أقلام وآراء
(473)
والآن، قليلاً من الواقعية
بقلم: شلومو افنيري عن هآرتس
هل تهجر الولايات المتحدة الصراع؟
بقلم: ابراهام بن تسفي
نفقد برلين
بقلم: آفي بريمور* عن معاريف
وداعاً لتري
بقلم: أبيرما غولان عن هآرتس
38 سنة منذ الحرب: لغز حُل
بقلم: حاييم شاين عن اسرائيل اليوم
كيف نواجه التهديد الايراني؟
بقلم: أسرة التحرير عن اسرائيل اليوم
يهودي احمق ما
بقلم: ايتان هابر عن يديعوت أحرونوت
عداوة اردوغان
بقلم: شاؤول كمحي ود. ايلي كرمون عن هآرتس
والآن، قليلاً من الواقعية
بقلم: شلومو افنيري عن هآرتس
كرر ابو مازن بخطبته في الجمعية العامة للأمم المتحدة خطأ فلسطينيا راتبا: فالزعيم الفلسطيني لا يجب أن يقنع أمم العالم بل الإسرائيليين. فالدولة الفلسطينية ستنشأ فقط اذا أقنع الفلسطينيون الإسرائيليين بأنهم مستعدون حقا للعيش بسلام واعتراف متبادل معهم. وقد نجح الرئيس أنور السادات بفعل هذا في خطبته التاريخية في الكنيست التي حولته في طرفة عين من عدو لدود قاس إلى أكثر الشخصيات شعبية في إسرائيل. وأبو مازن فضلا عن انه لم يتحدث إلى الإسرائيليين فان كلامه العدائي الذي ذكّر بياسر عرفات (الذي مجده) ومن غير صدفة، عمّق شكوك الإسرائيليين في أهداف الفلسطينيين. ويحسن ألا نُكثر الكلام على خطبة بنيامين نتنياهو.
إن اعلان الرباعية الذي يدعو إلى تجديد المحادثات بلا شروط مسبقة هو انجاز سياسي لإسرائيل، لأنه يرفض التوجه الفلسطيني الذي أفشل بإقامته شروطاً سابقة (وقف البناء في المستوطنات والتزام إسرائيل بحدود 1967)، أفشل مجرد تجديد التفاوض. وخطت حكومة إسرائيل خطوة صحيحة حينما باركت القرار ورفض الفلسطينيين إياه يعرضهم بصفة رافضي التفاوض.
هذا مهم لكنه غير جوهري. فحتى لو عاد الطرفان إلى التفاوض فانه يصعب تخمين أن يستطيعا التوصل إلى اتفاق لأنه واضح مبلغ التباعد بين مواقف الطرفين. اذا كانت حكومة اولمرت ـ لفني لم تتوصل إلى اتفاق مع أبو مازن بعد سنتين تقريبا من المباحثات الجدية المسؤولة فواضح انه لا ينبغي أن نتوقع اتفاقا مع حكومة نتنياهو. وقد حُطم ايضا الوهم الشائع أن المفتاح في يد الولايات المتحدة منذ دخل براك أوباما البيت الابيض لأنه اذا كان رئيس أمريكي لا ينجح مدة سنتين حتى في جلب الطرفين إلى مائدة التفاوض فكيف سينجح في التقريب بين وجهات النظر في شأن الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين والترتيبات الامنية؟.
حتى من يعتقد مثلي أن مشروع الاستيطان خطأ سياسي واخلاقي يجب أن يكون ساذجا جدا اذا اعتقد ان حكومة ديمقراطية تقدر بسهولة على اجلاء مئات آلاف المستوطنين، وعلى أن يتخلى الفلسطينيون عن حق العودة، وعلى أن يكون شعار مثل «القدس عاصمة الدولتين» قادرا على مجابهة شتى المشاكل المصاحبة لمكانة المدينة، أو أن يقبل الفلسطينيون ـ الذين لا يعتقدون أن اليهود أمة ـ دولة إسرائيل باعتبارها دولة الشعب اليهودي.
ينبغي تغيير الاتجاه وأن ندرك انه لا يوجد الآن احتمال لتسوية دائمة وأنه بقي مخرج واحد فقط كما في قبرص وكوسوفو والبوسنة، مع عدم وجود احتمال واقعي لتفاوض في تسوية نهائية دائمة، ينبغي بذل الجهود السياسية في ترتيبات بديلة ـ اتفاقات بينية، وخطوات تبني الثقة واجراءات من طرف واحد (لكن متفق عليها) واستمرار التعاون العملي على الارض. وهذا في اللغة السياسية انتقال عن تجربة فاشلة إلى احراز حل عام، والى مسارات جزئية لادارة الصراع في حين يكون الهدف النهائي «دولتان للشعبين»، هو الأفق السياسي الذي يوافق عليه الطرفان مبدئيا لكنهما عالمان بالصعاب المقرونة باحرازه الآن.
ستكون هذه الاجراءات الجزئية خيبة أمل لجميع الأطراف: للفلسطينيين الذين يطمحون وبحق إلى دولة وللإسرائيليين ايضا الذين يعتقدون ان من المناسب أن يعترف الفلسطينيون آخر الامر بأن هناك مكانا لحق الشعب اليهودي في سيادة واستقلال. لكن محاولة خفض قوة الصراع والتوصل إلى اتفاقات عملية جزئية ممكن ايضا مع معطيات حكومة يمين في إسرائيل وعدم وجود سلطة فلسطينية شرعية فعالة، في ضوء الانقسام بين السلطة وحكم حماس في قطاع غزة.
إن الكلام الناعم عن اتفاق نهائي في غضون سنة أو سنتين ليس بديلا عن سياسة واقعية تأخذ في حسابها الواقع الصعب على الارض. ان غير المضلل بأوهام مثالية ليس لها مستمسك في الواقع فقط هو القادر وحده على أن يدفع إلى الأمام بقضايا الإسرائيليين والفلسطينيين معا ومساعدتهم على الخروج رويدا رويدا مع مرور الوقت من المواجهة الصعبة. أما الخطبتان في الأمم المتحدة فأشارتا فقط إلى عمق الفروق بين الطرفين.
قي
هل تهجر الولايات المتحدة الصراع؟
بقلم: ابراهام بن تسفي
ثبت خلال العقود الستة الأخيرة انه من بين جميع الوسيطات المختلفة (والغريبة أحياناً أيضاً) في الصراع الإسرائيلي العربي نجحت واحدة فقط ـ في ظروف وشروط ما ـ في المساعدة على التقدم في مسيرة التسوية ألا وهي الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال صاغ وزير الخارجية هنري كيسنجر مخطط الاتفاق البيني في سيناء الذي وقع في 1975 بين إسرائيل ومصر. وبعد ذلك بثلاث سنين في 1978، أسهم الرئيس كارتر في تسوية الخلافات بين بيغن والسادات ومهد الطريق لاتفاق السلام التاريخي.
على خلفية هذا الاسهام الأمريكي التراثي الذي كان أحد جوانبه الرئيسة منح حوافز اقتصادية سخية للطرفين، يبرز قرار أوباما على الانفصال، حتى تشرين الثاني 2012 على الأقل، عن المجال الإسرائيلي ـ الفلسطيني في كل ما يتعلق بطرح مبادرات سياسية جديدة وقيادة التفاوض.
ان أمريكا أوباما التي سارعت قبل اشهر معدودة إلى التخلي عن صولجان قيادة العمليات العسكرية على القذافي في ليبيا، مستعدة الآن لنقل القيادة في الجبهة الفلسطينية ايضا إلى أطر أوسع كالرباعية. ان ساعة الرمل الانتخابية التي تجذب أوباما إلى ساحة البيت والى احتياطيات الاصوات المذبذبة أُضيفت الآن إلى استراتيجية العمل المتعدد الأطراف التي أخذ بها منذ البدء في سياقات دولية اخرى. وحقيقة أن الولايات المتحدة دخلت موسم الانتخابات توجب على الرئيس الـ 44 الذي ضعفت مكانته عند الجمهور اليهودي بالتدريج خلال السنتين الاخيرتين أن يبذل جهدا لمضاءلة الضرر الانتخابي المتوقع له في هذا الميدان.
حتى لو كانت هذه الحساسية بالصوت اليهودي والأمزجة العامة السائدة هذه الفترة التي يناضل فيها أوباما عن حياته السياسية، مفهومة، فانه يُسأل سؤال ألن يزيد التخلي عن الهيمنة الأمريكية في الصعيد الفلسطيني خطر نشوء فراغ خطر في الشرق الاوسط كله. ولما كانت القوات الأمريكية ستستكمل في القريب انسحابها من ارض العراق، ولما كان الربيع العربي لا يبشر بالضرورة بسخونة العلاقات بين العالم العربي والعالم الغربي فقد يصبح امتناع الولايات المتحدة عن ادارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حلقة من سلسلة مسارات وتطورات قد تفضي إلى تهاوي العصر الأمريكي في الشرق الاوسط، وذلك مع نقل مركز الثقل إلى قوى اخرى، صلتها بأمن إسرائيل ورفاهتها أضعف كثيرا من صلة الحليف الأمريكي.
ستساعد الاشهر القريبة على أن تُبين هل القوة العظمى الوحيدة في هذه المرحلة في عملية عودة إلى البيت حقا مع التخلي عن مكانتها الرائدة في هذه المنطقة العظيمة الأهمية. وبعد 13 شهرا ايضا سيتبين هل سيُكتب عن براك أوباما في كتب التاريخ أنه الرئيس الرابع منذ سنة 1932 الذي فشل في محاولته ان يفوز بثقة الناخب مرة ثانية.
فشل «الشباك»
بقلم: أفنير برنياع عن هآرتس
مسؤول كبير سابق في «الشباك» ويُحضر لشهادة الدكتوراه للعلوم السياسية في جامعة حيفا لم يُفض الانقلاب السياسي في 1977 إلى تغيير في طرق عمل التثبيط عند «الشباك» في الوسط اليهودي ومنه اليمين المتطرف. فقد استمر الجهاز يعمل على حسب معايير رسمية. والسؤال هل هذا هو ما يحدث اليوم ايضا.
كان التصور السائد في «الشباك» أنه ينبغي الاحتراس من الكشف عن طريقة عمله السرية كي يفاجيء الجانب الثاني. وقد صدعت حادثتان جوهريتان سور سرية عمل «الشباك» وأثارتا العلم والانتباه لنشاطه بين جهات اليمين المتطرف. الاولى هي الكشف عن «العصابة السرية اليهودية»، والثانية قتل رئيس الحكومة اسحق رابين.
في أعقاب الكشف عن العصابة السرية اليهودية كُتب كثيرا عن طرق عمل «الشباك» وهو شيء لم يحدث في الماضي. وقد حذر البروفيسور اهود شبرنتسك في كتابه «الشخص المستقيم في نظر ذاته» من نشوء عدم شرعية في المجتمع الإسرائيلي. فقد زعم أنه نشأت في إسرائيل ثقافة سياسية تشجع استعمال القوة ولا ترفض الاخلال بالقانون اذا تم كل ذلك من أجل أهداف جماعية تعتبر سامية. ومن أجل ذلك تُقبل في رأيه اعمال اخلال بالقانون تضعضع جوهر الديمقراطية والتفهم والتسامح.
حتى بدء مسيرة اوسلو كان النشاط الارهابي من اليهود الموجه على الفلسطينيين منخفضا نسبيا. ومنذ مسيرة اوسلو تغيرت الامور. يبدو أن نبوءة البروفيسور شبرنتسك تتحقق. فقد بدأت عناصر متطرفة في الوسط اليهودي تستعمل العنف لاحباط اجراءات اتُخذت بقرارات ديمقراطية. وكان مقتل رابين نقطة تحول تاريخي. قبل ذلك كان من الصعب تصديق ان يوجد من يتجرأ على المس بشخصية رسمية رفيعة المستوى. وبدأت الدلائل التي تشهد على ان رئيس الحكومة قد يصبح هدفا لعملية قبل ذلك بسنة ووجد في «الشباك» من حذروا لكن اصواتهم لم تُسمع.
بتخطيط يغئال عمير لقتل رابين جرت الاستفادة من الدروس من تثبيط العصابة السرية اليهودية. ومؤداها انه ينبغي العمل في أضيق حد لضمان النجاح. وبعقب قتل رابين أصبح نشاط «الشباك» في وسط اليمين اليهودي المتطرف شأنا مغطى اعلاميا، وزاد تنبه الاشخاص المعرضين للتغطية الاستخبارية.
بخلاف حوادث ارهابية نفذتها جماعات منظمة مثل العصابة السرية اليهودية أو «العصابة السرية بات عاين» وقعت حوادث ارهابية على فلسطينيين نفذها منفذون أفراد. وكانت احدى الذرى المجزرة التي نفذها باروخ غولدشتاين في الحرم الابراهيمي في 1994، ووقعت ايضا حوادث وجهت على عرب إسرائيليين (نتان زاده في شفا عمرو، واليران غولان في حيفا)، وعمليات مفرقة ايضا على يهود مثل رمي يونا ابروشمي القنبلة اليدوية في مظاهرة «السلام الآن» في 1983 التي قُتل فيها إميل غرينتسفايغ، والعملية التي نفذها جاك تايتل في البروفيسور زئيف شترنهل في 2008. وقد جرى حل لغز أكثرها بعد وقوع العمل على نحو عام. أما العمليات التي يبادر اليها أفراد فثم صعوبة استخبارية كبيرة في تثبيطها.
كان يبدو أسهل على «الشباك» ما ظلت العمليات الارهابية تنفذها جماعات منظمة، أن يتعرف عليها ويحبطها، ولكن الارهاب اليهودي في السنين الاخيرة غير طرق عمله، فانتقل إلى نشاط واسع مفرق موجه على مدنيين فلسطينيين، وممتلكات فلسطينية، يشارك فيه كما يبدو مئات من أناس اليمين المتطرف لا يلاحظ نجاح في احباطه.
لم يكن نشاط المستوطنين هذا المسمى «شارة ثمن» معروفا في الماضي. فالحديث كما قلنا عن طريقة عمل مفرق ينفذها عدد كبير من النشطاء في اماكن مختلفة ولا تكون منسقة بالضرورة. ويبدو أن هذا الاتجاه يقوى كلما لم يأت نشاط «الشباك» في الاحباط بمنفذي العمليات للمحاكمة وكلما فشل في إحداث ردع. وفي الخلاصة، حينما يُغير العدو طرق عمله يبدو أنه يصعب على «الشباك» ان يكون فعالا ولا سيما في الأمد القصير وبخاصة حينما لم يعد شكل نشاطه مجهولا. ومع عدم وجود قدرة استخبارية فعالة ضابطة يمكن ان نتوقع استمرار اتساع عمليات «شارة ثمن».
وشيء آخر. من المثير ان نعلم انه يوجد في موقع المنظمة على الانترنت استعراضات كثيرة في مجال احباط الارهاب الفلسطيني لكنه لا ذكر لاحباط نشاط ارهابي في وسط اليمين المتطرف بعد 1967.
نفقد برلين
بقلم: آفي بريمور* عن معاريف
* سفير إسرائيل السابق في ألمانيا
في اذار 2008 ألقت أنجيلا ميركل، المستشارة الالمانية خطابا أمام الكنيست في القدس. والجميع صفق لها بحماسة. خطاب مؤيد لليهود ومؤيد لإسرائيل دون شائبة. خطاب متبل بجلد ذاتي بالنسبة لماضي المانيا النازي، بل وكان لدى المستشارة ما تقوله حتى عن المانيا الشرقية، الشيوعية، التي لم تعد قائمة وكانت السيدة ميركل جزءا منها، هذه الدولة تميزت بين الكتلة الشيوعية في سياستها المعادية لإسرائيل وكان في هذا ما يكفي كي يدفع المستشارة إلى العودة للندم على الخطيئة.
ما الذي كان يمكن عمله لارضاء الاذن الإسرائيلية أكثر من هذا؟
في العالم وفي ألمانيا نفسها، في المقابل، لم يمر الخطاب دون انتقاد. ليست اعلانات الحب والالتزام من جانب ميركل لإسرائيل هي التي اختلف معها المنتقدون. عجبهم تركز على ما لم تقله المستشارة. فهي لم تذكر على الاطلاق الفلسطينيين أو النزاع. في الاسبوع الماضي تغير نهج المستشارة وحكومتها. فهي التي أعادت التعاون بين ألمانيا وإسرائيل إلى الحجوم بعيدة المدى السابقة في عهد المستشار هيلموت كول، تلقت صفعة من إسرائيل. هي التي أعادت حتى بناء الغواصات لنا، والتي جمدها شرودر سلفها، تشعر باننا خدعناها.
طلبنا من انجيلا ميركل الا تدعم المبادرة الفلسطينية في الأمم المتحدة ولبي طلبنا. واصلنا الطلب من ألمانيا التجند في صالحنا في الأمم المتحدة واقناع دول اخرى لسد طريق الفلسطينيين، وهذا ما أخذته الحكومة الالمانية بأسرها على عاتقها. فقد سارعت وتجندت في صالح كفاحنا. شيء واحد طلبته برلين: اعطاءها طرف خيط حتى وان كان رمزيا فقط كي تستخدمه كذخيرة في جهودها لاقناع الاخرين في صالحنا. ميركل مارست ضغوطها على الفلسطينيين للموافقة على المفاوضات معنا فيما هم يتنازلون صمتا عن معارضتهم مطالبتنا الاعتراف بنا كدولة يهودية وعلى خطوط 67 كشرط. وذلك على الاقل حتى اجراء المفاوضات عمليا. اما منا فطلبت وقوفا في الظل وذلك للسماح لها بتصدر الخطوة التي في سياقها أملت في أن تؤدي إلى الغاء المبادرة الفلسطينية في الأمم المتحدة.
الاعلان العلني عن البناء المتجدد في غيلو (وليس مجرد البناء نفسه) سرق من ميركل الاوراق. هي التي وعدت محادثيها وشركائها الأوروبيين بتحقيق نوع ما من الثمن الرمزي من إسرائيل، وجدت نفسها تقف أمام محادثيها بكل عُريها.
هل في ضوء كل هذا ستوقف الان ألمانيا المساعدة والتعاون الهائل والمتنوع الحيوي جدا لإسرائيل؟ لا ينبغي الافتراض. التزام المانيا بإسرائيل بشكل عام وميركل بشكل خاص سيصمد. سنواصل تلقي المساعدة الامنية، الاقتصادية، الثقافية والدبلوماسية. ألمانيا واصلت وستواصل مساعيها للوساطة في موضوع جلعاد شليت. وهي ستواصل كونها العمود الفقري في مساعينا لتعميق علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي ولن تتراجع ايضا عن تأييدنا في الأمم المتحدة. ولكن السؤال لكم من الوقت. الرأي العام في ألمانيا الذي هو في معظمه جد مؤيد لليهود بل ومؤيد لإسرائيل أكثر، أخذ يفقد صبره تجاه سياستنا في المناطق وفي المستوطنات. مثلما في معظم الدول الغربية. نقاط الخلل الاخيرة التي ذكرناها لا بد لن تجدينا نفعا في الرأي العام الالماني. لا يمكن لاي حكومة أن تقف إلى الابد حيال الرأي العام الذاتي لديها، عندما يبدأ هذا في الاعراب عن رأي سلبي في السياسة الإسرائيلية بشكل قاطع وأكثر فظاظة.
وداعاً لتري
بقلم: أبيرما غولان عن هآرتس
من الصعب الا نبتسم بتهكم مرير في ضوء هزيمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حين طلب اقرار الحكومة لتوصيات لجنة تريختنبرغ ـ ففشل. صحيح أنه على خلفية النجاحات الهائلة التي حققها مؤخرا ـ هَودَ الرئيس الأمريكي براك أوباما وأذاب (حاليا) الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لم يستسلم للاتراك، والان يستعرض العضلات على الإيرانيين ـ يدور الحديث عن فشل صغير، ومع ذلك، يا للخسارة.
حسنا، ليس يا للخسارة على التوصيات. في افضل حالها، فقد اقترحت على الحكومة أن تطبق قوانين وأنظمة هي واسلافها أقرتها منذ زمن بعيد (قانون التعليم المجاني سن في 1985 ومنذئذ وهو يؤجل على نحو مستمر في قانون التسويات، والاقتراح بتخفيض 20 أغورة من ضريبة البلو أقر قبل سنة). وفي اسوأ حالاتها، فانها تضر بالطبقة الوسطى وجمهور العاملين (التعبير السحري «التعرض للاستيراد» يكشف عن عدم مبالاة واضحة تجاه خطر البطالة). ومبدئيا ـ فانها لا تتعارض وسياسة نتنياهو، تلك التي أدت ظاهرا إلى اقامة اللجنة في اعقاب الاحتجاج.
إذن على ماذا نقول يا للخسارة؟ قليلا على مناويل تريختنبرغ، الرجل اللطيف، وعلى الحكومة، التي اهينت عندما لم تقر قوانينها نفسها، والكثير على المجتمع الإسرائيلي الذي تلقى صفعة اخرى على الوجه، كدليل خالد على أن هذه الحكومة، وأكثر منها رئيسها، لا ترى الاحتجاج لابعد من متر واحد. وكأنه لم يكن له أي معنى. وكأنه لم يكن على الاطلاق.
هذا التجاهل غريب. فهل يحتمل أن يكون خرج هنا إلى الشوارع 400 الف نسمة الذين مع اطفالهم (وكان الكثير من الاطفال) يشكلون نحو عُشر سكان الدولة، والحكومة لم تسمع ولم ترَ. وموشيه كحلون وأعضاء مجلس الليكود الذين يقفون خلفه لا يفهمون بان هذه القطيعة سرعان ما تصبح هوة فاغرة فاها، ومثلما في 1977، عندما كف الجمهور المطيع الذي كان ينتخب «مباي» و «المعراخ» المرة تلو الاخرى عن ذلك، فهل يمكن لشيء ما ان يهز أيضا الكتلة الحديدية لنتنياهو ـ ليبرمان ـ شاس؟
يبدو أنهم يفهمون، ولكن في هذه الاثناء مقتنعون بان ما كان هو ما سيكون، وان وهن المعارضة العمياء سيبقيهم جيدا في كراسيهم. غير أن شيئا ما مع ذلك تغير هذا الصيف. وحتى لو كان الاحتجاج في هذا الايام خفيا عن العين، فانه قائم. كتيار عميق، كماء هادئة تأكل الحجر. تتغذى بالاهانة والاحباط. تحاول بكل قوتها العمل بوسائل شرعية، الضغط على السياسيين. تقيم تحالفات تتجاوز الاحزاب وتنتظر بصبر كبير.
وعلى وجه الارض، رويدا رويدا، ودون أن يرى أحد، تبدأ الخريطة السياسية ايضا بالتشقق. الكتل تبدأ بالحراك بعدم ارتياح. السياسيون يبدأون بانشاد الاناشيد الاجتماعية. زائفون قليلا ولكنهم يحاولون. الانتخابات التمهيدية في العمل كان السنونو الاول الذي يبشر بان النموذج الاقتصادي ـ الاجتماعي بدأ ينقلب.
هذه مسيرة بطيئة، ولكنها ستحدث. اذا نجحت سينشأ تعاون وتمثيل جديد كلما اقتربت الانتخابات القادمة. اذا فشلت، سيندلع في الشوارع احتجاج غاضب وعنيف، وهذه يقودها أناس ليس لديهم ما يخسروه وليس من شباب مؤدبين يريدون التقدم في الحياة، احتجاج من شأنه أن يصطدم بقوة خطيرة لظاهرة اخرى، لا تبدو ذات صلة، ولكن هي ايضا نتيجة مباشرة لانغلاق الحس المحمل بالمصيبة من جانب الحكومة.
ويدور الحديث عن أعمال شغب عديمة الجماح لمجموعات نشأت على تلال المستوطنات وفي محيطها. منذ زمن بعيد هجر فتيان تلال «شارة الثمن»، الحاخامون المتزمتون والمتطرفون وجماعات الشباب الذين تربوا في حضن توراتهم المشكوك فيها، الصراع على الارض. البناء الحثيث في المستوطنات يدل على انتصارهم. والان هم يديرون، في صفد، في عكا، في يافا وفي رمات غان ـ المعركة على احتلال المجتمع الإسرائيلي بهدف تغييره ليصبح مثلهم وعلى صورتهم.
نتنياهو، الذي لم يولي اهتماما لمئات الاف الإسرائيليين الذين طالبوا بالعدالة الاجتماعية، شرف بحضوره رافض التحقيق الحاخام دوف ليئور، وخطاباته في الكونغرس وفي الأمم المتحدة جسدت للمشاغبين بانه منصت لروايتهم ذات نزعة القوة وبثت لمواطني إسرائيل العرب استخفافا فظا. من يعتقد ان كل هذا لن يتفجر في النهاية الواحد في وجه الاخر ـ مغلق الحس ايضا. حتى تريختنبرغ لن يوافق في حينه على ان يترأس لجنة.
38 سنة منذ الحرب: لغز حُل
بقلم: حاييم شاين عن اسرائيل اليوم
في كل مساء يوم غفران أُشعل شمعة روح واحدة لتصعيد أرواح كثيرين من أصدقائي سقطوا في ميادين قتال حرب يوم الغفران. أصدقاء من اللواء 188 بذلوا نفوسهم للدفاع عن الجليل في معارك هضبة الجولان، وخريجو دورة ضباط مدرعات بقيادة أوري أور تولوا قيادة أقسام وسريات ودفعوا بأجسادهم ثمن خفة عقول قادة الدولة.
أجد نفسي مرات كثيرة أحفر في جبال المعلومات التي تنشر عن الحرب محاولا أن أفهم جذور الاخفاق ويتبين لي أن تصوري العام عن المجتمع الإسرائيلي صيغ بقدر كبير باعتباره نتيجة مولودة عن تلك الحرب.
نجحت في السنة الماضية في حل لغز صاحبني منذ جُرحت جرحا بالغا في الحرب ـ وهو ما هي المعركة التي جُرحت فيها والى أي وحدة انتسبت.
توجهت إلى برنامج القسم للبحث عن أقارب في الشبكة ب. وبحثت بواسطة برنامج المذياع عن سائق الدبابة الوحيد الذي خرج غير مصاب من اصابة القذيفة المصرية التي قُتل بها صديقي مئير شتاين الفتى الرائع النقي النفس.
وفي الغد من البث اتصلوا من قسم مصابي سلاح المدرعات وأبلغوني رقم هاتف العميد (احتياط) اليشيف شمشي. وقالوا انه يملك معلومات كثيرة عن الحرب، ومواد جُمعت من أجل كتابة كتابه.
التقيت شمشي سريعا جدا. وحدثته عن أنني خرجت للحرب من معسكر نتان قرب بئر السبع عند خروج يوم الغفران في نطاق انتسابي إلى الكتيبة 430 من اللواء 500. وقال شمشي ان هذا غير ممكن لأنه هو نفسه كان قائد الكتيبة 430 ولا يتذكر اسمي باعتباري ضابطا في كتيبته. ووقعت لحظة حيرة. شعرت بأن القليل الذي تذكرته من المعارك ايضا على شفا انهيار.
سأل: «ما اسم الجندي الذي قُتل في دبابتك؟». وأجبته: «مئير شتاين». طلب شمشي العفو مني واتجه إلى غرفة عمله. وانتظرت عدة دقائق إلى أن عاد وقال لي إنني على حق. فاسم شتاين يظهر في قائمة ضحايا كتيبته في حرب يوم الغفران. والآن أصبح شمشي في حيرة فهو لم يتذكر ظروف قتل مئير وقال: «لا أفهم ما حدث هنا».
غاب شمشي عدة دقائق اخرى وعاد وفي يده صفحات مطبوعة بآلة كاتبة قديمة. وعرض علي الصفحات وقال انها خلاصة اعمال الكتيبة في حرب يوم الغفران وقصة سقوط جنود الكتيبة. وقد كتبت الصفحات في وقت قريب من نهاية الحرب على يد مؤرخ من جنود الكتيبة.
وقلب اليشيف شمشي الصفحات مترفقا. ومن صورة إمساكه بالصفحات شعرت بأنه يوليها شيئا من القداسة. وأعترف بأنني كنت في تلك الدقائق ايضا متوترا على نحو عجيب. «وجدت»، قال لي شمشي متأثرا وقدم إلي صفحة مصفرة. ارتجفت يداي وامتلأت عيناي بالدموع. بدأت السطور تتراقص أمام عيني من الماضي الفظيع: «شاين الذي كان طالب حقوق خرج مع وحدته من معسكر نتان. وبعد ساعات من السفر في مجنزرة نحو القناة حدث عطل في دبابته. لم ينجح فريق التسليح في الكتيبة بالتغلب على العطل وبقيت الدبابة وحدها. وبحسب المعلومات واصلت الدبابة القتال على نحو مستقل ازاء جسر فردان وتلقت اصابة قذيفة مباشرة. قُتل شتاين وجُرح شاين جرحا بليغا ونقل إلى مستشفى هداسا»، صورت الورقة وهي محفوظة عندي إلى الأبد ما بقيت حيا. انها ذكرى من حرب لم تنته بالنسبة إلي.
كيف نواجه التهديد الايراني؟
بقلم: أسرة التحرير عن اسرائيل اليوم
كانت آخر مرة حارب فيها اليهود الفرس في عصر مردخاي اليهودي والملكة إستر. ويتذكر ايرانيون كثيرون ان اليهود في عيد المساخر يتذكرون ايضا مذبحة نفذوها في آلاف من سكان الامبراطورية الفارسية. وقد هدد في المدة الاخيرة مئات من طلاب الجامعة الايرانيين الغاضبين بأن يُبيدوا موقع دفن مردخاي وإستر في مدينة همدان، لزعمهم ان اسرائيل تنكل بالمسجد الاقصى. أهذا هو جذر كراهية ايران لاسرائيل؟ من المفهوم انه ليس كذلك. فهم يستعملوننا في الأساس وسيلة لدخول منطقتنا.
للايرانيين اهتمام لا نهاية له بالعرب السنيين خاصة منذ آلاف السنين. فقد هزم المسلمون بسيوفهم بسهولة الامبراطورية الفارسية في معركة القادسية في سنة 637م. وأُضيف الى هذا الحساب التاريخي القومي ايضا الرواسب المؤلمة التي نشأت بين أبناء الامبراطورية الفارسية الذين اعتنقوا المذهب الشيعي ومحتليهم. وبهذا أعلن الأحفاد التحدي للعرب السنيين الذين رأوا الشيعة كُفارا، من جهتهم.
ما كانت قصة الانتصار العربي ـ الاسلامي المضاعف لتحدث لولا أن استنزفت الامبراطوريتان الفارسية والبيزنطية بعضهما بعضا في معركة نينوى في سنة 627م. وبهذا هزم العرب الذين انتظروا جانبا في صبر الخراب المشترك، هاتين الاثنتين بسهولة.
يشير التاريخ الى انه في المواجهات بين الطرفين يجلس طرف ثالث على نحو عام ينتظر ضعف خصميه ويتمتع آخر الامر بهزيمتهما. وفي حالتنا وإزاء استنزاف الامريكيين العسكري والاقتصادي في العراق وافغانستان، يتنحى الصينيون والروس جانبا بل العرب ايضا وينتظرون ما يأتي في صبر. والاتراك يبنون امبراطورية اسلامية ويهددون اسرائيل، أما الايرانيون فيبنون قدرة ذرية لمحوها من الخريطة.
فماذا يجب على اسرائيل أن تفعل؟ يقول مثل عربي 'عندما تتصارع الدول، حافظ على رأسك'. على أثر هزيمة صدام حسين قُضي على مقاوم ايران الذي صد دولة الشر. والآن تنشأ في منطقتنا مجموعة قوى تُذكر بالتاريخ مرة اخرى. ان الربيع العربي ينشئ شتاء ينذر بسيطرة اسلامية سنية على المنطقة الممتدة من تركيا الى افريقيا وشبه الجزيرة العربية. ومُلتحو الاخوان المسلمين في دول الثورة هذه يُدبرون مؤامرات على اسرائيل. وعواصمهم المكتظة بالسكان وسدود الماء واحتياطيات النفط الضخمة معرضة ايضا لمؤامرات الامبراطورية الفارسية الشيعية التي تتسلح لمواجهتهم خاصة. وإن تقسيم الانتباه هذا يخدم أمن اسرائيل جيدا.
ان دلائل الاحتكاك بين السنة والشيعة الايرانيين على حدود هذه الدول تزداد. ففي المدة الاخيرة فقط أفشل تحالف دول الخليج مع الاردن محاولة ايرانية للسيطرة على البحرين. لو ان الاجراء الايراني نجح لأضعف ذلك الامريكيين في مواقعهم البحرية في الخليج وأدخل آيات الله في آخر المطاف مدينة مكة. من الواضح للعرب ان الايرانيين يستعملون اسرائيل تضليلا فقط وذريعة الى تدخلهم في المنطقة. ويشير هذا الوضع الى اسرائيل باعتبارها ذخرا اقليميا يستطيع الردع.
ينبغي ان نتذكر ان صواريخ ايران الذرية لا تعرض للخطر اسرائيل وحدها بل الشرق الاوسط كله وتركيا واوروبا. تفترض ايران ان عند اسرائيل ردا على صواريخها البحرية الاولى وقدرة على ضربة ثانية من الفضاء والبحر. وهذه القوة قد تكف النوايا عنا لكنها تُحدث توقعات أن تُدخل اسرائيل من اجل الآخرين الكستناء في النار وتبدأ محاسبة دامية مع ايران وتعرض نفسها للدمار والاستنزاف. آنئذ سيُمكّن ذلك جاراتها الحبيبات من التفرغ والعودة الى خططها الأصلية نحونا. لهذا يحسن أن ندعها تعلق بنفسها الجرس برقبة الهر.
عداوة اردوغان
بقلم: شاؤول كمحي ود. ايلي كرمون عن هآرتس
من المهم كي نفهم سياسة تركيا الداخلية والخارجية ان نفهم شخصية رئيس حكومتها رجب طيب اردوغان وعقيدته. ان وثائق 'ويكيليكس' عن سفارة الولايات المتحدة في أنقرة تعرض سلسلة تقديرات وتحليلات تتعلق بشخصية اردوغان وأدائه. لاردوغان شخصية قوية الحضور ذات قدرة على الاقناع، وقدرة مدهشة على التوجه الى القاسم المشترك بين جزء كبير من مواطني تركيا، وعرض صورة زعيم يحسن السير وراءه. وهو ذو قدرة جيدة جدا على التأثير ايضا بزعماء ساسة من أنحاء العالم.
لرئيس حكومة تركيا توجه براغماتي يفصح عن نفسه بابتعاده عن الاسلام المتطرف مع محاولة ألا يدفع ببرنامج حزبه الاسلامي بصورة قوية جدا. ويتم التعبير عن براغماتيته ايضا بعلاقته بالولايات المتحدة بسبب أهميتها لتركيا، لكنه يمتنع في نفس الوقت عن أن يكون مصنفا باعتباره مواليا لامريكا.
اردوغان ايضا ذو كِبْر وعجرفة، ويرى نفسه زعيما ذا تأثير في العالم الاسلامي كله. ولديه باعث قوي جدا ينبع من ايمانه بأن الله ولاه قيادة تركيا، وهو عنيد لا يميل الى تنازلات وهو ذئب فرد مستبد يمنع نشوء دائرة مستشارين خبراء ذوي تأثير حوله.
وتصفه الوثائق بأنه زعيم سياسي يخطط لأمد بعيد، مع اتخاذ خطوات سياسية ترمي الى احراز سيطرة أكبر ورقابة على اجهزة مختلفة للدولة: إدخال ناس في نظام التعليم العالي (تعيين اساتذة جامعات ذوي ميل اسلامي)، ورقابة أكبر من الحكومة عليه، وتعيينات سياسية ترمي الى إدخال مؤيديه في الاجهزة الاقتصادية البارزة والمصارف وشركات التأمين؛ وزيادة رقابة الحكومة على جهاز القضاء بتعيين مؤيديه قضاة ومدعين عامين؛ وإدخال البرنامج الاسلامي في الاجهزة البلدية (تحريم تناول الخمر في اماكن متصلة بالبلدية، وانشاء اماكن وقوف للنساء فقط، وإدخال غرف صلاة في اماكن تخدم الجمهور عامة).
ان تدهور العلاقات بين اسرائيل وتركيا منسوب كله الى اردوغان. يزعم مصدر من المصادر ان لرئيس حكومة تركيا مشاعر معادية لاسرائيل عميقة تقوم على توجه ديني راسخ. وتثبت أحاديث لعناصر امريكية مع مصادر داخل الحكومة التركية وخارجها التوجه الذي يقول ان رئيس الحكومة يكره اسرائيل ببساطة.
ان تهديدات اردوغان التي تقول ان اسرائيل اذا لم تلغ الحصار البحري في غزة فلا يمكن تحسين العلاقات بين تركيا واسرائيل، تبرهن على انه يعمل على تقوية حماس.
وحقيقة ان تركيا أعلنت أن تقرير بالمر (باطل ومُلغى) لأنه يقضي بأن الحصار الاسرائيلي البحري شرعي، تعزز انطباع ان اردوغان العنيد غير مستعد لقبول أية هزيمة سياسية وأنه مستعد حتى لمواجهة الامم المتحدة في حملته الصليبية على اسرائيل.
قام اردوغان بعدد من الاجراءات الخاطئة اثناء رحلته المغطاة اعلاميا قبل نحو من اسبوعين الى دول 'الربيع العربي' ـ مصر وتونس وليبيا. وقد ضغط على حكومة مصر لتُمكّنه من زيارة غزة، حيث أمل ان يُستقبل هناك مثل 'سلطان' جديد، لكن الجماعة العسكرية فضلت أن ترفض طلبه، بل انها لم تُمكّنه من أن يخطب في ميدان التحرير، ولم تُذع خطبته التحريضية في دار الأوبرا في القاهرة ببث حي في التلفاز المصري.
وأعلن اردوغان وقت زيارته لتونس أن التعاون مع ايران على محاربة المنظمة الكردية المتمردة 'حزب العمال الكردي' هو 'جيد جدا'، وأنه يوجد امكان عملية مشتركة بين الدولتين على ملاذ الأكراد شمال العراق. وفي رد على ذلك نشر السفير الايراني في أنقرة تصريحا يقول ان عملية مشتركة كهذه غير واردة في الحسبان. وكتب صحافي قبرصي في المدة الاخيرة ان اردوغان تحول عن كونه درع الاستقرار الاقليمي الى عدوه الرئيس. وفي الحقيقة أصبحت سياسة 'صفر مشكلات مع الجيران' لاردوغان لا يمكن أن نُعرفه استراتيجية 'عداوة جميع الأطراف': اسرائيل وسورية وايران وقبرص واليونان والعراق وأرمينية بقدر ما.
يهودي احمق ما
بقلم: ايتان هابر عن يديعوت أحرونوت
قبل بضعة ايام في ساعة متأخرة من المساء، التقينا في حديث مع واحد من أرفع الاشخاص مكانة في جهاز الامن، وقد كان قلقا بشكل غير قليل من المشروع الذري الايراني، وقلقا جدا من التطورات السلبية في مصر، وعبر عن قلق لعزلة اسرائيل في نطاق الامم المتحدة. سألته لكن ما هو أكثر شيء يقلقك؟ قال بهدوء: 'أحمق يهودي، يهودي واحد أو أفراد يحكم بنفسه، وبعمل أحمق واحد يحرق الشرق الاوسط كله وقد يعرضنا ايضا لخطر حرب وإبادة في مواجهة العالم الاسلامي كله'، وأشار الرجل الى امكانية مس بمسجد مهم.
بعد ذلك بأربعة ايام أو خمسة أُحرق المسجد في طوبا الزنغرية. قد لا يكون أهم مسجد في الشرق الاوسط لكن احراقه كاف لاشعال نار فظيعة بين عرب اسرائيل ويهودها.
يكبر عدد المشاغبين بين المستوطنين في يهودا والسامرة من يوم الى يوم. وبالأحاسيس الحادة يلاحظ كثيرون من السكان الامكان المر، من جهتهم، لأن يضطروا الى اخلاء بيوتهم من اجل دولة فلسطينية. ينبغي أن نذكر أن أكثرية مطلقة من مستوطني يهودا والسامرة يتحفظون من شغب هؤلاء الشباب الذين يخرجون في اعمال انتقام من قرى عربية تحت الاسم الشيفري 'شارة ثمن'. وتدرك الأكثرية المطلقة من السكان الخطر الجاثم ايضا على أبوابهم من 'فتيان التلال'. رُبي هؤلاء الشباب طوال سنين على اعتقاد أنهم اليهود الحقيقيون، وأنهم الرواد أمام المعسكر وأنهم الطلائعيون وهم يُذكرون من نسي، وكثيرون نسوا، بمحاربي الايتسل وليحي التاركين الذين عملوا بخلاف أمر المؤسسات اليهودية قبل انشاء دولة اسرائيل.
إن هذه المجموعة قد تفضي بدولة اسرائيل الى الهاوية، لكن الحقيقة ان حكومات اسرائيل على اختلافها تهاونت في العمل لمواجهة هؤلاء الشباب الذين تشتعل روح مسيحانية في أذهانهم الحمقاء. ومن جهة الحكومة هذا هو الوقت إن لم يكن متأخرا جدا، لمواجهتهم بكامل الشدة لمنع تدهور اسرائيل الى كارثة.
ماذا يمكن ان يُفعل؟ أن تصدر بحقهم مثلا أوامر اعتقال اداري كما اصدرت بوفرة على الفلسطينيين في المناطق. إن أمر الاعتقال الاداري داخل الخط الاخضر هو من سلطة وزير الدفاع. وأمر الاعتقال الاداري في مناطق يهودا والسامرة هو من سلطة قائد منطقة المركز. لكنه لن يخطر ببال وزير الدفاع وقائد المنطقة أن يوقعا على أوامر كهذه من دون موافقة رئيس الحكومة. لكن يبدو أنه لم يولد حتى الآن رئيس الحكومة الذي لا يخشى أن يعمل في مواجهة 'فتيان التلال' ولو لاعتبارات ائتلافية فقط. يوجد أمر الاعتقال حينما تكون شبهة تنفيذ مخالفة أمنية ولا يوجد قدر كاف من الأدلة القانونية للمحاكمة أو أنه توجد أدلة لكن يوجد خطر الكشف عن المصادر.
والحقيقة هي أن جميع حكومات اسرائيل، منذ حرب الايام الستة، أوجدت في واقع الأمر جهازي قضاء مستقلين في المناطق: أحدهما سريع متشدد على الفلسطينيين، والثاني بطيء مخفف على المستوطنين اليهود. قبل سنين حاكموا يهودا في محاكم عسكرية ايضا لكنهم غيروا القرار للتشدد في عقوبتهم. وكان ذلك بعد أن خفف رئيس الاركان رفائيل ايتان بالجملة أحكام المحاكم العسكرية على اليهود. فنقل المستشار القانوني آنذاك اسحق زمير محاكمات اليهود الى محاكم مدنية كي لا يوجد من يلغي الأحكام، مثل رفول.
وكانت النتيجة عكس المرغوب فيه. ففي فترة اسحق رابين كان المستشار القانوني للحكومة، ميخائيل بن يئير، هو الذي طلب أن يُحاكم في محاكم عسكرية مجموعات المشاغبين، لكن رئيس هيئة الاركان امنون ليبكين شاحك عارض ذلك بشدة. فقد رأى آنذاك هذه الخطوة وبحق إشراكا للجيش في السياسة وطلب الامتناع عن ذلك. وبعد مجزرة مغارة الماكفيلا (الحرم الابراهيمي) فقط تجرأوا على اصدار أوامر اعتقال ادارية على يهود.
ان احراق المسجد في طوبا الزنغرية والعدد الذي أخذ يزداد من حوادث 'شارة ثمن' يجب أن يفضيا برئيس الحكومة ووزير الدفاع وآخرين الى استنتاج انه ينبغي العمل بأقوى صورة وأشدها قسوة لمواجهة الناس الذين قد يفضون بنا الى شفا كارثة. ان اصدار أوامر اعتقالية على يهود هو واحدة من الخطوات التي يمكن ويجب اتخاذها فورا. واذا لم يتنبه بنيامين نتنياهو وايهود باراك ورفاقهما في الحكم وفي جهاز الامن و'الشاباك' والشرطة فورا ولم يستعملوا الشدة فسيجدون ناس 'شارة ثمن' قبالة بيوتهم ومكاتبهم يُطرّون أوقاتهم بنشيد 'طوبى للثقاب'.


رد مع اقتباس