-
أقلام وآراء اسرائيلي 49
أقلام وآراء
(49)
شبيحة الاسد لا ضمير يردعهم
بقلم:اسرة التحرير،عن يديعوت
الارهاب اصبح هنا
بقلم:يوئيل ماركوس،عن هآرتس
العربي يتعلم بالضرب
بقلم:عوفر شيلح،عن معاريف
الجولة انتهت.. المعركة مستمرة
القطاع لا يزال برميل بارود وفي الجولة القادمة اذا كانت اوسع واشمل فسيكون دم كثير هنا واكثر هناك
بقلم:يوآف ليمور،عن اسرائيل اليوم
شبيحة الاسد لا ضمير يردعهم
بقلم:اسرة التحرير،عن يديعوت
بلا خجل وبلا وخز ضمير اختطف شبيحة النظام السوري 'ن ع' من مكتبة الجامعة في دمشق وألقوه في قبو قرب المطار. وضربوه ونكلوا به بسلسلة اعمال تعذيب كادت تقضي عليه. ووثقوا اللحظات الأشد عنفا ايضا وباعوا معارضي النظام خاصة هذه الأفلام من اجل التحلية.
يقول 'ن': 'انهم يرون أنفسهم فوق القانون. وهم لا يعرفون الله. أخذ أحد الشبيحة الأفلام وطرحها لبيع علني في مقهى لنشطاء حقوق انسان في دمشق. وفي نهاية التفاوض حصل على مبلغ يعادل 200 دولار. وفي الغد أذاعوا الفيلم في قنوات التلفاز العربية، وحينما شاهدته لم استطع ان أفهم كيف بقيت حيا أصلا'.
انه، وهو في مطلع الثلاثينيات من عمره درس الى ان هرب من سوريا لنيل اللقب الثاني في علم السياسة وعلم الاجتماع، وعاش مع والديه وأخويه في حي الطبقة الوسطى العليا. وهو متوسط القامة ووجهه صاف يشيع الارتياح. 'بعد ان شاركت في مظاهرتين في ريف دمشق علمت أنني مستهدف. وقال جيران ايضا انهم جاءوا يبحثون عني ليلا في بيت والدي، لكن لم يخطر ببالي كم يمكنهم ان يكونوا قُساة. 'بعد ان اختطفوني وجدت نفسي في قبو استخبارات سلاح الجو، وهو أفظع مكان بالنسبة للمعتقلين. كبّل سجانون بملابس مُنمرة يدي بقيود وطرحوني على بلاط من الاسمنت وآنذاك دخل الشبيحة من اجل تنكيل استمر خمسة ايام متوالية'.
نعم أيها المعلم
سجل هذا الاسبوع ارتفاع درجة مخيف في سلوك الشبيحة. ففي يوم الاحد داهموا شققا سكنية في مدينة حمص وركلوا وضربوا النساء والاولاد واغتصبوا على التوالي 16 امرأة واحدة منهن حامل، وبنتين. وحينما أنهوا ذلك قتلوا جميع ضحايا التنكيل وهم 26 ولدا و21 امرأة مُخلفين وراءهم برك دم وذعرا.
وكما في حال ن، وثق أحد المنكلين المفتخرين هذه الفظاعة بكاميرا هاتفه المحمول وعرض الصور للبيع وكان الثمن هذه المرة 300 دولار.
'بسبب اغلاق حسابات المصارف في الخارج لم يعد لدى قادة النظام ما ينفقون منه على الشبيحة، وحصلوا على اذن بأن يفعلوا ما شاؤوا لاحراز المال. فهم يداهمون البيوت السكنية ويسرقون الحُلي والمعدات والأثاث. وهم يحطمون أقفال المصانع والحوانيت ويسلبونها في وضح النهار. 'لا يجرؤ أحد على التدخل ولا شجاعة عند أحد حتى ليحمي أملاكه. حينما يسمع الناس ان الشبيحة قريبون يبحثون سريعا عن مخبأ ويدعون الله ألا يمسوا بهم فقط'.
ان مصدر هذه الظاهرة، أعني شبيحة النظام في ملابس مدنية ومع عضلات منفوخة وأذرع موشومة بصور حافظ وبشار، أو بكتابة 'بشار هو الواحد والوحيد' هو فترة حكم الاسد الأب. وقد سلك الشبيحة منذ ذلك الحين سلوك مافيا شرق اوسطية: فقد ركبوا سيارات مرسيدس مسروقة أو مصادرة من سوريا الى لبنان، وهربوا سيارات واجهزة كهرباء ومنتوجات غذائية وسجائر ومشروبات روحية ومخدرات وسلاحا ومعدات عسكرية بالطبع ونقلوها الى مستودعات تخزين في المدن الساحلية، اللاذقية وطرطوس وبانياس.
جُند في البداية شبان ذوو عضلات عديمو الثقافة لا يعرف كثيرون منهم حتى اليوم القراءة والكتابة، في القرداحة حصن قيادة الطائفة العلوية، وهي مسقط رأس عائلة الأسد. وقد مُنح أبناء الطائفة آنذاك منحة مالية مقابل الولاء للرئيس بلا هوادة.
حاول باسل، شقيق بشار، في مطلع التسعينيات تقليص قوتهم خشية ان يحاولوا استعمال قبضتهم على السلطة لكن بشار انشأ من اجلهم معسكرات تدريب في مناطق جبلية، وحصلوا في السنة الاخيرة على سجون خاصة بهم. وهم يسمون قائدهم المباشر 'المعلم'، كما هي العادة في اجهزة الاستخبارات في سوريا. يقول مؤنس ش. من مدينة حماة: 'ما حدث في البداية على الأكثر هو ان الشبيح كان ينطلق مسرعا في سيارة مرسيدس، واذا حاول شخص ما ان يعيقه أو يسأله اسئلة زائدة كان يلكمه. لكنهم لم يقتلوا قط في وضح النهار'.
منذ أصبحت السلطة عصبية، كما يُبين محمد الهاني، وهو نشيط حقوق انسان من حمص كان شاهد عيان هذا الاسبوع على فظائع التنكيل والقتل للنساء والبنات: 'حصلوا على إذن لقتل كل من يشوش عليهم وان يردعوا مواطنين يفكرون في منح معارضي النظام ملجأ'.
منذ اللحظة التي نشبت فيها المظاهرات على بشار الاسد قبل سنة بالضبط، زاد عدد شبيحة النظام كثيرا ووسعت صلاحياتهم، فلم تعد دخول المظاهرات فقط بل الحفاظ على بقاء قصر الرئاسة والمقربين من السلطة بكل الطرق الظلامية. وهم يعلمون بكونهم علويين أنه اذا سقط بشار فستنهار مكانتهم المميزة على أثره.
بدأ الأخوان فواز ومنذر الاسد إبنا عم الرئيس اللذان يسيطران على الشبيحة يوزعان السلاح والمكافآت المالية زيادة على الهراوات وقضبان الحديد والسكاكين الحادة التي تسللوا بها الى المظاهرات وطعنوا الناس وقتلوهم. وقد حصل كل شبيح مقابل يوم عمل على ألفي ليرة سورية (50 دولارا وهذا مبلغ هائل بالمعايير السورية). وضوعف المبلغ في نهاية الاسبوع لأنه 'يصبح الدخول في غمار جمهور كبير أصعب وكذلك مهاجمة المتظاهرين في شوارع مزدحمة وعند الخروج من المساجد'.
دلو ماء ثم يتابعون
حظي ن في أقبية المعتقل بتنكيل بطريقة 'بساط الريح'. 'ألقوني على لوح خشبي'، يستعيد، 'وربطوا يدي ورجلي بأربعة حبال منفردة وأتوا بسياط جلدية وعصي خشبية وضربوني. كنت نصف مستلق ونصف معلق مدة 11 ساعة في حين كنت أتلقى الضرب والشتائم والبصق طوال الوقت، وكانوا يفعلون بي اشياء كثيرة اخرى من الفظاعة أخجل أن أتحدث عنها.
'أُغمي علي ثلاث مرات، لكنهم صبوا علي دلو ماء وعاودوا ضربي. لم يحقق معي أحد ولم يطلبوا إلي ان أُسلم اسماء رفاق أو شركاء في المظاهرات. قالوا لي فقط 'هذا ما يُفعل بالخائن'، وضربوني بالكهرباء في مناطق حساسة في جسمي'.
وفي الليلة الثانية رموا بـ ن في زنزانة مظلمة حيث لقي معتقلا آخر جرت عليه اعمال تعذيب وكان يلفظ أنفاسه. وبعد ثلاثة ايام أُخرج كلاهما من الزنزانة. 'هذه صدمة نفسية لكل الحياة. فأنت تُطرح في زنزانة صغيرة عفنة بلا نوافذ وبقربك جثة انسان مات من التعذيب ولا يوجد من يساعد.
'أنت تعذب نفسك طوال الوقت بسؤال كيف يفعل بي ناس من أبناء سني ومن بلدي اشياء فظيعة ومضحكة الى هذا الحد في تلذذ سادي أهوج كهذا. كانوا يفتحون باب الزنزانة مرة كل يوم ويدخلون قطعة خبز ووعاء ماء، بل انهم لم يدعوني أخرج الى الحمام برغم أنني توسلت اليهم'.
لا توجد معطيات دقيقة عن عدد الشبيحة، ولا تسجيل لأسمائهم، لكن يوجد توثيق لشبيحة للنظام يدخلون الى المظاهرات ويستلون سكاكين حادة وهراوات ويضربون ويطعنون. وتقول التقديرات انه ينتشر اليوم في سوريا بين عشرة آلاف الى خمسة عشر ألف شبيح.
قبل اسبوعين نجح معارضو النظام في الاستيلاء على هاتف محمول وقع من جيب شبيح في أوج مطاردة في حمص وتبين ان اسمه مراد. وقد أجرى مكالمات هاتفية مع أرقام معروفة (سُلمت الى منظمات حقوق انسان) في القرداحة، وظهرت في الشاشة صور له مرة في قميص قصير الكمين اسود يبرز عضلاته ووشم 'علي' الذي يفخر به أبناء الطائفة العلوية. ويظهر في صور اخرى يرمي النار من مسدسين أو يقود سيارة ومن ورائه شبيحان ضخمان مثله مع عضلات ضخمة.
أظهرت الثورات في العالم العربي ظاهرة الزعران المجندين الذين تعتمد نظم حكم مهتزة على تصميمهم الذي لا هوادة فيه على الضرب والاختطاف من الشوارع والتنكيل والقتل باعتبارهم قوة تساعد اجهزة الامن والجيش والشرطة.
وهم في ايران 'الباسيج'، وهم رجال شرطة بلباس مدني قاتم نفذوا بلا جدال المهام القذرة من الضرب واطلاق النار على جمهور المتظاهرين في انتفاضة 'الثورة الخضراء' في 2009. وفي ليبيا جند العقيد القذافي 'المرتزقة' الذين تدربوا في قواعد سرية في الصحراء وأُنزلوا الى الميادين الليبية مقابل دفعات مالية مغرية. وهم في مصر 'البلطجية' العاطلون المعدمون والسجناء الجنائيون الذين أُفرج عنهم بمرة واحدة من السجون في الليلة الثالثة للمظاهرات على مبارك وأُرسلوا الى ميدان التحرير والمدن الاخرى.
وقد صور هؤلاء واولئك من قبل متحدثي نظم الحكم على أنهم 'عصابات مسلحة تسللت الى الدولة'. وبشار الاسد مستعد للاعتراف بأن 'الارهابيين' هم من أبناء بلده وليسوا متسللين، 'لكن ما بقيت العصابات المسلحة تشاغب في الشوارع وتحاول زعزعة الاستقرار، فلا مكان لاجراء حوار'.
الكرسي الالماني
تبرقعت نعيمة، وهي امرأة من ادلب، ببرقع اسود وأمسكت بمصحف بأصابع مرتجفة. وظهرت عيناها فقط لكاميرا هواة وثقت الكابوس والاذلال اللذين أصاباها من الشبيحة. 'في الليل ركلت مجموعة شبيحة باب البيت وأيقظوا اولادي الاربعة وقالوا لي: استلقي على الفراش واغتصبوني أمام أبنائي. وبكيت بلا صوت ولعنتهم في قلبي.
'جاءوا للبحث عن زوجي وعن ابني البكر اللذين أويا الى العمل السري منذ زمن. ولا أعلم أنا ايضا أين يختبئان وهل ما يزالان حيين، وحينما أقسمت أنه لا صلة لي بالمظاهرات قال لي واحد من الشبيحة: سترين في الحال أي عقاب ننزله بك ثم بدأ التنكيل.
'وفي النهاية وقبل ان يغادروا البيت كسروا زجاجة وأدخلوها بالقوة في جسم ابنتي الصغيرة. لم أحاول حمايتها ولم أطلب الرحمة. رأيت أنهم مسلحون مع نظرات مجنونة في أعينهم وعلمت ان هذا يمكن ان ينتهي الى قتلنا جميعا'.
اذا سألتم بشار الاسد فسيُقسم انه لا يوجد عنده أدنى علم بظاهرة الشبيحة والاذن بالقتل الذي حصلوا عليه من قادة الجيش الكبار، برغم ان أبرزهم هو ماهر شقيقه، قائد الفرقة الرابعة. فمن وجهة نظر الرئيس لا توجد اعمال تعذيب ولا عدوان على حقوق الانسان وهو يخطو أصلا في الطريق الى ديمقراطية كاملة.
وفي مقابل مزاعمه نشرت 'امنستي' هذا الاسبوع حسابا مفصلا يثير القشعريرة يعرض شهادات لاجئين سوريين في الاردن. وقد بسطوا الحديث عن 37 طريقة تعذيب قاسية في السجون وفي مراكز الاعتقال وفي الأقبية، وفي مقدمتها كما تحدث ن ع 'بساط الريح' و'الكرسي الالماني' (يُجلسون المعتقل ويشدون أطرافه) و'العلاج الكهربائي'. ولم يولد جزء من اعمال التنكيل والتعذيب في سنة الانتفاضة هذه. فقد كانت اعمال التعذيب العنيفة هذه في سجن المزة من نصيب أسرى اسرائيليين ايضا.
اعتقل ناصر سرير، وهو أب لخمسة صغار في حي من أحياء دمشق وحُقق معه وعُذب وجُوع وصُبت عليه الشتائم والتهديدات، وقال لرفاقه: 'لم يكن عندي مناص. سلمت أسماء منظمي المظاهرات'.
بعد اسبوع جاء قاض الى السجن وأمر بالافراج عن ناصر، لكن الشبيحة لم يتخلوا بل داهموا بيته بعد اسبوعين وضربوه ضربا شديدا وجروه الى الساحة وقتلوه وأبناء عائلته والجيران ينظرون. وقال أحدهم: 'نحن نعطي هذا المتعاون ما يستحقه. ومن الخير لكم ان تتعلموا الدرس'. عرض علي فرزات، صديق بشار، رسام الكاريكاتير الذي استضافه في مرسمه ايضا، عرض بفخر مجموعة الرسوم الكاريكاتورية التي طيرت صيته في العالم العربي ومعارض في اوروبا، لكنه تلقى ايضا ضربات شديدة من الشبيحة. 'رسمت رسما كاريكاتوريا أغضب عنوانه السلطة'، قال. 'فقد أظهرت شابا مقيدا مضروبا ملقى على كرسي ينظر في صورة كبيرة للرئيس. وخرج من شفتي هذا البائس المنتفختين بالونا مع سؤال: 'الى متى'؟.
وفي الغد خرج فرزات في الساعات المتأخرة من الليل من مرسمه في العاصمة السورية. وألقت مجموعة من الشبيحة يدها عليه في ممر مشاة ودفعته الى سيارة وسافرت بسرعة جنونية. وضربوا وكسروا وجه فرزات ويديه. وفي المستشفى حينما كان جسمه كله ملفوفا بالجص قام شبيح ذو عضلات قرب سريره.
'كيف عرفت آلان جوبيه (وزير خارجية فرنسا)؟ أأنت عميل للاستخبارات الفرنسية؟'، ولم يفهم فرزات ما الذي يريده هذا الشخص منه، وأجاب انه لم يلق جوبيه قط. 'لكنه خرج الى وسائل الاعلام وطلب من الرئيس الاهتمام بك'، أسكته الشبيح. 'وأصر على ان يقدموا اليك علاجا، خذ اذا جواز سفرك وانصرف عنا'.
ولم يُضع فرزات دقائق ثمينة. فقد وصل مع لفائف الجص الى اول رحلة طيران خرجت من مطار دمشق وانتقل ليعيش في دبي.
ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
الارهاب اصبح هنا
بقلم:يوئيل ماركوس،عن هآرتس
يمتدح بيبي رؤساء البلديات في الجنوب وسكانها لصمودهم. وتُلتقط لباراك الصور قرب بطاريات القبة الحديدية منتفخا باللذة (وليس مهما ان الذي أمر بصنعها كان عمير بيرتس حينما تولى وزارة الدفاع). اذا كان قادتنا يتلذذون هذا التلذذ بنجاح صواريخ القبة بكلفة 80 ألف دولار لكل صاروخ، فلماذا لا ينقلون سكنهم الصيفي الى الجنوب.
ان الحقيقة المرة هي انه بعد انشاء الدولة بـ 63 سنة، وبرغم جميع اتفاقات السلام التي وقعناها ما نزال تحت تهديد ساذج للارهاب الاسلامي. وفي حين يعمل قادتنا 'بسياسة رفيعة' دولية لمنع ايران من السلاح الذري فان واحدا يسمى احمد أو مصطفى يأتي في شاحنة صغيرة أو راكبا حمارا ينصب قاعدة اطلاق قذيفة الرجم أو كل قذيفة مائلة المسار اخرى ويسدد ويطلق ويهرب. نحن شعب شديد الذكاء حتى انه ليصعب علينا ان نحارب الارهاب الأكثر ابتذالا والأكثر سذاجة. هل قلنا انه ساذج؟ وانه قد انقضى وقته؟ اذا كان الامر كذلك فماذا يمكن ان نقول عن الاغتيال المركز لرئيس لجان المقاومة في غزة؟ وأين الاحكام هنا؟ وما الذي جعلنا نعتقد ان هذا النوع من القتال في غزة ما يزال الكلمة الاخيرة في العلاقات بيننا وبين جيراننا أو انه سيمر بلا رد؟.
حينما رأينا كيف بدأت صواريخ غراد تزحف من عسقلان وبئر السبع الى الشمال ثارت بطبيعة الامر خشية ان تبلغ الى تل ابيب بعد وقت قصير. سيقول الهازىء فليكن أسكان تل ابيب أكثر منعة؟ وحينما يقول رئيس هيئة الاركان اننا في وضع لا يطاق يتبين من كلامه انه ما لم يوجد حل لمشكلة غزة فوصول صواريخهم الى تل ابيب مسألة وقت فقط.
ونحن نثرثر عن التهديد الايراني، لكن لا عن تهديد تجدد الارهاب من غزة. وسواء كانت صواريخ أو غير صواريخ فان صلفنا يزداد انتفاخا. يهدد بوغي يعلون في مقابلة صحفية متبجحة بأنهم اذا أطلقوا الصواريخ على تل ابيب فسنعمل بطريقة الهجوم البري الى ان يقولوا حسبُنا. ويصعب ان نصدق ان وزيرا رفيع المستوى في حكومة، ورئيس اركان سابقا يمكن ان يقول هذا الهراء. والحقيقة هي ان الجيش الاسرائيلي لا يستطيع ان يحل مشكلة غزة هذه مع مليون ونصف مليون من سكانها. فماذا نفعل؟ هل نحتلها؟ هل يريدها أحد حقا؟ وهل تُعد جزءا من ارض اسرائيل الكاملة؟.
توجد لنا حكومة لا تكشف ما هي حدود اسرائيل الدائمة. ولا تقول هذا ايضا للفلسطينيين، وفي حين ينقلون الينا اقتراحات وخرائط مكتوبة لم تقل اسرائيل قط كيف ترى حدودها الدائمة. لماذا؟ لأن اليمين والمتدينين هم ذوو التأثير في هذه الحكومة. ولا يسيطر عليها رئيس الحكومة المُنذَر فقط بل الذي يعيش في خوف وسواسي من فقدان زمام السلطة.
كان المتفائل سيقول ان من الخير انه توجد لنا سلطة قوية لكن المتشائم سيقول ان سفينة التايتانيك كانت سفينة قوية ايضا. وما نجحنا في صنعه هو أننا جعلنا الموضوع الفلسطيني بلا صورة. وأننا انشأنا وضعا على الارض لا يمكن معه تنفيذ اخلاء وفصل حقيقي واقعي حتى لو وجدت أكثرية تؤيد الاخلاء.
صحيح ان الفلسطينيين مذنبون ايضا، لكن توجد آخر الامر حقيقة واحدة لا يمكن التهرب منها وهي 'نجاح' بيبي وباراك في جعل الموضوع الفلسطيني الاسرائيلي غير قابل للتحقيق. وصحيح ان الفلسطينيين رفضوا بعنادهم منذ اليوم الذي استقر الرأي فيه على خطة التقسيم في الامم المتحدة، الاعتراف بوجودنا. وبهذا أطلقوا النار على أقدامهم وحكموا على أنفسهم بمصير لاجئين وشعب بلا دولة.
نجح بيبي في ازالة التاريخ عن برنامج العمل العالمي والاقليمي وفي اسرائيل ايضا. وحينما تحدث الرئيس شمعون بيرس في واشنطن عن الحاجة الى الحفاظ على اسرائيل ديمقراطية وجذابة، أشار بذلك الى ان بيبي وباراك يقوداننا الى عكس ما كنا نقصد الى ان نكون. ونحن نبدو في نظر دول كثيرة في العالم قبيحين.
لم ينس المواطن الاسرائيلي أيام الخوف حينما كان يركب حافلات تنفجر أو لا تنفجر والمقاهي التي كان يقتل الجالسون فيها ويجرحون. توجد حالة وهم جماعي ان كل شيء سيكون على ما يرام. لكن ما يحدث هذه الايام يعلمنا ان الارهاب قد يعود بكامل قوته. وستكون لايران آخر الامر قنبلة ذرية وتنشب عندنا الانتفاضة الثالثة. يقترب منا تسونامي والاثنان ب و ب مملوءان بأنفسهما فيما يبدو في الانجليزية العامية أفضل كثيرا.
ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
العربي يتعلم بالضرب
بقلم:عوفر شيلح،عن معاريف
في السنوات الصعبة للانتفاضة الثانية كان تعبير 'رواية'، المأخوذ بالاصل من حقل النقد الادبي، مفهوما استخدمه رجال الجيش أكثر مما تعلموه في دورات الضباط. الفلسطينيون ونحن، كما علمنا لابسو البزات، نوجد في صراع يجري على مستوى الوعي، وكل طرف يبلور له قصته، مع أو بدون صلة بما يجري على الارض. هكذا بالتأكيد بالنسبة لجولة العنف الاخيرة في قطاع غزة: لكل واحد، من رئيس وزراء اسرائيل وحتى آخر مقاتلي الجهاد الاسلامي، توجد له قصة خاصة به، ما كان هنا وما يعنيه هذا. كل واحد يعلن عن انتصاره بزمنه هو، كل واحد يستخلص استنتاجات بعيدة الاثر، معناها واحد: رغم كل التهديدات، رغم كل خيبات الامل في الطرفين، من شبه المؤكد ان ما كان هو ما سيبقى.
هذا الاسبوع وقف رئيس الوزراء على منصة الكنيست وقال، المرة تلو الاخرى الاسم الصريح للعدو: ايران. مسلحة الجهاد الاسلامي، ممولتها، خالقة بواسطتها قاعدة قوة في قطاع غزة، اثبتت في اثناء الاسبوع الماضي قوتها حتى حيال حكم حماس. المنظمة التي طردت بالقوة فتح من القطاع اقتيدت هذا الاسبوع من أنفها من قبل قوة اصغر منها بكثير، حسب التقارير، جنت ثمار التصعيد بشكل اعتباري في الشارع الغزي، وان كان ينبغي التعاطي مع هذه التقارير بضمانة محدودة. بالطريقة التي يفسرون عندنا فيها الامور، فان من يقاتل ضدنا يحظى دوما بالاعتبار. ليس دوما واضحا ما الذي يقدمه له هذا الاعتبار حقا.
رئيس الوزراء لم يقل ما هو في نظره معنى حقيقة أن ايران تقف خلف الجهاد. يخيل أنه يكفي لنتنياهو أن يقول ايران، وكل شيء يترتب في مكانه. ليس واضحا كيف يخلق هذا سياسة أمنية.
' ' '
رسالة واحدة نقلتها اسرائيل هذا الاسبوع بشكل واضح: ميزان الردع الذي تحاول منظمات الارهاب خلقه حيالها من خلال التسلح بوسائل اطلاق نار بكميات هائلة، لن يردعها من العمل، حتى عندما يكون واضحا بان ثمن العمل سيكون اياما من تبادل اطلاق النار، وحتى عندما يكون واضحا بان احدا في القيادة لا يفكر بجدية بقيادة خطوة هجومية واسعة.
تصفية زهير القيسي لم تكن عملية احباط مركز: في ذات اليوم قال وزير الدفاع انه ليس واضحا اذا كانت التصفية بالفعل ستوقف العملية، التي تحاول لجان المقاومة اصدارها من سيناء. صحيح حتى الان، خطر العملية لم يزل، وليس واضحا اذا كان قتل القيسي سيغير النية لتنفيذها. اكثر بكثير منها لاحباط العملية بالفعل، التصفية جاءت لاطلاق رسالة.
هذه رسالة هامة: فهي تؤشر للمنظمات في غزة بان اسرائيل لن توافق على 'قواعد لعب' من النوع الذي جرى لسنوات في لبنان حيال حزب الله. وهي تتعاظم بسبب نجاح منظومة قبة حديدية في اعتراض كميات كبيرة من الصواريخ والسلوك الراشد والمسؤول للجبهة الداخلية بشكل عام، والتي بلا ريب انقذت الحياة. ولكن على نحو مفعم بالمفارقة، هذه الحقيقة تعمل في الاتجاهين: الجهاد ايضا كان يمكنها أن تواصل اطلاق النار بكميات كبيرة إذ ان النتائج كانت على نحو لم تجر اسرائيل الى ما وراء شفا التصعيد المعقول من ناحيتها. عندنا تحدثوا عن خيبة أمل المنظمات من أنها لم تنجح في قتل اسرائيليين؛ في روايتهم، اطلقوا نحو 200 صاروخ، بما في ذلك لمدى بعيد جدا وبما في ذلك نار يومية على مدينة كبرى كبئر السبع، واسرائيل لم تتجرأ على اجتياز الحدود وبدت كمن تسعى الى انهاء الجولة في أقرب وقت ممكن.
' ' '
بضع كلمات عن الردع: يدور الحديث عن قول قديم ومدحوض للغاية من جانب جهاز الامن والجمهور في اسرائيل. الردع لم يكن موجودا على المستوى السياسي بعد اقل من سنتين من هزيمة ناصر في الايام الستة شرع في حرب استنزاف، وبعد أربع سنوات من ذلك انطلقت مصر وسوريا الى حرب شاملة. وبالاحرى هذا لا يوجد في الواقع العربي المميز الذي تكون فيه القوة الحاكمة (حكومة لبنان، السلطة الفلسطينية، حماس) تنجح دوما في ان تكون مسؤولة عن النشاط المسلح الذي ينطلق من اراضيها.
كل مفهوم الردع يقوم على اساس الاعتقاد في أننا فقط اذا ما ضربنا العربي بما فيه الكفاية من القوة فسيتعلم الا يتحرش بنا. هذا نهج لا ينجح علينا (جمهور له ما يخسره) ولن ينجح عليهم. الامر الوحيد الجيد في الردع هو أنه لا يمكن قياسه، الامر الذي سمح هذا الاسبوع للجيش الاسرائيلي بالاعلان عن النصر، وفي ذات الوقت القول ان الجولة التالية هي مسألة وقت.
' ' '
على المستوى العملياتي الهجومي ايضا نجد أن الرواية أكبر قليلا من الاحداث نفسها. منذ فك الارتباط ونحن نسمع عن تحسن وتطور في تحصيل المعلومات الاستخبارية مما يتيح اغلاق سريع لدوائر النار. قد يكون كل هذا صحيحا وان كان ليس من التفاهة ان نذكر بان ذات منظومة الاستخبارات دون الدخول الان في الانتماء للاجهزة، فشلت على مدى خمس سنوات في الحصول على معلومات عن مكان وجود جلعاد شاليط. للانسان الذي يتغذى من معلومات من الخارج يصعب عليه ان يعرف كم من الاهداف لم تهاجم بسبب انعدام اليقين، وذلك من أجل المنع (وعن حق تام) امكانية خلل يغير تماما الصورة في العالم. ولكن على حالها تقف الحقيقة بانه في قانون الاعداد الكبيرة للارهاب ليس مهما حقا كم احبط ومن اصيب: عمليا، المنظمات تطلق النار بالكميات بناء على قرارها.
في السطر الاخير، يحتمل أن من كسب اكثر من الجميع هو من لم يشارك في القتال. أولا، مصر، التي اثبتت لاول مرة منذ سقوط مبارك بان حتى في وضعها الداخلي الحساس هي الجهة التي يتوجه اليها كل الاطراف كي يتاح لها ان تتوقف والى جانبها حتى حماس: فقد تكون أقل شعبية، ولكنها حظيت بشرعية متصاعدة كمن كانت في نهاية المطاف شريكا في مسيرة أدت الى الوقف الرسمي للقتال، والذي خرق على الفور من المنظمات في غزة.
ها هي، على ما يبدو، المسيرة الجارية في الشرق الاوسط في ظل عدم وجود مفاوضات، حين يكون الطرفان مقتنعان بانه لا يوجد مع من يمكن الحديث: اسرائيل توجه قوتها الهائلة في كل مرة ضد عدو اصغر، صغره بالذات وضعفه يجعلانه غير قابل للهزيمة وصعب على الردع، بينما منظمة الامس تصبح شريك الغد، ان لم يكن لتسوية فلتفاهمات ما تسمح بوقف الجولة الحالية.
ــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
الجولة انتهت.. المعركة مستمرة
القطاع لا يزال برميل بارود وفي الجولة القادمة اذا كانت اوسع واشمل فسيكون دم كثير هنا واكثر هناك
بقلم:يوآف ليمور،عن اسرائيل اليوم
خلف كواليس جولة القتال الاخيرة في الجنوب دار في اسرائيل الجدال: الى أي حد، اذا كان ينبغي على الاطلاق، تعميق القتال في غزة. أمام أصحاب القرار كانت ظاهرا ثلاث امكانيات. الاولى الاكتفاء بما تم والسعي الى انهاء سريع للمواجهة؛ الثانية استغلال الزخم والمس ببضعة اهداف هامة اخرى، حتى بثمن تصعيد المناوشات؛ والثالثة الدخول في حملة واسعة تضرب البنية التحتية للارهاب والتي بنيت في القطاع.
الامكانية الثالثة استبعدت على الفور. على الورق الخطط كانت جاهزة، ولكن لم توصي أي جهة أمنية بتنفيذها ولم تفكر أي جهة سياسية فيها بجدية؛ لم يكن لاحد في اسرائيل رغبة في الخروج في مغامرة معقدة في غزة، نهايتها غير معروفة. مثل هذه الحملة، كان واضحا ستكلف دما كثيرا على جانب الجدار، ستؤدي الى نار كثيفة من الصواريخ حتى على غوش دان، ستجر انتقادا دوليا شديدا على اسرائيل وستصرف الانتباه والطاقة عن الجهد الاساس التهديد النووي الايراني.
الخيار الثاني كان مغريا أكثر. في السنوات الثلاث الماضية منذ حملة رصاص مصبوب يجري في غزة سباق تسلح غير مسبوق. بتمويل وتوجيه ايراني تتدفق الى القطاع جملة من الوسائل القتالية والخبراء الذين يعملون على رفع مستوى القدرة العسكرية لعموم منظمات الارهاب. رغم نشاط اسرائيل في البحر الاحمر والبحر المتوسط، فان طوفان التهريب الى القطاع لم يتوقف بل تعاظم؛ انهيار الحكم المركزي في القاهرة سمح بنقل مسار التهريب من 500 نفق (!) محفورة تحت محور فيلادلفيا الى ما فوق الارض. للسلاح الذي يتدفق من طهران انضم ايضا سلاح تم شراؤه وسرقته من مخازن الجيش في ليبيا، في جزء منه سلاح تعتبره اسرائيل 'محطم للتعادل'.
في المخابرات والجيش الاسرائيلي يتابعون بقلق هذا التعاظم، الذي يتراكم سرا كل السنة ويرمي الى ردع اسرائيل ووضع ميزان رعب امامها في الشكل الذي يوجد مع حزب الله في الشمال. رئيس الاركان ورئيس المخابرات (بتشجيع من قائد المنطقة الجنوبية ورئيس المجال الجنوبي في المخابرات) اعتقدا بانه يجب الضرب، كجزء من الحملة، بالاشخاص وبالوسائل ايضا، حتى بثمن عدة ايام اخرى من القتال النازف.
في نهاية الاسبوع الماضي اخذ بموقف غانتس وكوهين وصدرت الاذون، ولكن عندها دخلت مساعي الوساطة المصرية التي اعادت الخطط الى الجارور. وهكذا سمحت القاهرة لاصحاب القرار في القدس أن يختاروا الخيار الافضل لهم منذ البداية الاول للوصول السريع الى وقف للنار. على أي حال الهدف الاول للحملة تحقق: العملية التي خططت لها لجان المقاومة لاطلاقها من غزة، عبر سيناء، تشوشت وعلى ما يبدو احبطت. ما حصل بعد ذلك لم يؤخر ولم يقدم في صورة الوضع المعروفة التي بموجبها غزة هي برميل بارود معالجته الافضل (صحيح للسياسة الاسرائيلية الحالية) هي تحقيق ردع فاعل بما فيه الكفاية يؤجل الحاجة الى التصدي له فورا.
حرج حماس
66 ساعة استمرت جولة العنف الاخيرة. اكثر بقليل من الجولتين السابقين (8 ايام في نيسان 2011، ثمانية ايام ايضا في آب الماضي بعد العملية على طريق 12)، ولكن اكثر عنفا. نحو 300 صاروخ اطلق من غزة باتجاه الاراضي الاسرائيلية؛ 169 اجتاز الخط الاخضر (الباقي سقط في اراضي القطاع)، منها 103 سقط في اراضي مفتوحة في اسرائيل او في البحر. الباقي هدد بضرب مناطق مأهولة، وضد معظمها عملت ثلاث بطاريات قبة حديدية في اسدود، في عسقلان وبئر السبع. ثمانية صواريخ فقط تسللت عبر دفاع القبة وضربت مراكز المدن، ولكن لشدة الحظ الحقت ضررا قليلا فقط: جريح واحد بجراح خطيرة، بضعة جرحى بجراح طفيفة وعشرات قليلة من اصابات الصدمة. في الطرف الغزي قتل ثلاثة مواطنين لا صلة لهم بالقتال (اب وابنته وفتى ابن 14 كان بجانب حفرة اطلاق صاروخ غراد).
ولا يزال، محظور الخطأ. رغم النتائج الطيبة نسبيا من ناحية اسرائيل، ورغم نجاح الاعتراض للصواريخ، سجلت هذا الاسبوع بضع سوابق مقلقة. لاول مرة نجحت الجهاد الاسلامي في ان تبقي وحدها جولة عنف كاملة: رغم حقيقة أن 18 خلية اطلاق صواريخ لها تعرضت للهجوم و22 من نشطائها قتلوا، نجحت في أن تطلق كل يوم عشرات الصواريخ نحو عمق اسرائيل والابقاء على مخزون كاف لايام قتالية اخرى.
الاسوأ من هذا، لاول مرة وضعت الجهاد الاسلامي تحديا زعاميا حقيقيا لحماس، التي اعتبرت في غزة كمن خشيت من مواجهة بينما الجهاد وحدها كافحت في سبيل الكرامة الفلسطينية. بتشجيع واضح من ايران التي تخشى بان في يوم الامر، لن تتمكن من الاعتماد على حماس، بينما الجهاد ستعمل تلقائيا بتعليماتها وفي صالحها بدأت تثبت نفسها كبديل، يجمع بمثابرة المؤيدين والوسائل ويحتفظ هو ايضا بقدرة حقيقية على المس باسرائيل، من خلال صواريخ فجر التي تهدد غوش دان.
هذه المسيرة لم تخفى عن ناظر حماس. قيادتها، الممزقة بين ضغوط الادارة اليومية للشارع الفلسطيني (مصر أوقفت مؤخرا ضخ الوقود زهيد الثمن من سيناء وأحدثت على الفور أزمة طاقة حادة في غزة) وبين ضغط النشطاء الميدانيين للقتال، أرادت تهدئة سريعة خوفا من أن تدفع ثمنا بفقدان التأييد الفلسطيني الداخلي وفقدان ذخائر امنية بسبب توسيع الاعمال الاسرائيلية.
المصلحة المصرية
من جاء لمساعدة حماس، بدوافعها هي، كانت مصر. القيادة في القاهرة ضعيفة أكثر من أي وقت مضى، ولكنها ترى الوضع بشكل واعٍ. وقد فهمت فورا بان تصعيدا في غزة وقتلى فلسطينيين في جانبه من شأنه أن يشعل ايضا ميدان التحرير الذي سيتوجه بداية ضد اسرائيل ولكن لاحقا ضد الحكم نفسه ايضا مطالبا بالعمل ضد اسرائيل وقطع العلاقات معها. للحكم المصري، رغم نتائج الانتخابات الاخيرة التي أعطت القوة في البرلمان للاحزاب الاسلامية، لا توجد أي نية لعمل ذلك: فهو يعرف بان البقايا الاخيرة لسواء العقل في مصر متعلقة بتأييد الغرب، بالمساعدة الامريكية وبالسياحة ثلاثة عناصر من شأنها أن تختفي ما أن يحل شرخ في العلاقات مع اسرائيل.
الدور المصري في مساعي التهدئة بدأ يوم السبت، وبلغ ذروته الاحد والاثنين. في البداية طلب المصريون تعهدات واضحة من الطرفين من اسرائيل الا تصفي المزيد في غزة، ومن الفلسطينيين الامتناع تماما عن اطلاق الصواريخ والقذائف. الطرفان رفضا وطلبا أن يبقيا في ايديهما حرية العمل والرد. النتيجة كانت في اتفاق غير مكتوب وصفه رئيس الاركان بانه 'الهدوء سيستجاب بالهدوء، والنار بالنار'.
هذه الصيغة فرضها المصريون، ليس بسهولة، على عموم الفصائل في القطاع. حماس، كما يذكر، استجابت فورا، حتى بضغط قيادتها السياسية التي ضعفت جدا منذ هجرت دمشق. لجان المقاومة الشعبية، التي فقدت قائدا ثانيا في غضون نصف سنة، كانت هذا الاسبوع مشوشة من أن تنتج سياسة مستقلة واضحة، وخضعت للضغط من القاهرة. الجهاد الاسلامي واصلت التمسك بالقتال، الى أن خضعت هي ايضا ووافقت على التهدئة. وخائبة الظن من عدم نجاحها في جباية ثمن دموي من الطرف الاسرائيلي، واصلت الجهاد اطلاق النار حتى بعد ساعة التهدئة التي قررها المصريون، بما في ذلك صواريخ غراد على نتيفوت وبئر السبع، وان كان كيف تتمكن من الادعاء بانها كانت آخر من اطلق النار. في اسرائيل اختاروا التمتع بعودة الهدوء والتجلد.
وسائل اعلام جديدة قيد العمل
اربعة انجازات برزت في الطرف الاسرائيلي في جولة القتال الاخيرة: اثنان عمليان (قبة حديدية وجودة الاصابة لاهداف الارهاب) واثنان بالوعي: المناعة الجماهيرية وادارة الاعلام.
عن قبة حديدية كتب حتى الان كل شيء. ومع ذلك: ليس معقولا ان يكون لدى اسرائيل (بعد بضعة اسابيع) أربع بطاريات تنفيذية فقط. بالضبط مثلما في ذروة الانتفاضة الثانية وجدت مليارات الشواكل لبناء جدار الفصل مطلوبة اليوم ميزانية طوارىء لست حتى ثماني بطاريات اخرى اضافة الى الاثنتين اللتين توجدان في سياقات الانتاج وستكونان تنفيذيتين في 2013. في حرب حقيقة، لن تشبه على الاطلاق ما جرى هنا هذا الاسبوع، ستصرف البطاريات الاولى للدفاع عن مواقع استراتيجية وعن حرية عمل سلاح الجو. المعنى: اذا لم يكن لاسرائيل 10 15 بطارية، لن يكون من يحمي المواطنين من عشرات الاف الصواريخ من الشمال ومن الجنوب.
في الجانب الهجومي صعد الجيش الاسرائيلي درجة في اغلاق الدوائر الناجعة بين الاستخبارات والنار. الغرف الحربية في فرقة غزة وفي قيادة المنطقة الجنوبية نجحت في أن تخلق في الزمن الحقيقي معلومات توقعية، الكترونية وبشرية، جمعتها شعبة الاستخبارات والمخابرات وتحويلها الى اهداف عملياتية متوفرة. يدور الحديث عن قدرة بنيت على مدى السنين وتم تطويرها في جولات القتال الاخيرة منذ رصاص مصبوب. ووصلت هذه المرة الى ذروة (مؤقتة) من النجاعة. الحرص على الامتناع عن اصابة المواطنين المدنيين سمح للجيش الاسرائيلي ليس فقط بهدوء عملياتي بل وايضا بتفوق من حيث الوعي والاعلام: في حالتين على الاقل زعم ان الجيش الاسرائيلي قتل مواطنين ابرياء. في الحالة الاولى اصدر مدون في البحرين صورا لمنازل تحترق، دليل على أن غزة تشتعل بسبب القصف الاسرائيلي، وفي حالة اخرى ادعت مدونة بان الجيش الاسرائيلي قتل اطفالا في الطريق الى المدرسة. الادعاءات بشأن المنازل المحترقة اتضحت بانها صورة قديمة وفي الحالة الثانية لم تحصل ببساطة. ونقلت المعلومات الى المدونين فسارعوا الى ازالتها بل والاعتذار عن الخطأ.
في مجال نشر المعلومات ايضا سجل تقدم: الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي نجح في أن يجمع وينشر في الزمن الحقيقي معلومات وافلام سمحت في تلقي الجبهة الداخلية صورة وضع نزيهة عما يجري في الجبهة. ومع ان الحديث يدور عن قتال على نطاق ضيق، دون اصابات في الجبهة الداخلية او في اوساط المقاتلين، ومع ذلك اعتاد الجيش على أن عليه ان يرفع تقارير للجمهور، الذي من جهته منحه مرة اخرى هذا الاسبوع ريح اسناد لمواصلة العمل. هنا ايضا، يجب أن نأخذ بالحسبان الخلفية العامة: لم تكن هذه حربا، لم يكن قتلى، قبة حديدية انتشرت ومنحت حماية ذات مغزى، ثلاثة عناصر مشكوك فيه أن توجد في مواجهة واسعة. ولكن من يتابع النظام والهدوء اللذين اتخذت فيهما القرارات واديرت فيهما الامور على المستوى الوطني والبلدي، يعرف بانه قطع طريق طويل منذ القصور الكبير في حرب لبنان الثانية. متان فيلنائي، الذي ينهي قريبا نحو خمس سنوات كمسؤول عن الجبهة الداخلية، بالتأكيد يحق له ان يبتسم كل الطريق الى بيجين؛ ينبغي الامل في أن يحتل وزارة حماية الجبهة الداخلية وزير جديد ومتفان بقدر لا يقل (يوسي بيلد محبوك للمنصب).
في الاشهر الاخيرة حذر رئيس الاركان بيني غانتس من أن الوضع حول قطاع غزة قابل للانفجار، وان التصعيد قريب. اقواله ساعدت في الردع وهذا أجل القتال الذي بدأ هذا الاسبوع بمبادرة اسرائيل مع تصفية الامين العام للجان المقاومة زهير القيسي. وهكذا 'عزت' اسرائيل للحكم في غزة المسؤولية عما يجري في سيناء ايضا. المعنى: عملية مرسلوها ومنفذوها يوجدون في غزة ستؤدي الى رد في غزة او ستحبط فيها، دون صلة بمكان تنفيذها.
من يعرف صورة الاستخبارات عن نشاط الارهاب في سيناء (وفي غزة) يفهم بان العملية التالية باتت على الطريق، وضمنا الاحباط ايضا. الحكم المصري الذي كان ناجعا في التهدئة غير قادر على منع طوفان العمليات التخريبية في سيناء، ويفهم بان الحدث التالي من شأنه أن يشعل نارا كبيرة، قصدها غانتس عندما توقع مواجهة واسعة في الجنوب في 2012. في هذا المنظور، فان احداث الاسبوع الاخير كانت تجربة للادوات فقط، بل ليست مقدمة حقا، لما سيحصل عندما سيكون في الجنوب تصعيد حقيقي. قد يبدأ هذا في سيناء او في غزة بل وحتى في طهران في حالة هجوم على مواقع النووي الايرانية او بالذات بسبب محاولة من آيات الله لشل اسرائيل في المنطقة عن طريق تسخين مبادر اليه للجبهة الجنوبية (او الشمالية او كلتيهما معا).
مثل هذه المعركة، التي فحص الجيش الاسرائيلي استعداده لها في جملة من المناورات، ستضع تقريبا كل مواطني الدولة في خط النار. التحدي الزعامي والامني الذي ستفرضه سيكون كبيرا، ربما غير مسبوق، على خلفية الحاجة للقتال في نفس الوقت في لبنان وفي غزة، وربما ايضا في سوريا والتخوف على مصير اتفاقات السلام مع مصر ومع الاردن.
بالضبط مثل هذا الاسبوع، ما سيقرر نتائج المعركة سيكون النجاعة التنفيذية للجيش الاسرائيلي ومناعة الجبهة الداخلية؛ وليس مثل هذا الاسبوع اسرائيل لن تتمكن من الاكتفاء بنتيجة متواضعة تحقق الهدوء وستكون مطالبة بان تتوصل الى انجاز حقيقي يخلق ردا بعيد المدى في الطرف الاخر، مثل ذاك الذي نشأ مع حزب الله في 2006 وحيال حماس بعد رصاص مصبوب.
هذه المعركة، الكبيرة، ستكون قصيرة وعنيفة. وهي ستكلف ثمنا دمويا هنا وبالاساس هناك، بعدها، كما ينبغي الامل، ستهدأ البلاد لزمن طويل. في هذه الاثناء، كما يقول الكليشيه، الهدوء مؤقت وقابل للاشتعال. كم من الوقت سيستمر؟ هذا منوط بحكمة الطرفين وبكثير من الحظ. احداث الاسبوع اثبتت بان المنطق في اسرائيل وفي غزة يعمل، والحظ كان معنا. يجب الامل في أن على الاقل في هذين الامرين يبدي الشرق الاوسط استقرارا.
ـــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ<hr>إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً