1 مرفق
مقالات في الصحف المحلية 193
المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (193)
المقالات في الصحف المحلية
|
الأزمة الخانقة عند معبر قلنديا
بقلم: حديث القدس – القدس
السعودية.. بين الحُكم والمُلك
بقلم: عبد الرحمن أبوعرفة - القدس
الأحد... وكل يوم أحد ... تحية للسجين المحرر الذي أحب الإبن الذي لم ينجبه!
بقلم: المحامي زياد أبو زياد – القدس
الحملة الأمنية الفلسطينية في ضواحي القدس... بين الواقع والمأمول
بقلم: شبلي اسماعيل السويطي - القدس
لمواجهة الهيمنة والتبعية...مطلوب محور اقتصادي فلسطيني أردني مصري
بقلم: الدكتور حسن عبد الله – القدس
غياب السلطة الكاملة ...الرقعة خير من الثقب!
بقلم: محمد الخطيب – القدس
شاور وقرّر ، أو قرّر وشاور ؟
بقلم: حسن البطل - الايام
الروس يعودون .. برعاية سعودية !!
بقلم: هاني حبيب – الايام
تكامل الموضوعي مع الذاتي شرط الانتصار
بقلم: حمادة فراعنة – الايام
حركة حماس سلطة أم مقاومة؟
بقلم: أكرم عطا الله- الايام
تمرد العكاز والحجر
بقبلم: عادل الأسطة – الايام
تغريدة الصباح - عالم الخرائط
بقلم: حنان باكير – الحياة
استعراض وحربٌ ضروس
بقلم: عدلي صادق – الحياة
مرة يغالط الحقيقة (5)
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
صحفيون مصريون بين أنين القدس وأنياب الأتباع
بقلم: موفق مطر – الحياة
ريشة باعت
بقلم: د. أسامه الفرا – الحياة
الأزمة الخانقة عند معبر قلنديا
بقلم: حديث القدس – القدس
تتفاقم يوما بعد يوم الأزمة المرورية الخانقة في مقطع طريق القدس- رام الله بين كازية القواسمي وطلعة المدارس في كفر عقب، حتى أصبح اجتياز الأزمة مع قدر كبير من حسن الحظ يقارب الساعة. هذا زمن طويل بالنسبة لمسافة لا تزيد عن الكيلومتر وتكاد تسجل رقما قياسيا في بطء السرعة ربما ليس له مثيل في العالم.
والسبب الرئيس لهذه الأزمة هو المعبر في الجدار الفاصل حيث تضطر المركبات للتوقف عنده لفترات تطول وتقصر حسب مزاج الجنود الواقفين على المعبر. وفي الأساس فإن الجدار الفاصل غير شرعي وغير قانوني، وفقا لقرار محكمة العدل الدولية، لأنه يتجاوز بكثير الخط الأخضر أو حدود ١٩٦٧ التي اعتبرتها المرجعيات الدولية ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة في ذلك العام، والتي يتوجب على اسرائيل الانسحاب منها كما نص على ذلك قرارا مجلس الأمن ٢٤٢ و٣٣٨.
وزادت الأمة المرورية تعقيدا بعد أن قسم الجدار الفاصل شارع القدس- رام الله التاريخي بين مفرق الضاحية والمعبر إلى قسمين أحدهما داخل الجدار والآخر خارجه. والقسم داخل الجدار فيه مسلكان فقط يخدمان الاتجاهين من القدس وإليها. ويكفي أن تتعطل مركبة واحدة لتتوقف حركة السير لوقت طويل.
أما القسم خارج الجدار فيستخدمه سكان الرام وتتجمع سيارات جنوب الضفة المتجهة لرام الله وتلك القادمة من القدس حول المعبر من الجهتين، وتتكدس آلاف السيارات عند عنق الزجاجة على مدى ساعات النهار، وخصوصا ساعات الذروة في الصباح وبعد العصر وفي المساء بشكل غير مسبوق، ومنذ شهور عديدة.
إن هذه الأزمة فيها هدر واستنزاف للوقت وتعطيل لمصالح المواطنين وتأخير للموظفين والطلاب عن دوامهم، فضلا عن هدر للوقود المستخدم في تدوير المحركات. ويعاني المواطنون جميعا من يركبون السيارات وأولئك المشاة على حد سواء من هذه الأزمة.
هذا الوضع يتوجب إيجاد حل له بعد أن استفحل بسبب كثرة المركبات من ناحية، وكون هذا الشارع، من الناحية الأخرى، من أكثر الشوارع حيوية وحركة واستخداما لأنه يصل ليس فقط بين القدس ورام الله، بل أيضا بين شمال الضفة وجنوبها بشكل عام.
والحل الجذري العادل يتمثل في إزالة الجدار الفاصل، وإلى أن يتحقق هذا الحل من خلال التسوية النهائية للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي فالحل المؤقت ربما يتمثل في إضافة معبر آخر إلى الغرب من المعبر الحالي يتم الوصول إليه عبر الشارع الموازي لشارع القدس- رام الله.
ومن المفروض أن يطرح هذا الموضوع على المنظمات الدولية المعنية بتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال، كما أن الجانب الفلسطيني يمكنه مناقشة المسألة مع الطرف الاسرائيلي للتوصل إلى حل يضع حدا لهذه المعاناة اليومية التي يكابدها عشرات الآلاف من المواطنين كل يوم ومنذ عدة سنوات.
فهل تتجاوب المنظمات الدولية والدول المانحة، خصوصا وأن مندوبيها وممثليها يرون هذه الأزمة في تنقلهم بين شمال الضفة وجنوبها، ويشاهدون بأعينهم معاناة المواطنين حول المعبر؟.
السعودية.. بين الحُكم والمُلك
بقلم: عبد الرحمن أبوعرفة - القدس
استقرار السعودية على المدى الطويل هو هاجس عربي كبير، فالسعودية ليست كأي قُطر عربي، فهي دولة بالغة التأثير دينياً، قومياً ومالياً، والمتربصون بها متعددون لنفس الاسباب. المحافظة على استمرار السعودية بقوتها وتأثيرها ونفوذها هو هاجس عربي وليس سعودي فقط، واستقرار السعودية لا يَحتمل ربيعا عربيا، ولا اي فصل، فالسعودية اكبر من الفصول. الكتلة السعودية الكبيرة في الجانب الآسيوي من الوطن العربي مع الكتلة المصرية الكبيرة في الجانب الافريقي من الوطن العربي هما أساس التماسُك العربي، المحافظة على هاتين الكتلتين الكبيرتين هو مُحافظة على كُل مُكونات الوطن العربي، وأي ضَعف يُصيب اي من هاتين الكُتلتين، سيفتح المجال للتفكك والشرذمة في بقية الاطراف.
خلال سنوات قليلة، لن يكون أحد من أبناء المرحوم الملك عبد العزيز حياً، هذه سُنة الكون فليس هناك كائن مُخلد وكل نَفس ذائقةُ المَوت.
بعد ان حَكمها الملك عبد العزيز على مدار 20 عاماً، وخلال 60 عاماً بعدها، يكون خمسة من أبنائه حتى الآن قد تعاقبوا كملوك على السعودية، سعود، فيصل، خالد، فهد وعبدالله، أطول فترة كانت 21 عاماً لفهد وأقلها سبعة اعوام لخالد.
ربما يكون ولي العهد الحالي الامير سلمان البالغ 78 عاماً هو آخر الملوك الابناء بعد الملك عبد الله، او من يليه، الأمر ما زال في علم الغَيب. اصغر الابناء الاحياء هو الامير مقرن، وهو الابن الذَكر الـ 35 للملك عبد العزيز، يبلغ من العمر 68 عاماً، يتمتع بصحة جيدة وهو مُؤهل لولاية العهد ولحكم السعودية كَملك بفعل عُمره النسبي وتعليمه العالي والمناصب التي تقلدها، يشغل منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وكان قد شَغل مناصب امير المدينة المنورة ورئيس الاستخبارات العامة.
تميزت الفترة السعودية كُلها، بالنمو والاستقرار، اعتماد النظام على رفاهية دائمة للشعب أكسبه مزيداً من الشرعية، الاماكن المقدسة والنفط هما العناصر الاساسية في هذا الاستقرار والنمو. المعارضة ضعيفة على الاجمال وغير مؤثرة، لجوؤها الى الارهاب في العقد الماضي أسهم في تلاشيها وعدم اقتناع الشعب السعودي بها.
بعد ان يذهب جميع الأبناء، ستكون المملكة السعودية على مُفترق طُرق، مَن يكون الملك؟
بالطبع وبعد زمن مُحدد، سَتدخل السعودية في حقبة الابناء، ولكن أي إبن؟ فلكل واحد من الملوك الخمسة أبناء، ومنهم من تبوأ مناصب تنفيذية هامة، ومن الابناء عموماً من بَرع في عالم المال والاقتصاد او الاعلام ومنهم من تفوق في ميدان الثقافة او برز في المجال العسكري.
هل يكون الملك الإبن واحد من اصحاب المؤهلات، ام ابن الملك الاخير، ام ابن الملك الاول او غيره من الاشقاء وعلى أي أساس؟.
لا يتسرب اخبار عن هذا الموضوع، ولا يُعرف إن كان موضع مناقشة في أوساط العائلة الحاكمة، ام ان الامر مؤجل للقَدَر أومتروك للهواجس.
الامر ليس سهلا، فليس الإشكال في المَلك الجديد من الابناء فقط، بل بمن سيكون ولي عهده، شقيقه مثلا على نفس منوال وراثة الاشقاء، ام إبنه على نمط التوريث الاعتيادي. في كلتا الحالتين سينحصر المُلك في فرع واحد من العائلة، المجال قد يُفتح لصراعات غير متوقعة، كل ذلك سَيحدد مستقبل الحكم في السعودية، وشكل الأُسرة الحاكمة.
يُشاع ان عدد الامراء في السعودية يُقارب الخمسين الف أمير وان هذا العدد في تصاعد ضمن متوالية هندسية، بمعنى قد يتجاوز العدد المائة الف أمير في غضون عقد من الزمن. هؤلاء الامراء هم مُكلفون مادياً ايضاً، يتردد ان مخصصات الاسرة الحاكمة في اواخر التسعينات بلغت نحو 2% من ميزانية الدولة.
هذا الطرح ليس جديداً، فالأمير طلال بن عبد العزيز كان أول وأجرأ من طرح الموضوع منذ عام 1999، حينما دعا الى "ايجاد طريقة سهلة لتسليم الحكم الى الجيل الجديد او مواجهة صراع على السلطة بعد انتهاء عهد الملوك الكبار".
دور السعودية في النظام العربي حاسم، وعلى مَر العصور فهي من ساهم أساساً في وضع البوصلة، الاستقرار الذي تشهده في بلد مترامي الاطراف يُشار اليه ويُشاد به. قُدرتها المتواصلة على استيعاب ورعاية الحجيج أمر آخر يُحسب لها، ثبات ومتانة علاقاتها مع الولايات المتحدة مرتكز قوي لثباتها، تأثيرها ونفوذها العربي مُتميز، تحويل صحاري قاحلة قليلة الامطار الى مساحات لانتاج القمح وانتاج الحليب أمر يَقرُب من المعجزة الاقتصادية.
الثلاثي العربي مصر والسعودية وسوريا، هو صمام الامان للمصير العربي، هذا الصمام يشوبه العطب حالياً، فالعلاقة بين السعودية وسوريا سَيئة، وبين السعودية ومصر مُتقلبة، تماماً كما العلاقة بين مصر وسوريا، إن استمر هذا العطب حتى ساعة الازمة الوراثية السعودية، فهناك شك في مدى القُدرة على توجيه واستقرار البوصلة العربية.
التنافس المُتبادل بين السعودية وايران، وغموض العلاقة مع العراق، والتاريخ العائلي النائم مع العائلة الهاشمية، المجتمع القبلي الراسخ، إضافة الى مُثلث الصَمام العربي كلها امور لها اعتبارها، ترك الامور للقدر قد يكون وجهة نظر، ولكنها غير مضمونة النتائج، هواجس الزمن قد تَحمل من القلق اكثر ما تَحمل من عناصر الطمأنينة. الوضوح ومواجهة الحقائق والتحسب للاحتمالات هو أمر مُلح. الصراحة والوضوح سيكون امراً صعباً حتماً، ولكنه أقل صعوبة بكثير من ترك الامور على حالها، المَركب بحاجة الى قيادة تسير به عباب بحر متلاطم ولكن على موازاة شواطىء السلامة والأمان.
تحديث النظام، قد يكون من الحلول الممكنة.
اقامة نظام برلماني متطور، هو احد أعمدة الحل، من خلال إعطاء دور اكبر للشعب ضمن خطوات مدروسة وتحديث الحياة الاجتماعية وبضمنها اعطاء المزيد من الحقوق للمرأة مثل فتح المجال للمرأة لسياقة السيارات، اعادة النظر في مجموعات "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر" ، قوانين العقاب التقليدي مثل قطع الرأس وقطع اليدين، كلها أمور يجب ان يُعاد النظر بها من مُنطلق الحداثة والمعاصرة.
الامر الذي يبدو اكثر للواقعية، ان تتحول الملكية في السعودية الى ملكية مالكة وليست ملكية حاكمة، مثل ما هو الامر في بريطانيا وهولندا مثلاً او صيغ قريبة منها، الملك بصلاحيات رمزية مُحدَدة. الملكية الحاكمة من شأنها ان تُبقي عناصر القوة والسيطرة والنفوذ في ايدي عدد قليل محدود، الملكية المالكة يكون الدور الاساسي للشعب مما يبعد خطر الاطماع والضغائن، سواء داخلية ام خارجية وتبقي مكانة العائلة المالكة باحترامها وتاريخها واسقرارها والمحافظة على مستقبلها. وحتى مشاركة افراد من العائلة المالكة في الحُكم في هذه الحالة، تبقي ضمن نطاق الخبرة والمؤهلات وليس في نطاق الوراثة والمحاصصة، الامر الذي يوفر مهنية ومصداقية للحكومة ويمنح الدولة المزيد من المشاركة والاستقرار.
مكانة ودور السعودية يَحتاج الى التَحسب المُسبق والإعداد والإستعداد لما هو آت والتخطيط الدقيق للمستقبل. َضغط المفاجأة وضيق الوقت لن يعفي من المسؤولية التاريخية عند وقوع الازمة.
مجلس العائلة المالكة السعودية المُكوَن من 18 فرداً، يهتم بشؤون عائلة آل سعود ويرأس مجلس العائلة المالكة الآن ولي العهد الأمير سلمان. لا شك ان لأعضاء المجلس الحصافة والبصيرة لتلمس الطريق واختيار الدرب الأكثر اماناً.
الأحد... وكل يوم أحد ... تحية للسجين المحرر الذي أحب الإبن الذي لم ينجبه!
بقلم: المحامي زياد أبو زياد – القدس
التقيته في سجن جنيد المركزي بنابلس في ربيع عام 1991 وقد كنت أقضي حكما بالسجن الاداري لمدة ستة أشهر بينما كان هو قد أمضى أكثر من عشرين عاما في السجن. وكنت أعتبر فترة الاعتقال الأداري فرصة للقاء والعيش مع عدد من رموز الحركة الأسيرة الذين كنت أعرف العديد منهم شخصيا والبعض كنت أسمع عنهم وأتابع نضالاته ولكن لم تتح لي الفرصة للقائهم فكان الاعتقال الاداري بالنسبة لي هو تلك الفرصة..
كنا نجلس في ركن ساحة الفورة الصباحية نلتمس بعض أشعة الشمس تدفيء عروقنا وتبعد عنها رطوبة غرف السجن ، وكان يحدثني عن تجربته وحياته في المعتقل عبر أكثر من عقدين من الزمن . وأنقل هنا قصة باح لي بها وظلت في البال وستبقى..
قال لي أنه حين اعتقل كان مخطوبا لفتاة أحبها وأحبته وكان حلمهما أن يجمعهما سقف واحد ولكن الأقدار شاءت أن تحول جدران المعتقل دون ذلك. وأضاف وهو يسترجع الأيام والذكريات بأنه عندما اعتقل وأدرك أنه سيقضي السنين الطوال وراء القضبان قرر ألا يكون أنانيا ً وأن يترك لخطيبته التي أحبها فرصة أن تعيش حياتها الطبيعية دون أن يقحمها معه في حياة انتظار طويل لا يعرف نهايته. فبعث إليها طالبا أن تأتي في زيارته المرة القادمة مع والدها ، وحين حضرت أبلغها بحضور والدها أنه قرر فسخ الخطوبة لأنه يريد أن يواجه مصيره لوحده ولأنه لا يريدها أن تنتظره السنين الطويلة. وقد رفضت الفتاة فسخ الخطوبة وبكت وتحدثت عن المثل والتضحيات وأنها لن تتخلى عنه ولكنه أصر على ذلك وحاول إخفاء مشاعره تجاهها ليقنعها بأنه ليس معنيا باستمرار تلك الخطوبة فاضطرت مكرهة بعد حين ، على قبول طلبه بعد أن أيقنت أنه لا يريدها !
قال لي أنه كان في غاية الألم وهو يفعل ذلك ولكنه ولأنه كان يحبها أصر على فسخ الخطوبة متيقنا أنها ستتزوج وتعيش حياتها الطبيعية وأن مجرد إحساسه بأنه لم يظلمها وبأنه أمكنها من أن تعيش حياتها سيشعره بالراحة لأن في راحتها سعادته الحقيقية.
وأضاف وهو ينفث سحابة من الدخان في الهواء ويتأمل تعرجاتها : " لقد مضت السنين وذات يوم جاءنا شاب في مقتبل العمر قد اعتقل حديثا وحكم عليه بضعة أشعر. جلست إليه أهديء من روعه وأخفف عنه وأحدثه عن حياة السجن وأطمئنه بأنه سريعا ما سيخرج وأننا نحن هنا باقون السنين الطوال لأن فترة محكوميته لا تكاد تذكر بالنسبة لأحكامنا ". وأضاف :" سألته عن بلده وأهله وأقربائه ثم كانت المفاجأة التي لم تخطر لي على بال !.. لقد اكتشفت أن هذا الشاب الصغير هو ابن المرأة التي كانت خطيبتي وفسخت خطوبتي عنها وتركتها لكي تعيش حياتها كما تشاء ! شعرتُ بأنني لو تزوجتها لكان هذا هو ابني ..وشعرت بإحساس عجيب غريب...ها هو ابني الذي لم أنجبه يجلس إلى جواري في السجن...!..تعلقت به,, وكنت أشتري له الشوكولاته والويفر من الكنتين..أتفقده وهو نائم كي لا يتكشف أو يبرد..عشت الأبوة التي لم أعرفها من قبل واستمرت إلى أن انتهت فترة سجنه وأفرج عنه ...كان شعوري غريبا ومتناقضا...فرحت له لأنه غادر السجن ..وحزنت لفراقه.."
إلى هنا رواية صديقي المعتقل الذي هو اليوم سجين محرر..
كان يروي حكايته بشفافية وصفاء لا يتميز به إلا أولئك الذين أمضوا عشرات السنين في غياهب الاعتقال...عرفت الكثيرين منهم وأدركت بعض مزاياهم..
هذه الصورة الرائعة الجميلة لذلك الشاب الذي أبى أن يكون أنانيا وآثر أن يتعذب ويعاني بمفرده لأنه هو الذي اختار وبقناعة ولم يقبل أن يفرض خياره على غيره هي صورة رائعة للإيثار والرجولة وانعدام الأنانية ، وهي " تاج " على رؤوسنا نفتخر به ونعتز..أقول تاج !
صاحب هذه القصة يعيش اليوم بين ظهرانينا...غادر السجن في صفقة إفراج تمت قبل الصفقة الأخيرة..أترك له أن يكشف عن هويته إن أراد..وأبعث له كل الحب والتقدير والاحترام على موقفه الرجولي...
استذكرت هذه القصة بعد أن سمعت عن حالات معاكسة..عن حالات ارتباط فتيات بمعتقلين أمضين السنين الطويلة وهن يعشن معهم عن بعد تجربة السجن والاعتقال..يمددنهم بالأمل والدفء والتضامن والحب والحلم بزوال السجن ...يشعرن بالتضحية وهن يعشن من أجل مناضل ٍ يفتخرن به وبنضالاته ويتخذنه قدوة ومثلا أعلى...ولكنهم حين خرجوا من السجن أداروا ظهورهم وتخلوا عنهن بسهولة وبأعذار واهية... بعضهم رضخ لأهله الذين أرادوا أن يزوجوه صبية صغيرة لا تلك التي كبرت وهي تنتظره خارج السجن..,,وبعضهم يريد أن ينسى السجن ويعتقد بأن ارتباطه بمن أحبته وهو داخل السجن سيظل يذكره بالسجن.!..وبعضهم يريد فتاة لم تعرف أحدا من قبله ولم تتفتح عيونها إلا عليه.!..وأعذار شتى أخرى لا مجال لسردها.
المرأة الفلسطينية هي نموذج المرأة المناضلة التي تحاول أن تسهم في النضال على طريقتها الخاصة... فهي التي تجوب الأرض من سجن لآخر تنهض قبل الفجر وتسرع إلى باصات الصليب الأحمر وتمضي الساعات الطوال على الطرق وفي ساحات الانتظار أمام السجون وتعاني سوء المعاملة حتى القمع وقنابل الغاز في بعض الأحيان لكي تحظى بلقاء بضع دقائق مع سجينها تراه من وراء الشبك لا تستطيع حتى مجرد لمس يده أو طبع قبلة على جبينه. وهي الأم والزوجة والأخت والخطيبة والحبيبة التي تكتم حبها أو تعلنه ... هي كل هؤلاء وهي تمر بكل تلك المعاناة منذ ما قبل الفجر حتى ساعات المساء المتأخرة.. وقد لا تجد طيلة تلك الساعات شربة ماء أو لقمة تضعها في فمها..وهي تفعل ذلك في الشتاء القارس والصيف اللاهب..
المرأة الفلسطينية تعتقد بأنها بارتباطها بأسير إنما تناضل على طريقتها وهي بنضالها تخفف عنه وتبعث الأمل والدفء في قلبه وزوايا غرفة سجنه... ألا تستحق هذه المرأة شعورا وإحساسا مساويا في المقدار والاتجاه؟ !
لقد رويت قصة صديقي الذي آثر كبت مشاعره والتظاهر بأنه لم يعد معنيا بخطيبته ليقنعها بتركه لأنه كان شهما لم يرد أن يفرض عليها عواقب عمل لم يشاورها حين أقدم عليه ، فكيف يمكن في المقابل لشخص أن يقبل اللعب بعواطف فتاة ما والتسلي بها وهو داخل السجن ثم التخلي عنها وبكل سهولة وبأعذار واهية لمجرد أن وجد نفسه خارج السجن..
ليس في الأمر تعميم ، فلا شك بأن هناك من أوفوا بعهودهم وصانوها ولكني أقصد هنا بعض الحالات التي وصفت والتي وقعت بالفعل...
فتحية للمرأة الفلسطينية المناضلة أما أو زوجة أو شقيقة أوصديقة.. وهي تستحق منا أكثر من ذلك...وتحية تقدير واحترام لكل من يصون نضال هذه المرأة ويقدره ولا يتسبب لها بخيبة أمل أيا كانت الأسباب أو الضغوط التي تمارس عليه بعد أن غادر سجنه إلى أحضان الأهل.
الحملة الأمنية الفلسطينية في ضواحي القدس... بين الواقع والمأمول
بقلم: شبلي اسماعيل السويطي - القدس
طالعتنا الصحف المحلية ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة خلال الأيام القليلة الماضية عن تنظيم الأجهزة الأمنية الفلسطينية لأول حملة مشتركة بين الشرطة والأمن الوطني الفلسطينيين بهدف بسط سيادة القانون وحفظ الأمن والنظام استجابة لنداءات واستغاثات الأهالي المتكررة في ضواحي مدينة القدس، مبتدئة هذه الحملة في بلدة الرام شمال شرق القدس والتي تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، على أن تشمل هذه الحملة كافة القرى والبلدات من محافظة القدس الواقعة خلف الجدار كالعيزرية وأبو ديس والسواحرة وعناتا وضاحية السلام والزعيم وبيت حنينا وحزما وشعفاط وغيرها من المناطق، والمقدر عدد سكانها بأكثر من 150000 نسمة وذلك للمرة الأولى منذ دخول السلطة الفلسطينية للوطن عام 1994.
وتهدف هذه الحملة حسب ما تم التصريح به من الجهات الفلسطينية المسؤولة تطبيق القانون المفقود في هذه المناطق والخارجين عليه وملاحقة الفارين من الأحكام والمطلوبين للعدالة ، والذين استقروا بهذه المناطق مستفيدين من الفراغ الأمني وعدم قيام اسرائيل بمسؤولياتها بحفظ الأمن والأمان فيها كونها الدولة المحتلة والتي يقع على عاتقها المحافظة على أمن وحماية السكان وممتلكاتهم ومصالحهم حسب الأعراف والقوانين الدولية، ومداهمة أوكار المدمنين على المخدرات والمسكرات والمتاجرين بها، والحد من الجريمة التي وصفت بالمنظمة والقضاء عليها في مهدها وعدم انتشارها، ووقف الاعتداءات على أملاك المواطنين الآمنين بحيث أضحت هذه المناطق الملاذ الآمن للمجرمين والأشقياء في ظل غياب سلطة القانون والمساءلة بسبب عدم السماح للأجهزة الأمنية الفلسطينية القيام بمسؤولياتها وواجباتها في هذه المناطق وفقا لاتفاقيات أوسلو، واقتصار مسؤولية السلطة الفلسطينية ضمن هذه الإتفاقيات على النواحي الإدارية فقط وإبقاء النواحي الأمنية وحفظ الأمن والنظام بيد إسرائيل والتي لم تتدخل بهذه المناطق مطلقا ولم تقم بالحد الأدنى من واجباتها والتي اكتفت بضرب طوق وجدار فصل حول مدينة القدس بما يتلاءم واحتياجات أمنها مبقية أجزاء من محافظة القدس خلف الجدار، محتفظة بحقها فقط بدخول هذه المناطق في حالة حدوث أمر يمس أمنها لتقوم بحملة اعتقالات، مبقية هذه المناطق أرضا خصبة للخارجين على القانون ولتطبق فيها شريعة الغاب يأكل فيها القوي الضعيف، والإحتكام لسطوة القوة والبلطجة واللجوء بحل الخلافات لمنطق القوة والسلاح المشبوه ودفع الأتاوات الظالمة لهذه العصابات من المغلوب على أمرهم والذين وقعوا بين سندان الاحتلال ومطرقة الفلتان الأمني والاجتماعي المقيت حيث أصبح رب الأسرة لا يأمن على نفسه وبيته وعرضه وماله وأبنائه بهذه المناطق التي ابتليت بضرب واستهداف السلم والأمن الاجتماعي والعائلي في مقتل، مما أدى لهجرة نسبة كبيرة من سكان هذه المناطق لأماكن أكثر أمنا تاركين بيوتهم ومصالحهم شبه فارغة يصول هؤلاء المارقون ويجولون فيها كما يحلو لهم ودون حسيب ولا رقيب .
وقضية أخرى ابتليت بها هذه المناطق المكلومة والمستهدفة هي ظاهرة انتشار آفة المخدرات والمسكرات وحبوب الهلوسة وما رافقها ونتج عنها من انتشار المدمنين بشكل ملحوظ والذين لا يتورعون عن ارتكاب السرقات والجرائم بكافة اشكالها والأعمال المنافية لأخلاق وعادات وقيم مجتمعنا الفلسطيني المحافظ، إضافة للإتجار بهذه السموم واعتبارها مصدر رزقهم الوحيد مما جعل هذه المناطق مراكز وأرضا خصبة لتوزيعها وترويجها وبيعها لأجيالنا وشبابنا وشاباتنا داخل مدينة القدس وفي مناطق السلطة الفلسطينية مستفيدين من حالة الفلتان والفراغ الأمني والاجتماعى في هذه المناطق.
وفي ذات السياق فقد انتشرت الجريمة المنظمة على نطاق واسع في هذه المناطق نتيجة غياب الاحتكام للقانون وعدم وجود أي قوة رادعة تحافظ على حقوق وممتلكات المواطنين المغلوب على أمرهم من بطش وممارسات هؤلاء المارقين المستهترين الذين لم يراعوا الإستهداف للكل الفلسطيني من قبل المحتل والمخططات التي يتصدى لها شعبنا الرازح تحت الإحتلال بهدف ضرب ثقافته المقاومة للمحتل كأولوية مقدسة تتفق عليها كل شرائح ومكونات المجتمع الفلسطيني وغرس هذه الثقافة لدى جيل الشباب الذين هم عماد المستقبل ورجال الغد، حيث تم استهداف هؤلاء الشباب بالمخدرات لصرف أنظارهم عن استكمال تعليمهم وإطفاء جذوة المقاومة للمحتل وجعلهم عالة على أهلهم ومجتمعهم لتمرير المخططات المشبوهة للمتربصين بهذا الشعب المرابط المجاهد المقاوم.
فأصبحنا نسمع وبشكل شبه يومي عن عملية سطو مسلح أو اقتحام لمركز أو مؤسسة أو هتك لعرض أو اعتداء بالأذى الشخصي على الآمنين في بيوتهم ومصالحهم وفي وضح النهار، كما حدث قبل مدة في بلدة عناتا حيث سطت مجموعة مسلحة متنكرين بزي الشرطة والقوات الخاصة الإسرائيلية لمتجر ذهب وصرافة مقتحمين له بالأسلحة النارية وفي وضح النهار والاعتداء على صاحبه وإصابة أحد المقاومين لهم بالرصاص، وعمليات السطو على عدة متاجر ومصالح وبيوت بمنتصف الليل وغيرها من الجرائم التي هزت المجتمع وروعته والتي ما زال التحقيق فيها يراوح مكانه والعصابة حرة طليقة تصول وتجول في المنطقة والمناطق المجاورة دون حسيب أو رقيب.
إن هذه الحملة الأمنية الفلسطينية والتي تختلف في جوهرها وأهدافها ونتائجها المعلنة وغير المعلنة عن كافة الحملات التي قامت بها في عدة مدن سابقا ورغم أنها جاءت متأخرة ما يقارب العشرين عاما مضت، إلا أنها أشعرت المواطن المقدسي بالأمل بالتغيير للأفضل والشعور بالأمن والأمان المفقود بعد أن عاث فيها هؤلاء الخارجون عن القانون فسادا وإفسادا، وأشعرتهم بأن هناك جهة مسؤولة ستلاحق هؤلاء العابثين ومن يقف وراءهم ويوجههم بيد من حديد لبسط الأمن والأمان ولعودة هذه المناطق كما كانت وستبقى قلاع الصمود والظهير القوي للقدس والمسجد الأقصى للرباط فيه وحمايته من الأخطار المحدقة به، وإفشال مخططات من شجع ورعى هذا الفلتان خدمة لتحقيق أهدافه بحرف البوصلة عن مقاومة ومقارعة المحتل، ولتهجير المقدسيين من قدسهم سواء أكانوا داخل أو خارج الجدار، ولتساهم هذه الحملة والتي سيعقبها العديد من الحملات كما هو مأمول في ضواحي أخرى للمساهمة بإيجاد أجواء مشجعة للإستثمار تحقيقا لمتطلبات التنمية الفلسطينية الشاملة المطلوبة والتي لا يمكن لها أن تنجح وترى النور دون شعور المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال بالأمن على أنفسهم وأموالهم واستثماراتهم وديمومتها.
فالمطلب الرسمي والشعبي كما هو ظاهر للعيان وجس نبض الشارع بهذه المناطق بأن تستمر هذه الحملة وتنتشر بكافة ضواحي مدينة القدس خلف الجدار، وألا تكون هذه الحملة حملة عابرة تعود بعدها الأمور والفلتان إلى سابق عهدها وتذهب نتائج هذه الحملة سدى وينطبق علينا كذلك المثل الشعبي القائل " وكأنك يا زيد ما غزيت ".
لمواجهة الهيمنة والتبعية...مطلوب محور اقتصادي فلسطيني أردني مصري
بقلم: الدكتور حسن عبد الله – القدس
يخطئ من يظن ان الفلسطينيين في المرحلة الحالية يستطيعون بناء إقتصاد قوي يؤسس لاستقلال سياسي حقيقي، في ظل اشتراطات اقتصادية تعمق التبعية والالحاق، والأنكى ان ذلك موثقاً في اتفاقات كما هو حال اتفاقية باريس الاقتصادية.
ويخطئ من يظن ان اسرائيل قد تغير مواقفها وتوجهاتها تجاه الفلسطينيين على صعيد الاقتصاد والسياسة والجغرافيا، لأن المفاوضات من جهة والوقائع على الارض من جهة أخرى، تؤكد يوميا عكس ذلك تماما.
والسؤال المطروح في هذا الإتجاه هل يمكن للفلسطينيين التسليم باملاءات واشتراطات التبعية واعتبار الأمر قدرا لا راد له؟
إن توق الشعب الفلسطيني للإستقلال ونضاله الطويل عبر مراحل تاريخية يتناقض بالتأكيد مع الإحتلال ومصالحه، لكن الإستقلال الفعلي يتطلب ترجمة للأمنيات الجميلة والشعارات المتفائلة، من خلال العمل الدؤوب والحرث في كل المجالات، وعدم انتظار معجزات وتغييرات قدرية خارقة. فالحكومات الفلسطينية السابقة رفعت شعارات المأسسة واسهبت في الكلام الذي دغدغ العقول والقلوب عن مأسسة واقتصاد قوي وتنمية وانفكاك تدريجي من التبعية، وتحدثت طويلاً عن الاعتماد على الذات، لكن النتيجة كانت مزيداً من الديون والأزمات الإقتصادية وتأخر رواتب الموظفين. اما التبعية فظلت هي التبعية ولم تلُح في الأفق أية مؤشرات ايجابية فيما يتعلق بتقليص الحاق اقتصادنا باقتصاد الإحتلال.
أن تبدأ بالذات ومع الذات هذا أمر جيد ومطلوب وضروري ومفتاح أي تقدم نحو النجاح، بيد أن الامساك بالمفتاح لا يعني أن الأبواب تتفتح أمامك بشكل تلقائي، لأن استكمال المهمة يتطلب ايجاد دعائم ومقومات وتكامل مع (الآخر العربي) من خلال اختراق الحصار ضمن ضغط وبرامج طموحة وابداعية.
ومعلوم أن الاختراق يحتاج الى قرار ورؤية وبرنامج وشجاعة واقدام وكل هذا يندرج في اطار المشروع والضروري.
ولو أخذنا التجربة الرياضية الفلسطينية، نجد أن رياضتنا كانت محشورة تحت سقف الاحتلال، ما حد من تطورها ومنع تفاعلها الخارجي، الى أن استطاع اللواء جبريل الرجوب عندما تسلم الملف الرياضي، الانطلاق من عملية بناء ذاتي، أسست لفرض واقع جديد، لفت أنظار العرب والعالم، وصولاً الى فتح ثغرات في جدار الحصار تحولت تدريجياً بالعمل المثابر الى بوابات تواصل مع العالم. وبالطبع فإن ذلك لم يرق للإسرائيليين فوضعوا العراقيل والمعوقات أمام طموحنا الرياضي، لكن قوة الدفع الأمامي الفلسطينية وباسناد عربي، تفوقت وانتصرت على قوة الدفع الخلفية الإسرائيلية.
التجربة الرياضية الفلسطينية من المفروض ان تشكل مثالاً حياً لمن يعملون في المجالات والميادين الأخرى كالسياسة والاقتصاد، بفرض معطيات جديدة على الأرض والانطلاق منها. إنها قصة نجاح جديرة بتعميمها، اذا أردنا حقا أن نراكم على انجازاتنا والبناء عليها بمنهجية.
الاقتصاد والسياسة مجالان مترابطان، فلا سياسة مستقلة فاعلة دون اقتصاد وتنمية، وبلا مأسسة ومشاريع تنموية وتشجيع للاستثمارات الخاصة وتوجيهها في بناء الاقتصاد الفلسطيني الكلي، أو بلا اعطاء تسهيلات وكف قوى النفوذ عن التدخل وفرض ارادتها على المستثمرين.
والنشاط الاقتصادي التأسيسي الداخلي من المفروض ان يسير جنبا الى جنب مع الانفتاح والتكامل والتناغم مع عمقنا العربي وبخاصة دول الجوار وعلى وجه التحديد الاردن ومصر ولبنان ولاحقا سوريا عندما تتعافى، حتى يتسنى لنا الاستفادة من الخبرات والطاقات العربية، ففي الاردن على سبيل المثال تجربة ناجحة في بناء المؤسسات واستقطاب الإستثمارات وتقديم التسهيلات لها، ولدى الاردن ايضا منتوجات ينبغي ان تشكل بديلا للمنتوجات الاسرائيلية والاجنبية، ولدينا بالمقابل ما يمكن أن نصدّره، وذلك على قاعدة التأسيس لنواة سوق عربية اقتصادية حتى لو كان ذلك ضمن خطوات محدودة وصغيرة. أما بالنسبة الى مصر فهي دولة عربية كبرى، ولها تاريخ طويل في السياسة والاقتصاد، وأن فتح ثغرات اضافية في جدار الحصار بيننا وبين مصر سيعطي روافد وآليات لاقتصادنا ستسهم في مساعدتنا وتحفيزنا لمزيد من التفاعل مع جوارنا العربي.
والحقيقة ان الاحتلال يستعمل كل الاساليب من أجل الابقاء علينا ندور في دائرته ووفق ما يفرضه ويحدده، فيما المطلوب منا الخروج من هذه الدائرة وانتهاج سياسات اقتصادية تفيدنا وتعود بالنفع والفائدة على دول عربية شقيقة.
وبديهي ان المسألة لا تتم بسهولة ويسر وانما تتطلب قراراً شجاعاً وابداع آليات وطرق عمل وتثقيف شعبي بالمنتج العربي، حتى يكون المستهلك الفلسطيني شريكا في عملية التكامل، يعي لماذا يختار ويفضل سلعة اردنية او مصرية او من اية دولة عربية اخرى على ما سواها اذا لا يتوافر بديل فلسطيني وطني لهذه السلعة.
القرن الواحد والعشرون هو قرن التكتلات والتحالفات والمحاور الاقتصادية والسياسية بامتياز، وكل دولة تحاول ان تكون جزءاً من محور أو تكتل يخدم مصالحها ويقوي ويعزز وجودها، فلماذا لا يبدأ الاقتصاديون وذوو القرار السياسي الفلسطيني في بلورة اتفاق اقتصادي فلسطيني اردني مصري يشكّل مقدمة "بديل" لاتفاقيات الهيمنة والتبعية ومثالها الصارخ اتفاقية باريس؟
غياب السلطة الكاملة ...الرقعة خير من الثقب!
بقلم: محمد الخطيب – القدس
انسجام الفكر مع الواقع ضرورة تربوية من الطراز الاول، فحين نصف انسانا بأنه واقعي، يأتي هذا الوصف نتاجا حتميا لمجموعة تراكمات تصرفية من ذلك تؤكد انسجام فكره مع واقعه الذي يعيشه. وهذا الانسجام يقود بالضرورة الى راحة نفسية ونسق حياة قويماً وعلاقات رتيبة قد ترقى الى حد المميز في بعض الحالات .
فالاقرار بالموت ازاء الحياة " واقعية "، والاقرار بالنصر ازاء الهزيمة "واقعية "، والاقرار بالهزيمة ازاءالنصر"واقعية" ، والاقرار بالحزن امام الفرح " واقعية "، والاقرار بوجود الاحتلال " واقعية " ، والاقرار بوجود الفساد " واقعية "، والاقرار بالتحلل والانفكاك من العرى الاخلاقية " واقعية " ، وهكذا دواليك ....
ولعلي هنا لا يمكنني ان القي الضوء على كل تلكم المسائل ، الامر الذي يحدوني الى ان القي الضوء على اكثر القضايا الاجتماعية اقلاقا للكم الاعظم من ابناء وطننا وجلدتنا ، الا وهي قضية الفساد الاجتماعي والتحلل والانفكاك من العرى الاخلاقية وارتباطها مع واقع وجود الاحتلال.
لعل عنوان الفساد الاجتماعي ان الابرز يتمثل في سحق القيم والعادات والتقاليد والاعراف ومن ثم القوانين.
فعلى صعيد الاعراف والعادات والتقاليد الحميدة فيمكن ادراج : احترام مشاعر الاخرين، احترام الجوار والحي والمنطقة والبلد او القرية او المخيم ، صون الاعراض قولا وعملا، الابتعاد بل وهجران كل الممنوعات والمحرمات شرعا وقانونا، اشاعة الطمأنينة لتشمل الجميع ليبيت معها الفرد مطمئنا على روحه وممتلكاته والنقيض لذلك هو : عدم احترام مشاعر الاخرين والاستهتار بهم كأن يكون في منطقة ما حالة وفاة وفي جوارها " فرح " !؟
عدم احترام الجوار : كالتلصص عبر النوافذ او التصنت او المراقبة الفضولية او التنغيص سواء كان عفويا او متعمداً مما يخلق حالة عدائية تراكمية يكون نتيجتها الحتمية شجارات مقيتة وفي بعض منها دامية.
التجمعات غير المرغوبة في الازقة والحارات والشوارع وامام المحال التجارية والسهر الفاجر دون مراعاة لحق ساكني البيوت المجاورة وان شئتم الملاصقة للمجال في النوم والراحة ، وعدم مراعاة ان في تلك البيوت اطفالا وشيوخا واحيانا مرضى هم احوج الناس للراحة .
الاعتداء على الممتلكات الخاصة مثل سرقة السيارات او بعض كمالياتها وبيعها بثمن بخس وفي الوقت ذاته خلق حالة من القلق الدائم جراء ممارسة الهوايات الشاذة مثل " التفحيط واطلاق اصوات نشاز من عوادم السيارات ناهيك عن اطلاق العنان للكاستات باللغة العبرية او الاجنبية التي تصدح بأعلى صوت علما بأن صاحب السيارة تلك – مجازا – لا يفقه كثيراً معنى كلمات تلكم الاغاني كونه هو في الاصل احيانا بالكاد اجتاز المراحل الابتدائية او الاعدادية ولكن شروط الانفكاك من عقال الادب تتطلب ذلك !!!
ويضاف الى ذلك ممارسة رياضة لعب كرة القدم في الشوارع العامة وبين البيوت الامر الذي يجلب المصائب والويلات ، علما بأنه يوجد في معظم مخيماتنا وقرانا ملاعب ومراكز شبابية لممارسة الهوايات الرياضية بشتى انواعها دون منغصات او عقبات.
وهناك ما هو اسوأ من كل ما ذكرته الا وهو تجارة المخدرات وتعاطيها ، وتزوير العملات النقدية الورقية والمعدنية ، وكذلك اشاعة الرعب من خلال الاستعراضات المسلحة واطلاق النار في الافراح والمناسبات ، وانتشار اللباس الفاضح والموضات الغربية وقصات الشعر الشيطانية التي تثير الاشمئزاز لما تحمله من استفزازات لكل المشاعر النبيلة.
وازاء كل ما ذكرته فإننا نجابه اسئلة كثيرة واهمها : من المسؤول عن كل ذلك ؟؟؟
وللاجابة على السؤال فإنني اقول :
كثير من الناس يعلقون كل اخطاء المجتمع على مشجب الاحتلال – علما بأن له دور ابرز – ناسين او متجاهلين دور التربية الاسرية التي تعتبر هي الحصن المنيع لكل افرادها من السقوط في اوحال الرذيلة بكافة اشكالها.
وللحقيقة اقول ان القانون الالهي قد حرم على المسلمين دمائهم واعراضهم وممتلكاتهم وقد تجلى هذا التحريم في العديد من الايات القرانية الكريمة والعديد من الاحاديث النبوية الشريفة التي لا يتسع المقام لذكرها.
اما بالنسبة للقانون الاجتماعي فمعروف تماما ان كل عمل خارج عن الاعراف والعادات والتقاليد يعتبر عملا شاذا لا يمت لمجتمعنا بصلة ، الامر الذي يستوجب الوقوف ضده بكل قوة وحزم عبر عملية زجر اجتماعية تتجلى في مقاطعة كل المارقين من قبل كل الاسوياء.
فالفراغ السياسي والامني يتطلب ان يستعاض عنه بقانون الزجر الاجتماعي ، وبالنسبة للموقف الفلسطيني ازاء تلكم التصرفات فقد جاء في علم النفس التربوي ان كل انسان يحاول ان يلفت نظر الاخرين نحوه يلجأ الى ممارسة شيء غير مألوف وهو بالضرورة " سادي ماسا شوستي " يتلذذ بتعذيب نفسه وتعذيب الاخرين، فهو مريض نفسيا ويجب معالجته.
وبالنسبة للصوص ففي تقديري يجب ان تتم مساءلة اهلهم وذويهم الامر الذي سيؤدي الى محاسبتهم من قبل اهلهم وذويهم.
وعلى صعيد مروجي ومتعاطي المخدرات ومروجي العملات ، فهؤلاء هم عصابات لا يمكن ان يتم ردعهم الا من خلال قوانين وعقوبات رادعة تنفذها فقط جهات الاختصاص في المؤسسات الامنية.
واخيرا اطلاق النار في المناسبات....فقط اجيبوني على سؤالي:-الا يوجد لدينا في فلسطين مصانع اسلحة وعتاد؟ الا يوجد لدينا في فلسطين مصانع مفرقعات والعاب نارية ؟ اذا من اين تأتي هذه الاسلحة وهذه المفرقعات، واثمانها في أي خزينة تصب ، وهل وجودها خدمة للمشروع الوطني ؟
في حال الاجابة عن هذه الاسئلة فسيكون لكل حادث حديث.
وفي الختام اقول : اشد على ايادي كل المؤسسات الامنية الفلسطينية التي تقوم بحملات تنقوية كل بما اوتيت من قوة امكانيات وصلاحيات مستهدفة كل بؤر الفساد في الاماكن التي تستطيع الوصول اليها ، املا ان تستمر تلكم الحملات دون هوادة كي نعيد الى وطننا الحبيب اشراقته الرائعة جاعلين منه واحة امن وطمأنينة وليس مأوى لمارقين.
وفي الوقت ذاته فإنني اهيب بكل رب اسرة ان يعيد صياغة تربية ابناء اسرته ليعيدها الى المسار القويم ، وكذلك بأئمة المساجد ، ومدراء المدارس والمعاهد والجامعات ان يخصصوا من نشاطاتهم التربوية لترسيخ القيم والمباديء والمثل والاخلاق الحميدة، واني لعلى يقين بأن وضع القدم على المسار القويم هو بداية الوصول الى الهدف النبيل.
فلا تستوحشوا السير في طريق الحق ولو كان روادها قلائل.
شاور وقرّر ، أو قرّر وشاور ؟
بقلم: حسن البطل - الايام
طرح البريطاني ألان هارت عام 1984 سؤالاً جعله كتاباً : "عرفات : إرهابي أم صانع سلام؟". على هذا السؤال تجيب، مبكراً سبع سنوات، وثائق CIA لصالح عرفات "صانع السلام".
كيف؟ بعد خمس سنوات من حرب أكتوبر ـ العبور 1973 أدرك عرفات، ببصيرته السياسية النافذة، أن برنامج حركة "فتح" لعام 1968 عن "دولة ديمقراطية علمانية" لم يعد عملياً، بعد اتفاقيات الفصل الأول والثاني في سيناء، وقبل زيارة السادات للقدس، ومؤتمر كامب ديفيد المصري ـ الإسرائيلي ـ الأميركي.
يفيد أرشيف CIA ("الأيام" ـ الجمعة 15 الجاري) أن عرفات اقترح، دون صلات مباشرة، على الولايات المتحدة صيغة حل جديد ـ قديم : "الحل بدولتين".
اشترط عرفات، لتصريح أكثر وضوحاً، أن تلتزم أميركا إقامة كيان ـ دولة فلسطينية مستقلة؛ وأن تفتح مع المنظمة حواراً مباشراً.. ينتهي بالاعتراف بها.
الحوار المباشر سوف يتأخر عشر سنوات ليجري في تونس مع السفير الأميركي هناك، روبرت بلليترو ـ الابن!
اشترطت أميركا، في المقابل، اعترافاً رسمياً فلسطينياً بالقرار 242، الذي اعترفت به مصر والأردن ورفضته سورية.. في حينه ولسنوات تلتها.
اشترطت المنظمة، في مقابل الاعتراف بذلك القرار، إضافة إلى حوار رسمي أميركي معها، أن تعترف بالمنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً، وأن تدعوها إلى مؤتمر جنيف المقترح، آنذاك، لسلام الشرق الأوسط.
قالت أميركا إنها ستواصل الحديث عن الحاجة إلى "كيان فلسطيني.. ولن تستخدم لغة تدعو إلى دولة مستقلة"؟
أوضحت المنظمة أن الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح (وأيضاً إسرائيل منزوعة السلاح؟) تتطلب عملاً يستغرق عشرين سنة، وأن الحدود سيجري التفاوض حولها، مع الإيحاء أن الحد الأدنى هو دولة فلسطينية تشمل الضفة وغزة.
في 22 كانون الثاني اغتالت اسرائيل ببيروت قائد "القوة 17" أبو حسن سلامة (الأمير الأحمر)، لمسؤوليته في "عملية ميونيخ"، وهو نجل القائد علي حسن سلامة.. أو أن الاغتيال لأنه كان "رجل الاتصال" غير المباشر بمسؤولين في الـ CIA. أميركا لم تدن العملية، وهذا أغضب عرفات الذي اعتبر "أبو حسن" بمثابة الابن، فهو شهيد ابن شهيد.
يبدو أن مسألة الاعتراف الفلسطيني بالقرار 242 كانت باعث زبغنيو بريجنسكي، مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي للقول: المنظمة رفضت أن تأكل الطعم من الشص (أداة الصيد) .. "والآن.. وداعاً PLO".
هل كان عرفات يشاور ثم يقرّر، أم يقرّر ثم يشاور الأصدقاء والحلفاء؟ لأن قضية الاعتراف الفلسطيني بالقرار 242 ذات تداخلات عربية ودولية، إضافة للفلسطينية.
بعض قادة المنظمة اعترضوا، أمّا الاتحاد السوفياتي فأوصى بقبول القرار.. مع التحفظ، كما نصحت السعودية بقبوله، إضافة إلى مصر والأردن.
أمّا العقدة؟ فقد كانت في ما يسميه الفلسطينيون آنذاك "ديكتاتورية الجغرافيا" أي تأثير الوجود الفلسطيني المسلح والسياسي في لبنان، بالعلاقة بين سورية والمنظمة وسورية ولبنان، بمعنى أن تترك المنظمة سورية وحدها في رفض الاعتراف بالقرار 242.
الرئيس حافظ الأسد سأل وزير الخارجية سيروس فانس: على ماذا سيحصل الفلسطينيون لقاء الاعتراف بالقرار 242؟ هل على قبول اميركا بدولة فلسطينية، أم مجرد الحوار مع المنظمة؟ فقال فانس: ليس أكثر من موافقتنا على الحديث مع المنظمة.
المهم في وثائق المخابرات المركزية الأميركية أن المنظمة توقعت 20 سنة لبناء دولة فلسطينية منزوعة السلاح (وإسرائيل أيضاً منزوعة السلاح)، وأن الفلسطينيين تخلوا عن مقترحهم الطوباوي بدولة ديمقراطية علمانية مشتركة، وتعاملوا مع نتائج حرب اكتوبر 1973.. والآن يتعاملون مع خيار الدولتين وخيار دولة ذات قوميتين!
الاعتراف بالقرار 242 سيتأخر عشر سنوات، أي بعد الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت، والتحرّر من "ديكتاتورية الجغرافيا" السورية .. وبخاصة بعد الانتفاضة الأولى.. وهذه غيّرت نظرة إسرائيل إلى م.ت.ف.
أميركا استأنفت، بعد حربها الأولى ضد العراق، جهودا في مؤتمر مدريد، الذي قاد إلى مفاوضات الاختراق في أوسلو، ورسائل الاعتراف المتبادل. ما الذي يلخص عرفات؟ إنه خطابه في الجمعية العامة 1974: غصن الزيتون وبندقية الثائر. الكفاح المسلح والكفاح السياسي .. ولا فرق إن كان يشاور ثم يقرّر، أم يقرّر ثم يشاور. هذا وذاك من صفات الزعيم ـ القائد ـ المؤسّس.
الروس يعودون .. برعاية سعودية !!
بقلم: هاني حبيب – الايام
أواخر كل عام، تنشر مجلة "فوربس" تقييمها لأقوى الشخصيات المائة التي تؤثر في الرأي العام العالمي، قبل أيام، نشرت هذه المجلة تقييمها الذي فاجأ الجميع عندما أطاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الأميركي باراك أوباما الذي احتل المركز الأول العام الماضي، وبات بوتين في هذا المركز الذي ربما لم يكن بحاجة لتقييم "فوربس" بقدر ما ان المجتمع الدولي بات يدرك انه رجل العام ورجل المرحلة بعد أدائه السياسي الجيد مقارنة مع نظيره الأميركي الذي بات يخسر أكثر فأكثر، خاصة في منطقتنا العربية، فالولايات المتحدة خسرت مصر بدفاعها عن جماعة الإخوان، وخسرت سورية نظاما ومعارضة بعدما نكثت بتعهداتها للتدخل بفضل المناورة الروسية حول السلاح الكيماوي السوري، اكثر من ذلك خسرت السعودية، حليفها العربي الأساسي، بعدما قامت إدارة أوباما، خلال عهدين، بمحاولة إقصاء الرياض لصالح تشجيع الدوحة على ان تشكل بديلا عن الدور السعودي، العربي والإقليمي، ويبدو أن واشنطن خسرت العراق ايضا، بعدما قام هذا الأخير بالتوقيع على صفقة أسلحة روسية بقيمة 4 مليارات دولار، وهو نفس المبلغ الذي عقدت السعودية اتفاقا بقيمته مع روسيا لشراء أسلحة حديثة، مبتعدة نسبياً عن السوق الاميركية للتسلح السعودي، وحتى تركيا، عضو الأطلسي، فانها عقدت صفقة تسلح مع الصين، ويبدو انه لم يتبق أي ملعب للسياسة الأميركية في المنطقة العربية سوى رعايتها للمفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والتي تترنح بدورها على يد العقبات التي تضعها إسرائيل لإفشال هذه العملية رغم حاجة واشنطن الى تحقيق اية خطوة للوصول الى حل ما، يسجل لصالح الدور الأميركي المتراجع في هذه المنطقة الساخنة من العالم.
وشكلت زيارة كل من وزيري خارجية ودفاع روسيا الى القاهرة مؤخراً، صفقة إضافية للدور الأميركي في المنطقة، وتحدياً لهذا الدور لصالح المنافس الأساسي الاتحاد الروسي، وبين تراجع أميركا وتقدم روسيا في المنطقة، تقف السعودية كمايسترو يقود هذه الخارطة السياسية الجديدة، اذ رغم التعارض السياسي بين الرياض وموسكو على خلفية الموقف من الأزمة السورية، الا ان الرياض التي وجهت ضربات متتالية لحليفها التقليدي الولايات المتحدة لحساب التقارب المصري ـ الروسي، وهي المرة الثانية التي تقف فيها السعودية ضد حليفها التقليدي الولايات المتحدة، بعدما كانت المرة الاولى إبان حرب 1973، عندما قامت بالحظر النفطي دعماً لجمهورية مصر العربية في هذه الحرب، الا ان الموقف السعودي هذه المرة، يبدو انه ينطلق من رؤيتها لتداعيات "الربيع العربي" والأداء الأميركي الذي شجع جماعة الإخوان على الوصول الى الحكم في اكبر دولة عربية، جمهورية مصر العربية، وموقفها المشبوه من دعم ثورة 30 يونيو المصرية التي أطاحت بالجماعة، كما أطاحت بالعلاقات الودية التقليدية بين القاهرة وواشنطن.
ولم يكن من المستغرب ان تسعى موسكو لملء الفراغ الاميركي، وبدعم من الرياض التي ما تزال تعارض الموقف الروسي من الأزمة السورية، والحديث عن امكانية الدفع باتجاه عقد صفقة تسلح بين القاهرة وموسكو بدعم مالي من الرياض، يبدو انه ينطلق من الدور السعودي الذي تراجع بفعل الدور القطري لصالح الولايات المتحدة، هذه الأخيرة، اتهمت من قبل العديد من المحللين والقادة السياسيين انها تتخلى عن حلفائها وأصدقائها، الأمر الذي يشجع هؤلاء الحلفاء والأصدقاء على عدم التمسك المبدئي، بهذه التحالفات، خاصة وان هناك قوى أميركية، داخل البيت الأبيض، كما في الكونغرس، تشير الى ان أوباما، اقل حنكة سياسياً من نظيره الروسي، وهذه القوى تأخذ على أوباما، سياسته المتراجعة في الشرق الأوسط، وتنتقده انتقاداً شديداً، ما اثر على شعبيته المتراجعة داخل أميركا ذاتها.
موسكو التي تخشى ان تفقد قاعدتها العسكرية الكبيرة والوحيدة في الشرق الاوسط، في ميناء طرطوس السوري، جراء تداعيات الازمة السورية، تستثمر التراجع الاميركي لصالح البقاء في الشرق الاوسط، ان لم يكن في طرطوس، فليكن في قاعدة عسكرية في جمهورية مصر العربية، ومع ان هذا الأمر سابق لأوانه إلا ان تكثيف الدور الروسي سياسياً وعسكرياً، يكفي مؤقتاً على الأقل، حتى تتمكن موسكو من أن تصبح القوة الأكثر تأثيراً على سياسات هذه المنطقة الملتهبة من العالم.
كانت الولايات المتحدة، أول دولة أجنبية تعترف بقيام المملكة العربية السعودية وتتبادل معها العلاقات الدبلوماسية في ثلاثينات القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت ظلت السمة الأساسية للعلاقات بين البلدين في إطار التحالف القوي، غير أننا نشهد هذه الأيام متغيرات حقيقية إزاء ميزان التحالفات والمصالح في إطار خارطة جديدة للمنطقة، ترسمها تداعيات الربيع العربي، سلباً وإيجاباً، ما يشكل انقلاباً حقيقياً، كانت بداياته الأوضح في الدور السعودي الذي بات يرعى هذه الخارطة الجديدة، على وقع التحالف المصري ـ الروسي، والتراجع الاميركي الواضح!!
تكامل الموضوعي مع الذاتي شرط الانتصار
بقلم: حمادة فراعنة – الايام
يقول علم التاريخ واستخلاصاته، اعتماداً على التجارب الحية، الناجحة والفاشلة، لدى حركات الشعوب، إن عملية تغيير أي نظام، وقيام أي ثورة، يحتاج لتكامل عاملين مع بعضهما البعض.
العامل الأول: هو العامل الموضوعي، المتمثل بوجود احتلال أجنبي يصطدم وجوده مع مصالح الشعب الواقع تحت الاحتلال وضد تطلعاته، أو صراع طبقي أي وجود تناقضات في داخل المجتمع، وتعارض المصالح بين قوى وشرائح وفئات مستفيدة من الوضع القائم فتحرص على بقائه والحفاظ عليه، وبين قوى متضررة من الوضع القائم والنظام السائد، فتسعى نحو الثورة والتمرد والعصيان والاحتجاج، وتعمل من أجل التغيير، يساعدها على ذلك، حينما تكون القوى والشرائح المستفيدة من النظام هي الأقلية، بينما تمثل القوى المتضررة من الوضع القائم والنظام السائد، الأغلبية في المجتمع، وتجد نفسها مسحوقة بسبب الفقر والبطالة وتدني الخدمات، وافتقاد العيش الكريم وغياب العدالة والمساواة والفرص المتكافئة، بين المواطنين، وشيوع المحسوبية والفساد والامتيازات، وعدم الاحتكام إلى القيم الدستورية والقوانين الناظمة، وغياب الديمقراطية، والعامل الموضوعي هذا يتمثل باختصار بوجود الظروف الصعبة التي تجعل من حياة الأغلبية قاسية مريرة، تشكل بمجموعها دوافع القيام بالثورة والمطالبة بالتغيير.
أما العامل الثاني: فهو العامل الذاتي المحرك للثورة والقائد لأحداثها، وهو الأداة أو الأدوات التي تقود عملية التغيير وتضع برامجها ومخططاتها وتنظيم فعالياتها والمتمثلة بالجيش أو الأحزاب أو النقابات أو مؤسسات المجتمع أو غيرها من مظاهر التنظيم والتجمع والقيادة والإدارة.
وغالباً ما تتفاقم الظروف الصعبة ونضوج العامل الموضوعي في مجتمع من المجتمعات، وزيادة الدوافع المحفزة للتغيير من ظلم وقهر وعدوان، فتقوم الثورة والاحتجاجات والانقلاب، ولكن بسبب غياب العامل الذاتي المؤهل والقادر على إدارة الصراع وصولاً لتحقيق نجاحاته، يؤدي ذلك إلى فشل الثورة أو تغيير مسارها بسبب عقلية قيادتها كأن تكون متطرفة في أدواتها أو شعاراتها فلا تستجيب لها عامة الناس فتفشل أو أن تكون عديمة الخبرة فتقع في مطبات يسهل الانقضاض عليها من قوى متنفذة، فيتم إحباطها، وهكذا نجد أن العامل الذاتي هو أساس نجاح الثورة والتغيير، مثله مثل العامل الموضوعي، وكلاهما، وتكامل أدوارهما يؤدي إلى نجاح عملية التغيير وإيصالها إلى شط الأمان.
وفي التدقيق بالعالم العربي، إن كان بمجمله، أو بأقطاره المتعددة، نجد أن عوامل التغيير والتبديل مطلوبة وملحة، فقد ترك الحكم التركي الوطن العربي وإنسانه يئنان تحت ضربات القمع والفقر والتخلف، واستجابت الأمة رغم تمزقها، لمطالب التغيير، والتخلص من الحكم الرجعي بكل تبعاته ومظاهره، وشكلت الحرب العالمية الأولى المدخل، حيث كانت تركيا شريكة في الحرب، وجندت قدرات العرب وإمكاناتهم لخدمة الحرب واحتياجاتها، ولكن العرب بمجملهم لم يكونوا مع تركيا وحربها، بل تحالفوا مع خصومها في المعسكر الآخر الأوروبي، وخاصة بريطانيا وفرنسا ومن معهما الذين حققوا النصر على تركيا ولكنهم لم يلتفتوا إلى تطلعات العرب الاستقلالية بعد نجاحهم بالحرب، وخانوا وعودهم للعرب، فتقاسموا مناطق حكمها في العالم العربي فيما بينهم، وقسموا العرب إلى بلدان وطوائف وزرعوا الفتنة فيما بينهم وعملوا على استعمارهم، بديلاً للحكم التركي، فوقع العرب تحت "المزراب" بعد أن تخلصوا من "الدلف" فتخلصوا من الحكم التركي الظالم، ليقعوا تحت الحكم الاستعماري الأوروبي البغيض، وكان ذلك بسبب عدم نضج قيادتهم وسوء تحالفاتهم وركونهم لثقة الدول الاستعمارية الصاعدة، ووقعوا فريسة تطلعات أوروبا الاستعمارية، في نهب ثروات العرب وخيراتهم.
وشكلت الحرب العالمية الثانية محطة جديدة، بولادة معسكر جديد يحمل معايير جديدة من العدالة حيث المساواة في داخل المجتمع، والتكافؤ والندية بين الشعوب، ما ولّد صراعاً جديداً على المستوى العالمي، وحالة استقطاب بين المعسكرين اللذين أنجبتهما نتائج الحرب 1- المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، و2- المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، واستفاد العرب، من هذه النتائج، ومن خبرات الشعوب المضطهدة التي سعت نحو الاستقلال السياسي والتحرر الاقتصادي.
فكانت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، هي مرحلة التحرر من الاستعمار العسكري الأوروبي وانحساره وتبدل موازين القوى فيه لصالح الولايات المتحدة التي تنادي بالديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتبدلت مظاهر التبعية والاستعمار، بدلاً من أن تكون عسكرية وأدوات محلية ضعيفة تابعة لها، تغيرت باتفاقات سياسية واقتصادية نحو الاستقلال السياسي بطرد المستعمر الأوروبي بأدواته وقواعده، وصعود مكانة الولايات المتحدة واتساع نفوذها وجبروتها، وكانت الجيوش العربية على الأغلب هي عنوان التغيير والثورة كما حصل في مصر والسودان وسورية والعراق واليمن، وبالثورة المسلحة في الجزائر واليمن الجنوبي، وبالاتفاقات التعاقدية، في تونس والمغرب وموريتانيا والأردن وبلدان الخليج العربي.
ولكن مظاهر الاستقلال السياسي لم تُكتمل بالتحرر الاقتصادي، ولم تتوج بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفر الديمقراطية ومظاهر احترام التعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وتداول السلطة، حيث تحكم الفرد القائد أو العائلة أو الطائفة أو اللون الواحد بالنظام السياسي العربي بمجمله، فأدى ذلك على الأغلب إلى حالات التململ نتيجة أمراض الفقر والبطالة وتدني الخدمات وغياب تكافؤ الفرص، وفشل النظام العربي برمته في تحقيق أهداف الشعوب العربية الأربعة 1- الاستقلال السياسي، و2- التحرر الاقتصادي، و3– العدالة الاجتماعية، و4 - الديمقراطية، وجاءت حالات التملل والاحتجاج وصعود قوى مستنيرة في المجتمع مترافقة مع نهاية الحرب الباردة وهزيمة المعسكر الاشتراكي، وانتصار المعسكر الأميركي وحلفائه، في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وبداية التسعينيات فيه.
في مرحلة الحرب الباردة اعتمدت الولايات المتحدة على عوامل محلية عربية لمواجهة المد الشيوعي والاشتراكي وسياسة عدم الانحياز التي قادها عبد الناصر، فكان التحالف الأميركي مع الأنظمة المحافظة والديكتاتورية على السواء، ومع التيار الأصولي الشعبي بتلاوينه المختلفة من حركة الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة إلى ولاية الفقيه الإيرانية، إلى السلفيين وغيرهم، واعتماداً عليهم تمت هزيمة الاحتلال السوفيتي في أفغانسان وإلى ضرب الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية وإضعافها، ولذلك كانت حصيلة الصراع خلال الحرب الباردة من 1950 حتى سنة 1990، ضعف وفشل التيار اليساري، والتيار القومي، وغياب التيار الليبرالي في العالم العربي، مع صعود وقوة ونفوذ التيار الأصولي، بتلاوينه المختلفة، ولكنه تصادم مع سياسات الولايات المتحدة لسببين أولهما انحياز الولايات المتحدة للأنظمة العربية غير الديمقراطية، وثانيهما انحيازها لمشروع العدو الإسرائيلي الاستعماري التوسعي، وهذا أدى إلى تحول موقف التيار الأصولي من موقف التفاهم والتحالف مع الأميركيين طوال الحرب الباردة، إلى موقف التصادم والتعارض بعد انتهاء الحرب الباردة، وقد كان ذروة هذا التصادم في عملية سبتمبر 2001 داخل الأراضي الأميركية من قبل القاعدة، والتصدي للاحتلال الأميركي في العراق وفي غيرها من المناطق.
ثورة الربيع العربي مع بداية العام 2011، شكلت محطة جديدة للتفاهمات الأصولية مع الأميركيين وخاصة من قبل حركة الإخوان المسلمين، في مصر وسورية وليبيا والعراق وتونس والمغرب، وقد قام هذا التفاهم على معادلة تتضمن احترام وحماية المصالح الأميركية في العالم العربي وهي:
1- الحفاظ على تدفق النفط نحو أوروبا وأميركا.
2 - حماية أمن إسرائيل.
3 - بقاء السوق العربية مفتوحة للسلع والبضائع الأميركية وتدفقات المال العربي نحو الأسواق والاستثمارات الأميركية والأوروبية.
4 - مقاومة الإرهاب وتعريته.
مقابل ذلك تم رفع الحظر عن حركة الإخوان المسلمين من قبل الأميركيين، وإشراكهم في الحكم، وحقهم في الوصول إلى السلطة ومؤسسات صنع القرار عبر صناديق الاقتراع أو الشراكة مع الآخرين في إدارة الدولة، كما حصل في مصر وليبيا وتونس والمغرب.
لقد نجح التغيير في بلدان الربيع العربي، بتغيير الأنظمة، ولكنها لم تكتمل بسبب تعارض العامل الموضوعي ونتائجه مع سياسات العامل الذاتي وأدواته.
حركة حماس سلطة أم مقاومة؟
بقلم: أكرم عطا الله- الابام
علاقة العرب بالحكم هي علاقة إشكالية تماما أنتجت حالة من الممارسة المشوهة بين الحاكم والمحكوم تركت وراءها تاريخا استدعى أنهارا من الدماء التي سالت وما زالت من أجل الوصول للسلطة منذ قرون، وما حدث في الإقليم من اهتزاز في السنوات القليلة ليس سوى أحد أوجه الصراع على السلطة والذي عاشه الفلسطينيون قبل أكثر من ست سنوات وانتهى بتقسيم الوطن الذي ما زال تحت الاحتلال بين "فتح" التي تحكم الضفة الغربية و"حماس" التي انتزعت حصتها من الحكم بقوة السلاح في قطاع غزة.
لكن الأولويات الفلسطينية لم تصل إلى هذه المرحلة التي بلغها الكثير من ثورات العالم ولكن بعد التحرير، حيث اختلف كثير من الثوار حلفاء الأمس بعد أن طردوا الاحتلال وحرروا أوطانهم حين لاحت شهوة السلطة، وإذ ما استثنينا التاريخ القديم من الدسائس والمؤامرات والذي بدأ بقتل الخلفاء الراشدين واستمر بصراعات الحكم التي ميزت تاريخ العرب، لكن ثورات التحرر والانقلابات في الدول العربية في نصف القرن الأخير أدت إلى استقرار خلال العقود الماضية بسبب سيطرة أنظمة حكم ذات الحزب الواحد.
والمثير أن تستمر تلك الأحزاب بعد التحرير أو بعد نجاح انقلابها بالإصرار على الحفاظ على تسمية الثورة حتى بعد أن تصبح سلطة ودولة فنسمع عن مجلس قيادة الثورة حتى بعد نجاح الثورة بعقود، مثلا في العراق حتى سقوط الرئيس صدام حسين كان هناك مجلس قيادة للثورة وفي سورية كان ما يشبه ذلك، واستمر معمر القذافي بتسمية نفسه زعيم الثورة وليس قائد الدولة وأفرط مشتقا من مصطلحها كل مؤسسات الدولة من اللجان الثورية ومؤتمر الثورة وما إلى ذلك.
هم لم يكونوا أغبياء بل أدركوا أن في كلمة الثورة ما يشبه السحر في نظر الشعوب فاستمروا في ارتداء ثوبها حتى بعد نهايتها بأربعين عاما وفيها ما يبرر قمع الشعوب، فالمعارض للثورة إما عميل أو خائن وبالتالي فإن في كلمة الثورة والثوار ما يبرر الدكتاتورية وحكم الحزب والفرد وقمع المعارضة والتغطية على كل الأخطاء التي يرتكبونها تجاه شعوبهم فهرب معظم المعارضين وأطلقت عليهم أدوات إعلام "الثورات" بالخونة والعملاء ومن لم يهرب قتل أو اعتقل وعذب وباسم الثورة.
الوضع الفلسطيني لم يصل إلى هذه المرحلة وهو في مرحلة التحرير فلا زال الاحتلال يتحكم بكل تفاصيل حياته وحركته واقتصاده ومعابره وسمائه لكن أصبح لديهم سلطة فنشأ نوع من التشوه في النظام السياسي الفلسطيني مستندا لإرث أكثر تشوها في العلاقة بين العرب والحكم فلا هي سلطة صاحبة سيادة على وطنها وإمكانياتها ولا هي ثورة قادرة على الاستمرار بفعل الاتفاقيات.
والأمر لدى حركة حماس أكثر إشكاليا حيث السلطة والمقاومة وإن فشلت كل تجارب التاريخ في المزاوجة بين السلطة والمقاومة، فالسلطة دائما هي جزء من مجتمع دولي وعلاقات سياسية ودبلوماسية ومنظومة ترفض العنف، أما المقاومة فهي حالة عنف متمردة على النظام الدولي، حيث تحاول حركة حماس أن تزاوج بين الاثنين ولم تجن سوى الحصار وانحسار التأييد الشعبي لها ليس بسبب الحصار فحسب بل بسبب فشلها في تعريف نفسها وعلاقتها بمن تحكمهم وفق هذا التعريف حيث تقدم نفسها باعتبارها سلطة مقاومة أي خليطا بين السلطة والمقاومة ولكن هناك فرقا بين هذه وتلك في إطار العلاقة بالشعب سواء من حيث الحقوق أو من حيث الواجبات على كل منهما.
فالمقاومة أو الثورة هي طليعة من النخبة التي تتقدم الصفوف ولديها استعداد للتضحية بنفسها من أجل وطنها وشعبها وفي كل التجارب الإنسانية انشغلت الثورة بمقارعة المحتل من الجبال والخنادق أو من بين القرى والمدن بعيدا عن التدخل في إدارة الحياة وتعتمد على مساعدات الشعب بما يفيض عن حاجته من تبرعات دون أن تطلب أو تفرض عليه ضرائب أو ما شابه وفي سبيل ما يقدمه الثوار من تضحيات تفرض الثورة احترامها على شعبها فيتحمل راضيا ما يتعرض له من حصار أو خسائر في سبيل مساندة ثواره ومقاوميه وهذا فقط هو الواجب الذي تدفعه الشعوب لحماية مقاوميها.
أما السلطة أو الحكم فالعلاقة بينها وبين الشعب تقوم على التبادلية من حيث الحقوق والواجبات، فالسلطة نظام حكم قائم على القانون وتكامل الحقوق والواجبات وإذ تقدم السلطة مجموعة من الخدمات كواجبات مترتبة عليها مقابل حقها في احترام القانون وجباية بالضرائب والجمارك.
وفي حالة التباس السلطة بالمقاومة فإن المقاومة تحول دون تقديم السلطة لخدماتها، وبالتالي يصبح هناك مس بحقوق المواطنين وفي هذه اللحظة يختل أحد أهم أركان علاقة السلطة مع المواطن ويصبح من العبث الحديث عن واجبات المواطن حين تعجز السلطة عن تقديم خدماتها وهنا الخلل الذي لم يستوقف حركة حماس حتى اللحظة والذي في ظني أنه السبب الرئيسي في انحسار تأييدها في قطاع غزة وأظن أن الحركة لديها استطلاعات خاصة تؤكد ذلك.
وهذا يحتاج لنقاش حقيقي ففي حالة حركة حماس كسلطة مقاومة يدفع المواطن واجباته مضاعفة وهذا عبء لم يحدث في التاريخ ومن الصعب أن يستمر، إذ يدفع ما يفرضه عليه واجبه تجاه المقاومة من تضحيات حين تندلع المعارك وحدوث حصار ونقص في احتياجاته الأساسية والكهرباء والغاز وغير ذلك، ثم يدفع أيضا واجباته تجاه السلطة كنظام حكم من ضرائب وجمارك وتراخيص بناء ومركبات وغير ذلك.
ولأننا على ما يبدو أمام سنوات طويلة من حكم حركة حماس كما تقول بعض الآراء الإسرائيلية التي تعتبر "أن احتمالية عودة (فتح) لقطاع غزة تبدو صفرية "وقد بات يتأكد عاما بعد عام أن احتمالية المصالحة تباعدت تماما، وعلينا أن نبحث عن معادلة مختلفة نطلب من خلالها تعريف حركة حماس لنفسها إذا كانت سلطة أم مقاومة غير مقتنعين بنموذج سلطة المقاومة لأنها تفرض أثمانا مضاعفة على المواطن في حين تسمح لها بالتهرب من دفع التزاماتها فحين نطلب خدمات من السلطة كالكهرباء وغيرها نتلقى إجابة باسم المقاومة ومبرر عجز السلطة عن الإيفاء بالتزاماتها، وعندما نطلب إعفاء جمارك ووقف الجباية كما يجب أن تفعل المقاومة نتلقى إجابة باسم السلطة ودولة القانون وواجبات المواطن.
هذا النموذج يعطي لحركة حماس الاستفادة من إيجابيات النموذجين "السلطة والمقاومة" ويفرض على المواطن واجبات النموذجين "السلطة والمقاومة" من انقطاع الكهرباء والحصار وكذلك الضرائب والجمارك وفي هذا معادلة غير عادلة جعلت الحياة في قطاع غزة تزحف بمشقة ومن الصعب أن تستمر.
حين عاد ياسر عرفات أقام سلطة في إطار علاقة تبادلية من الحقوق والواجبات مع الشعب ومع اندلاع الانتفاضة الثانية أعطى تعليماته للشرطة بوقف ملاحقة السائقين ووقف إلزامهم بدفع تراخيص السير للحكومة، وكذلك توقفت جباية تراخيص البناء لأن ما يدفعه الناس من تضحيات في سبيل الثورة والمقاومة يجب أن يخفف عليهم من التزامات تجاه السلطة، فما بالنا حين تعجز السلطة عن الالتزام بواجباتها وأقلها الكهرباء؟
تمرد العكاز والحجر
بقبلم: عادل الأسطة – الايام
للشاعر الفلسطيني راشد حسين (1936 ـ 1977) قصيدة عنوانها "الثوار ينشدون" مطلعها:
سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر
أن الشعوب إذا هبّت ستنتصر
وفيها يخاطب فرنسا الاستعمارية في حينه، يوم كانت تستعمر الجزائر، قائلاً:
مهما صنعتم من النيران نخمدها
ألم تروا أننا من لفحها سمرُ
ولو قضيتم على الثوار كلهم
تمرد الشيخ والعكاز والحجرُ
ولقد تساءلت وأنا أتذكر البيت الأخير، إن كان الشيخ والعكاز والحجر يتمردون حقا، إذا ما قضي على الثوار كلهم.
ربما يتمرد الشيخ، ولكن هل يتمرد العكاز والحجر إن لم يبق إنسان يتمرد؟
وأنا أحاضر في مساق الأدب الفلسطيني، وأدرس رواية غسان كنفاني "ما تبقّى لكم" (1966) توقفت أمام ما توقفت أمامه رضوى عاشور في كتابها "الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أدب غسان كنفاني (1977): الصحراء في رواية "رجال في الشمس" (1963) والصحراء في "ما تبقّى لكم".
في الأخيرة تتعاطف الصحراء مع حامد بطل الرواية، وتقف الى جانبه ضد الجندي الاسرائيلي، فثمة ـ هكذا يذهب بعض الدارسين ـ علاقة عضوية بين الإنسان وتربته.
الفلسطيني أسمر بسبب شمس بلاده "ألم تروا أننا من لفحها سمرُ؟" وهكذا تألفه الصحراء ولا تألف الأبيض القادم من وراء المحيطات.
ثمة ألفة بين الفلسطيني وأرضه، وثمة غربة بين الدخيل والأرض التي ليست له.
هكذا لا يشعر حامد في النقب بأنه غريب، ولا يُقتل فيها، خلافا لأبطال رواية "رجال في الشمس" حيث يُقتل الفلسطينيون الثلاثة، وتكون الصحراء الكويتية التي هي ليست صحراءهم قاتلة، لا متعاطفة. هل هذا الكلام صحيح منطقياً؟
لعبد الكريم الكرمي "أبو سلمى" قصيدة عنوانها "سنعود"، أدرسها منذ سنوات، ومؤخراً سمعت أبياتا منها لم أسمع بها من قبل، وربما أعود للموضوع ثانية، يأتي أبو سلمى في القصيدة على العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، والعلاقة بين اليهودي الغريب وأرض فلسطين.
هُجِّر الفلسطينيون من أرضهم وطُردوا، وهاجروا خوفا بسبب الجرائم التي ارتكبت بحقهم في دير ياسين وقبية، وبسبب الجهل والخوف والدعايات المضللة في حينه، وعاشوا في المنافي ـ وما زالوا ـ واستبد بهم الحنين الى مدنهم وقراهم وبياراتهم وشواطئهم وبحرهم.
لم يقيموا في المنافي مسرورين وشعروا بغربة فظيعة عبروا عنها في أدبهم في 50 و60 ق 20، وواصلوا التعبير عنها في العقود اللاحقة. ويمكن أن يتذكر المرء، بالاضافة الى قصيدة أبي سلمى، قصة سميرة عزام "فلسطيني" وقصتها "الساعة والإنسان" وأدبيات غسان كنفاني أكثرها، لملاحظة قسوة المنفى والعيش البائس فيه، ويمكن أن يتذكر أشعار محمود درويش لاحقا لإدراك معنى المنفى وقسوته.
أبو سلمى في قصيدته يأتي على علاقة الفلسطيني بأرضه.
يصور إنكار العرب له وتخليهم عنه، ويعبر عن حنينه الى فلسطين وبياراتها ومدنها وشواطئها ويتمنى ان يعود الى هذه قريبا.
لكن، وكما قال محمود درويش، طالت نباتات البعيد وطال ظل الرمل فينا وانتشر، والسؤال هو: كيف كان أبو سلمى يرى العلاقة بين الارض الفلسطينية وبين سكانها الجدد، وبينها وبين سكانها القدامى ـ أي الفلسطينيين. يقول أبو سلمى في "سنعود":
فلسطين الحبيبة؟ .. كيف أحيا بعيداً عن سهولك والهضاب
تناديني السفوح مخضبات وفي الآفاق آثار الخضاب
تناديني الشواطئ باكيات وفي سمع الزمان صدى انتحاب
تناديني الجداول شاردات تسير غريبة دون اغتراب
تناديني مدائنك اليتامى تناديني قراك مع الغياب
السفوح الفلسطينية تنادي المهاجر الفلسطيني، والشواطئ الفلسطينية تناديه باكية، وأما الجداول فتصرخ عليه منادية إياه وهي شاردة تسير غريبة دون اغتراب، وأما المدن الفلسطينية فهي مدن يتيمة، ومثلها القرى، تنادي اللاجئ ان يعود.
حتى الجداول غدت غريبة مع انها لم تغترب. لماذا ؟ لأن سكانها الجدد أغراب.
طبعا ما سبق هو ضرب من الإسقاط، ولكن هل له نصيب في الواقع ؟ ربما وجب ان نتذكر مقالة حسن البطل في حرائق الكرمل قبل فترة، ولكن قبل الإفصاح عنها، يجب العودة الى رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974).
كان يفترض ان اطير هذا الاسبوع الى تونس للمشاركة في مؤتمر تعقده جامعة قفصة عنوانه "الخطاب السياسي"، فقد أنجزت دراسة عن دحض الخطاب الأدبي الفلسطيني للخطاب الأدبي الصهيوني، وكان يفترض ان آتي على رواية "المتشائل" ودحضها للرواية الصهيونية (ينظر دفتري في "الأيام" قبل أسبوعين: ذكرى بلفور: جدل فلسطين والصهيونية والجدارة (3/11/2013) فقد توقفت أمام دحض بطل رواية "المتشائل" سعيد ـ ومن ورائه اميل حبيبي نفسه ـ لمزاعم الضابط الصهيوني الذي قال لسعيد وهو يصطحبه الى السجن ان ما يشاهده من أرض خضراء هو من نتاج الايدي العاملة اليهودية، فالعرب لا يعرفون الا الخراب.
وذات نهار يضطر سعيد الى المبيت في قرية فلسطينية فيعرف من اهلها غير ما قاله الضابط الصهيوني.
في الرسالة التي عنوانها "وجهتا نظر في مصيبة اسمها الطوق" (رقم 7 من الكتاب الثالث: يعاد الثانية) يخبر أهل القرية سعيدا أن المستوطنين اليهود يتوسطون، حين يفرض منع التجول على القرية، لدى السلطات حتى تفك الطوق، فأراضي المستوطنين تتوق إلى أيادي الفلسطينيين الماهرة، والسبب أن الاراضي تحن وهذا يعود الى ان الاراضي كانت حقول الفلسطينيين: "أنبتناها وسوف ننبتها، تحنو علينا كما نحنو عليها، وأما هذا الحنو فقد عجزوا عن مصادرته".
وهنا ينفلت لسان سعيد من عقاله فيقول: فالخضرة نبت سواعدكم، إذن، لا كما ادّعى الرجل الكبير" (ص 182 من طبعة حيفا).
الفلسطينيون لديهم حنو على الأرض، وهي تبادلهم الحنو بحنو مثله.
الفكرة إذن نفسها التي برزت في رواية كنفاني وفي أشعار أبي سلمى.
هل هذا الكلام كلام يتقبله العقل ؟
قبل سنوات قليلة شب حريق كبير في الكرمل في حيفا، وقد أتيت عليه بمقال عنوانه "حرائق الكرمل.. ليس ثمة شماتة" (كانون الأول 2010)، وأتى عليه حسن البطل بمقالين أو أكثر "الطبيعة ما سكتت عليهم" (5/12/2010) و"خرافات الثواب والعقاب" (7/12/2010)، ومما أورده البطل في مقاليه تبدلات المناخ والأشجار المناسبة لبيئة جغرافية معينة، فما زرعه الصهيونيون لتغيير فلسطين بحيث تغدو قطعة من أوروبا لا يتناسب والطبيعة والمناخ في فلسطين.
إن اشجار الصنوبر والسنديان غير أشجار الزيتون واللوز، وهكذا اتسع الحريق واشتعل الكرمل بسرعة. هل تمردت الطبيعة؟ ربما الموضوع بحاجة إلى مناقشة أيضاً!).
تغريدة الصباح - عالم الخرائط
بقلم: حنان باكير – الحياة
احترمت صديقتي صمتي معظم الطريق الى المطار.. فلم تزعجني. أخذتني هذه المناسبة بعيدا.. فنحن تلقينا دعوة لورشة عمل حول موضوع الهوية والانتماء، في شمال النرويج وتستمرّ ثلاثة أيام.
في رحلة الصمت هذه، عدت الى زمن طفولتي المتأخرة، حيث كنا نشاهد السواح الغربيين في بلادنا يحملون الخرائط والكتب حول البلد الذي يزورونه.. وانا أحكي تحديدا عن لبنان.. كنت أعجب وأدهش من قدرتهم على قراءة تلك الخطوط الكثيرة والمتشابكة والمتعرجة والمتداخلة كالأفاعي وبألوان مختلفة. وأتساءل: أليس من الأسهل أن يسألوا الناس أو التاكسي؟ لماذا داهمتني هذه الخواطر الآن؟ نحن متوجهتان الى المطار.. ولا ندري اسم المنطقة التي ستكون محطتنا. فقد اعتمدت على صديقتي لمتابعة تفاصيل الرحلة، وهي لم تحفظ اسم المنطقة.. كل ما نعرفه ان وجهتنا شمال النرويج، وان تذاكر سفرنا موجودة في مكتب طيران النرويج في المطار.. لاحقا، عندما وقفنا امام مكتب الطيران، نسأل عن تذاكرنا، بعد ان أعطيناهم أسماءنا.. سئلنا عن وجهة سفرنا.. بصوت واحد قلنا: شمال النرويج!! وكأن شمال النرويج قرية صغيرة.
منذ اسبوعين ونحن نتكلم عن رحلة الشمال.. ونحلم بسحره.
هذه أول رحلة داخلية لنا في الطائرة. توجهنا مثل سائر خلق الله وتسوّقنا من السوق الحرة ما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات.. وعلى الصندوق طلبت الموظفة بطاقة العبور فقدمتها.. تأملتها للحظات..وربما تكون قد ضغطت زرا، فجاء أمن المطار.. أبرزنا بطاقاتنا. قال رجل الأمن: كيف تسللتما الى هنا.. تسللنا !!! نحن لم نتسلل لو سمحت! قلت... وبدأنا نتناوب الكلام هذه بطاقاتنا.. ثم نحن مثقفتان ومحاضرتان وكاتبتان محترمتان! فلم تخاطبنا بهذه الكلمة! قال: هنا المطار الدولي للرحلات الخارجية.. اتبعاني.. قلت له: لندفع اولا ونأخذ اغراضنا. قال: ممنوع فأنتما ما زلتما في النرويج ولا يحق لكما التسوّق !
تفاصيل الرحلة كانت مثيرة،ولكن ليس مكانها هنا.. هناك حصلت على بعض الكتيبات حول المنطقة.. صور ومعلومات.. والأهم.. خريطة المنطقة.. فقد كنت قد دخلت عالم قراءة الخرائط بعض الشيء !!
عدنا الى أوسلو.. جاءت ابنتي وزوجها لزيارتي.. والسؤال عن رحلتي، واسم المنطقة، وكيف كانت المحاضرة.
قلت: المنطقة ساحرة وتنتمي لعوالم اسطورية، فقد كنا في منطقة « فوردي/ صن فيورد».. عالم خرافي.. وفيما استرسلت أنا في الحديث عن شمال الشمال.. تبادلت ابنتي النظرات مع زوجها.. مع ابتسامة خبيثة ولطيفة.. سألني « إيفين».. ماما عندك خريطة النرويج؟ أجبته: طبعاّ ! عندي خرائط ! فأنا لا أتحرك بدونها !
فتح « إيفين « الخريطة.. وقال نحن هنا في أوسلو.. الشمال هنا.. وهنا الجنوب.. والغرب والشرق.. أليس كذلك! طبعا.. أجبته وباستغراب ! وهنا « فوردي / صن فيورد» فأي اتجاه هذا؟ انها في شمال غرب النرويج!!! لقد كنتما في الغرب.. وليس في الشمال!!
استعراض وحربٌ ضروس
بقلم: عدلي صادق – الحياة
بقدر ما كنا نتمناها اقتداراً، وقدرة حقيقية على شن الحرب الضروس على المحتلين؛ فإننا نرفضها حين تكون محض ذرٍ للرماد في العيون، ومحاولة تعويم جديدة، لسلطة مستبدة وفاسدة وكذوبة، تمنع المقاومة، وتعرقل التنفس الطبيعي لخلق الله في غزة، وتشق وحدة الفلسطينيين، وتتجبر على من يخالفونها الرأي بغير مسوّغ أمني، وتواصل قطعها مع الحياة السياسية والدستورية الفلسطينية، وهي حياة تعطلت بسببها، وتستعرض لتتطيير رسائل الى الجوار العربي، على الرغم من كون هذا الجوار، يعرف البئر وغطاءه، مثلما يعرفه المحتلون وأكثر!
أية حربٍ ضروس هذه، التي يعِد بها الحمساويون وأي عدو هذا، الذي يترك قادة عدوه العسكريين والحزبيين، يصطفون على منصة عالية، ويرعدون بالكلام، فيما هو، لو رمى قذيفة عند مضرب الموج على شاطيء البحر؛ لأخليت المنصة وتبدد الجمع في لمح البصر؟!
العنفوانات كلها، التي مرت في التاريخ، كانت محصلة اقتدار اقتصادي ووئام اجتماعي وانفتاح سلس، على خطوط إمداد، وعلى الجوار القريب والجوار البعيد. فإن لم يكن ثمة ادعاء كاذب بالعنفوان، كيف يتحقق في الواقع، عنفواناً، لمجتمع يتوسل غذاءه ودواءه وكهرباءه وإسمنته ووئامه وحريته وانفتاحه على العالمين؟!
اصطف القادة الحمساويون على المنصة، شامخين كمتلذذين بقوة عسكرية ماحقة، على طريقة القادة السوفييت منذ العام 1919. الفارق الجوهري، أن القوة الأولى، شديدة التواضع، تتقوقع وتكبح جماح قتال لا تتوافر شروطه، أما الثانية فكانت تنمو. وقد لوّح قادة السوفيات، في نوفمبر 1941 للمركبات المارة في العرض، مودعينها بزهو، وهي ذاهبة على الفور، لقتال الغزاة النازيين على الجبهات. فأي وجه للشبه، بين القوتين والصفيْن اللذين، اعتلى كل منهما منصتة، في ساحتين، واحدة حمراء (بلون طوب أبنيتها الأحمر، لا رايتها الحزبية) وأخرى خضراء، مائلة للاصفرار في خريفها الآتي؟
أو كأن المحتلين، يتركون من يُشهر سلاحه ويتوعدهم بعظائم الأمور، يهنأون بخطاباتهم من فوق المنصة القريبة المكشوفة له، فيما هم، عندما استشعروا الخطر من أمير الشهداء خليل الوزير، ومن د. فتحي الشقاقي صاحب العين التي تتحدى المخرز؛ سافروا أكثر من ألف ميل، وانتقلوا من حلقة عملياتية الى أخرى، براً وبحراً وجواً، لكي يقتلوا غريمهم الحقيقي. كذلك فعلوا، عندما قصفوا الشهيد الشيخ أحمد ياسين، الذي لم يقف يُرعد من فوق منصة، والقائد الوطني أبو علي مصطفى الذي آوى الى مكتبه يتدبر للحالة الفلسطينية كيف تزحزح الصخرة عن قبرها وتخرج. فالقصف متاحٌ للمحتلين، ولهم في كل عدوان تعليل، لكنهم يكترثون بالسياقات وبالأعمال، لا بزلازل الكلام.
لو أن الحمساويين، في سياقاتهم، يزعجون المحتلين الأوغاد على الصعيد الاستراتيجي العام، ولا يفيدونه؛ لما تركهم المحتلون يهنأون باستعرض يعلنون من فوق منصته حرباً ضروساً. تماما مثلما لم يكن المحتلون معنيين، في يوم الانقلاب الحمساوي، ومهاجمة مقرات سلطة الشعب الفلسطيني؛ بخرق المجال الجوي الذي يخرقونه في كل يوم، وأتاحوا للأنساق والأرتال العسكرية، أن تهجم آمنة، دون أن تتوقع عملاً عدائياً. هو طبعاً لن يترك أهل زلزلة الأرض من تحت أقدامه، يهجمون على أهل حراسته وأبناء "دايتون" حسب اللغو الحمساوي، المسحوب لاحقاً من التداول بين عامة الناس!
لا كهرباء في غزة، سوى تلك التي تُغذي مروحة الكلام ذات الأهداف اللفظية. تنظيم "الجماعة" وبيروقراطيته، ينموان، والمجتمع يضمحل ويختنق. يجددون اختراع الأسباب لانقلابهم، لإبقاء سلاحهم قادراً على أداء وظيفته الأولى، وهي تدمير وحدة كيان الفلسطينيين ووئامهم ولغتهم وسياق عملهم الوطني.
مرة يغالط الحقيقة (5)
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
ثالث عشر: لا يكف مرة عن التنكر للحقيقة، والتطاول عليها، ففي كل نقطة يحاول تمرريها دفاعا عن حركتة، يعمق سقوطه المريع، ويكشف عن مدى تمزق خيوط الغربال، الذي يتلطى خلفه، فيدعي في نقطته الرابعة، ان حركته "ضد استخدام العنف داخل المجتمعات ومع الاصلاح الداخلي.."!؟
غريب أمر هذا المرة وغيره من قيادة الاخوان المسلمين في فلسطين، وسؤال له ولكل قيادة الانقلاب في غزة: من الذي قتل وجرح حوالي (800) مناضل فلسطيني أواسط 2007 لتنفيذ مخطط الانقلاب الأسود؟ ومن الذي ينفذ جرائم القتل وتكميم الأفواه في محافظات الجنوب الفلسطينية؟ ومن الذي هدد أي مواطن بالخروج للتظاهر يوم 11 11 الماضي بالقتل؟ ومن الذي يطارد الوطنيين الفلسطينيين الرافضين لخيار وانقلاب حماس التخريبي؟ ومن الذي يقوم بعمليات القتل في سيناء ضد الجيش العربي المصري؟ ومن الذي خطط لاغتيال وزير الداخلية المصري محمد ابراهيم؟ وعن أي إصلاح تتحدث يا مرة؟ وان كنت حقيقة مع الاصلاح فأول عمل عليك وعلى قيادة حركتك عمله، هو اصلاح البيت الفلسطيني وتنفيذ اتفاق المصالحة، ولكن هناك فرق شاسع بين الحقيقة والافتراء عليها.
رابع عشر: يدعي مرة أن حركته "لم تتخذ مواقف عدائية ضد إيران أو سوريا أو حزب الله.." وفي نقطة لاحقة يقول بالفم الملآن: ان حماس "غير نادمة على موقف اتخذته، وهي انطلقت في كل مواقفها من وحي عقيدتها ونهجها ورؤيتها، وهي ليست في وارد الاعتذار" لأحد!؟.
لن أعلق على افتراء مرة على علاقات حركته مع سوريا وايران وحزب الله، وسأترك للمنشور على لسان القيادات العربية والايرانية يرد على مسؤول الاعلام لحماس في لبنان، وسأتوقف أمام الجزء الأخير من نصوص رأفت مرة، الذي يعتبر الجزء الأوضح والمتطابق مع الحقيقة، لأنه يؤكد فيه بشكل قاطع، التزام حركته بعقيدة ونهج وبرنامج جماعة الاخوان المسلمين. النهج المعادي والمتناقض مع مصالح فلسطين والشعوب العربية شعبا شعبا والأمة ككل. وبالتالي منطق الاعتذار غير وارد في سياسات الاخوان جميعا وحماس خصوصا، وما لم ينتفض الشعب كما حصل في مصر لطي صفحة الانقلاب الأسود، لن يقوم قائمة للوحدة الوطنية، وسيبقى المشروع الوطني في مهب الريح، الأمر الذي يفرض على القيادة الشرعية والقوى الوطنية اتخاذ ما يلزم من أجل اعادة الاعتبار لوحدة الشعب والأرض والقضية والأهداف الوطنية والنظام السياسي الديمقراطي التعددي.
صحفيون مصريون بين أنين القدس وأنياب الأتباع
بقلم: موفق مطر – الحياة
عندما يعود الزملاء الصحفيون المصريون الى وطنهم الحر المستقل, وقد حملوا حقائقا ووقائعا وروايات وصور, وتقارير وقصص صحفية عن صمود شعب فلسطين المحتلة, وعن مقاومة المقدسيين لمخطط تهويد القدس المحتلة ايضا منذ 46 عاما ( مدينة الله ) وهي القبلة الأولى ومهد السيد المسيح, عندما يصلون الى القاهرة ( عاصمة العروبة ) سيجدون اتباع "جماعة القرضاوي" بانتظارهم .. ليس تقديراً لجرأتهم واختراقهم حصار الاحتلال, ومعايشتهم آلام ومآسي الفلسطينيين, وانتصارهم لنداء الفلسطينيين وقيادتهم السياسية بزيارة القدس وكسر عزلتها, وإنما بعرائض إتهامات وخيانة ودعوات لطردهم من النقابة بحجة التطبيع مع الاحتلال.
يعلم الذين سيطوقون الصحفيين المصريين ويحاصرونهم بالمساءلة والتشكيك, والضرب في نواياهم الوطنية والعروبية والانسانية أن القدس العربية الفلسطينية ليست مستوطنة ك" نهاريا " أو " ايلان موريه " وإنما هي عاصمة دولة فلسطين التي احتلت منذ الخامس من حزيران من العام 67 مثل رام الله و الخليل و جنين ونابلس وغيرها من مدن الضفة وقراها وكذلك قطاع غزة, وان أرض دولة فلسطين بمدنها وقراها بعاصمتها القدس الشرقية مازالت محتلة رغم اختلاف بعض التفاصيل هنا وهناك .
نسأل هؤلاء الذين حرموا زيارة القدس واعتبروا الزيارة خيانة وتطبيعا: أتدرون ما تفعلون؟ فهذه الفتاوى الخرقاء تتساوق مع رواية وادعاء دولة الاحتلال اسرائيل التي تعتبر القدس جزءا من اسرائيل, فيما العالم كله يعتبر القدس الشرقية ( المدينة المقدسة ) جزء من أراض دولة فلسطين المحتلة.
لم يذهب الصحفي العربي المصري الى( تل أبيب ) ولا الى ( متحف المحرقة ) !ولم يقابل نتنياهو او ليبرمان أو المستوطنين, فإخوتنا في عائلة "رسل الحقيقة" جاءوا ليعيشوا صمود أهل القدس الأصليين, الفلسطينيين في أحيائهم التاريخية, وربما سمعوا أنين حجارة بيوت المقدسيين العتيقة, وهمسات حجارة المسجد ألأقصى, وكنيسة المهد الحزينة, ودعواتهما للمُخلصين ( المُخِّلِصِين ) لتحريرهما قبل أن تسكتهما الى الأبد جرافات الاحتلال الاستيطاني, وتحول بيوت الله الى "خانات "!.
عاش الزملاء الصحفيون المصريون وشهدوا تفاصيل حياتنا اليومية, بعنفوانها, بصورها الحضارية, وبآلامها أيضا, مسحوا دموع امهات الأسرى, وتجولوا في المخيمات, ولمسوا اصرار الفلسطينيين على العودة الى ديارهم واراضيهم, وشاهدوا انجازات شعب قرر انه سيكون على أرضه التي كان بها منذ فجر التاريخ.
سنحسبه متواطئا مع المحتل (السجان الاسرائيلي) الذي يريد مصادرة شهادة الصحفيين المصريين, أو منع وصولها الى ذاكرة مئات الملايين من الأشقاء المصريين والعرب, فثقتنا برسل الحقيقة المصريين, بأقلامهم وعدساتهم ليس مبعثها أنهم صحفيون محترفون مهنيون وحسب .. بل لأن انتمائهم لإنسانيتهم وعروبتهم, وانتصارهم لقضيتهم المركزية (قضية فلسطين) هو دافعهم الرئيس, وهم باختراقهم لكل حواجز الاحتلال ووصولهم الى قلب القدس يثبتون أن المهنية الصحفية هي أن تكون لنصرة الفكرة والمبدأ أو لا تكون.
ريشة باعت
بقلم: د. أسامه الفرا – الحياة
على رأسه ريشة، هذا ما ننعت به شخصاً ما على اعتبار أنه يتميز عن غيره من البشر، وأحيانا تحمل الصيغة الاستنكارية بما فيها من سخرية، اذا كانت مقدرات ذاك الشخص لا تمنحه تلك المكانة، لعل هذا المصطلح جاء عن طريق اعتقادنا الخاطئ بأن أصحاب السلطة والنفوذ كانوا يضعون ريشة على رؤوسهم، فلم ينقل لنا التاريخ أن سلطاناً أو حاكماً كان يضع في عمامته ريشة طاووس كما نعتقد، بل ان هذه الصورة هي من محض خيال العاملين في مجال السينما، حيث الأفلام والمسلسلات التي تتناول واقعنا القديم هي من استنبطت هذه الخرافة فعلقت في ذاكرتنا، وتحولت معها الريشة الى قيمة تمنح صاحبها مرتبة «علية القوم» وتدخله قلعة السلطان والحكم، فيتحول بها الى شخص لا يصل القانون اليه.
لكن الحقيقة أن عبارة «على راسه ريشة» تمتد في التاريخ الى ما هو أقدم من ذلك بكثير، الى الحضارة المصرية القديمة حيث تعددت لديهم الآلهة، وخرافة الفراعنة المتعلقة بالريشة ترتبط بإله العدالة كما كانوا يعتقدون، وهي الالهة «باعت» التي صورتها الحضارة المصرية القديمة بصورة التي تضع على راسها ريشة، وريشة «باعت»كما حملته الخرافة القديمة كانت هي المقياس لأعمال الخلق، حيث توضع أعمال الشخص في كفة وريشة «باعت» في الكفة الأخرى من الميزان، فاذا ما ثقلت كفة الأعمال عن ريشتها فهذا يمنح صاحبها صفة الخلود ويقربه من مكانة الآلهة، واذا كان غير ذلك بات نسياً منسياً، والفرعون ذاته كان يحرص على أن يقال عنه عاش في باعت، أي أن فترة حكمه تميزت بالعدالة، المهم أن مفهوم العدالة في الخرافة سقط من المضمون وبقيت لدينا الريشة نضعها على راس من هم أطول قامة من القانون.
الحقيقة المجردة أنه بات لكل منا ريشته التي يزن بها أعمال الاخرين، وطبقاً لعملية القياس التي يجريها، على طريقة باعت، يشرع في تصنيف الخلق، والريشة التي يحتفظ بها كل منا في خياله لم يأت بها من طاووس حاملة معها جمال وخيلاء هذا الطائر، بل تم تصنيعها في ورشته بمادة فكرية خاصة به، لا تتمتع بخاصية المرونة التي تسمح لها بالتشكل طبقا لظروف الزمان والمكان، وكل منا يقنع ذاته بأن ريشته هي خلاصة الحقيقة الكاملة، وما سواها الباطل والجنوح عن الصواب، وفي المجتمعات التي يتراجع فيها العمل والانتاج وتستوطن فيها البطالة والمحسوبية يتمدد طولاً وعرضاً فريق «على راسه ريشة» المتعارف عليه.
ما يجب أن نتوقف حياله هو التغييب لرمزية ريشة «باعت» المتمثلة في العدالة، فلم يعد الحاكم يتطلع أن يسجل التاريخ أنه عاش في باعت، ولم يستوقفه البتة الفارق بين حكم عمر بن عبد العزيز وبقية خلفاء بني أمية، والأهم من ذلك أن ازدياد طابور من على راسهم ريشه في عهده، طبقا لمفهومنا المختزل والخاطئ لهذا المصطلح، لم يعد يؤرقه ويقض مضجعه، بل على العكس تنفرج أساريره لهم لأن فريق المطبلين والمصفقين يتسع، وهم دون سواهم من يمتلك القدرة على دغدغة ساديته وتميزه عن باقي البشر، وهم حفظة أبيات المديح والثناء، وتغيب عنهم مفردات النقد حتى وان جاءت في صيغة النصيحة.
ان كانت خرافة باعت وريشتها قد سقطت منذ قرون طويلة، فكيف استنبطنا المدلول الخاطئ لها؟ وكيف تجاوزنا مدلول العدالة فيها؟ العدالة التي بنيت عليها الشرائع السماوية قبل أن تتغنى بها القوانين الوضعية، وان كانت باعت وريشتها لم يعد لهما مكانة في ثقافتنا، فلسنا بحاجة لريشة طاووس هي بمثابة خنجر في خاصرة العدالة.