في الانتفاضة الثالثة ..هل تتكرر اخطاء انتفاضة الاقصى؟

بقلم: علاء الدين الأعرجي * عن القدس العربي

عن الانتفاضات الجديدة والمقاومات القديمة

بقلم: حسّان القالش * عن الحياة اللندنية

حقيقة الشعب الفلسطيني

بقلم: عطاء الله مهاجراني عن الشرق الأوسط

إسرائيل تخنق عباس

بقلم: محمد حسين المومني عن الغد الأردنية

أي طريق ستختارها "حماس"؟

بقلم: خيرالله خيرالله عن المستقبل البيروتية

فرحة «وفاء الأحرار».. استفتاء على المصالحة

بقلم: علي الطعيمات عن الوطن القطرية

في الانتفاضة الثالثة ..هل تتكرر اخطاء انتفاضة الاقصى؟

بقلم: علاء الدين الأعرجي * عن القدس العربي

بعد مرور اسبوعين فقط على اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية في 28 ايلول/سبتمبر، عام 2000، دعاني الإعلامي الأستاذ أحمد العيسوي، إلى لقاء انفراديّ، في برنامجه 'العرب والسياسة'، في قناة التلفزيون العربي في نيويورك، استمر لفترة ساعة. ومن أهم الأسئلة التي طرحها سؤال يتعلق برأيي في تطور الانتفاضة إلى مقاومة مسلحة، لاسيما بعد سقوط عشرات من الشهداء الفلسطينيين صرعى برصاص الجيش الاسرائيلي. وفيما يلي أنقل فحوى إجابتي بكل اختصار: أن تحول الانتفاضة من مقاومة شعبية غير مسلحة، تعتمد على زخم الضغط الجماهيري اليومي، واطفال الحجارة الذين يواجهون الدبابات باجسامهم الفتية؛ اقول تحولها من مقاومة جماهيرية سلمية تطالب بحقوقها المشروعة والثابتة بالشرعية الدولية، ولاسيما قرارات الأمم المتحدة، إلخ، تحولها الى مقاومة مسلحة، سيؤدي الى تقديم أعظم خدمة لاسرائيل، في اطلاق يدها لقمعها، بجميع الوسائل العسكرية الجبارة التي تمتلكها، وذلك باعتبارها عملاً ارهابياً يستهدف وجود اسرائيل وكيانها.

وحدث ما كنت أتوقع بالضبط؛ إذ تحولت انتفاضة الأقصى من كونها حركة شعبية تلقائية حظيت بتأييد ودعم معظم دول العالم وشعوبه، إلى حركة مسلحة تهدف إلى القضاء على إسرائيل، كما ادعت الحكومة الإسرائلية، في عدة مناسبات. مما أدى إلى إطلاق يد إسرائيل في القضاء عليها بقساوة وباستعمال آلتها العسكرية الضاربة، بما فيها طائراتF16 والطائرات العمودية أباتشي والمدافع الثقيلة والدبابات. وعمدت إلى هدم مئات البيوت وتجريف عشرات الأراضي الزراعية. وعلى صعيد الضحايا البشرية، أسفرت الانتفاضة، حتى عام 2008 عن 6598 شهيداً و 48322 جريحاً. فضلا عن أنها لم تحقق أية اهداف محددة، بل على العكس من ذلك كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل 'إن شارون حقق كل اهدافه، من خلالها'. وشرح قائلا:

'كل رئيس وزارة في إسرائيل يستطيع أن يحقق ما يشاء إذا ضمن أربعة عوامل وهي موجودة كلها بالكامل عند شارون،1) قوة يستطيع أن ينفذ بها ودون حياء ودون خشية ما يطلبه المشروع الإسرائيلي،2) شارع أو رأي عام (عالمي) يؤيد ما يصنعه قائد أو رئيس الوزارة ويستطيع أن يفرضه ويستطيع أن يمر به من خلال الموقف الإقليمي(أي صمت عربي) ومن خلال الموقف الدولي،(أي المساند او الساكت) 3) تأييد من المؤسسة العسكرية(يقصد في إسرائيل) يكون واضحا تماما في إنه يرى الأهداف السياسية ويلتزم بها، 4)الحاجة الرابعة، وهي أهمهم كلهم، تأييد الولايات المتحدة لما يفعل. ' ويستنتج قائلا:

'ان القضية الفلسطينية اصبحت بقايا قضية بقايا صراع وان شارون نجح في خطته الى اقصى حد، هو جاء وهدفه هو بالضبط ازالة ما بقي من القضية الفلسطينية وازالة ما بقي من القضية الاساسية، واضاف فلم تبق إلا جيوب. ما هو قادم مجرد بقايا، نبقي عليها لكي نبكي على أطلال فترة فاتت' (مع هيكل، الجزيرة، الحلقة الثامنة، 26/8/2004).

طبعا، لم يتوقع هيكل ولا أي احد آخر انطلاق الربيع العربي بكل هذا الزخم الشعبي. لذلك أرجو أن لا نكون متفائلين كثيراً حين نتأمل ان تسير القضية الفلسطينية في طريق جديد، نظراً للتحولات الكبيرة والمبشرة التي ماتزال جارية في الوطن العربي، التي من المتوقع أن تؤدي إلى تغيير مجرى التاريخ، (إذا لم تحصل فيها انتكاسات خطيرة) وذلك ليس في المنطقة العربية فحسب بل على الصعيد الإقليمي، وعلى صعيد العلاقات بين العرب وبقية بلدان العالم ولاسيما أمريكا، وبينهم وبين إسرائيل، بوجه خاص.

ونظراً لأن الشعب العربي الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة، سيتأثر بهذه التحولات الإيجابية، فيبادر إلى المشاركة في هذا الربيع العربي، فيشمر عن سواعده لاستعادة حقوقه المغتصبة من جانب إسرائيل، وربما من جانب السلطة الفلسطينية، التي كانت ملتزمة بحماية إسرائيل، ولكنها نجحت إلى حد ما في تحسين صورتها تجاه الشعب الفلسطيني، حين تقدمت بمشروع الدولة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة. أقول نظراً لجميع هذه الأسباب وغيرها، من المتوقع جداً، اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة. لاسيما إذا استعملت أمريكا حق الرفض (الفيتو) متحدية الرأي العام الدولي، المتمثل في أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجمعية العامة. فتبدأ الانتفاضة السلمية احتجاجاً على موقف أمريكا هذا وتأييدها المطلق لإسرائيل،على حساب الحق العربي الثابت في قرارات الأمم المتحدة ومنها القرار 181 لعام 1947، الذي منح الفلسطينيين حق إنشاء دولتهم المستقلة. وقد بدأت فعلاً محاولة البدء بانتفاضة ثالثة منذ 15 ايار/مايو 2011، ذكرى النكبة الفلسطينية، وقد لاقت الدعوة استجابة 350 ألف مشترك على الفيس بوك.

لذلك أحذر مجددا كما حذرت قبل أحد عشر عاما، وأقولها اليوم إنه إذا حدثت انتفاضة فلسطينية ثالثة، فأرجو أن لا تقع بنفس الأخطاء التي وقعت فيها انتفاضة الأقصى. أي أؤكد على ان تظل الانتفاضة معتمدة على زخمها الشعبي فقط، وتحتفظ بسلميتها المعلنة بكل دقة، وذلك للأسباب التالية:

1- قطع الطريق على اسرائيل في استخدام القوة المفرطة او الذخيرة الحية لقمع التظاهرات السلمية. وفي حالة استخدامها، كما حدث في بداية الانتفاضة السابقة، سيؤدي ذلك الى الاضرار بموقف اسرائيل وزيادة عزلتها، أو خسارتها على الصعيد السياسي العالمي. وسوف تضطر لوقف المواجهة العنيفة اخيراً بسبب الضغط الدولي. وفي اسوأ الاحوال سيكون هناك ضحايا، ولكن في حالة المقاومة السلمية لن يمكن تبرير ذلك، بالسهولة التي يوفرها لها قيام مقاومة مسلحة. فحين كانت المقاومة غير مسلحة في المراحل الأولى من الانتفاضة الثانية، حاول إيهود باراك، أن يبرر موقفه باستعمال الذخيرة الحية، بالحجة التقليدية: الدفاع عن النفس، فألقمته صحافية غربية حجراً، قائلة: 'لا أصدق هذه الحجة، والواقع يشهد على العكس تماماً، لأن هناك عشرات القتلى من الشباب والاطفال من الجانب الفلسطيني الأعزل، دون وجود أية اصابات خطرة لدى الجانب الاسرائيلي، علما انكم تمثلون السلطة المحتلة الخاضعة لاتفاقات جنيف لحماية المدنيين'.

2 - سيكون وقع سقوط الضحايا، دون أن يحملوا أي سلاح، اكثر ألف مرة من سقوطهم وهم يحملون السلاح، او يسقطون في عمليات استشهادية، قد يقتل فيها الابرياء في نظر المجتمع العالمي. وقد قلنا بأن الضحايا سيسقطون، بكل أسف وألم، في جميع الأحوال، وقد سقطوا بالالوف بالفعل في الانتقاضة الثانية، كما أسلفنا، ولكن في حالة المقاومة السلمية سيكون عدد الضحايا أقل نسبيا. كما لن تتمكن اية جهة، مهما كانت موتورة، من اتهام الشعب الفلسطيني الاعزل أو لومه. وسنربح الرأي العام العالمي، وخاصة الاوروبي، وبالطبع العربي والاسلامي، ومن باب أولى. ولن تجرؤ أمريكا على المضي في تأييد اسرائيل، لدى قمعها تلك التظاهرات السلمية بالقوة المسلحة. ولا يمكنها ان تتهم هذه المقاومة الشعبية غير المسلحة بالإرهاب.

3- إن المقاومة الفلسطينية المسلحة ستعجز عن مقاومة عدو مدجج بالسلاح الحديث، وبأحدث وسائل الاستخبارات المتقدمة. وهذا ما حدث فعلاً في الانتفاضة الثانية، حين قامت اسرائيل بتصفية مئات من الناشطين في حركات المقاومة المسلحة (حماس والجهاد و فتح وغيرها)، من خلال تتبع حركاتهم وسكناتهم، في بيوتهم ومقار اجتماعاتهم، او خلال تحركاتهم، وتصفيتهم في المكان والزمان المناسبين بدقة متناهية.

4- الانظمة العربية اليوم تختلف عما كانت عليه في الانتفاضة السابقة حين كانت صامتة ومستحية. وهي على صنفين: الصنف الأول الذي ما يزال صامداً في دست الحكم، يحاول تهدئة شعبه بتقديم تنازلات مؤلمة وعطاءات سخية وإصلاحات سطحية، ويحاول كسب الوقت قدر الإمكان، هذا الصنف سوف يسارع إلى تأييد الانتفاضة السلمية لكسب رضا شعبه وتحسين مركزه؛ والصنف الثاني حيث نجحت الثورة وتغيرت الأنظمة، سوف لن يتردد في تأييد الانتفاضة وربما دعمها بمختلف الوسائل الممكنة.

5- في حالة مواصلة الانتفاضة غير المسلحة، ستزداد الضغوط على اسرائيل لوقف عملياتها وفك الحصار الخانق الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، ولن تصل بها الجرأة إلى حد تدمير المساكن وجرف المزارع، والبنى التحتية، كما حدث فعلاً في الاتفاضة الثانية، ولن تجد عذراً لاستخدام الدبابات ومروحيات الاباتشي، ناهيك عن طائرات أف 16.

6- في حالة استخدام إسرائيل القوة في قمع الانتفاضة السلمية، أتوقع أن تنطلق مظاهرات عارمة في مختلف البلدان العربية، تأييدا لحق الشعب الفلسطيني. وسوف لن تتجرأ الحكومات العربية على وقفها، لأنها ستتعرض لغضب الجماهير الغاضبة أصلاً، في حين تسعى لكسب ودها.

7- ولعل الأهم من كل ذلك ان القضية الفلسطينية ستربح الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي، ولاسيما الاوروبي، بما فيه الروسي والفرنسي وربما البريطاني، ولا أظن أن الولايات المتحدة، ستجرؤُ على استخدام حق النقض (الفيتو)، لمنع ارسال هيئة تحقيق ومراقبة من الأمم المتحدة لرصد الاوضاع الجارية في الاراضي المحتلة، تنفيذاً لاتفاقات جنيف في معاملة الشعوب الخاضعة للاحتلال.

8- نعم، حققت المقاومة المسلحة والعمليات الفدائية بعض النتائج المهمة، ولكن الموازنة المتأنية بين الارباح والخسائر قد تشير الى أن الخسائر في جانب القضية الفلسطينية، اكثر بكثير منها في جانب اسرائيل. نعم، كلفت المقاومة المسلحة اسرائيل ثمناً باهظاً ولكنها كلفت الفلسطينيين وستكلفهم ثمناً أكبر بكثير. فالبنية التحتية الفلسطينية لا يمكن ان تعوض بالسهولة نفسها التي ستتمكن فيها اسرائيل من استعادة عافيتها، لان امريكا وراء اسرائيل دائماً، والجدار العازل ما كان لاسرائيل ان تحققه، بدعم من امريكا والاتحاد الاوروبي، لولا حجة الدفاع عن مواطنيها المدنيين من هجمات المقاومة الفلسطينية. لذلك تجرأت على إهمال الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأنه، ولم يتحرك الرأي العام الدولي لردعها. فعندما نحسب الارباح والخسائر ينبغي أن نأخذ في الاعتبار الخسائر المتحققة على الصعيد السياسي، في المقام الاول.

-11 نحن غالباً ما ننسى او نتناسى بعض القواعد الفقهية التي تقول إن للضرورات احكاماً، وان الضرورات تبيح المحظورات، فضلاً عن المثل المعروف بأن لكل مقام مقالاً . إن وقف العمليات الاستشهادية والمقاومة المسلحة لا يعني وقف الانتفاضة، بل تحولها إلى حركة شعبية سلمية لا يمكن أن تتهم بالارهاب. لقد ارتكب العرب اخطاء فاحشة ابتداء من منتصف القرن الماضي، وفقدوا فرصاً كبيرة منذ قرار التقسيم، وتورطوا في حروب فاشلة، بسبب جهلهم الشنيع بقواعد اللعبة، وعدم تقديرهم الموقف الدولي، بين امور اخرى. وكل ذلك كان ولا يزال يرتبط بتخلفهم الحضاري، كما يقول المفكر قسطنطين زريق. فنأمل أن لا يحالفهم الفشل هذه المرة في انقاذ ما يمكن انقاذه، فالعاقل لا يلدغ من جحر مرتين. وارجو ان لا ينطبق عليهم المثل القائل: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، او قول الشاعر: لا يدرك الاعداء من جاهل ما يدرك الجاهل من نفسه.

* كاتب عراقي مقيم في نيويورك

عن الانتفاضات الجديدة والمقاومات القديمة

بقلم: حسّان القالش * عن الحياة اللندنية

هي ليست «صفقة للتاريخ»، مع الأسف، تلك التي تتبادل فيها اسرائيل وحركة حماس مخطوفاً اسرائيليّاً بألف أسير فلسطيني، إضافة إلى 27 أسيرة. ذلك أن ابتهاج حماس وحلفائها السياسيين بالحادثة، يعود إلى جذور الابتهاج النضالي القديم، الرومانسي والانقلابي والجهادي، ذاك الذي لا يبالي بتهديم الحياة وإلغائها مقابل وخزة دبّوس نضاليّة أو جهاديّة، تلسع العدو ولا تجرحه، بل غالباً ما يستثمرها لتظهير نفسه كضحيّة أمام الرأي العام العالمي.

وتحضر في الكلمة الابتهاجية لخالد مشعل، لحظة الاعلان عن تفاصيل صفقة التبادل، دلالات الارتباط بهذا الجذر القديم. فلئن أعلن أن عمليّة أسر الجندي الاسرائيلي، المسمّاة بالوهم المتبدّد، هي انتصار للمقاومة. وأن ما يعقبها اليوم من اتفاق التبادل، بعد تاريخ مغرق في الدماء، هو انتصار أيضاً، وتاريخي. فقد اعترف بأنه قد كلّف الكثير، وبعض هذا الكثير هو 500 شهيد فلسطيني (فقط في الأسابيع الأولى التي أعقبت عملية الأسر)، إضافة إلى حصار خانق لغزّة دام خمس سنوات ولا يزال. والقائمة طويلة بالطبع.

وتشهد روايات شباب «الفايسبوك» في غزّة، على مجتمعهم المخنوق، وآرائهم في المقاومة وتجربتها السياسية، على حال الحياة هناك، في فلسطين.

والواقع أن هذه الصفقة، بتفاصيلها، وشكل الاعلان عنها، تضع مجتمعات المشرق والعرب عموماً، اليوم بالتحديد، أمام إشكالية المقاومة: طرائق تفكيرها وأكلاف حركتها سواء في الميدان، بمواجهة العدو، أو في المجتمع، بمواجهة فاعليّته وتغيّراته. فاليوم، نحن أمام حركات مقاومة بلون واحد، لا تشمل مكوّنات المجتمع جميعها، توحي بحيازتها التفويض الكامل من تلك المكوّنات، فتشعل جبهة المواجهة مع العدو وقتما وكيفما تشاء، وتسوس المجتمع وتحكمه بقوانينها ووفق ايديولوجيّتها وسياستها.

إنها حركات تحرّر خارجي، عموميّ ومزاجيّ، وحركات هيمنة داخليّة، مثابرة وقاسية وإقصائيّة.

بيد أن حركات المقاومة هذه، ومعها القضيّة الفلسطينيّة، هي عرضة لرياح التغيير والتجديد التي يفرضها الربيع العربي، الموصوف عمليّاً، بالمقاومة أيضاً. ذاك أن في انتـــفاضات المجتمعات العــــربية روحاً مقاومة، أصليّة وأصـــيلة، تلقائيّة وعفويّة وبريئة، واقعيّة وغير يوتوبيّة. بكلمات أخرى، غير محمولة على برامج سياسية وحزبية ودينيّة. فعلى حركات المـــقاومة هذه أن تستطلع مشروعيتها، وتجدّد خطابها وتفكيرها، بالاحتكام إلى معايير الربيع العربي.

وهذا أمر فيه من الجرأة والمغامرة الشيء الكثير. على أن فلسطين، من جهة أخرى، تبدو أحوج الى الربيع العربي، الذي يشكل لها الفرصة التاريخيّة للتحرّر من جميع من تسلّقوا على ظهر قضيتها وتاجروا بها، من أبناء وأشقّاء. فلسطين، اليوم، لم تعد بحاجة إلى من يمسك بــيدها ويـقطع بها إلى برّ أمانه.

* صحافي وكاتب سوري

حقيقة الشعب الفلسطيني

بقلم: عطاء الله مهاجراني عن الشرق الأوسط

بينما كنت أقرأ الصحيفة الفلسطينية التي تدعى «القدس» في يوم الأربعاء الموافق 19 أكتوبر (تشرين الأول)، وجدت قصة شديدة الإثارة. وفي بعض الأوقات تكون القصة أكثر أهمية وفاعلية من التاريخ نفسه. لقد كانت قصة عن الحياة والحب بين سجينين فلسطينيين: نزار وأحلام.

وفي هذه الأيام، تلقي وسائل الإعلام العالمية الكثير من الضوء على وجه جلعاد شاليط، وفيما يصرون على جذب الانتباه إلى السنوات الخمس التي قضاها في السجن في غزة، لم يتمكنوا من ذكر نائل البرغوثي الذي مكث أربعة وثلاثين عاما في أحد السجون الإسرائيلية. علاوة على عوض زياد عوض الذي ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه عندما كان عمره لا يزال ستة عشر عاما (في عام 1993) ومكث في السجن لمدة سبعة عشر عاما. وكذلك هناك جهاد جميل محمود، الذي ألقي القبض عليه عام 1988، عندما كان يبلغ ثمانية عشر ربيعا. وبعد ذلك تم سجنه لمدة اثنين وعشرين عاما. وإذا ما راجعنا قائمة السجناء الفلسطينيين لوجدنا العديد من الأمثلة المماثلة لشباب قامت القوات الإسرائيلية بإلقاء القبض عليهم وقضوا سنوات عدة في السجون الإسرائيلية. لكن لسوء الحظ، نسيهم العالم! إلا أنني أود أن أسلط الضوء على سجينين فلسطينيين تم إطلاق سراحهما مؤخرا. وهذه هي رواية جريدة «القدس» حول هذه الواقعة:

«تستعد عائلة التميمي في قرية النبي صالح بالضفة الغربية لاستقبال ابنها نزار الذي كان محكوما بالسجن مدى الحياة لدى إسرائيل، وهو من حركة فتح، فيما أوفدت قسما آخر منها إلى الأردن لاستقبال خطيبته أحلام التميمي التي كانت محكومة بالسجن 16 مؤبدا وتنتمي إلى حماس».

ونزار (38 عاما) وأحلام (31 عاما) هما ضمن قائمة المعتقلين الفلسطينيين الذين أطلقت إسرائيل سراحهم مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، ونزار ينتمي إلى فتح وحكم عليه بالسجن مدى الحياة بسبب مشاركته في عملية قتل مستوطن إسرائيلي في بداية التسعينات.

وعايش محمود التميمي شقيق نزار تفاصيل العلاقة بين نزار وأحلام لكونه أمضى أربع سنوات داخل السجون الإسرائيلية والتقى مع شقيقه نزار. وسبق أن التقى أحلام في الأردن قبل أن يتم اعتقاله.

وقال محمود: «قصة نزار ابن فتح وأحلام ابنة حركة حماس هي تعبير عن حقيقة الشعب الفلسطيني المتوحد، والانقسام القائم هو الحالة الشاذة».

علاوة على ذلك وفي رام الله يوم الثلاثاء الموافق 18 أكتوبر ألقى كل من محمود عباس، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وحسن يوسف من حركة حماس خطابات في تعبير عن الوحدة نادرا ما يحدث.

ومن الواضح أن إسرائيل هي أكثر المنتفعين من أي نزاع أو خلاف يحدث بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. ودائما ما يركز السياسيون الإسرائيليون على هذا الخلاف. كما لم تضيع إسرائيل أي فرصة لإثارة النزاع بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. على سبيل المثال، كانت إسرائيل غير راضية تماما على مبادرة محمود عباس بالذهاب إلى الأمم المتحدة، وذلك أثناء سعيه للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967.

وهذا يتضمن الضفة الغربية، التي تشتمل على شرق القدس، وقطاع غزة. وعندما ذكر بعض زعماء حماس مثل خالد مشعل أن مبادرة أبو مازن لم تكن نتيجة لتشاور مستفيض مع جميع الفلسطينيين، كان هذا يعني أن حماس تعارض هذه المبادرة. وكان هذا شيئا يدعو إلى التأمل، كذلك فهو وسيلة للدعاية ضد أبو مازن ومنظمة التحرير الفلسطينية. ورغم ذلك يبدو أننا سنشهد الآن عهدا جديدا في المشهد الفلسطيني.

ونزار وأحلام رمزان في هذا الفصل الجديد في تاريخ فلسطين، بينما تعد خطابات أبو مازن ويوسف هي الرموز الرسمية في هذا الفصل.

كذلك فإن الإنجاز الثاني، والرئيسي، الذي نجم عن عملية إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين شديد الأهمية. أعني أننا أصبحنا نواجه نوعين من المفاوضات. النوع الأول هو المفاوضات الدائمة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وهي مفاوضات من أجل أن يكون هناك مفاوضات وحسب، كما قيل من قبل فإن التحدث والتحدث هو أكثر الاستراتيجيات الإسرائيلية شهرة.

ودعوني أذكر المطلب الأخير للجنة الرباعية وهو عقد مفاوضات مباشرة، وهذا يعني أنه في هذا الوقت لا يرغب الفلسطينيون في أن يكونوا ورقة في يد إسرائيل. وما من معنى لموافقة إسرائيل على خارطة طريق للسلام تضعها اللجنة الرباعية إذا لم يوقف بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، جميع عمليات بناء المستوطنات واعترف بحدود 1967، كما ذكر مسؤول فلسطيني يوم الأحد.

وقال مكتب نتنياهو في بيان له: «إن إسرائيل ترحب بدعوة اللجنة الرباعية لعقد مفاوضات مباشرة بين الأطراف دون أي شروط مسبقة»، وأضاف البيان أن إسرائيل لديها بعض المخاوف بشأن خطة اللجنة الرباعية التي ستثيرها أثناء المفاوضات.

وأضاف البيان: «كما تدعو إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى القيام بالشيء نفسه والدخول في مفاوضات مباشرة دون تأخير». وعلى الرغم من ذلك، ذكر نبيل أبو ردينه، الناطق الرسمي باسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حديثه مع وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، يوم الأحد، أنه يتعين على إسرائيل وقف بناء المستوطنات والاعتراف بحدود 1967 لاستئناف المحادثات.

وقال أبو ردينه: «إن استكمال المفاوضات يتطلب التزام إسرائيل بوقف بناء المستوطنات والعودة إلى حدود 1967 دون أي مراوغة أو محاولة لتجنب القرارات الدولية».

وأضاف: «إذا كانت إسرائيل جادة، فعليها أن تلتزم دون أي تحفظات بالقرارات الدولية التي نصت عليها خارطة الطريق، والتي تمثل قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية».

وذكر أيضا في تعليقه على إعلان إسرائيل، أن صائب عريقات، المسؤول الفلسطيني، ذكر في تصريح له لوكالة الأنباء الفرنسية أن بيان نتنياهو كان «محاولة لخداع المجتمع الدولي. وأنه إذا كان يوافق على بيان اللجنة الرباعية فعليه أن يعلن وقف بناء المستوطنات، بما في ذلك النمو الطبيعي، والموافقة على مبادئ حدود 1967 لأن هذا ما تضمنه بيان اللجنة الرباعية بوضوح».

هل تعلمون الجانب الخفي في استراتيجية إسرائيل؟ عندما قالوا إن لديهم بعض المخاوف، كان هذا بمثابة قنبلة تدمر كل شيء، فماذا كانت نتيجة مؤتمر أنابوليس؟!

ومن جانب آخر، فقد شهدنا المفاوضات بين حماس وإسرائيل. فمن ناحية كان حماس لديها شاليط ومن الناحية الأخرى كان لدى إسرائيل السجناء الفلسطينيون. وكان هناك بندان شديدا الوضوح من أجل عقد مفاوضات. وهذا يعني أنه دون وجود قوة، لن يكون هناك أي مفاوضات. حيث تعد دولة فلسطين شبه المستقلة في الضفة الغربية وغزة من إنجازات الانتفاضة، كما يعد إطلاق سراح 1027 أسيرا فلسطينيا من إنجازات أسر شاليط. وهذا هو الحديث الذي تفهمه إسرائيل. لكننا يجب ألا ننسى السجناء الآخرين، خاصة هؤلاء الذين أمضوا أكثر من عقدين في السجون الإسرائيلية. فهم رموز الوحدة والقوة. كما يعد نزار وأحلام رموز فلسطين الآن.

وإذا كان الفلسطينيون يرغبون حقا في الحصول على الاستقلال وبناء دولة حقيقية، إذن فهم بحاجة إلى الوحدة والقوة. وهذه هي الرسالة المتضمنة في إطلاق سراح السجناء.

إسرائيل تخنق عباس

بقلم: محمد حسين المومني عن الغد الأردنية

من ارتدادات إصرار السلطة الفلسطينية على المضي قدما بتقديم طلب العضوية الكاملة لفلسطين في الامم المتحدة، ما يتعرض له الرئيس الفلسطيني من عزل سياسي من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وتعرضه لمحاولات انتقاص سياسي مكررة. الرئيس الفلسطيني عبّر عن تلك السلوكيات بأنها "خنق" سياسي له في إشارة للدرجة الصعبة التي وصلت إليها.

استهداف الرئيس الفلسطيني لا يبدو بالضرورة عملا ممنهجا أو قرارا استراتيجيا على غرار ما حدث مع الراحل عرفات، ولكن ليس من الواضح أيضا الى أي مدى يدرك نتنياهو والولايات المتحدة النهايات التي قد يؤول إليها ذلك العزل والاستهداف الذي يتعرض له الرئيس الفلسطيني، فالمراقب لا يشعر أن هنالك وعيا لدى الاطراف المؤثرة والممعنة في استهداف عباس أنه ما يزال الشريك الفلسطيني الافضل والاكثر صدقية وقبولا ضمن المعايير الدولية وحتى الاسرائيلية.

بل ونشعر أحيانا أن هناك تخبطا وانعدام بصيرة استراتيجية في الظن بإمكانية إضعاف عباس من خلال حماس وتشجيعها على تحديه من خلال التعاطي معها كطرف وند يحرر من أجله الأسرى. حماس لا يمكن أن تكون بديلا لعباس ضمن معايير الصراع القائمة التي ما تزال تعتبر حماس حركة إرهابية، بل ويمكن القول أن محاولات نتنياهو تقوية حماس بشكل غير مباشر بغية إضعاف عباس قد صبت بالنهاية في صالح الاخير الذي بدأ يكتسب تعاطف رأيه العام بسبب نديته مع إسرائيل بالاضافة للإدراك التام للعبة نتنياهو المكشوفة.

ما يجب أن يدركه العالم وإسرائيل أن لا زعيم فلسطينيا سيقوى على الاستمرار بدون عملية سياسية مقنعة لرأيه العام وأفق لنهاية الصراع، لأنه سيصبح من وجهة نظر شعبه مطية للغرب، عاجزا عن إنجاز شيء. هذا الكلام ينطبق على فتح والمنظمة التي فاوضت وقبلت بمنهج التسوية السياسية، فما بالك بحماس التي تعتقد بعكس ذلك.

في مواجهة هذه الضغوط، الرئيس الفلسطيني معني أولا باستثمارها وطنيا، فمن شأن ذلك أن يزيد شعبيته ويعطيه مساحة أكبر في الحركة والتأثير، وهو أيضا معني بنقل معركته السياسية التي بدأت في الامم المتحدة الى ميادين أخرى قد يكون منها الانفتاح على المعارضة الاسرائيلية ومخاطبة الاسرائيليين باللغة التي يفهمونها، كالتأكيد على خطأ مقابلة انسحاب إسرائيل من غزة بصواريخ، قال عباس لشعبه إنها عبثية. ويمكنه أيضا أن يركز على أن سيناريو انتفاضة الـ 2000 لن يتكرر، ويركز على أذيته للشعب الفلسطيني.

في الاثناء، لا بد من ترسيخ وتصليب مشروع المصالحة الفلسطينية واستغلال الاجواء الإيجابية السائدة بعيد إطلاق سراح الاسرى. مخطئة إسرائيل إن هي ظنت أنها تستطيع إضعاف عباس عن طريق تقوية حماس، فهذا سيكون له مردود عكسي، وواهمة إن ظنت أن أي زعيم فلسطيني سيستطيع أن يقود شعبه عن طريق تنفيذ ما تريده إسرائيل. يجب أن تكون هناك عملية سياسية ذات أفق تقنع الفلسطينيين وتحترم ذكاءهم الجمعي، أما أن يبقى نتنياهو يطالب بمفاوضات ويدعو لها وهو لا يحترمها ولا يريدها عمليا وميدانيا فهذا هو العبث السياسي بحد ذاته.

أي طريق ستختارها "حماس"؟

بقلم: خيرالله خيرالله عن المستقبل البيروتية

كيف ستوظّف حركة "حماس" الانتصار الذي تعتقد انها حققته عن طريق النجاح في إطلاق ما يزيد على ألف أسير فلسطيني في مقابل موافققتها على الافراج عن الجندي الاسرائيلي جلعاد شليط؟

في استطاعة الحركة توظيف ما تعتبره انتصارا، وهو في الواقع انتصار على اهل غزة، كلّف القطاع اكثر من الف واربعمئة قتيل وآلاف الجرحى فضلا عن تدمير ربع البنية التحتية في دعم المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولكن في استطاعتها ايضا استغلال ما تسمّيه انتصارا لإحكام سيطرتها على غزة وإبقاء القطاع اسير عقل يهمه تغيير المجتمع الفلسطيني وليس التخلص من الاحتلال.

ما الذي ستختاره "حماس" التي استغلّت حاجة الحكومة الاسرائيلية برئاسة بنيامين نتانياهو الى انتصار على السلطة الوطنية الفلسطينية كي تعقد صفقة تؤدي الى إطلاق شليط؟

ما لا يمكن تجاهله في هذا السياق ان الجندي الاسرائيلي خطف في حزيران من العام 2006، اي في مرحلة بدأت فيها "حماس" تشعر بأنها تمتلك ما يكفي من القوّة والامكانات المالية لتنفيذ انقلابها على الشرعية الفلسطينية في منتصف السنة 2007.

من الواضح ان "حماس" اضطرت الى عقد صفقة مع اسرائيل بعدما فشلت فشلا ذريعا في ادارة غزة من جهة وتقديم مشروع بديل من البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية من جهة اخرى. انه المشروع الوحيد المقبول من المجتمع الدولي والذي يمكن على اساسه العودة الى المفاوضات يوما في حال التزمت اسرائيل خطوط العام 1967 مرجعية لهذه المفاوضات.

استطاعت "حماس" عقد الصفقة لأسباب موضوعية عدة في مقدمها حاجتها الى علاقات جيدة مع القوى المهيمنة على النظام الجديد في مصر. في مقدم هذه القوى المؤسسة العسكرية والامنية وحركة الاخوان المسلمين التي تريد تقديم صورة مختلفة عنها الى العالم. ترتكز هذه الصورة على ان الاخوان حركة معتدلة على استعداد لاحترام كل الاتفاقات التي عقدتها مصر مع الخارج، بما في ذلك معاهدة السلام مع اسرائيل الموقعة في العام 1979.

ليست مصر وحدها التي لعبت دورا في إقناع "حماس" بالصفقة. كان هناك دور تركي. تريد تركيا بكل بساطة تقديم صورة جديدة كلّيا عن الاخوان المسلمين الى العالم. تريد توجيه رسالة فحواها ان الخوف من وصول الاخوان الى السلطة في هذا البلد العربي او ذاك لا يعني في اي شكل انتصارا للتطرف. على العكس من ذلك، ان صفقة شليط بداية استيعاب من "حماس" لوجود واقع ليس في استطاعتها تجاوزه، تماما مثلما استوعبت في الماضي القريب ان الصواريخ التي تطلق من غزة لن تحرر فلسطين. كانت تلك الصواريخ هدية من السماء للحكومات الاسرائيلية المتتالية التي اعتمدت عليها للقول ان لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. ظلت اسرائيل تتحمل الصواريخ الى ان جاء يوم اعتبرت فيه انه لم يعد من فائدة تذكر منها، فاجبرت "حماس" على تغيير رأيها جذريا. بقدرة قادر صارت الصواريخ مضرّة وصار اطلاقها "خيانة" وطنية بعدما كانت في الامس القريب سلاحا رادعا!

في الاسابيع القليلة المقبلة، سنرى هل في استطاعة "حماس" التفكير بشكل مختلف مؤكدة انها خرجت اخيرا من المحور الايراني- السوري وانها لم تعد قاعدة متقدمة للنظام الايراني على حدود مصر. سيتوجب على "حماس" ان تثبت انها حليفة مصر الجديدة، مصر ما بعد حسني مبارك، التي لا تريد بدورها حروبا اخرى مع اسرائيل... وتركيا- رجب طيب اردوغان التي تعتقد ان في الامكان تسويق الاخوان المسلمين في العالم من جهة وانها قادرة على ضمان قيام انظمة اسلامية معتدلة في المنطقة من جهة اخرى.

اي طريق ستختاره "حماس"؟ الاكيد انها لن تكون قادرة على الاستمرار في حكم غزة من دون مصر ومن دون دعم تركي. فصفقة شليط التي كانت قادرة على التوصل اليها منذ اليوم الاوّل لخطف الجندي الاسرائيلي كشفت ان الحركة أفلست سياسيا وان كل ما تستطيع عمله هو حكم غزة بالحديد والنار في انتظار انفجار كبير يوما. فالغزاويون، على الرغم من كل ما اظهروه من خنوع امام ميليشيات الحركة الاسلامية، لا يمكن ان يصبروا الى ما لا نهاية على الظلم. هناك حركات في اوساط الشباب الفلسطيني تعرف ان الاحتلال زال عن غزة صيف العام 2005 وان الهدف الحقيقي لحكومة نتانياهو الامساك بجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية وان كل ما عدا ذلك شعارات فارغة لا اكثر.

ستتمكن "حماس" من دون شك من تغطية صفقة شليط عن طريق كلام كبير عن انتصارات لم يعرف العالم مثيلا لها. ولكن، ليس بين السياسيين الفلسطينيين من يجهل ان الانتصارات الوحيدة التي حققتها "حماس" كانت انتصارات على الشعب الفلسطيني في غزة. هذا الشعب الذي يتعرّض منذ اليوم الذي خطف فيه شليط لحصار جائر حوّله الى شعب بائس. ولكن ماذا بعد الكلام عن الانتصارات؟ هل سيوجد من يقول ان لا بديل من البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، اي من المشروع الوطني الفلسطيني؟ هل سيوجد من يقول ان المطلوب التخلص من الاحتلال وليس مساعدة اسرائيل في تكريسه؟

هذه هي الاسئلة الكبيرة التي ستطرح نفسها قريبا. انها اسئلة تتجاوز "حماس" وتعني كلّ من ساعد في التوصل الى صفقة شليط الذي كلّف غزة ولا يزال يكلفها البؤس والتخلف ولا شيء غيرهما للاسف الشديد.

فرحة «وفاء الأحرار».. استفتاء على المصالحة

بقلم: علي الطعيمات عن الوطن القطرية



مشهد العناق بين رايات حماس وفتح من جديد في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورؤية رئيس السلطة في رام الله محمود عباس والى جانبه قيادات «حماس» في الضفة حسن يوسف وعزيز دويك، وفي قلب المقاطعة، في يوم « وفاء الاحرار» سيبقى مشعا ومنارة في الذاكرة الفلسطينية والعربية، يوم شهد تحرير مئات الاسرى الفلسطينيين من ذوي الاحكام العالية الذين خرجوا من خلف قضبان الاحتلال رافعي الرؤوس عاليا، رغما عن الارادة الاسرائيلية التي كانت تريد لهم قضاء كل حياتهم بلا حرية.

والاحتفالات الشعبية التي شهدتها المدن الفلسطينية وضمت جميع اطياف الشعب الفلسطيني اثبتت ان روح الوحدة الوطنية الفلسطينية ليست شيئا شكليا فقط وإنما هي قيمة اصيلة، ورسالة لمن يهمه الامر بإتمام المصالحة والتسريع في تطبيق ما اتفق عليه، لاستكمال الفرحة التي عمت أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة.

ان ما شهدته الضفة الغربية وقطاع غزة من احتفالات ومسيرات بمشاركة كافة اطياف الشعب الفلسطيني، والعناق بين رايات الفصائل الفلسطينية كافة وبخاصة حماس وفتح اللتين تمثلان جناحي الشعب في القطاعين غزة والضفة، يمثل استفتاء شعبيا تلقائيا على حتمية المصالحة والاسراع في التوجه نحوها لتحقيق الرغبة والارادة الشعبية العارمة، واستثمار هذه المناسبة الوطنية التاريخية بالتوجه الفوري نحو إتمام المصالحة وتجاوز كل العقبات لتفويت الفرصة على الانتهازيين الذين يحاولون التشكيك في هذا الانجاز غير المسبوق والذي اثبت اكثر من حقيقة، وأولاها ان الوحدة الوطنية الفلسطينية تمثل القاعدة الاساسية لقهر العدو الذي قاتل طوال اربع سنوات من المفاوضات غير المباشرة حتى لا يرى هذا المشهد التاريخي، واثبتت الصفقة ان هذا العدو لايفهم غير لغة القوة ولا يرضخ او يستمع لغيرها.

ان ما شهدته مدن الضفة الغربية وقطاع غزة من فرحة عارمة، دافع اضافي للقيادات الفلسطينية في القطاعين الضفة وغزة الى سرعة التحرك في اتمام المصالحة، تحقيقا للرغبة الشعبية التي تجسدت في هذه الروح الوطنية العالية، والتي اثبتت ان الانتماء للوطن هو الاساس ولا شيء يعلو على هذا الانتماء، ولا شيء يمكن ان يعلا على المصلحة الوطنية العليا، فالجميع في خندق واحد امام العدو لاسترداد الحرية والاستقلال.

وهذا اليوم التاريخي الذي يعتبر فاصلا بين زمنين ومرحلتين في التاريخ الفلسطيني، بل وفي تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وفي مسيرة المقاومة الفلسطينية التي حققت نصرا عظيما بهذه الصفقة الأنموذج والذي تجسد في رؤية القائد الحمساوي المطلوب رقم واحد للعدو الاسرائيلي وهو يقوم بعملية المبادلة، اضافة الى وجود كوكبة من مجاهدي المقاومة وهم يضعون « عصبة حماس» وبكامل اسلحتهم خلال عملية المبادلة في « اعتراف» صهيوني اجباري بالمقاومة، يستدعي من قيادة السلطة ومنظمة التحرير إعادة قراءة إدارة الصراع بمشاركة كافة قوى واطياف الشعب الفلسطيني لاستعادة الحقوق وتحرير الاسرى، والاقتناع بأن المفاوضات مع العدو مع هذا الشرخ الكبير بين جناحي الشعب الفلسطيني سيبقى عامل قوة للعدو الاسرائيلي وعامل ضعف خطير في الجانب الفلسطيني وانه لا خيار الا بالوحدة الوطنية الفلسطينية الامر الذي يستدعي سرعة إتمام المصالحة الفلسطينية وتشابك الايدي والقوى الفلسطينية لاستعادة الجبهة الفلسطينية قوتها من جديد لتحقيق المزيد من الانجازات ولتحقيق صفقات أخرى على شاكلة «وفاء الاحرار» التي اثبتت ان العدو الاسرائيلي لايخضع لغير القوة، ولا يستمع إلا للقوي، وقوة الشعب الفلسطيني بمقاومته وبوحدته الوطنية.

والتساؤل الذي يطرح بإلحاح في هذا المشهد التاريخي، اذا كان الاسرائيليون يطلقون سراح المقاومين ممن قتلوا مستوطنين وجنودا اسرائيليين، صحيح انهم ارغموا على ذلك وللمرة الاولى في تاريخ عقيدتهم العنصرية، فما الذي يمنع السلطة في رام الله من تحرير المعتقلين من المقاومين في سجونها للمشاركة في جانب من هذه الفرحة التاريخية التي عمت الضفة والقطاع، وما الذي يمنع رئيس السلطة من التوجه الى قطاع غزة لانهاء القطيعة واعادة الوصل وإتمام المصالحة.