عبرت عنه جميع القوى الشعبية والسياسية بما فيهم الجيش الذي نأى بنفسه جانباً عن العمل السياسي، أما إذا لجأت إلى القوة فإنها سترتكب الحماقة الكبرى على مدار تاريخ نشأتها، فهي أخطأت في إدارة الحكم ويجب أن تعترف بأخطائها لا أن تلقي باللائمة على الشعب!! فدماء الشعب المصري أهم وأسمى وأثمن من جماعة سياسية ومن سلطة مؤقتة. ومن المغالطات الكبرى لدى جماعة الأخوان أنها تستلهم تجربتها من تجربة حركة حماس في قطاع غزة، فحماس وفق الرؤيتين البحثية العلمية، والفقهية الدينية، ارتكبت جريمة الإنقلاب العسكري عن سبق الإصرار والترصد.
وفي توضيح الفرق بين الإنقلاب والثورة ذكر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في حديث له بأن "الثورة وصول إلى القوة لتحقيق تغيير جذري في الأوضاع، أما الإنقلاب فهو وصول إلى القوة من أجل القوة، والحكم في الثورة بداية، بينما الحكم في الإنقلاب بداية النهاية، وبينما الإنقلاب في حقيقته محاولة لتغيير شخص الحاكم فإن الثورة في حقيقتها محاولة لتغيير أساس المجتمع".
والقارئ لأفكار جماعة الأخوان يجد أنها تساهم في التربية على رفض الآخر، بدلاً من تعزيز مفاهيم التعاون والمحبة، وتزرع الإنتماء للتنظيم بدلاً وليس إلى جانب زراعة الإنتماء والمواطنة في نفسية ووجدان أعضائها، على اعتبار أنها صاحبة دعوة دينية، تهدف إلى تحقيق دولة الإسلام التي هي أكبر من الدولة القطرية وإن كانت الثانية جزء من الأولى، مما يحافظ على غلواء السيطرة على السلطة كمحرك دائم لعناصرها من أجل حماية كل ما يتحقق من إنجازات حزبية على طريق الوصول إلى الهدف الإستراتيجي الأسمى حسب اعتقادهم، دولة الخلافة!!
علم الإجتماع السياسي، د "محمد توهيل" فايز أبوهنطش، ص 261
الحل الإسلامي فريضة وضرورة – د يوسف القرضاوي- ص 196.
نفس المصدر السابق، ص 203
الانقلابات العسكرية في سوريا 1949-1954، د سيد عبدالعال، ص 31.
أردوغان ... أيقونة تركيا ومشكلتها
عريب الرنتاوي
ثمة أزمة دبلوماسية "غير صامتة" بين مصر وتركيا، على خلفية المواقف الانفعالية الحادة التي صدرت عن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ضد ما أسماه "الانقلاب العسكري"، وذهابه بعيداً في إظهار انحيازه لفريق (حزب) من المصريين ضد جميع المصريين من تيارات وأحزاب وحركات سياسية وشبابية وشعبية، بمن في ذلك مؤسسات الدولة من أمنية وعسكرية وقضائية وإعلامية ... وثمة مشاعر غاضبة ضد أردوغان وحكومته تسود أوساط شعبية مصرية واسعة، بل وتتخطى في حدودها مصر، إلى عدد من الدول العربية كذلك.
لدى السلطات المصرية من المعطيات، ما يؤكد أن أردوغان وأركان "العدالة والتنمية"، هم من أوحى وشجع إخوان مصر على الإمساك بمفاصل الدولة ومؤسساتها، فيما بات يُعرف بـ"الأخونة"، ولدى السلطات المصرية ما يكفي من معلومات عن "نصائح" نقلتها أنقرة إلى نظام مرسي، تتصل بضرب الإعلام (حكومة أردوغان سجلت رقماً قياسياً في هذا المضمار) وإضعاف الجيش وحبسه في "باراكساته"، فضلاً عن تفكيك القضاء واختراقه، وفي هذه الميادين جميعها، لدى أردوغان وحزبه، مخزون من التوصيات، تراكم خلال أزيد من عقد في الحكم ... لكن من سوء طالع إخوان مصر وأردوغان تركيا، أن شعب مصر وقواته المسلحة، لم يمهلا مرسي وإخوانه الفترة الكافية لإتمام أجندة الأخونة واحكام القبضة على مفاصل الدولة ومؤسساتها.
الثابت وفقاً لكل المعطيات التي سبقت ثورة 30 يونيو، أن مرسي وإخوانه، كانوا بصدد مجزرة بحق القضاء المصري، والقانون الذي تقدم به الرئيس وصحبه، كان يهدف إلى اقتلاع جميع قضاة مصر الكبار من مواقعهم ... وعلى لائحة مرسي وجدول أعماله، كان هناك قانون لتنظيم الإعلام، وبصورة تكفل الإجهاز على حريته واستقلاله وتكميم أفواه العاملين فيه و"تسويد" شاشاتهم، ناهيك بالطبع عن لائحة مطلوبين للقضاء كان يجري الإعداد لها بهدوء، وتستهدف 21 إعلامياً وصحفياً معارضاً.
أما الخطوات الأكثر أهمية والأكثر خطورة، فتلك التي لم يكشف النقاب عنها بعد، وكانت تتصل بوضع اليد على مؤسسات الدولة من عسكرية وأمنية ... وثمة مصادر مصرية عديدة، تشرح المحاولات والصعوبات التي صاحبت فترة حكم مرسي، للإمساك بهذه المؤسسات ووضع اليد عليها ... وهنا أيضاً، وجد مرسي في أردوغان، خير عون ونصير وشقيق كبير.
لكن أكثر ما أثار ويثير استياء السلطات المصرية (والرأي العام المصري) تلك الأنباء التي تؤكد إلحاح أردوغان وحزبه على نظرائهم من إخوان مصر، بالبقاء في الشارع والاستمساك بحكم مرسي وعودته لرئاسة الجمهورية ... هذه المعلومات لم تعد سرية، بعد أن خرج أردوغان عن طوره، وصرّح بأن مرسي ليس رئيس المصريين الشرعي فحسب، بل ورئيسنا جميعاً (يقصد الإسلاميين الأتراك طبعاً) ... هنا انتقلت أنقرة من حالة إبداء وجهة النظر إلى التحريض على التمرد والبقاء في الشوارع والميادين و"التآمر بهدف قلب نظام الحكم" في دولة أجنبية.
يزعم أردوغان أن ردة فعله حيال الأحداث المصرية إنما ينطلق من منظومة قيمية وأخلاقية تلتزم بها أنقرة ... مثل هذا المنطق(اقرأ اللامنطق) لم يقنع الأتراك أنفسهم (دع عنك المصريين والعرب)، الذين ردّ عليه كثيرون من كتابهم ومحلليهم بسؤاله: أين كانت هذه المنظومة وأنت تعانق نظام القذافي، وأين هي هذه المنظومة وأنت تُغمض الأعين على تسرب القاعدة والجهاديين إلى سوريا لقتل أهلها وتدمير مجتمعها ؟ ... أردوغان تصرف في الأزمة المصرية كزعيم إخواني، ولم يتصرف كرجل دولة، بحجم تركيا وتاريخها وروابطها في المنطقة.
والحقيقة أن المراقب لسلوك أردوغان ومواقفه وسياسات حزبه خلال العامين الفائتين، تصيبه الدهشة والذهول ... فالحسابات والطموحات و"المكونات" الشخصية للرجل، باتت هي التي تقرر سياسة أنقرة وتتحكم بها، إلى الحد الذي تحوّل معه أردوغان إلى عبء على تجربة تركيا و"نموذجها" ومصالحها ومستقبل الديمقراطية والحرية فيها، بعد أن كان ذخراً لها، بل و"أيقونتها" ... فالرجل يضرب طولاً وعرضاً، وهو لا يرى من المعارضة التركية سوى "فلول" و"بلطجية"، وهو يرتد بتسارع على الطابع العلماني للجمهورية التركية، وهي يشتبك في أزمات متفاقمة مع جميع دول المنطقة، ومواقفه ذات الطبيعة المذهبية، تضعفه في صدام مع علمانيي تركيا وعلوييها، قبل أن ينجح في وضع المسألة الكردية على سكة الحل، بل أن هذه المشكلة تزداد تفاقماً بعد "الإنذار الأخير" الذي أطلقه حزب العمال الكردستاني التركي، وبعد اشتباكات راس العين بين أكراد سوريا و"جهادييها" المدعومين من الأتراك.
وأحسب أن قدرة تركيا على استئناف مسارها الانتقالي المتقدم نحو الديمقراطية، واستعادة علاقاتها مع جوارها، واسترداد دورها المتآكل في الإقليم، باتت مشروطةً إلى حد كبير، بإخراج أردوغان من موقع صنع السياسة والقرار، وهي مهمة صعبة بالنسبة لرجل ارتبطت باسمه شخصياً تجربة تركيا وحزبها الحاكم في السنوات العشر أو الخمسة عشر الفائتة ... والأمل الوحيد لتركيا إنما يبقى في إسقاط مساعي أردوغان لتغيير النظام السياسي التركي من برلماني إلى رئاسي، وضمان انتقاله إلى القصر الجمهوري، مجرداً من الأنياب والمخالب.
سلام على اللد
زهير الدبعي - داعية.
* هانئة كانت الحياة في مدينة اللد قبل إحتلالها وتهجير أهلها بالعنف الدموي المفرط في 13/7/1948.
واللد من أقدم مدن العالم، أحرقها الرومان عدة مرات إلا أنها كطائر الفينق قامت من بين الموت والرماد. وكنيستها المدفون فيها القديس جاورجيوس ( الخضر ) من أقدم وأقدس الكنائس في العالم. فتحها عمرو بن العاص وأتخذها عاصمة لجند فلسطين. مساحتها نحو (4) الاف دونم، وأرضها نحو (20) ألف دونم 40% منها مزروعة بأشجار الحمضيات والزيتون، وإليها ينسب الزيتون النبالي وهو من أفضل أنواع الشجرة المباركة التي زرعها أجدادنا قبل ميلاد سيدنا المسيح عليه السلام بقرون طويلة.
أما باقي أرضها كان اباؤنا يزرعونها بالخضروات والغلال. لذلك كانت اللد أكثر أقضية فلسطين إنتاجا للغذاء، وذلك بهمة اللديين ونشاطهم وعشقهم للأرض.
لهذا لم يتمكن المشروع الصهيوني من شراء دونم واحد ولا حتى قبضة تراب واحدة رغم ما أتصف به من شراسة وقدرة على الإغواء والإفساد. كثير من الخضروات التي كانت تباع في الأسواق المركزية ليافا والقدس وحيفا كانت ثمرة تعب وعرق اللديين، فقد كان المرحوم المبروك حسونة ( أبو رجب ) ينتج الخضروات بمعدل (100) جنيه فلسطيني كل يوم. وقد تبرع هذا الزرّاع العاشق لأرضه كغيره من اللديين والفلسطينيين بميبغ (5) الالف جنيه لحملة أهالي اللد لشراء أسلحة وذخائر ليتمكنوا من ممارسة حقهم المشروع في الدفاع عن النفس.
سلام على مدينة اللد التي كانت تنبض بالحيوية والحياة فقد كانت سوق البرين( سوق بر مصر وبر الشام ) لبيع الجمال والخيول والأغنام والدواب، السوق المركزي لا في فلسطين كلها وإنما فيما هو أبعد من حدود فلسطين، فقد كان من المالوف أن يقصد سوق اللد مواطنون من الجزيرة العربية والخليج مع جمالهم وخيولهم وشياههم، وكان هذا السوق يرفد ميزانية بلدية اللد بواردات مجزية تزيد المدينة إنتعاشا.
سلام على مدينة اللد التي اتصف أهلها بالتدين والتقوى لذلك لم يفسحوا للطائفية أن تتسلل بين صفوفهم، كان اللديون يحتفلون في جميع الأعياد والمناسبات بدون تمييز، وكان (عيد لد) عيد القديس جاور جيوس (الخضر) في السادس عشر من تشرين الثاني من كل عام. وفي موسم النبي صالح كان النشيد مشتركا وطالما ردد أجدادنا بصوت واحد:«إحنا اللدادوة دوبنا هلينا على النبي صالح والخضر صلينا
ويهتف المصلون الذين يخرجون من المسجد العمري القديم الذي يشترك مع كنيسة الخضر بجدار واحد، ويهتفون معا : «يا نصارى يا إسلام ما حدا فيكم ينام
واليهود على الأبواب فليسقط وعد بلفور».
سلام على مدينة اللد التي أدرك أهلها بوعيهم وبصيرتهم تناقض الدين مع الطائفية كما يتناقض التواضع مع الوضاعة، والحق مع الباطل، والنور مع الظلام.
فبقدر ما كان اللديون متمسكين بالإيمان والتقوى والواجبات الدينية بقدر ما زهدوا في الطائفية التي تشق الصفوف وتشيع الكراهية وتبرز الجهلة والنصابين وتزرع العنف. فبقدر تقوى التقاة وإخلاصهم بقدر رفضهم للطائفية والمذهبية والقبلية والجهوية التي أضحت أدوات فعالة في تفكيك المجتمعات وتقسيم الأوطان وزرع الموت والخراب والهم والدم.
سلام على مدينة اللد التي زخرت بالعديد من النوادي والجمعيات الرياضية والثقافية النشطة الفعالة، ومنها: نادي الأصدقاء الثلاثة، ونادي الطلبة الأدبي، ونادي الثقافة والرياضة، ونادي الشبيبة الأرثدوكسي، ونادي المسيحيين العرب، فضلا عن مدارسها العديدة التي كان نحو نصفها مدارس غير حكومية.
سلام على مدينة اللد التي قاتل أهلها قتال النشامى الأبطال، وسلام على الذين سقطوا واقفين في معارك الشرف. وسلام على الذين سقطوا في مسجد دهمش وكل شوارع وميادين اللد، سلام على اللذين ماتوا من العطش في يوم تهجيرهم، بعد سلب مصاغهم وأموالهم وساعاتهم وكل مقتنياتهم الثمينة.
سلام على أهل نعلين، وغيرها من القرى، الذين هبوا يحملون الماء لمن إستبدت بهم قسوة العطش.ولو أن قرية نعلين كانت الى الشرق من موقعها بعشرة كيلو مترات لأرتفع عدد ضحايا العطش من مئات الى آلاف.
سلام على جيل ابائنا وامهاتنا وجداتنا الذين عانوا من أهوال البرد والجوع وفقدان الأحبة وعدم وجود مأوى لذلك افترشوا الأرض والتحفوا السماء. سلام على الذين بقوا صامدين مرابطين في منطقتي السكنة والمحطة في اللد برغم الأسلاك الشائكة والأحكام العسكرية والقوانين العنصرية، وهدم المنازل. سلام على الذين دافعوا عن الذاكرة ووحدة الصف. سلام على كل مدينة وقرية في فلسطين. وحتى تستعيد للد حقها في السلام لابد من وقف العنف على امتداد وطن العرب.
سلام على سوريا والسوريين، وعلى مصر والمصريين، وعلى العراق والعراقيين، سلام على كل بقعة في وطن العرب، وعلى البشرية كلها. لأن عودة السلام الى مدينة اللد يمر من وقف العنف المنتج للموت والخراب والفقر والجهل واللاعقلانية في دمشق والقاهرة وبغداد. أكاد أسمع نداء أرواح أجدادنا وجداتنا ليحذروننا من العنف والحرب الأهلية ويدعوننا لنظل أوفياء للوطن ووحدة المواطنين. وسلام على اللد.
مقالات جريـدة الأيام
أطراف النهار...أبـــو الــجــلــيــل
حسن البطل
لا أدري كيف تحمّل أبو "الجليل" نكبته بصواريخ "سام - 5" لأنني هجرت، ربما للأبد، طريق بيروت - دمشق منذ صيف العام 1982. كنت، إذا صفا الجو بين تلبيدتين في سماء العلاقات الفلسطينية - السورية، اخطف رجلي الى دمشق الشام، فلا بد لي من وجه امي، ولا بد لها من رؤية ابنها .... النجيب!.
بعد نقطة "الجديدة" الحدودية اللبنانية، وقبل "ضهر البيدر" كنت انعطف، احياناً، في عودتي من دمشق الى قرية "راشيّا الوادي" حيث "أبو الجليل" وحقوله، لأمضي سحابة نهار، احياناً، في ضيافته... او ساعة وسويعات. فلاح لبناني ستّيني، ويعتمر الحطّة البيضاء والعقال الأسود .. و "الساكو" مثل أبي رحمه الله، ومثله ايضاً ربع القامة منتصبها، متين البنيان.
وجه "أبو الجليل" يطفح بعافية الحقول والشمس، وبالطعام الشهيّ الذي تعدّه له "أم الجليل" زوجته الصبية نسبياً. فلا يوجد جليل ولا جليلة، لا ولد بكر ولا بنت تنتظر عريساً. لذلك، ينادونه "أبو جليل" باللام المعرفة.. واناديه بما ينادونه. خيبته من الانجاب، عوّضتها عليه زوجة ربما كانت كالريم بين الغزلان، فأضحت "البقرة" الاكثر إثرة الى نفسه.
عاد أبو الجليل من غربته في نيجيريا التي اخذت من عمره عشرين عاماً، الى حقوله في راشيّا الوادي. ومنها يحصد قمحاً صلباً، فتطعمه زوجته من قمحه خبزاً هو أشهى "عيش" تناولته في عمري.. ومن ثمرات اشجاره، مشمشاً وخوخاً، المربى الأشهى. ومن حليب بقراته الجبنة البيضاء الأطيب.
لكن، صلابة عوده وقوة ايمانه، ووجهه الذي يطفح بالعافية، واشهى طعام تعده زوجته، وكثير من الجوز واللوز والعنب المجفّف، لن تجعل "أبو الجليل" قادراً على الانجاب.
لو العلّة في بعلته لطلّقها او تزوج عليها. لكن اصالتها واخلاصها... والتقاليد، والعمر الذي ضاع بين غزالة لاهية وبقرة ثلاثينية، حرمتها من انجاب "جليل" او "جليلة".. فلا زوج آخر، فلا ولد من رجل آخر.
أبو الجليل يكدّ في حقوله الخيّرة، وام الجليل تكدّ في بيتها، وهذا الجانب من القصّة لم يقصّه بلسانه، لكن بلسان الجارة. فلسانه لا ينطق سوى بعصاميته في نيجيريا، التي مكّنته من شراء اراضٍ اخرى.. وبقرات اخرى.
ذات يوم، تباريت واياه بمسدسه على رماية هدف، فكانت المباراة فاتحة موضوع عن "جيرانه" الجدد. جنود بطاريات صواريخ سام - 5 السورية في البقاع، التي اثار تحريكها اواخر السبعينيات من سورية للبقاع، أزمة اتخذت بعداً اقليمياً ودولياً.
"أبو الجليل" كان يفتخر ان "ذبابة اسرائيلية" واحدة لن تحلّق فوق حقوله، او على مدى بصره. والاّ .. لماذا خَفَت هدير طائرات فانتوم - ف 4 بعد ان ربضت هذه الصواريخ في مكامنها .. على حافة حقوله الخضراء.
كنت أجاريه في طمأنينته المستجدة ما استطعت ادباً، لكن لا اشاركه فيها. قلت له: سيجد الاسرائيليون جوابهم على هذا التحدي، كما وجد العرب جوابهم على تحدي تفوّق سلاح الجو الاسرائيلي في العام 73. ولكن، عبثاً فان كان هو لم ينجب، فان صواريخ سام - 5 تصيب ولا تخيب ابداً. وكان "أبو الجليل" مؤمناً، وقال مرة ان انكر اصوات الطائرات هو هدير طائرات فانتوم ف - 4، فهو يعرف صنوف طائرات اسرائيل من "زقزقاتها"!.
بقيّة القصة، وفي طيّاتها نكبة "أبو الجليل"، تجدونها في بطون الصحف والكتب: أرسل الاسرائيليون "ذبابات" طائرة بلا طيار، استثارت حميّة صواريخ سام - 5، ثم جاءت على التوّ طائرات بطيارين يطلقون صواريخ جو - أرض ذكية "من وراء الأفق" ولاحقت ذبذبات صواريخ سام - 5.. التي صارت هباء منثوراً.
وكذلك لواء المدرّعات السوري، الذي تقدّم، بلا غطاء جوي، في حرب العام 82 تكدّس هشيمه المتفحم على طريق البقاع، ليس بعيداً عن "التكويعة" التي تتفرع منه الى "راشيا الوادي".
هل عاش "أبو الجليل" حتى "فشّ غلّه" بصواريخ صدّام.. او مات قبل ان يشهد صواريخ نصر الله التي غيّرت معطيات الوضع الاستراتيجي في حينه.. والى الآن.
لكن، لا شك انه تمتع بأشهى خبز تعجنه وتخبزه "أم الجليل" من قمح أرض يزرعه ويحصده "أبو الجليل".
من مفاوضاتٍ بلا مرجعيّة ... إلى انتخاباتٍ بلا وحدة
هاني المصري
بعد مرور 24 ساعة على إعلان القيادة الفلسطينيّة رفضها لاستئناف المفاوضات، أعلن جون كيري من عمّان بعد زيارة خاطفة إلى رام الله عن استئناف المفاوضات مطلع الأسبوع القادم، بعد شطب الشروط الفلسطينيّة الثلاثة لاستئناف المفاوضات؛ مقابل ضمانات أميركيّة كانت شفويّة وأصبحت مكتوبة بشأن مرجعيّة المفاوضات، بحيث تجري على أساس حدود 1967 مع تعديلات متبادلة، وتقليص البناء في المستوطنات، وإطلاق سراح أسرى، على أن تستغرق المفاوضات من ستة إلى تسعة أشهر.
الانهيار في الموقف الفلسطيني كان سريعًا ومن دون تفسير وغير منظم، لذلك نلاحظ أن الناطقين باسم القيادة الفلسطينيّة لا يزالون ينفون ما أعلنه كيري بأن هناك استئنافًا للمفاوضات، وادّعوا أنّ ما سيجري في واشنطن هو استكمال لبعض التفاصيل لبلورة شروط استئناف المفاوضات؟! وكأن مرجعيّة المفاوضات وتجميد الاستيطان مجرد تفاصيل يمكن إعلان استئناف المفاوضات من دون الاتفاق عليها.
لماذا وافق الرئيس "أبو مازن" على استئناف المفاوضات مع تجميد التوجه إلى الأمم المتحدة بلا إجماع وطني ومن دون التزام إسرائيل بأي من الشروط الفلسطينيّة التي تتردد منذ سنوات؟ حتى مسألة إطلاق سراح الأسرى المرجعيّة فيها هي إسرائيل التي ستطلق سراح جزء من أسرى ما قبل أوسلو وغيرهم، على أربع مراحل تبدأ الأولى منها في بداية الشهر الثاني لاستئناف المفاوضات.
إن "أبو مازن" وافق على ذلك، لأنه يؤمن بأن لا خيار إلا خيار المفاوضات، لأن المفاوضات هي التي تعطي الشرعيّة والدعم للسلطة. ومن دون مفاوضات تخلق عمليّة سياسيّة تحول دون حدوث انفجار فلسطيني، يضاف إلى سلسلة الانفجارات التي تشهدها المنطقة، ستفقد السلطة مبرر دعمها ووجودها ومصدر شرعيتها، لذلك يعود دائمًا المفاوض الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات مقدمًا في كل مرة تنازلات جديدة تهبط بالسقف الوطني حفاظًا على السلطة، فالسلطة أصبحت هي الغاية وليست الوسيلة لتحقيق الهدف.
مسألة أخرى تساعد على تفسير القرار الفلسطيني الفردي والغامض والمتلعثم باستئناف المفاوضات، هي أن القيادة الفلسطينيّة تخشى من أن تقوم الإدارة الأميركيّة بلوم الفلسطينيين على فشل جهود كيري؛ ما يؤدي إلى وقف المساعدات للسلطة، وفرض عقوبات أميركية وإسرائيليّة عليها، ربما تصل إلى تجميد العلاقات معها، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيارها. فلسان حال القيادة الفلسطينيّة يقول إن ضرر عقد جولة أو جولتين أو عدة جولات من المفاوضات أقل من عدمها، مع أن الحقوق لا تقايض بأي شيء، بما في ذلك الإفراج عن الأسرى الذين يجب ألا يكون تحريرهم قضيّة تفاوضيّة، وإنما من خلال وضع إستراتيجيّة تكفل تحريرهم مع الحفاظ على القضيّة التي أسروا من أجلها.
مسألة ثالثة، تجرب السلطة الضمانات الأميركيّة للمرة التي لا أعرف عددها، من دون أن تأخذ العبرة من تجاربها السابقة، فلقد لدغت مرات ومرات ومرات ولا تستفيد من التنصل المتواصل من الوعود الأميركيّة المكتوبة وغير المكتوبة؛ من اتفاق أوسلو وملحقاته الذي لم يطبق 34 التزامًا منها، إلى اتفاقيّة واي ريفر، وقمة كامب ديفيد، ومباحثات طابا، وخارطة الطريق، ووعود بوش الابن ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، إلى وعود أوباما في فترة رئاسته الأولى، وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن مصير ضمانات كيري ستكون مختلفة هذه المرة.
مسألة رابعة، تظهر في وجود "تصور فلسطيني وعربي" بأن الإدارة الأميركيّة يمكن أن تمارس نوعًا من الضغط على إسرائيل لدفعها لتليين موقفها بما يمكن من التوصل إلى تسوية للصراع العربي – الإسرائيلي، استفادة من المتغيرات العربيّة التي أدت حتى الآن، على الأقل، إلى إضعاف معسكر الممانعة العربي وتقوية معسكر الاعتدال. فسورية تعاني من حرب أهليّة، والإخوان المسلمون بلغوا ذروة قوتهم بالفوز في تونس وبالانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة في مصر، وبدأوا بالهبوط بدلالة عزل مرسي وما يجري في مصر حاليًّا من سقوطٍ مدوٍ لحكمهم، و"حماس" في وضع لا تُحْسَدُ عليه، وحزب الله انخرط في دهاليز الحرب السوريّة، وإيران في موقع الاستعداد للدفاع عن نفسها في وجه العقوبات والتهديدات بالحرب ضدها إذا لم توقف برنامجها النووي.
مسألة خامسة، ما دفع السلطة لاستئناف المفاوضات بلا مرجعيّة سيل لعابها من أجل حصولها على المليارات الأربعة التي وعد كيري بها، خصوصًا في ظل الأزمة الماليّة والاقتصاديّة التي تعصف بها.
في هذا السياق، نستطيع أن نفسر لماذا عندما تتوقف المفاوضات العلنيّة، يكون البديل دائمًا مفاوضات سريّة أو مفاوضات يتم تسميتها بـ "مباحثات" أو "استكشافيّة" أو "تقريبيّة"، أو تأخذ شكل لقاءات يعقدها الرئيس وقيادات فلسطينيّة مع شمعون بيرس أو تسيبي ليفني أو قادة أحزاب أو أعضاء كنيست، هذا طبعًا عدا عن التنسيق الأمني المستمر في كل الظروف والأحوال.
لو تم استئناف المفاوضات من دون شروط ومع الحفاظ على التوجه الفلسطيني نحو الأمم المتحدة لكان ذلك أفضل بكثير أو أقل سوءًا من استئنافها بالكيفيّة التي جرت، فمن من أهم الأخطاء التي ارتكبتها القيادة الفلسطينيّة تقديم تنازلات، من خلال الإمعان في موافقتها على تحييد القانون الدولي والمجتمع الدولي، عبر الفصل ما بين الاستيطان في القدس والكتل الاستيطانيّة الكبرى، وبين الاستيطان في بقيّة الأراضي المحتلة، ما يضفي الشرعيّة على الاستيطان فيها، ويشكل سابقة قابلة للتكرار في المستقبل إزاء مستوطنات جديدة.
إن الحفاظ على السلطة هو الذي يفسر: لماذا العودة دائمًا إلى استئناف المفاوضات؟ فمن دون مفاوضات تكون السلطة مهددة بالانهيار. فالسلطة المقيدة بقيود أوسلو ليست مجرد تجسيد للهويّة والكيان وإنما تستجيب لمصالح ونفوذ أفراد وشرائح ازدادوا غنى وثروة. فالسلطة أصبحت عبئًا على الشعب الفلسطيني، ولا بد من التفكير بسياسة جديدة إزاءها إذا أردنا التقدم إلى الأمام.
يسعى كيري الطموح والمثابر إلى توظيف المتغيّرات العربيّة والإقليميّة والدوليّة لتصفية القضيّة الفلسطينيّة، وهذه المحاولة على صعوبتها، إلا أنّ لديها فرصة لا بأس بها للنجاح إذا ما تجاوبت معها إسرائيل، وأدركت حجم المكاسب الهائلة التي يمكن أن تحصل عليها إذا جارت كيري في مساعيه ولم تفضل انتظار وقت آخر، على أمل أن يصبح الوضع الفلسطيني والعربي أسوأ بكثير عمّا هو عليه الآن للعرب وأفضل لإسرائيل.
إن حلم كيري بصنع السلام وشغفه بالحصول على جائزة نوبل للسلام سيدفع ثمنه الشعب الفلسطيني، ولن يترجم بالضغط على إسرائيل، لأن قيمة إسرائيل للولايات المتحدة ترسّخت وازدادت بعد زلزال التغييرات في المنطقة العربيّة التي أظهرت أن إسرائيل هي الحليف الدائم والمضمون والمستقر للولايات المتحدة.
لا يوجد ما يسمح بالتفاؤل بأن المفاوضات الثنائيّة ستنجح في ما فشل كيري بالتوصل إليه لضمان شروط مناسبة لاستئنافها. فالمفاوضات انطلقت من دون أسس ولا مرجعيّة ولا ميزان قوى، وفي ظل الضعف والانقسام الفلسطيني وتآكل الشرعيّة الفلسطينيّة والغياب العربي واللامبالاة الدوليّة، ولا يمكن أن تقود سوى إلى إضاعة الوقت وإعطاء الشرعيّة لما تقوم به إسرائيل من فرض حقائق احتلاليّة واستيطانيّة، وأقصى ما يمكن أن تصل إليه حل تصفويّ انتقاليّ أو نهائيّ للقضيّة الفلسطينيّة.
***
ما سيزيد الطين بلة الاحتمال المتزايد باندفاع القيادة الفلسطينيّة – كما لوّحت مؤخرًا - وراء إجراء انتخابات في الضفة من دون وفاق وطني؛ من أجل إضفاء الشرعيّة المفقودة على المفاوضات، وعلى ما يمكن أن تسفر عنها من اتفاقات.
إن الانتخابات في ظل الظروف الفلسطينيّة الراهنة لن توفر الشرعيّة للقيادة الفلسطينيّة، لأنها ستُقاطَع من "حماس" والجهاد الإسلامي، وربما من فصائل وشخصيّات أخرى. و"حماس" من دون مصالحة ستمنع إجراءها في غزة، ما يعني أنها ستكرّس الانقسام وتحوّله إلى انفصال دائم. فالمطلوب إيجاد مخرج لـ"حماس" من ورطتها الكبيرة الراهنة، تساعدها على الانضواء في مظلة الوحدة الوطنية بدلًا من سلوك خيارات أخرى ستعمّ أضرارها على الجميع.
إن المجلس التشريعي المنتخب في الضفة فقط، حتى لو ضمت اللوائح نوابًا من غزة، لن يجدد شرعيّة السلطة المتآكلة، كما أن الرئيس القادم المنتخب من جزء من الضفة الغربيّة، سيصبح رئيسًا لجزء من الفلسطينيين بينما هو الآن رئيس الفلسطينيين جميعًا، لذلك نحذر من الإقدام على قفزة في المجهول بعقد انتخابات وظيفتها إضفاء الشرعيّة على مفاوضات تفتقر لأي شرعيّة.
فالانتخابات لا يمكن أن تكون خطوة إلى الأمام من دون أن تكون جزءًا من خطة وطنيّة للتحرير والعودة والوحدة وإنجاز الاستقلال الوطني، ولن تكون حرة ونزيهة ما لم تتوفر أجواء مناسبة لإجرائها، تتيح الترشيح والانتخاب بكل حريّة. أما بدعة التصويت الإلكتروني تحت الاحتلال وفي ظل رفض سلطة الأمر الواقع في غزة فما هي إلا وسيلة للتضليل لا أكثر.
إن الشرعيّة الفلسطينيّة لا تستمد في فلسطين المحتلة من صناديق الاقتراع فقط، وإنما من التمسك بالأهداف والحقوق والمصالح والكفاح من أجل تحقيقها، ومن التوافق الوطني عليها والقبول الشعبي لها.
الإعلان عن مفاوضات غامضة!
رجب ابو سرية
باستثناء تأكيد الأطراف المعنية خبر الاتفاق على استئناف المفاوضات الفلسطينية / الإسرائيلية المتوقفة منذ أكثر من أربع سنوات، لا شيء من التفاصيل معروف حتى اللحظة، لا موعد بدء المفاوضات، ولا طبيعتها أو مرجعيتها، ولا حتى مكانها، الذي يبدو أنه سيكون واشنطن، انسجاماً مع الراعي الأميركي، وان كان ذلك لا يعني بالضرورة أن تبدأ المفاوضات وتستمر في واشنطن.
التكتم على الشكل التفاوضي، وعلى معظم تفاصيل المفاوضات، له أسبابه ودوافعه، على الجانبين، ذلك أن مجرد إطلاق المفاوضات مجدداً بين الطرفين، يثير كثيراً من القوى والأحزاب السياسية، في إسرائيل وفلسطين، على حد سواء، فبمجرد الإعلان عن موافقة الطرفين على استئناف العملية التفاوضية، بدأت كثير من القوى بالإعلان عن رفضها التفاوض من حيث المبدأ، وقد شمل هذا الأمر، الشريك الثاني لليكود في كتلة الليكود _ بيتنا، نقصد أفيغدور ليبرمان، الذي قال إن تقديم التنازلات يعني انتخابات مبكرة، لذا شجع يسار الوسط المعارض الحكومة على الدخول في المفاوضات، بإعلانه نيته تعويض انسحاب ممكن أو متوقع لأي من أحزاب اليمين، وعلى الجهة المقابلة، كان الناطقون باسم حركة حماس يعلنون صراحة رفضهم إطلاق العملية التفاوضية من حيث المبدأ.
الغموض أو التحفظ على تفاصيل المفاوضات يقال إنه جاء بناء على طلب من جون كيري وزير الخارجية الأميركية، الذي كان أعلن عن الانفراجة فيما يتعلق بإطلاق العملية التفاوضية يوم الجمعة الماضي من عمان، وذلك بعد أن بذل الرجل جهوداً مضنية، من أجل التوصل إلى موافقة الجانبين على العودة مجدداً لطاولة التفاوض، شملت ست زيارات للمنطقة، منذ أن تولى مسؤوليته كوزير للخارجية الأميركية منذ نحو نصف عام.
رغم الغموض والسرية، والتي من الواضح أنها تهدف بالأساس الى احتواء ردود الفعل على الجانبين، بعد أن اعتاد كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، على حالة عدم التفاوض القائمة منذ نحو أربع سنوات، بشكل تام، إلا أن هناك أموراً تكاد تكون شبه مؤكدة، منها أن مفاوضي الطرفين سيبدأون مباحثاتهم، خلال أيام في واشنطن، حيث سيترافق مع بدء التفاوض، أجراءات حسن النية، وأهمها: إطلاق سراح نحو مئة معتقل فلسطيني من السجون الإسرائيلية، جلهم ممن تم اعتقالهم قبل توقيع أتفاق أوسلو / القاهرة، أي من المعتقلين قبل عام 1994، من ذوي المحكوميات العالية، كذلك من الواضح، أن السلطة الفلسطينية، رغم استمرار العجز في ميزانيتها إلا أن إسرائيل ستواظب على دفع فاتورة الضرائب بما يمكن السلطة من دفع رواتب الموظفين في وقتها، كذلك هناك حديث عن عملية تفاوضية مستمرة، بهدف التوصل إلى حل نهائي، تنجم عنه إقامة دولة فلسطينية، على الأراضي المحتلة عام 67، دون أن يعلن بشكل واضح عن مدى الاستجابة الإسرائيلية للشروط الفلسطينية السابقة، وهي أن تكون حدود 67 مرجع العملية التفاوضية وان يتم وقف الاستيطان، قبل بدء التفاوض.
هناك أخبار تشير إلى أن إطلاق سراح المعتقلين سيتم على مراحل، أي مع استمرار التفاوض، وليس قبل بدئها، كذلك أن نتنياهو التزم، وفق ورقة ضمانات أميركية، بوقف هادئ للاستيطان، وذلك يعني عدم طرح عطاءات لبناء استيطاني خلال فترة التفاوض التي يقال إنها ستستمر تسعة أشهر.
كذلك تشير بعض الأخبار إلى أن الفلسطينيين تلقوا من كيري رسالة ضمانات تشير إلى أن حدود 67 هي مرجعية المفاوضات، أياً يكن من أمر فإن الفلسطينيين كانوا أعلنوا جاهزيتهم للتفاوض قبل نحو عام، في أيلول من العام الماضي، بعد أن حازت فلسطين بحدودها في الرابع من حزيران عام 67، على العضوية المراقبة في الأمم المتحدة، فيما يبدو أن الصفقة تقوم عمليا على التزام إسرائيلي بوقف مناقصات البناء في المستوطنات مقابل التزام فلسطيني بعدم التوجه إلى الأمم المتحدة والانضمام إلى الهيئات الدولية.
كل ما عدا ذلك فهو كلام، خاصة ما ينسب إلى بعض وزراء الليكود أنفسهم، من مثل أن أبو مازن لا يسيطر على غزة، فالجميع يعرف أن غزة خارج دائرة الصراع منذ أن انسحبت منها إسرائيل من جانب واحد، وإن الصراع انحصر على أراضي الضفة الغربية والقدس، أما الأمر المثير فيما تسرب من معلومات عما يخص هذه العملية، المنوي إطلاقها، فهو ما نسب إلى شمعون بيريس، حين التقى أبو مازن، على هامش المنتدى الاقتصادي في البحر الميت قبل نحو شهرين، هذا اللقاء الذي فتح الباب للاتفاق على إطلاق المفاوضات، هو ما أوردته التايمز اللندنية، من أن بيريس اقنع أبو مازن ببقاء مستوطني الضفة ويهود القدس في مستوطناتهم التي ستخضع للدولة الفلسطينية، مما يعني عدم الحاجة لتفكيك المستوطنات، ولكن ذلك يطلق أكثر من سؤال، عن مكانة هؤلاء لو تم التوصل إلى اتفاق نهائي، هل سيكونون مواطنين يهود فلسطينيين، مثل المواطنين العرب في إسرائيل، أم إسرائيليين يقيمون في دولة فلسطين، وهل ذلك يعني تراجعاً فلسطينياً عن اعتبار المستوطنات أصلاً غير شرعية وغير قانونية؟!
ثم هل إطلاق المفاوضات في واشنطن وبرعاية أميركية سيعني أن تستمر إلى أن تنتهي إلى اتفاق في واشنطن وفي ظل الرعاية الأميركية، أم أن الإعلان عن الاتفاق على العودة للتفاوض من عمان يعني بأن عمان ستكون محطتها التالية، وأن للأردن سيكون دور أساسي في تنفيذ اتفاق الحل النهائي، بما يحدد سلفاً طبيعة الدولة الفلسطينية، التي لن تكون "مستقلة" تماماً، بل جزءاً فدرالياً من دولة أردنية / فلسطينية؟!
حل جون كيري الرهيب
مهند عبد الحميد
بمنتهى السهولة يمكن تقديم مواقف وبراهين ومعلومات تطعن بمصداقية ووساطة إدارة الرئيس أوباما في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. موقف الإدارة من ثورات الشعوب العربية ودعمها الصريح لاستبدال نظام مستبد بنظام مستبد وظلامي آخر هو (الإسلام السياسي) جعل أكثر المتفائلين والواهمين بالدور الأميركي يتراجع ويصطدم بجدار العراقيل التي وضعتها الإدارة أمام انتقال الشعوب العربية الى الديمقراطية. لذا فإن أسئلة كثيرة يمكن طرحها حول مبادرة جون كيري. لماذا يبادر وزير الخارجية الأميركي كممثل لإدارة أوباما ويبذل جهودا دؤوبة ومتواصلة - شبهها البعض بجولات كيسنجر المكوكية بعد حرب أكتوبر عام 1973-؟. ماذا تريد إدارة أوباما التي تشهد حالة من الانكفاء قياسا بإدارات سابقة ؟ هل تتحرك مدفوعة بخطأ حساباتها وانطفاء هيبتها وبخسارة رهانها على الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو الماضي الذي دشن الحلقة الثانية من الثورة المصرية. تلك الثورة الشعبية التي أطاحت بحكم الإخوان بدعم من القوات المسلحة خلافا للإرادة والرغبة الأميركية. وبهذا المعنى هل تحاول إدارة أوباما إعادة ترتيب أوراقها عبر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ هل تريد كسب الوقت في إدارة عملية تفاوضية بلا نتائج، او استئناف سياسة إدارة الصراع عوضا عن ايجاد الحلول له؟ أو هل في نية الإدارة فرض حل بالمعايير الإسرائيلية، فصل عنصري "أبارتهايد " بموافقة فلسطينية، حل انتقالي يؤجل قضايا القدس واللاجئين والحدود مرة أخرى، لكنه حل دائم يصبح مع الزمن والوقائع التحويلات التي تضيفها دولة الاحتلال أمرا واقعا.
ما أُسْمِيَ "بالغموض الخلاق" في سياسة جون كيري، المترافق مع ستار من كتمان المقترحات المتداولة والاقتصار على طرح المبادئ العامة، التي تصلح لكل مكان وزمان، لا يتناسب ابدا مع الوضوح القاطع لواقع الاحتلال المزمن، ويعزز الشكوك بالمبادرة الاميركية. ان تحويل قضية الاحتلال الإسرائيلي المزمن للأراضي الفلسطينية الى نزاع بين ادعاء كولونيالي اسرائيلي لا يملك اي غطاء شرعي وحق فلسطيني في التحرر والانعتاق يملك غطاء قانونيا وشرعيا. هذه الحبكة الأميركية التي عرضت في مسلسل المفاوضات لا تثير اي فضول الآن سيما وان المسلسل بدأ منذ عشرين عاما كانت خاوية من أي إنجاز أو تقدم على الأرض. وجه الغرابة هو العودة الى بداية صفرية، ما لم يثبت العكس، لا ذكر لمشروع وأفكار كلينتون عام 2000 ، ولا لمشروع اتفاق طابا 2001، ولا لخارطة الطريق 2004، ولا لمفاوضات أبو مازن - أولمرت 2008. نظريا من المفترض أن تستأنف المفاوضات من حيث توقفت. عمليا ما يتم طرحه علنا التفاوض على المبادئ كحدود 67 وقف الاستيطان والمرجعيات، هذا يعيدنا الى مفاوضات الرواق في واشنطن عام 1991 التي ناقشت المرجعيات وكشف الإسرائيليون انهم كانوا يسعون لاستمرار المفاوضات عشرة أعوام في الكاريدور! والتفاوض على المرجعيات لا حل له لو استمر 20 عاما أخرى. لان المرجعية الإسرائيلية هي النص التوراتي (أرض الميعاد وشعب الله المختار) وعلى هذه المرجعية قد تسمح الزعامة الإسرائيلية بإقامة دائمة لفلسطينيين على جزء من الأراضي. وجه الغرابة ان الوساطة الأمريكية لا تعارض ذلك وتتوافق مع الدولة المحتلة على تجاوز القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
المواقف الإسرائيلية تضع النقاط على الحروف وتفسر كل عناصر الالتباس في العملية السياسية. اليمين المتطرف ليبرمان وبينيت ولوبي الاستيطان الذي يضم 30 عضو كنيست رغم معرفتهم نوايا ومواقف وسياسات نتنياهو "فإنهم يرفضون جملة وتفصيلا المبادئ وكل شيء ويهددون بالخروج من الحكومة، في حالة تساوق نتنياهو مع ما هو معروض. لكن وكما قال شالوم يروشاليمي: نتنياهو لطالما أراد عملية، ليس بالضرورة عملية سلام بل نوع من المفاوضات التي تسمح بتخفيف الضغوط الدولية". او كما قال صحافي إسرائيلي آخر "نتنياهو سيحصل على استراحة من الضغط الدولي". أما عضو الكنيست ليكود تساحي هنغبي فأكد أن اي إشارات أميركية الى حدود 67 او تجميد الاستيطان فإن ذلك لا يلزم الحكومة الإسرائيلية بأي شيء".
حكومة نتنياهو التي رفعت وتائر التوسع الاستيطاني خلال العامين الماضيين الى أقصى مدى فاق كل التقديرات والتوقعات، وكانت حريصة على التصعيد في البناء الاستيطاني على وقع جولات جون كيري.
لا احد يشك في مناورة نتنياهو الذي كان يهمه إلصاق فشل المساعي الأميركية الجديدة بالقيادة الفلسطينية. وبعد استجابة القيادة بضغوط عربية وأميركية. فإن نتنياهو سيحاول كسب الوقت، وتفادي تطور الموقف الأوروبي من الاستيطان، وتفادي دخول فلسطين في الهيئات الدولية وما يترتب على ذلك من خلق صعوبات لإسرائيل. وفي الوقت نفسه فإن الحكومة الإسرائيلية ستتوقف عن طرح عطاءات جديدة للبناء بينما تتواصل أعمال البناء الجارية والتي قد تستغرق عامين لإتمام التوسعات، وبهذا المعنى فإن تجميد الاستيطان لا يمس استراتيجية التوسع. ويستطيع نتنياهو قلب الطاولة في اي لحظة محملا القيادة الفلسطينية مسؤولية الإخفاق. ولدى نتنياهو أوراق من نوع المطالبة بيهودية الدولة، وشطب قضية اللاجئين من التفاوض او المطالبة بحل قضية اللاجئين خارج فلسطين، او في مناطق الدولة الفلسطينية.
سياسة إسرائيلية كولونيالية من هذا النوع واحتكار أميركي للوساطة والتدخل بما يتفق مع الأطماع الإسرائيلية، سياستان غير مؤهلتين لصنع حل سياسي للقضية الفلسطينية ينهي الاحتلال ويحل قضية اللاجئين ويمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة. انهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة يرتبط بمسار آخر، بإرادة فلسطينية وعربية ودولية تمارس الضغط على دولة الاحتلال وعلى المصالح الاميركية ومصالح كل الدول الداعمة لدولة الاحتلال.
الشعب الفلسطيني يملك عناصر قوة كبيرة لكن حركته السياسية لم تتمكن من شق طريق جديد. ففي الوقت الذي ما يزال فيه الاتجاه المركزي يراهن على الحل الأميركي، فإن القوى المعارضة تكتفي بتسجيل المواقف الرافضة، ولا تسعى لحفر مجرى جديد للاستقطاب على أساس برنامج جديد، لتكون النتيجة انتظار الحل الاميركي المرفوض. في المشهد الفلسطيني يتكرر الموقفان الفاشلان موقف القبول وموقف المعارضة. الموقف البراغماتي والموقف الرفضاوي هما وجهان لعملة واحدة من حيث العجز. ويظل السؤال من يستطيع تجاوز الثنائية ؟ من يسعى ويعمل ويفكر بفتح هذا الانسداد الرهيب أمام اجيال ملّت انتظار حل لا يأتي بما في ذلك حل جون كيري الرهيب.
الرائعون المبكرون في المجيء
زياد خدّاش
منذ بضع سنوات فقط، وأنا أهجس بشعر وحياة الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ، الذي مات العام 1972 بذبحة قلبية في مصعد، بينما كان يهمّ بالصعود إلى بيته، المتوتر والعصابي والصافي عاش غريباً ومات غريباً، كتب أول قصيدة نثر ضمن ديوان (30 قصيدة) العام 1954 في العالم العربي، حورب بشدة وترأس تحرير مجلة (حوار)، التي اتهمت بتلقي الدعم من المخابرات الأميركية، ما أضفى على مصيره وشخصيته طابعاً عصابياً وتراجيدياً، تم إقصاء قصائده والسخرية منها حتى اتهم بأنه لم يكتب بيت شعر واحداً في حياته، تضامن معه جبرا إبراهيم جبرا، وسركون بولص وأحبه أحمد دحبور جدا، وتأثر به، ومضت عقود طويلة جداً قبل أن تتم إعادة اكتشافه، وإعطائه مكانته التي حرمها، كم مبدع فلسطيني قدم مبكراً إلى عالمنا ولم ُيفهم، ولم تقدر تجربته، كان توفيق صايغ رائد القادمين المبدعين الفلسطينيين المبكرين، الذين وضعهم قدر الحضور المبكر إلى أزمان بلادهم المترهلة في أتون اللافهم ومحرقة اللاحب واللامكان..
خليل السكاكيني التربوي والشاعر والمفكر الفلسطيني قادم مبكر آخر إلى بلاده. توفي في القاهرة ودفن فيها عام 1953 قادماً من القرن الـ19، وعانى الأمرين من إهمال زمنه وسخريته، وخوف الناس من حداثته وتحرره الشخصي والفكري، فرد عليهم خليل بسخرية أخرى حادة، واعتزاز وثقة بالنفس، لكنه ظل ممتلئاً بالحزن والإحساس بالأسى والعجز.
قادم مبكر آخر هو جبرا إبراهيم جبرا، الذي ظُلم أدبياً أيما ظلم في حياته، وتم إقصاؤه من عديد من المواقع والمنابر، وعوملت ترجماته ودراساته دون حماس، نتيجة انخراطه في سياقات غير محلية ذات بعد تحرري واضح، وتمت إدانته باستمرار نتيجة بعده عن دوائر النضال الفلسطيني. اعترف أميل حبيبي في حوار معه بأنه لم يقرأ رواية واحدة لجبرا لكونه برجوازيا كما كان الحزب الذي انتمى اليه اميل يحرض ضد جبرا، فيما بعد اعتذر اميل لجبرا عن خطئه الكبير وقرأ له كل ما كتب، كما قال، لم تشفع لجبرا ثقافته الجمالية العالمية وترجماته المهمة وشهادته على العصر ثقافيا. فظل غريبا عن سياق الكتابة الفلسطينية ومناخات الإبداع. أما سميرة عزام، القاصة الفلسطينية، التي سبق زمنها زمن غسان كنفاني، فتم التعامل مع قصصها من زاوية وطنية محضة، من دون محاولة استبطان عالمها وجودياً وإنسانياً وباطنياً.هؤلاء الأربعة المبكرون عاشوا حياتهم بشجاعة وانسجام، لكن ذائقة الناس المدجّنة والنمطية خذلتهم وقست عليهم، فألقت بهم خارج جمالياتها الخطابية و التقليدية..
الآن يتم اكتشاف العظماء الأربعة، يتم الحديث عن ريادية توفيق صايغ لقصيدة النثر وذكائه الحداثي الصافي، وجرأته النادرة في صنع مساره الشخصي الجمالي بعناد وثقة تستحق التقدير. أما السكاكيني فقد طبعت يومياته الضخمة في ثمانية مجلدات ضخمة، وهناك حديث مستمر عن حداثته المدهشة والمبكرة، ونضجه المشرّف في زمن التخلف الاجتماعي أيام الحكم العثماني وزمن الاستعمار، وفي النقد العربي والفلسطيني يتم الآن احترام تجربة سميرة عزام القصصية ودراسة عالمها الفني بحماسة هادئة وموضوعية و غير متشنجة، ومقارنة عالمها بعالم غسان كنفاني، مناهج فلسطين تُدرس الآن قصصها ويُعاد اكتشاف عالمها الواسع الأبعاد وإن بطرق مدرسية و عاطفية و غير نقدية وجمالية – حداثية، وهناك اهتمام بارز بترجمات جبرا ورواياته وإعادة تقييم لتجربته في الكتابة الروائية والمسرحية.
مصير مصر في الميزان..!!
حسن خضر
مصر هي الوادي. ودائماً، قد كان الوادي محاصراً بالصحراء. في وادي النيل نشأت الدولة، والحضارة، وبلور الشعب على مدار قرون طويلة هوية فريدة. أما الصحراء فكانت مصدر توّجس وقلق، طالما أن الدفاع عن الوادي يستدعي القتال على، وغالباً ما بعد، حدود الصحراء.
في الآونة الأخيرة، للمرّة الأولى، منذ عهود طويلة، تجد مصر نفسها مكشوفة، ومعرّضة لمخاطر تهب عليها من ثلاث جهات: على الحدود الغربية ليبيا، التي لم تستقر بعد، وفيها ما لا يحصى من قطع السلاح، والميليشيات، القادرة على عبور الحدود. وعلى الحدود الجنوبية السودان، الذي يحكمه نظام إسلاموي لا يريد، أو لا يسيطر على حدوده، التي يعبرها مهاجرون ومهربون وسلاح.
وعلى الحدود الشرقية إسرائيل وغزة. مصلحة الأولى بقاء الدولة المصرية ضعيفة ورهينة مشاكل داخلية لا تنتهي. ومصلحة حماس في الثانية تهريب السلاح والبضائع، عبر الأنفاق، بصرف النظر عن التداعيات المحتملة على أمن وسيادة مصر. أما الحدود الشمالية، أي البحر، فهي الحاجز المائي الطبيعي الذي يمنح الوادي ما تبقى من طمأنينة لا تتوفر، على ثلاث جبهات. هذا وضع إستراتيجي بالغ الصعوبة والتعقيد. وتزداد المضاعفات المحتملة لصعوبته، وتعقيداته، نتيجة عدم الاستقرار السياسي، والعُسر الاقتصادي، والمعارضة الإخوانية بعد الخروج من الحكم. وهذه الأشياء، كلها، تشتغل، بالمعنى الإستراتيجي، متكافلة ومتضامنة، بمعنى أن كل عنصر فيها يُسهم في تعزيز بقية العناصر، والمخاطر. الحدود المكشوفة تغذي الإرهاب. والعُسر الاقتصادي يعرقل الاستقرار، بينما تُسهم المعارضة الإخوانية في، وتعتاش على، العُسر، واللا استقرار، وكلاهما بيئة حاضنة للإرهاب.
-2-
استناداً إلى ما تقدّم يأخذنا النقاش إلى أمر أبعد، وأعقد، أي إلى الدلالة الإستراتيجية لسقوط حكم الإخوان. يذكر المصريون والعرب مؤتمر نصرة سورية، الذي نظّمه الإخوان، في إستاد القاهرة، قبل إسقاط حكمهم، بأسابيع قليلة. بدا المشهد، يومها، وكأنه في قندهار الأفغانية، وليس في القاهرة، وقد احتشد فيه على المنصة الرئيسة ممثلون لجماعات أصولية متطرفة مصرية، وغير مصرية، ورُفعت فيه رايات "القاعدة" السوداء، وقيلت فيه كلمات طائفية تحرّض على القتل، الكراهية، والعنصرية، في حضور رئيس مصر، الذي زاد عليها، وأطنب فيها. وكان من تصاريف القدر، في اليوم التالي، قتل وسحل أربعة من المواطنين المصريين في القاهرة بدعوى التشيّع.
لم يكن ما رأيناه في ذلك اليوم صورة مصر الحقيقية. والمهم، أن عدداً من المعلّقين العرب، وكان كاتب هذه السطور من بينهم (الأيام 25 حزيران 2013) أدركوا، على الفور، أن مشهداً كهذا يهدد هوية، وحاضر، ومستقبل، الدولة المصرية، بقدر ما ينتقص من سيادتها، ويطلق العنان لجماعات وميليشيات غير دولانية، من شأنها تقويض دول، وتدمير أوطان. لن يتجلى المعنى الحقيقي للانتقاص من السيادة، وتدمير أوطان، ما لم نضع في الاعتبار المضاعفات المحتملة للانكشاف على ثلاث جبهات، ومدى ما ينطوي عليه من جاذبية، في نظر أصوليات، وميليشيات، عابرة للحدود.
وهذا ما يمكن التدليل عليه، بكلام الأستاذ محمد حسنين هيكل (الذي يجب أن نصغي باهتمام لكل ما يصدر عنه) عن سماح نظام الإخوان لأعداد كبيرة من القادمين من "الجهاد" الأفغاني والباكستاني بالوصول إلى، والاستقرار في، سيناء. وإليه يُضاف ما يتواتر من كلام وتقارير عن نشاط الميليشيات "الجهادية" على جانبي الحدود مع غزة. لذلك، تتمثل الدلالة الإستراتيجية لإسقاط حكم الإخوان في الحيلولة دون تسييس، وتكريس، الانكشاف على الحدود الغربية والجنوبية والشرقية. وفي هذا إنقاذ لمصر الدولة والوطن.
-3-
لم يبدأ الانكشاف على الجبهات الثلاث مع حكم الإخوان، بل كان نتاجاً لتحوّلات محلية وإقليمية مختلفة، على رأسها ما يمكن تسميته "بالإعياء الإستراتيجي" في أواخر العهد المباركي، حيث تراجعت أهمية الجغرافيا السياسية، خلافاً لما كان عليه الحال في عهود سبقت، وهذا ما أسهم في تراجع الدورين العربي والإفريقي لمصر. في ظل هذا التراجع جاء استيلاء حماس على غزة. وفي ظل التحوّلات الثورية في قاهرة الخامس والعشرين من يناير سقط نظام العقيد، وانتشرت بقايا سلاحه في كل الأراضي الليبية. وقبل غزة وليبيا وبعدهما، لم يكن في العلاقة مع النظام الإسلاموي في الخرطوم، ما يكفي لتحقيق الطمأنينة.
والمهم أن عبور الحدود، على كل تلك الجبهات، يقود خطى العابرين، في نهاية الأمر، إلى سيناء. وهي، بقدر ما تمثل خط الدفاع الأوّل عن الوادي من جهة الشرق (الواقع أن فلسطين، تاريخياً، هي خط الدفاع الأوّل)، تمثل، أيضاً، البطن الرخو، بالمعنى الإستراتيجي العام. فمعاهدة السلام مع إسرائيل، تحد من قدرة الجيش على الحركة في سيناء، وتراجع دور الجغرافيا السياسية، ناهيك عن الإعياء، حجب عن أعين صانعي السياسة ضرورة الاستثمار بعيد المدى، بالمعنى الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والديمغرافي، في سيناء.
وقد تجلّت التداعيات المرئية، وغير المرئية، لكل ما سبق، بعد صعود الإخوان إلى سدة الحكم، وأسهم في تفاقمها أنهم لم يفعلوا ما من شأنه التدليل على إدراك تلك المخاطر، بل أسهموا (سواء مباشرة أم مداورة، بالمقامرة، أو المؤامرة) في تسييسها، وتكريسها. وفي هذا المعنى يندرج كلام أحد الناطقين باسمهم، في ميدان رابعة، عن توقف الهجمات الإرهابية في سيناء بعد عودة الرئيس المخلوع إلى الحكم بثانية واحدة. بهذا المعنى، أيضاً، يتجلى انحياز الجيش إلى الشعب، باعتباره دفاعاً عن مصر الدولة والوطن. فمنْ يطيق الانكشاف على ثلاث جبهات، وغض النظر عن احتمال المقامرة، أو المؤامرة، إذا كان مصير مصر في الميزان؟.
مقالات جريدة الحياة
تغريدة الصباح - الجزء المتاح من الوطن
احمد دحبور
حين حطت قدماي على ارض غزة لأول مرة، وكان ذلك عام 1994 اصبت بما يشبه الدوار السعيد، مذهولا من حقيقة وطء تراب فلسطين، أنا الخارج من حيفا مع اهلي، ولم يكن لي من العمر إلا سنتان بالضبط، لا أقل ولا أكثر، وفيما رحت أسرح نظري في البحر الشاسع، سألت نفسي: اذا كانت هذه فلسطين، وهي كذلك بالتأكيد، فهل اعتبر نفسي عائدا اليها؟ واذا كانت غزة جزءا حميما من فلسطين، وهي كذلك ايضا وأيضا، فأين فلسطين الموعودة بحيفاها وكرملها ويافاها وناصرتها ومختلف اراضي جليلها؟ وكان لزاما على روحي المضطربة ان تهدهد أسئلتي المتلعثمة، فأقول حسناً، ليست هذه بلادنا كلها، ولكنها على الأقل هي الجزء المتاح لنا من الوطن.
ما ان اهتديت الى هذا المصطلح حتى جعلت استخدمه في كتاباتي على الطالعة والنازلة، وأذكر ان احدى الاذاعات لم يعجبها كلامي، فكان حواري معها اقصر حوار في تاريخ اذاعات الدنيا، ولم يتعد الامر ان ذكرت هذا الاصطلاح فقال لي المذيع: تشرفنا وأنهى الحديث فورا، اما انا فالواقع انه لم يكن ليخطر لي ان «الجزء المتاح لنا من الوطن» هو تعبير متطرف الى هذا الحد، ولكن تم فهمه على ذلك النحو فان تكون غزة والضفة مجرد جزء متاح، هو امر يعني انني أحلم بما هو اكثر من ذلك، فماذا عن الجليل والمثلث والنقب؟ أي ان اعتبار ما جلبته اوسلو مجرد جزء متاح يعني انني اضمر حق العودة الى مختلف انحاء فلسطين. ومع ذلك سرعان ما شاع هذا الاصطلاح بين العائدين الجدد من الفلسطينيين، حتى ليجوز ان يوجد من لا يصدق انني صاحب ذلك الاصطلاح.
لم يقف الامر معي عند ذلك الحد، فقد عشت وتنفست هواء الوطن، وطفت في ارجائه ما امكنني الطواف، حتى وصلت الى الحقيقة المرة، وهي ان تعبير «الجزء المتاح من الوطن» لا يفي بالغرض تماما، وما زالت تعوزه الدقة، والاصح ان اقول اعترافا بالامر الواقع على رأسي: انه الجزء المتاح لي من الوطن تقريبا؟
ذلك ان كلمة المتاح توحي بأن هذا القليل الذي حصلت عليه قد اصبح لي، وانني حر التصرف سفرا وتجوالا في هذه الرقعة من الارض، ولكن هل هذه الحقيقة الملموسة؟ انني لا استطيع الانتقال من غزة الى الضفة، والعكس إلا بموجب تصريح توافق عليه سلطات الاحتلال، ولهذه السلطات ان تأخذ وقتها حتى تقرر ان تعطيني التصريح او تحجبه عني، فهي لا تعمل في الاعياد الدينية اليهودية، وهي جاهزة للعطلة مع كل مناسبة ترتئيها، ويرحم الله أيامي في سورية عندما كنت أسافر من درعا الى القامشلي من غير تصريح، فتلك بلاد ذات سيادة، ومن حق ابنائها والقاطنين فيها شرعيا ان يجولوا ويدوروا كما يريدون، اما هنا في هذا الجزء الذي حسبته متاحا لي من ارض بلادي، فالحركة بحساب، والتنقل بحساب وما ادري وما لا ادري بحساب محسوب ايضا.
لا اريد بهذا الكلام ان انتقص، لا سمح الله، من اهمية وجودي على بعض من ارض بلادي، فهذا الجزء ما كان ليتحقق لولا ثلاثون سنة من الكفاح المسلح، وانتفاضة شعبية مزلزلة أذهلت العالمين ببواطن الامور، على ان هذا الثمن الباهظ الذي دفعه شعبي عن طيب خاطر، لا يمكن ان يعني نهاية القصة، فنحن ما زلنا في البدايات، وعلينا ان نتوقع الكثير من التفاصيل والمعطيات المعقدة، تماما كما ان علينا ألا نكتفي بما حدث، فليست فلسطين سوق اخذ وعطاء بل هي حق مستدام تتناقله الاجيال فيكون الجيل الجديد اكثر عنادا في طلب الحق، وما ضاع حق وراءه مطالب.
ولهذه المناسبة، فانني اذكر - وكيف انسى - ما سمعته من ياسر عرفات شخصيا قبل بضع سنوات من اوسلو: سنظل على هذه الطريق حتى ختام الرحلة، ولكن اذا احتاجت الطريق الى من يتهمه المزايدون بالخيانة، فأنا على استعداد لان أكون ذلك الخائن!
شهد الله انني سمعت هذا الكلام من صاحبه شخصيا، وكان علي ان أصرف سنوات من عمري في هذه التجربة لأدرك معناها العميق، فالقائد قد يحتاج الى تكتيكات معقدة يصعب فهمها في بعض الحالات والظروف، والرهان على النتيجة، والنتيجة تقول اننا وان ضحينا وعانينا وتشردنا نظل على العهد، وما الجزء المتاح - او غير المتاح تماما - لنا من الوطن، إلا محطة على الطريق، ونحن على الطريق يحدونا الأمل وتغبطنا الآمال الكبيرة.
ثورة فوق النيل (5)
فؤاد أبو حجلة
للنيل مزاجه المتقلب، ومن يعرف طبع النيل يلمح مزاجه في لون الماء الذي يتغير كلما تغير المزاج السياسي في البلاد.
كان النهر صافيا في نهار الثلاثين من يونيو، وكذلك السماء التي فردت مظلتها البيضاء فوق المدينة.
في الليل ظل النهر صافيا ولم يتعكر ماؤه بمسيلات الدموع وتراب الأرض التي اشتعلت بالغضب.
كأن المدينة كلها.. برها ونهرها وناسها وشجرها وشوارعها وجسورها كانت تحتفل في ذلك المساء بولادة جديدة للبلاد الحاضرة في نبض المكان والزمان العربيين. وقد لمعت بالفرح عيون الشهداء في صورهم المرسومة على الجدران وأسوار الحدائق عندما صدر البيان الأول. في الأيام اللاحقة كان المصريون يبحثون عن حياتهم وينفضون عن قلوبهم وعيونهم عتمة ورعب الكابوس الذي حاصرهم بربيعه المغشوش أربعة فصول عجفاء.
رغم العنف والاحتقان المعبأ في ميادين الاعتصام في «النهضة» و«رابعة العدوية» ورغم تهديد منصات الخارجين من التاريخ والجغرافيا بالويل والثبور وعظائم الأمور تستعيد الحياة حياتها في القاهرة، ويذهب الناس الى الوظيفة والى السوق والى المقهى، يقرأون القرآن في البيوت وفي المساجد، ويقيمون مآدب الافطار العائلي، ويدخنون الشيشة في المقاهي وعلى شرفات البيوت، ويسهرون الليل حتى آخره في رمضان.
ويظل ماء النهر صافيا، وتظل السماء بيضاء وحنونة، وتصير مساءات القاهرة ندية وطرية، وكأنه ربيع حقيقي وليس تموز الحارق، وكأن الهواء في المدينة ينسم من رئات من تنفسوا الصعداء ومن تنهدن بخشوع في وداع الراحلين ممن أعطوا حياتهم للتغيير. تحقق التغيير في مصر وخرج الظلاميون من حكم البلاد بلا رجعة قريبة ولا رجعة بعيدة، وعادت مصر الى مصرها.. عربية الروح والمعنى. هذه ليست طهران، وأهلها الذين خرجوا الى الميادين ليهتفوا ضد أميركا لم تحركهم وكالة الاستخبارات الأميركية، والرئيس المعزول ليس مصدق وشاه مصر السابق مبارك ليس بهلوي ولن يعود.
إنه حاضر مصر التي قررت الا تعود الى الوراء.
الوفاء للشهداء,, وعبدلكي
موفق مطر
- ليس عن الأكل والشرب وحده يصوم الانسان ... فمن لا تصوم نفسه عن الأذى والكراهية والأحقاد والنميمة والكذب على الناس لن ينفعه صيام الدهر عن الطعام .
- الصيام انجع اختبار لتهذيب الشهوة، فهذه الرغبة الطبيعية اذا تمكنت من قيادة الانسان جلبت له المشاكل مصائب من حيث لا يحتسب .
- رمضان شهر تدبر واقتصاد وانشراح نفوس ونشاط، جعلته الأمة شهر اسراف وسهماً أحمر في بورصة العمل، وغفوات على طاولات المكاتب.
* عبدلكي
- هو أعظم من فنان وأرقى من رسام .. يوسف عبدلكي انت رسول ابداع تبشر بالحرية يخشى الدكتاتور خيالك فلك الحرية
- ينقص الثورة السورية زعيم يقود الجماهير على الأرض ..هكذا هي طبيعة هذه الأمة !.
- بين الحين والآخر تظهر «انشاءات» جديدة للاستبداد بعباءات مطرزة بمصطلحات دينية تكمل ما عجزت عنه الدكتاتوريات الدموية.
* انسانية
- الوفاء للشهداء لا يعني زيادة عدد اقرانهم في مراقدهم الطاهرة وإنما تحقيق الحرية والكرامة والعدالة والسلام لأحبتهم الأحياء .
- نرقى الى الانسانية عندما يكف القوي والضعيف الظالم والمظلوم القاتل والضحية عن تقديس سفك دماء ابناء آدم واعتباره بطولة.
- سيرقى ابناء آدم البشريون الى عرش الانسانية عندما يزيلون من ساحات بلادهم ومن كتبهم وحكاياتهم وتراثهم رموز ورسوم وتماثيل السيف والبندقية وحاملهما كمثال للبطولة .. فسفك الدماء ليس هو الحل !.
* صداقة
- صديقك حبيبك لا يشتري بك ولا يبيعك ....
- صديقك جوهرة حقيقية نادرة لامعة في مجتمع نعلم سلفا ان معظم أحجاره ليست كريمة.
-الصديق شخص منحتنا اياه الطبيعة صدفة، لأننا نستحقه ويستحقنا .. فما بيني وبين صديقي عهد ليس مكتوبا ولا شفهيا .. كالعهد بين الغابات والمطر ...فهو القانون الطبيعي الناظم لعلاقة الانسان بالانسان.
- صديق كجوهرة مصقولة تعكس لك وجوه الدنيا، افضل من مليون قطعة معدن تصدأ مع اول ساعة يتعكر فيها مزاج المناخ !.
* لؤم
_ أحزن على اللؤماء الغدارين ...فهم يظنون انهم سيفوزون بهذا الطبع بمتاع الحياة - من لا يكسب عدالة ضميره يخسر الناس ومتعة المحبة.
- لا يؤلمني جرح الذي يواجهني بحقده وكراهيته ... انما طعنة الذي اسكنته فسحة من صدر محبتي فهذه اعمق واشد ايلاما ونزفها شديد !!! .
- الكذاب شخص يقتل نفسه .. هذا القانون في مجتمع الأمة العاقلة .. أما الأمة الجاهلة فان كلمة من كذاب تفتنها وتجعل حياتها جحيما ...
*الكاميرا الخفية
- لو كنت قاضيا لأصدرت قرارا بمنع برامج الكاميرا الخفية ..فأصحابها يحققون لأنفسهم الشهرة وللمحطات التلفزيونية زيادة في الحسابات البنكية على حساب فزع الضحايا وانزلاقهم الى حافة القبر ... انه الاعتداء المؤلم على الخصوصية الذي ينتهي بقبلات وأخذ الضحية بالأحضان !!
شباب ضد اليأس!
د.صبري صيدم
يكفي أن تقطع نصف متر بعد سور منزلك الشائك أو تفكر في تقليم حديقتك الخلفية أو حتى اصلاح خزان الماء حتى تجد نفسك معتقلاً باعتبارك معتدياً على حقوق حفنة من المستوطنين المعتدين.
هكذا هي الحياة بالنسبة لمجموعة من أهلنا المرابطين في تل الرميدة في الخليل ممن يعيشون حرب السنتيمترات من الأمل في مواجهة أميال من الطغيان يؤازرهم مجموعة من الشباب الذين يستحقون بجدارة أن تحمل مجموعتهم اسم شباب ضد اليأس.
هؤلاء الشباب يتدافعون في محبتهم للبلدة القديمة وشارع الشهداء وجنبات مدينة الخليل ومحافظتها وأهلها الذين يحاول الاحتلال أن يدفعهم نحو اليأس فيقطع الماء عنهم وشرايين الحياة ويضيق مساحة أملهم قناعة منه بأن عشرات من مستوطنيه سيهزمون مئات الآلاف من ابناء إبراهيم وسارة وجمعٍ مقاتل من هذا البلد.
حرب العقيدة المزعومة التي يقودها المستوطنون في تل الرميدة والبلدة القديمة وحتى هضاب ومسافر يطا وبني النعيم واراضي الظاهرية والسموع لا يمكن ان ترتبط بسيرة الأنبياء لأن هؤلاء ليسوا رسلاً للشر والاستفراد والاستحواذ على حياة البشر.
لذلك جاء الشباب ومعهم عيسى واكرم وتامر وجواد ومحمد وكل اسمائنا الفلسطينية ليوظفوا فطنتهم في مواجهة الاستيطان ليس فقط بالشعار والاعتصام والمواجهة وإنما أيضاً بالموسيقى والرسم والفن والتمثيل والمسرح والإبداع وحتى الاستدامة البيئية.
هذا الشباب هو مصنع الأمل وطارد اليأس وصاحب الإرادة الأكبر في الحياة بجدهم وكدهم وفعلهم الواضح في ترميم البيوت القديمة والمهجورة وحشد المتضامنين الأجانب والتفكير الدائم بسلسلة من الفعاليات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
هؤلاء الشباب ليسوا مجموعة من المتسولين والمتزلفين وإنما مجموعة من المعطائين الغيارى ممن وظفوا طاقتهم لحماية الخليل من جبروت الاحتلال وهم أيضاً من يستوحون الإصرار من نجاحاتهم الميدانية وإن تخلى عنهم صناع القرار في بعض الأحيان أو تقاعسوا في أداء واجباتهم تجاههم.
هنا فلسطين.. هذا هو الشعار الذي يستوقفك عند آخر المنازل المتاخمة للأراضي والعقارات التي سطا عليها المستوطنون في تل الرميدة وهذه بالفعل هي فلسطين.. ساحة وفيرة من البؤس والظلم لكنها منصة مشرفة للعزيمة والصبر والإصرار وفوقهم جميعاً الأمل الذي يخلق في كل يوم مزيداً من أبناء "شباب ضد الاستيطان" و "شباب ضد اليأس"!
لعبة الاستغماية الفلسطينية الاسرائيلية
عادل عبد الرحمن
استطاع جون كيري، وزير الخارجية الاميركية في جولته السادسة فتح ثغرة في جدار الاستعصاء الاسرائيلي، ما سمح له الادلاء بتصريح لوسائل الاعلام من العاصمة الاردنية، ووحده دون وجود ممثل لأي طرف، بموافقة الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي على العودة للمفاوضات.
غير ان شعور كيري بالرضى عن الذات سابق لأوانه، لأن الآلية، التي اعتمدها لدفع الطرفين الى طاولة المفاوضات لا ترتكز على قاعدة صلبة، حيث تقوم رؤيته على حق كل طرف على رفض محددات الطرف الآخر، على سبيل المثال، من حق إسرائيل ان ترفض العودة الى حدود الرابع من حزيران 1967، وبالتالي التمسك بخيار الاستيطان الاستعماري، ورفض تقسيم القدس، ورفض عودة اللاجئين الى ديارهم، التي طردوا منها في العام 1948؛ كما من حق الفلسطينيين رفض الشرط الإسرائيلي باعترافهم بـ"يهودية" الدولة، وأي موقف إسرائيلي يتناقض واهداف الشعب الفلسطيني وقرارات الشرعية الدولية. أضف الى ان المرجعية للمفاوضات مازالت ملتبسة وغامضة، ومن يدعي عكس ذلك، يكون يضحك على نفسه، قبل ان يضحك على الآخرين؛ وأيضا غياب قوة الدفع الحقيقية لالزام دولة التطهير العرقي الاسرائيلية باستحقاقات التسوية السياسية. الامر الذي يشير بشكل واضح، الى ان التفاؤل بتحقيق تقدم حقيقي خلال زمن الستة او التسعة اشهر ليس سوى وهم وسراب.
بالتأكيد كل طرف الفلسطيني والاسرائيلي بحاجة الى مجاراة الراعي الاميركي انطلاقا من خلفياته وضوابطه الخاصة والعامة. فالطرف الفلسطيني باتت لديه قناعة ان وزير الخارجية الاميركي والرئيس اوباما والادارة عموما جادون في رؤية هدف الدولتين على حدود 67 قد تحقق، انطلاقا من حرصهم على مصالح إسرائيل والمصالح الحيوية الاميركية اولا ولاطفاء فتيل القضية الفلسطينية المتفجر ثانيا، ولارضاء اصدقائها في المنطقة ثالثا. كما ان القيادة الفلسطينية طالما حصلت على استعداد أميركي بالزام إسرائيل بالاقرار بالدولتين على حدود 67 بما يتضمنه ذلك من تجميد الاستيطان، وعودة القدس الشرقية والانسحاب من الاغوار كلها، وعلى الاستعداد الاسرائيلي بالافراج عن قدماء الاسرى ومعهم 250 إضافيا، وفي ذات الوقت، تريد القيادة الفلسطينية من إظهار المرونة السياسية، التأكيد مجددا للغرب عموما واميركا خصوصا، انها ليست ضد مبدأ العودة للمفاوضات وفق روزنامة زمنية محددة، لانها تدرك بان حكومة نتنياهو لن تلتزم باستحقاقات التسوية، لانها غير مؤهلة لذلك، ولادراكها (القيادة) ان إسرائيل ستتابع خيار الاستيطان والمصادرة والتهويد والترانسفير إن ذهبت للمفاوضات وان لم تذهب، وبالتالي بمرونتها السياسية تنزع مرة أخرى امام العالم آخر قناع زائف عن وجه القيادة الصهيونية القبيح، وهكذا تستفيد من الوقت المحدد بستة اشهر لتدوير الزوايا بحيث تتضح معالم التطورات الجارية في المنطقة، وايضا تهيئ الذات الوطنية لتنفيذ برنامج وطني مختلف يستند الى الانجازات التي تحققت في الامم المتحدة في نهاية نوفمبر 2012 بالارتقاء لمكانة دولة، وتعمل على طي صفحة الانقلاب الحمساوي، واعادة الاعتبار للوحدة الوطنية.
وفي السياق، حكومة اقصى اليمين الاسرائيلي بزعامة نتنياهو، وافقت على الصيغة الاميركية المطروحة لاعتبارات تكتيكية، اولا الخطة الاميركية، لا تلزمها بشيء، لا بوقف الاستيطان، ومواصلة ضم وتهويد القدس، ولا بالالتزام بخيار الدولنين على حدود الرابع من حزيران 67، ولا بعودة اللاجئين لديارهم التي طردوا منها عام 1948، ولا بالانسحاب من الاغوار. وثانيا تواصل ضم وتهويد الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 وخاصة القدس؛ وثالثا تقطع الطريق على اية توجهات دولية بعزلها واستخدام سلاح المقاطعة لها ولمستعمراتها من خلال الايحاء انها (إسرائيل) مع المفاوضات على حل الدولتين.
النتيجة المنطقية للاختراق الاميركي في المسار الفلسطيني الاسرائيلي، اختراق شكلي، ومن السابق لاوانه الحديث عن اختراق حقيقي للاستعصاء الاسرائيلي. مع ذلك التوجهات الفلسطينية الرسمية، هي توجهات صحيحة، وتخدم المشروع الوطني بابعاده التكتيكية والاستراتيجية. وهذا لا يتعارض مع الرفض من قبل العديد من القوى السياسية الفلسطينية، بل ان الموقفين يتكاملان ويرفدان بعضهما البعض بالقوة. لكن موقف قيادة الانقلاب الحمساوية التحريضي، فإنه يهدف للتغطية على إفلاس مشروع الإخوان عموما والانقلاب خصوصا، وناتج عن عمق الأزمة، التي تعيشها حركة حماس في اعقاب ثورة الـ 30 من يونيو المصرية.


رد مع اقتباس