1 مرفق
مقالات في الصحف المحلية 135
المقالات في الصحف المحلية،،،ملف رقم (135)
المقالات في الصحف المحلية
(135)
|
الاستيطان يتمدد رغم المفاوضاتبقلم: حديث القدس
- ارتباك المواقف الاسرائيلية
بقلم: يوسف مكي
- أوباما أوباما
بقلم: غسان شربل
- هل هناك تغيير في الموقف الروسي؟
بقلم: مأمون كيوان
- وداعاً سيّدة فلسطين وأيقونتها عصام عبد الهادي
بقلم: د. غانية ملحيس
- عمـارة المسجـد الأقصى
بقلم: نبيل حمودة
- قلت لأبو الوفا : دوّن .. ؟ قال : اجمع !
بقلم: حسن البطل
- العدوان على سورية.. إرضاءً لصناعة السلاح الأميركية !
بقلم: هاني حبيب
- الحل العسكري في سورية: العراق وليبيا نموذجان مصغران
بقلم: أشرف العجرمي
- المأزق الأميركي بفضل التاريخ وليس رغمًا عنه
بقلم: علي جرادات
- من الرجولة أن نحلق شواربنا
بقلم: توفيق وصفي
- حياتنا - الفلسطيني المعذب
بقلم حافظ البرغوثي
- حديث قد لا يعجب البعض
بقلم يحيى رباح
- إغلاق جامعة بيرزيت .. الوجهة القانونية والتمثيلية والأخلاقية
بقلم أستاذ مهدي عرار
- موقف شجاع
بقلم محمود أبو الهيجا- الحياة الجديدة
الاستيطان يتمدد رغم المفاوضات
بقلم: حديث القدس – القدس
في الوقت الذي تواصل فيه اسرائيل ممارساتها القمعية بحق المواطنين الفلسطينيين من اعتقالات وقتل وهدم للمنازل، فهي لا تتوقف عن تكثيف عملياتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية وخصوصا في القدس ومحيطها، دون أي اكتراث بقرارات الشرعية الدولية أو ما يسمى بعملية السلام والمفاوضات.
هناك عمليات هدم لمنازل أو إخطارات بالهدم في الأغوار، وفي إذنا والظاهرية بمحافظة الخليل. ودماء الشهداء الذين ارتقوا في مخيم قلندية أثناء عملية اقتحام للمخيم استهدفت اعتقال أحد الناشطين الأسبوع الماضي لم تجف بعد، ولم يصدر أي اعتذار أو تبرير لهذا الاعتداء من جانب السلطات الاسرائيلية حتى الآن.
ونشرت الصحف أمس تقارير عن مخططات ستنفذ قريبا لتوسيع مستوطنة بسغات زئيف الواقعة شمالي القدس، والمقامة على أراض يملكها مواطنون من بيت حنينا تقع في الجبل المعروف براس الطويل. وتهدف هذه المخططات لبناء ٦٣٠ وحدة سكنية أخرى في المستوطنة تحيط بعدد من المنازل التي أقامها مواطنون فلسطينيون على أطراف المستوطنة، ما يهدد بمحاصرة هذه المنازل والتسبب في معاناة أصحابها.
ويجري هذا كله في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي تحت الرعاية الأميركية، وفي نطاق السرية الكاملة. وما تم إعلانه، ولا نقول تسريبه، هو أنه لم يحدث اختراق في هذه المفاوضات حتى الآن، وأنها غطت كل القضايا العالقة بما فيها الاستيطان بطبيعة الحال.
والسؤال المطروح منذ انطلاق هذه المفاوضات هو : كيف يمكن لاسرائيل أن تقوم انفراديا وفي وجه المعارضة الفلسطينية، وربما الأميركية، بمواصلة البناء الاستيطاني بوتيرة أسرع مما كانت عليه قبل استئناف المفاوضات؟.
من الواضح أن الحكومة الاسرائيلية تستفيد من المفاوضات في تكثيف نشاطاتها الاستيطانية، وتجعل من هذه المفاوضات غطاء لهذه النشاطات، وهذا أسوأ ما يمكن أن ينتج عن العملية التفاوضية التي يفترض- من أجل حسن النية على الأقل- أن توقف اسرائيل البناء الاستيطاني وأن تدرج موضوع المستوطنات على جدول المحادثات، ليس كواقع تريد فرضه بالقوة على الفلسطينيين، وإنما كظاهرة يتوجب وضع حد لها وتصفيتها نهائيا إذا أريد للسلام أن يتحقق، ولو بأقل نسبة "مبلوعة" من العدالة.
والملاحظ بالنسبة للموقف الأميركي هو أنه يطالب الجانب الفلسطيني بمواصلة التفاوض حتى مع استمرار النشاط الاستيطاني، فهل فقدت الولايات المتحدة كل أوراق الضغط التي تملكها في التعامل مع الممارسات الاستيطانية الاسرائيلية؟ وما معنى التفاوض ما دام الاستيطان يبتلع الأراضي الفلسطينية باطراد؟.
أسئلة تريد جوابا مقنعا من جانب اسرائيل والولايات المتحدة، والوفد الفلسطيني المفاوض، بطبيعة الحال.
ارتباك المواقف الاسرائيلية
بقلم: يوسف مكي - القدس
التطورات الأخيرة، في مصر التي أخذت مكانها في الثلاثين من حزيران الماضي، وما أعقبها من تنحية الرئيس محمد مرسي عن سدة الحكم، وإنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين، ووجود مناخات رسمية وشعبية معادية للهيمنة الغربية على مصر، وموقف الإدارة الأمريكية السلبي لهذه التحولات والذي وصل حد التهديد بقطع المعونة، تطرح أسئلة جوهرية عن موقف اسرائيل من هذه الأحداث .
فمنذ نكبة فلسطين، ولثلاثة عقود، ظل اعتراف أية دولة عربية باسرائيل حلماً بعيد المنال . وقد عبّر عن ذلك بوضوح، ديفيد بن غوريون، أول رئيس حكومة إسرائيلية . فمن وجهة نظر قادة اسرائيل، يعني رفض العرب احتلالهم لفلسطين، استمرار حالة الحرب، وأن وجودهم في المنطقة عرضة للتهديد . وكان توقيع اسرائيل لاتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، مع مصر خطوة رئيسة في تحقيق هذا الحلم، ليس فقط لأن اسرائيل تمكّن من إحداث ثغرة رئيسة في جدار الرفض العربي لاسرائيل، بل لأن هذا الاختراق تم مع أكبر دولة عربية مواجهة، والأكثر كثافة سكانية بين الأقطار العربية .
لم يتمثّل إنجاز كامب ديفيد في تحقيق الاعتراف المتبادل بين مصر وإسرائيل فقط، ولكن في فتح الباب أمام معاهدات صلح أخرى مع بقية الدول العربية . علاوة على ذلك، ارتبطت معاهدة كامب ديفيد، بفرض قيود على مصر، منعتها من ممارسة سيادتها الكاملة فوق أراضيها في سيناء . وأخرجتها من دائرة الصراع مع اسرائيل، عبر حل منفرد، لم يأخذ بعين الاعتبار المصالح القومية، ولا حقوق الشعب الفلسطيني . واتسمت علاقات اسرائيل بمصر، باستقرار لم تعكره الأحداث العاصفة التي شهدتها البلدان العربية، في أكثر من ثلاثة عقود، مثّلت الحقبة التي أعقبت توقيع المعاهدة المصرية- الإسرائيلية .
لقد حالت معاهدة كامب ديفيد دون استثمار مصر، لعمقها العربي الاستراتيجي، وعدم التزامها باتفاقيات ومواثيق جامعة الدول العربية المتعلقة بالأمن القومي العربي الجماعي . وكان عقد الثمانينات قد اتسم بعربدة إسرائيلية غير مسبوقة، شملت ضرب مفاعل تموز العراقي، وغزو لبنان والعدوان على تونس، واغتيال القادة الفلسطينيين . وشهدت تلك الحقبة، الحرب العراقية - الإيرانية، وهي أطول حرب في تاريخ العرب الحديث .
ومع الفراغ الذي تركته مصر، في الصراع العربي - الاسرائيلي، وترحيل الفلسطينيين، إلى أقطار عربية، كاليمن وتونس، بعيداً عن مركز المواجهة في فلسطين، وتراجع انتفاضة أطفال الحجارة في نهاية الثمانينات، وانشغال العرب بحرب الخليج الثانية، وجدت التيارات الإسلامية المتشددة فسحة لتوسع دائرة تحركها . وكان صعود “حماس” إلى الواجهة في قطاع غزة وبدرجة أقل في الضفة الغربية، هو تعبير عن تراجع دور التيار المدني في النضال الوطني الفلسطيني، لمصلحة جماعة الإخوان المسلمين .
اختزل الدور المصري - الفلسطيني، في عهد الرئيس مبارك، في دفع حركة المقاومة نحو القبول بخط التسوية . ولعب دور الوسيط بين الأطراف المتفاوضة من الفلسطينيين والإسرائيليين، وإيجاد مخرج من حالة الانقسام بين فتح وحماس . وقد واصل الرئيس مرسي هذا الدور، من خلال العلاقة العقدية مع حماس، فرعى اتفاق وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين في حرب غزة الأخيرة، وأصبح ضامناً لهذا الاتفاق .
بسقوط حكم الإخوان، لم يعد للحكومة المصرية المؤقتة، التأثير الذي امتلكته حكومة الرئيس مرسي في حماس . ومن جهة أخرى، فإن الوضع السياسي لحركة حماس لم يعد بذات القوة التي كان عليها إبان سيطرة جماعة الإخوان على السلطة . لقد خسرت هذه الحركة حليفاً استراتيجياً، وأصبح وضعها في الصراع مع فتح ضعيفاً . وقد عكس هذا الواقع ذاته على الموقف الفلسطيني، ليتطور الصراع الفلسطيني - الفلسطيني إلى انقسام بالموقف إزاء أحداث مصر الأخيرة . فبينما أيدت فتح بالضفة الغربية هذا التغيير، أدانته حماس في قطاع غزة واعتبرته انقلاباً على الشرعية، وأعلنت دعمها للرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي .
تطورات الأحداث وبشكل خاص، هيمنة قوى التطرف الإسلامية من المنتمين إلى تنظيم القاعدة على أجزاء من سيناء، تطرح علامات استفهام على مستقبل معاهدة كامب ديفيد، بين مصر وإسرائيل، وهل بالإمكان صمودها أمام الاهتزازات التي يتعرض لها الأمن القومي في مصر .
بالتأكيد لا يتوقع أحد أن تخضع القيادة المصرية الجديدة، لنصوص جامدة وردت في تلك المعاهدة، هدفت إلى تحقيق أمن اسرائيل، وحدّت من ممارسة مصر لسيادتها على سيناء . فالمطروح الآن هو إما الالتزام بنصوص معاهدة كامب ديفيد كما وردت، والقبول بسطوة الإرهاب، وتمدده إلى مختلف الأراضي المصرية، أو الانتصار لمبدأ السيادة، وعدم التقيد بنصوص المعاهدة .
وهناك أيضاً، تخوف من تقاطع داخل الخنادق، بين موقفي مصر واسرائيل تجاه حركة حماس، بعد تدخل الأخيرة، لنصرة جماعة الإخوان، واتهامها بالتورط في أحداث العنف التي أدت إلى قتل متظاهرين مصريين ضد حكم الرئيس المعزول . ويضاعف من هذا التداخل، أن الاتصال بحماس من قبل جماعة الإخوان المسلمين، أصبح تهمة بالخيانة العظمى، حسب القوانين المصرية . وتلك هي إحدى التهم التي يواجهها الآن الرئيس المعزول .
وضع حركة حماس المرتبك، التي آثرت الوقوف ضد إرادة الشعب المصري، وضعها بين فكي كماشة، وحجب عنها تأييد الجمهور الفلسطيني، الذي رأى في مواقفها ترجيحاً لانتماءاتها العقدية على حساب القضية الفلسطينية، التي يفترض أن تكون مبرر وجودها، كحركة مقاومة ضد الاستيطان والاحتلال الاسرائيلي، وأيضاً على حساب العلاقة التاريخية بين الشعبين المصري والفلسطيني . وقد كان لهذا الموقف المرتبك والمتسم بالتسرع، إسقاطاته السلبية المباشرة، على مصالح الفلسطينيين، حيث تسبب في إغلاقات متكررة لمعبر رفح، بوابة الفلسطينيين الرئيسة على العالم .
ويرى كثير من المراقبين، أن استمرار وجود حماس هو رهن لخيارين لا ثالث لهما . الأول، هو التسريع بعملية المصالحة الفلسطينية، والاندماج بالضفة الغربية، وإنهاء حالة الانقسام . وذلك سيقوي من الأوراق التفاوضية، التي لا تكاد توجد لدى السلطة الفلسطينية . والآخر، إشعال حرب أخرى مع اسرائيل، لكسب التأييد الشعبي، ينتج عنها خلط الأوراق، وتدخّل قوى إقليمية عربية، قد تكون مصر بينها على الخط . لكن نتائج هذه الحرب، لن تكون مضمونة وقد تودي بحركة حماس، وتخرجها إلى الأبد من الساحة الفلسطينية .
ويبقى موضوع الارتباك الاسرائيلي، إزاء تطورات الأحداث في مصر من دون مخرج، وأرض الكنانة حبلى بالمفاجآت، وليس علينا سوى الانتظار .
أوباما أوباما
بقلم: غسان شربل – القدس
يذهب باراك اوباما إلى قمة العشرين بعد إصابته في الأزمة السورية. لا يكفي ليشعر بالعزاء أن ينظر إلى ديفيد كامرون الذي أصيب هو الآخر في سورية. وأغلب الظن أن الارتباك سيعاوده حين يصافح رجب طيب أردوغان الذي كان ينتظر الضربة واثقاً من حصولها ومتكهناً حول تاريخها. أردوغان أصيب هو الآخر في سورية.
لن تكون المصافحة ممتعة بين سيد البيت الأبيض وقيصر الكرملين. لقد تلذذ الثاني برؤية الأول يرتبك أمام حقل الألغام السوري. بالغ فلاديمير بوتين في الصيد في بركة الدم السورية. ذهب بعيداً في مجلس الأمن وكذلك في حمص. الطائرات التي تدمي المعارضة والبلاد هي طائراته. والسيف الذي يشل مجلس الأمن هو سيفه. حقق الجاسوس السابق حلماً قديماً. إنه الثأر من أميركا التي دمرت الاتحاد السوفياتي من دون أن تطلق رصاصة. من أميركا التي طوقت الاتحاد الروسي بالدول التي هاجرت إلى حلف شمال الأطلسي ورادارات الدرع الصاروخية.
الفارق كبير بين الرجلين. يبدو أوباما في صورة أكاديمي يرصّع خطبه بالمشاعر الإنسانية والمبادئ الكبرى. انتخب لإعادة الجنود الأميركيين من حربين منهكتين رافقتهما أزمة اقتصادية طاحنة. وربما يريد الاكتفاء بهذه الصورة أمام التاريخ مضافاً إليها الأمر الذي أصدره بقتل أسامة بن لادن وفوزه بجائزة نوبل للسلام. يمكن أن نضيف إلى ذلك خيبته من «الربيع العربي» والأهوال التي ظهرت بعد سقوط المستبدين.
في المقابل، يبدو الكولونيل السابق في الـ «كي جي بي» حاملاً مشروعاً للثأر. الثأر لبلاده وجيشها وسلاحها وصورتها وقدرتها على حماية حلفائها بغض النظر عن سجلاتهم. إنه صاحب الكلمة الأخيرة في ديموقراطية ذات أنياب بعدما نجح في تطويع كل المؤسسات بلا استثناء فضلاً عن رجال الأعمال. تجربته في سحق التمرد الشيشاني أكسبته قدرة على التعايش مع الدم والاصطياد فيه.
اغتنم بوتين الأزمة السورية لتسديد اللكمات إلى سيد البيت الأبيض. أقفل في وجهه مجلس الأمن وتلاعب بروح مؤتمر جنيف ليكشف محدودية القدرة الأميركية. لم يترك لأوباما غير خيار إرسال الجيش لاقتلاع النظام السوري، وهو ما لا يريده الرئيس الأميركي، فثمن التدخل العسكري في سورية باهظ، والبدائل المحتملة للنظام تثير المخاوف. هكذا بدا أوباما أمام العالم رخواً ومتردداً وراغباً في الابتعاد عن الحريق السوري، متناسياً ما قاله عن فقدان الأسد شرعيته.
تعايش أوباما مع نهر الدم المتدفق على الأرض السورية. حظه سيء. مجزرة الكيماوي ذكّرت العالم بحديثه السابق عن «الخط الأحمر». طرحت بقوة أسئلة عن الدور القيادي لبلاده وصدقية تعهداته. وقع في الامتحان الذي طالما حاول تفاديه. وحين حبس العالم أنفاسه منتظراً انطلاق الصواريخ، رمى أوباما قنبلة الضربة المحدودة وطلب التفويض من الكونغرس. خيَّب حلفاءه وخيب المعارضة السورية.
وقع العالم في انتظار المواعيد الجديدة. من التسرع الاعتقاد أن أميركا انكفأت تماماً. إذا اقتنع الكونغرس باتهامات الإدارة للنظام السوري باستخدام الكيماوي ومنح أوباما التفويض، سيكون الرئيس أقدر على شن عملية أكثر إيذاء لنظام الأسد من تلك التي كان سيشنها بلا تفويض. لقد ألزم الرئيس نفسه بمعاقبة النظام السوري. فوزه بالتفويض سيساعده على تخطي «العملية التجميلية» لإرغام النظام على سلوك طريق جنيف. التفويض نفسه سيشكل رسالة إلى روسيا وإيران وحلفاء النظام السوري. أما إذا رفض الكونغرس تفويض الرئيس، فإن الأزمة السورية ستدخل مرحلة جديدة مختلفة. عجز اوباما عن التحرك سيطرح أسئلة عميقة وصعبة لدى حلفاء بلاده.
من حق المراقب أن يتساءل: هل يريد بوتين الانتقال من دور المعرقل إلى دور صانع الحل؟ وهل يستطيع توظيف التهديد الأميركي بالضربة للحصول من النظام السوري على ورقة تسهل التوجه إلى «جنيف-2»؟ وهل النظام السوري راغب في تقديم مثل هذه الورقة؟ وهل هو قادر؟ وهل يشعر بخطورة ما يمكن أن يواجهه؟ وهل يدرك أن ما بعد الكيماوي لا يشبه ما قبله مهما ارتبكت العواصم الغربية وتأخرت؟ وماذا عن ايران الحاضرة في الميدان السوري والقرار السوري؟
منذ مجزرة الغوطتين انشغل العالم بكلمتين، هما: الضربة وأوباما. في انتظار مناقشات الكونغرس سيتكرر اسم الرئيس الأميركي كثيراً. الخبراء يدعون إلى الحذر، يقولون إن اوباما ليس جورج بوش لكنه ليس الأم تيريزا أيضاً. إن اتجاه الأسابيع المقبلة في الأزمة السورية معلق بأوضاع رجل واحد اسمه باراك أوباما. أعرف أن المراهنين يقولون أوباما وأن الخائبين يقولون أوباما أوباما.
هل هناك تغيير في الموقف الروسي؟
بقلم: مأمون كيوان – القدس
ثمة شبكة من المصالح الحيوية الروسية شكلت بوصلة التدخل الروسي في رزمة الأزمات الشرق أوسطية وفي مقدمها راهناً الأزمة السورية . فمصالح روسيا كثيرة في سوريا وليست فقط عسكرية واستراتيجية، بل أيضاً تجارية وثقافية .
وخلال الحرب الباردة انتقل الكثير من الروس إلى سوريا، وفي المقابل درست الكثير من النخب السورية في كبريات المؤسسات التعليمية الروسية مثل “جامعة موسكو الحكومية” و”جامعة الصداقة بين الشعوب” . ومن جانبها، سعت القيادة السوفييتية إلى اجتذاب الطلاب المتفوقين من الدول الحليفة الذين يمكن الاعتماد عليهم في وقت لاحق . ونظراً لأن سوريا تتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة للمكانة السوفييتية في الشرق الأوسط، فقد تمت الإشارة إلى السوريين في البث الإذاعي العام والبيانات ك “حلفاء” و”أصدقاء” للشعب السوفييتي .
وعندما بدأت الانتفاضة السورية في آذار ،2011 ربما كان هناك100 ألف مواطن روسي يعيشون في البلاد .
وكانت سوريا دولة مستهلكة للأسلحة الروسية لفترة طويلة، وما حصل بعد مجيء الأسد وبوتين إلى السلطة في عام 2000 هو ازدياد تجارة الأسلحة بين البلدين بصورة مكثفة . ووفقاً لـ “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”، شكلت روسيا 78 في المئة من مشتريات سوريا من الأسلحة بين عامي 2007 و 2012 . كما وصلت مبيعات الأسلحة الروسية إلى سوريا بين عامي 2007 و 2010 إلى 7 .4 مليار دولار .
ووفقاً لصحيفة “موسكو تايمز”، فإنه فضلاً عن الأسلحة، استثمرت الشركات الروسية ما مجموعه 20 مليار دولار في سوريا منذ عام 2009 . وإذا فقد الأسد السلطة، فسيتم إلغاء هذه العقود .
كما أن القروض الروسية الكبيرة المقدمة للأسد معرضة للخطر . فوفقاً لقوائم الشحن، أرسلت موسكو إلى النظام السوري عن طريق الجو أكثر من مائتي طن من “الأوراق النقدية” في صيف 2011 .
وقد اعتبر بوتين توسيع القدرة البحرية الروسية ركيزة أساسية في فترة ولايته الرئاسية الثالثة . وخلال تدشين فئة الغواصات الروسية الجديدة الأولى منذ عام ،1991 التي جرت في 10 كانون الثاني، قال بوتين: “أود أن أؤكد مجدداً أن تطوير قوة بحرية قوية فعالة هو واحد من أولويات روسيا الرئيسية” . وهكذا فإن سقوط الأسد يعني خسارة روسيا لقاعدتها العسكرية الوحيدة خارج الاتحاد السوفييتي السابق - أي مركز التموين البحري في ميناء طرطوس السوري .
ومنذ عام ،2000 سعى بوتين إلى استعادة مكانة روسيا ك “قوة عظمى” مُجسداً سياستها ضد الولايات المتحدة في شكل لعبة محصلتها صفر من أجل وضع روسيا كثقل موازن للغرب في الشرق الأوسط . وتمثل سوريا موطئ القدم الأكثر أهمية في المنطقة بالنسبة لروسيا، كما أنها تعتبر ذات أهمية رئيسية في حسابات بوتين . فموقع سوريا الجيوبوليتيكي يجعلها ذات أهمية كبرى من أن يُسمح بخسارتها .
وساد اعتقاد مفاده أن “الحرب ضد الإرهاب”، سواء على الأراضي السورية أو في منطقة القوقاز، وإن طال أمدها، تعتبر مفروضة على روسيا وسوريا في آن . ومن الطبيعي، في ظل التخوف من عودة المقاتلين من سوريا إلى القوقاز، أن تعتبر روسيا الجبهة السورية خطها الدفاعي الأول . فسوريا اليوم تستقطب آلافاً منهم، يسعون إلى “الاستشهاد” .
وذلك يشكل، مهما طال أمده، أحد مستويات المصالح المشتركة بين البلدين .
ولم يكن هناك مبرر للآمال التي تقضي بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوف يغير دعمه للنظام السوري . لكن سرعان أن تجمعت مؤشرات معاكسة فقد اعترف علناً نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف باحتمالية فقدان الرئيس الأسد السلطة حيث قال: “للأسف، لا يمكن استبعاد انتصار المعارضة” . لكن سرعان ما تراجع الكرملين عن موقفه مدعياً أن بوغدانوف كان يعبر فقط عن وجهة نظر المعارضة السورية .
ومؤخراً، وفي أعقاب تصعيد الحديث الدولي، وعلى نحو خاص الأمريكي عن التدخل العسكري ضد حكومة دمشق، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده “لن تدخل في حرب ضد أحد إذا تبنى الغرب الخيار العسكري في سوريا” .
وأن شن عمليات عسكرية خارج إطار مجلس الأمن “يشكل مخالفة جسيمة للقانون الدولي وتداعياتها جربت في العراق وليبيا، وإن إطاحة النظام السوري لن تنهي الحرب الأهلية في هذا البلد” .
وعلق الباحث والمحلل الروسي ورئيس المجلس الروسي للسياسة الاقتصادية والدفاعية، فيودر لوكيانوف على تصريحات لافروف، قائلاً: “إذا ما وضعنا جانباً احتمال التدخل الروسي غير المباشر، فعلى الأرجح سيكون موقف الكرملين تجاه سوريا مشابهاً لموقفه إزاء العراق في العام ،2003 حيث بقيت روسيا جانباً لتراقب . وما حدث في العراق يثبت من جديد النظرية الروسية القائلة بمساوئ التدخل العسكري على الأراضي الأخرى . فالأمريكيون لم يخرجوا منتصرين من العراق، وفي سوريا سيكون الوضع على ما هو عليه. ولا شك في أن روسيا بحيادها، إذا ما اعتمدت الحياد، ستكون خاسرة على مستويات عدة في المنطقة لأنها ستكون قد تركت مواقعها وثمن العودة ليس بالبخس” .
وفي دليل جديد على تحول في موقف موسكو الداعم لنظام بشار الأسد، بدأت روسيا في ترحيل تسليم أسلحة نوعية للنظام إلى العام 2016 . والسبب الرئيس لتغيير مواعيد التسليم يتعلق بأمور مالية، تتمحور حول عجز نظام دمشق عن تسديد ما عليه من دفعات مستحقة .
وفي السياق نفسه، أعلن خبير تحليل الاستراتيجيات كونستانتين ماكينكو أن “تزويد نظام دمشق بمقاتلات “ميغ” المحدثة في 2013 ليس تصرفاً عسكرياً ولا سياسياً مفيداً لموسكو أو دمشق” . وبذلك يشير إلى الإفلاس المتكرر للسياسة الموسكوفية في الشرق الأوسط، أو سياسة “الروليت الفيتوية” التي طبقها سابقاً غروميكو وبريماكوف وراهناً لافروف، وتنذر بتلاشي صدقية ومبدئية المواقف الروسية التي لا تتجاوز حدود استخدام حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن . وفيتو “رابع” في الحالة السورية سيكون في منزلة لزوم ما لا يلزم .
وداعاً سيّدة فلسطين وأيقونتها عصام عبد الهادي
بقلم: د. غانية ملحيس – القدس
تتوارى مفردات اللغة العربيّة خجِلةً من عجزها عندما يتعلق الأمر برثاء سيّدة فلسطين وأيقونتها .
عصام عبد الهادي . النّموذج المتفرِّد الذي لم يختلف عليه فلسطينيّ على مدار العقود السّبعة من مسيرتها الوطنيّة المُتّصلة .
العاشقة للوطن والرّائدة في استحضاره حيثما رحلت وأينما حلَّت .
الحاضرة أبداً بمواقفها الواضحة الجريئة ، الثّابتة على المبادئ الإنسانيّة والوطنيّة في كلّ المنعطفات .
المثال النّادر للقيادة المستنيرة المؤمنة بتساوي حقوق بني الإنسان ، والمدركة لوثوق العلاقة بين الوطنيّة والقوميّة والأمميّة . الواعية لوحدة وتداخل قضايا التحرّر واتّصال جوانبها الوطنيّة بأبعادها كافّة ، السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة .
المتفائلة على الدّوام مهما اشتدّت حلكة الظُّلمة ، لوثوقها بقدرة الحقِّ على الانتصار طالما تمسّك أصحابه به وعملوا من أجل إحقاقه.
عصام عبد الهادي ، الإنسانة الاستثناء ، إسماً ومعنىً ومبنى ، أضفت على الإسم الذُّكوريّ الذي حملته بعداً أنثويّا عمّق الوعي الجمعيّ الفلسطينيّ والعربيّ بخطأ موروثهم ، ودفعتهم إلى الإقرار بتساوي الذَكر والأنثى جدارةَ وموقفاً ، قولاً وفعلاَ . وأسهمت مع زميلاتها الرّائدات الفلسطينيّات بالارتقاء بالإدراك المجتمعي ونيل الاعتراف بدور المرأة في النّهوض الوطني ومقاومة المُحتل . وأكسبت العمل التّطوّعي قيمة اجتماعيّةً كبرى واحتراما يسَّرَ على أجيال النّساء الفلسطينيّات عموما ، والنّابلسيّات خصوصاً ، ومكّنهنّ من تبديد التّحفظ في مجتمع ٍ ذكوريٍّ بامتياز، وساعدهنَّ في اختزال مراحل النِّضال من أجل انتزاع حقوق الشّراكة وتفعيل المشاركة.
عصام عبد الهادي ، الحضور الطاغي ، صفاء الذِهن ، وضوح البيان ، سرعة البديهة ، طلاقة اللِّسان . مزجت شغفها بالحياة بترفُّعٍ مُلفتٍ عن مُغرياتها . تحلّت بجلاء الرّؤية وعمق البصيرة وسعة الأفق وشدَّة التّواضع ، واتّسمت بالتأهُّب الدّائم لتحمُّل مسؤوليّات القيادة مرفوقاً بالزّهد اللاّفت في التّمتّع بمكتسباتها . لم تُغرها المناصب التي كانت تُعْرَضُ عليها ، ولم تَحُلْ أحقِّيّتها في شغلها دون مسارعتها طوْعاً في التّنازل عن شغلها لطالبيها ، درءاً لخلافٍ فصائليٍّ ، أو طلباً لوفاقٍ وطنيّ .
وظلّت على الدّوام تُعطي برقيٍّ وكأنها الآخِذ ، وتساعد بتواضعٍ جمٍّ وكأنها المتلقّي .
عصام عبد الهادي ، النّموذج المثال ، أدركت مسؤوليّة المرأة في تعدد الأدوار وتوازي استحقاقات النّهوض بأعبائها ، فلم تدع سمة المناضلة المنشغلة بقضايا التّحرر الإنساني والمثقلة بهموم شعبها وأمتها تتقدّم على صفة الزوجة المحبّة الشّريكة المسؤولة ، ولم تسمح لمشاغلها العامّة بأن تطغى على دورها الخاص كأمّ ٍّ متفانية معطاءة فائضة الحنان ، قادرة على أن تشمل برعايتها الشّعب بأكمله . ولم يدفعها انشغالها الدّائم إلى السّهو عن دور الإنسانة الصّديقة الحاضرة البشوشة المرحِّبة دائماً ، الفرِحة لكلّ نجاح ، المؤازرة عند الاحتياج .
عصام عبد الهادي ، الإنسانة والقائدة والمناضلة المتميّزة ، سيّدة فلسطين وأيقونتها التي يُجِلّها الكلّ الفلسطيني ، ولا يختلف عليْها أحد . محور الإجماع الفلسطينيّ في كلّ المراحل ، وربّما الوحيدة بين السّاسة نساءً ورجالاً التي بقيت على مدى سبعة عقودٍ مُتّصلة تُعطي ولا تأخذ ، ما أكسبها القدرة على التّمتّع باستقلاليّة مؤثّرة ، والتّمايز الواضح في ساحة تعجّ بالاستقطاب بأشكاله المختلفة ، العقائديّة والسِّياسيّة والاجتماعيّة والجهويّة والحزبيّة والفصائليّة ، مرشدها الوحيد في ذلك بوصلة الوطن الذي عشقته ، وخدمة قضيّة شعبها وأمتها التي نذرت حياتها لها ، دون أن تُغفل قضايا بنات جنسها .
يُفجعنا رحيلك عن دنيانا في مراحل التّحوّل الكبرى ، ويُخيفنا غيابك في لحظات التّيه التي يمرّ بها شعبنا الفلسطيني وقد أضاعت قواه المنظّمة بوصلتها ، وانغمست في صراعٍ داخليٍّ مُدمِّرٍ يتيح للاحتلال الاستيطانيّ الصّهيوني المعزّز بالدّعم الامبرياليّ الغربيّ والمتربّص بجماع الشّعب والأمّة والمنطقة ، فرصة لم يحظَ بها على امتداد أكثر من قرنٍ من الصّراع الوجوديّ المتواصل .
لكنّه القدر الذي لا رادّ لجبروته ، وعزاؤنا في قبوله أننا حظينا بفرصة العيش في زمنك ، ونعمنا بشرف معرفتك شخصيّا والتّعلّم منك والتّتلمذ على يديك في كيفيّة حب الوطن وفي سبل استحقاق شرف المواطنة . ومنحتنا وأسرتك الكريمة المتميّزة حبّا وانتماء وعطاء ، نموذجاً رائداً نُجلِّه ونقتدي به .
وداعا سيّدة فلسطين وأيقونتها ، ولتنعم روحك الطاهرة بالسّكينة إذ تركت إرثاً ثريّا سيبقى نبراساً للأجيال القادمة.
عمـارة المسجـد الأقصى
بقلم: نبيل حمودة - القدس
الجزء الأول
منذ كارثة الاحتلال الاسرائيلي لشرقي القدس عام 1967 التي حلت بالعالم الاسلامي من النواحي الدينية والسياسية والنفسية ، وهو يمارس وفق خطة استراتيجية ممنهجة أسوأ وأخطر وأعتى وأوقح وأشرس إجراءات إحتلالية يمكن ان يمارسها محتل على أرض يحتلها . فلقد سعى منذ اليوم الاول الى الاستيلاء والسيطرة على المدينة وأسرلتها ، واستلاب حقوق أهلها العرب وإبعادهم ودفعهم إلى الهجرة منها، وانتهاك المقدسات بدون خجل أو استحياء، وتلويث قدسية وبركة مواقعها وأماكنها الاسلامية والمسيحية ، وتهديدها بالضياع والاندثار نتيجة الاخطار الاحتلالية المحدقة بها من كل جانب، واعتدى كذلك على حرمة المسجد الاقصى وقام متطرفوه بإقتحامه وتدنيسه، بل وصل به الأمر إلى الحد من حرية الصلاة والعبادة فيه، باعتبار موقعه يقع في بؤرة أطماعهم اليهودية ، ومزاعمهم لبناء هيكلهم على أنقاضه . لذلك استخدم كافة الاساليب والإجراءات غير الاخلاقية وغير القانونية لفرض وقائع جديدة على الارض تتفق مع الرؤيا والرواية الصهيونية، فقام بعد احتلاله مباشرة بضم شطري المدينة بما ذلك البلدة القديمة وتوحيدها واعتبارها عاصمة موحدة له ، وهدم بعض العقارات القديمة والمباني التاريخية الخاصة ، وصادر الأراضي والممتلكات وقام بتدمير بعض املاك الاوقاف ، وتجريد بعض المباني والمقابر من طابعها الديني والأثري، وشيد المستوطنات والمباني الشاهقة والعالية لتوطين المستوطنين داخل المدينة وحولها مما شوه طابعها التاريخي ، وقام بإجراء الحفريات تحت وحول المسجد الاقصى محاولاً تغيير معالمه بالكامل وهز أساساته ، دون أدنى مراعاة لسمات المدينة ، وطابعها الحضاري خصوصاً للاماكن الدينية والأثرية، لان في بقائها ووجودها كما هي دون تغيير شاهداً حياً وحاضراً وتذكيراً للعرب والمسلمين على أن مدينة القدس كانت وستبقى مدينة عربية اسلامية الجذور والأصول، متوهماً بأن اتخاذ مثل هذه الاجراءات بتغيير رموزها وآثارها ، وتبديل معالمها وطابعها يسارع في تهويدها ، مراهناً على أن ينسى العرب والمسلمون شخصية وهوية المدينة ومسجدها الاقصى وأماكنها المقدسة ، متوقعاً أن تضعف ذاكرتهم الجمعية التاريخية والحضارية مع مرور الزمن ، مما يبعدهم عن مدينتهم تدريجياً ، فلا تعود حاضرة على أجندتهم ، فيفقدهم ذلك حبهم وانتماءهم لها ، متجاهلاً بأن المدينة المقدسة وأماكنها ومواقعها الدينية عند أهلها العرب ، جواهر ولألئ غالية وعزيزة عليهم ، عصية على النسيان والضياع ، ترتبط بعقائدهم ودينهم ، فهي تسكن راسخة في قلوبهم وعالقة في عقولهم ، ضاربة جذورها في نفوسهم ووجدانهم ، يتناوبها ويحتضنها ابناؤها بكل الحب والتضحية والوفاء ، كيف لا ! وهم الذين عاشوا فوق ارضها وتحت سمائها جيلاً بعد جيل .
فمنذ ان وطأت قدم الخليفة الراشدي الفاروق عمر بن الخطاب مدينة القدس عام 15 هـ 636 م سأل البطريك صفرونيوس عن موقع يبنى فيه مسجداً للمسلمين، لارتباط نشأت القدس التاريخية والمسلمين بالمسجد الأقصى ، فلقد كان القبلة الاولى للمسلمين لمدة 16 شهراً تقريباً ، ووجهة النبي محمد عليه الصلاة والسلام في ليلة الاسراء والمعراج ، فأرشده إلى مكان مهجور، كانت ساحته مهملة، مليئة بأكوام الاتربة والقمامة والقاذورات ، فقام برفعها بيديه ونقلها بثوبه ، فتبعه الصحابة ونظفت الساحة حتى طهرت وظهرت للناظرين . فأمر ببناء مسجد في ذلك المكان ، والذي يعتبر من أكثر المعالم قدسية عند المسلمين.
ومنذ ذلك الوقت فالقدس والمسجد الأقصى يلقيان حظوة وتقدير وإهتمام جميع المسلمين وخلفائهم وسلاطينهم وحكامهم وأمرائهم وولاتهم وأعيانهم ، يقومون على عمارته وتجديده ورعايته وترسيخ هويته ، لذا انفقوا عليه اموالاً كثيرة ، وأوقف أغنياؤهم الصالحين عقارات ومباني خصص ريعها لتجديد عمارته وزخرفته وتزينه وصيانته وترميمه وحراسته وحمايته ، وكذلك عمارته بتوفير العلماء والخطباء والأئمة والمحدثين والفقهاء للتعليم والتهذيب والتثقيف والوعظ والإرشاد في ساحاته وعلى مصاطبه وتحت قبابه ومدارسه ، وألفوا الكتب عن تاريخه وفضائله ، فتركوا بذلك طابعاً ومعالم دينية وأثرية ، ومراكز اشعاع ثقافية وفنية ، ومآثر حضارية للإنسانية جمعاء ، لا يمكن التغاضي عنها او اغفالها على مر الأجيال.
وبالرغم مما تعرض له المسجد من زلازل وتخريب ، وهدم ودمار واحتلال أحاط به وبالمدينة ، إلا ان يد البناء والأعمار والإصلاح استمرت فيه دون توقف ، فلم يمض عهد من عهود الاسلام إلا وأضاف الى المدينة عمارة جديدة ، وقام بإصلاح او ترميم اثر قديم ، الامر الذي يدل على المكانة الدينية والمنزلة الروحية الخاصة للمدينة على امتداد التاريخ الاسلامي ، وان تأثر هذا الاهتمام ، واختلف بمدى استقرار وفتور وارتباط العهود والعصور الاسلامية المختلفة بها ، وكذلك بمدى ازدهار أحوالها وأوضاعها او تخلفها، وقوتها او ضعفها ، واختلاف الطابع المعماري والعمراني الخاص والمتميز لكل عهد من العهود التي مرت عليها ، او بمدى الاحداث التي غيرت ملامح بعض معالمها ، وتأثر بعض آثارها بعوامل مرور الزمن ، او محاولات تشويه المحتلين لآثارها وتراثها.
ولقد شهد العصر الأموي اهتماماً بالمشاريع العمرانية في القدس منذ عام 41 هـــ الموافق 661 م حيث قام معاوية بن ابي سفيان بتجديد المسجد القبلي سنة 74 هــ 693 م . تلاه الخليفة عبد الملك بن مروان الذي أمر بتشييد قبة الصخرة ، التي تعتبر من أعظم مفاخر العرب المسلمين ، وابرز وأجمل آثار المعالم العمرانية في الحضارة العربية والإسلامية ، التي تبهر العيون وتدهش العقول ، وقاموا بشق وتعبيد الطرق ، وتعمير وإنشاء فيها، عدة جوامع، وقصور ومباني وصروح ، ودار إمارة عظيمة في الجهة الجنوبية للمسجد القبلي لا زالت بقايا آثارها المعمارية بادية للعيان حتى الان.
ولقد استمر الخلفاء العباسيون على التردد على القدس لزيارتها والاهتمام بها ، وازدادت أهميتها لديهم ، فعملوا على توسيع المسجد وصيانة وإصلاح قبة الصخرة وترميمها نتيجة الخراب الذي نتج عن الزلزالين اللذين وقعا تلك الفترة.
ومع تأثرعمران المدينة سلبيا نسبياً لضعف أواخر عهد العصر العباسي ، عادت المدينة للازدهار وزيادة عمرانها ومدارسها وجلالها وإشراقها وأصالتها العربية الاسلامية بعد فتح صلاح الدين الايوبي لها سنة 583 هــ 1187 م الذي عمل على إعادة بناء المؤسسات الاسلامية الدينية والعلمية والثقافية والاجتماعية وأمر بتجديد وتزيين المحراب بالمسجد ، وأتى بالمنبر الخشبي للمسجد الاقصى ، وقد ترك هو وخلفاؤه من بعده بصمات ماثلة أمام التاريخ حتى الآن.
كما لاقت المدينة ازدهاراً عمرانياً، ونهضة علمية وثقافية كبيرة في العصر المملوكي لتطوير المدينة الذي يعتبر من أزهى الفترات التاريخية ، حيث تسابق الملوك والأمراء على اعمار المدينة والمسجد الاقصى وصيانتهما وتطويرهما والمحافظة عليهما ، فأنشاؤا البيمارستانات والخانات والحمامات والخوانق والبوائك والزوايا والأربطة والاسبلة في المدينة التي تنوعت واتسع نطاقها وأنماطها وأظهرت مدى حبهم لها وارتباطهم الوثيق بها ، وسمت منزلتها كدار للعلم والتعليم ، ومناراً للهداية والثقافة الاسلامية ، يأوي اليها للدراسة والتعلم طلاب العلم من كل مكان في العالم الاسلامي .
وواظب السلاطين العثمانيون " الذين إستمر حكمهم لها زهاء 400 عام " بالاهتمام بالمدينة فقاموا بمتابعة مسيرة تعمير وترميم آثار القدس والمسجد الاقصى ، والتوسع في إنشاء المباني والمجمعات الجديدة وهو ما يدل على مدى تقديرهم وإجلالهم للمدينة ومقدساتها ، ولعل ما قام به السلطان العثماني سليمان القانوني باستكمال تجديد وترميم بناء سور القدس الحالي ، وما قامت به زوجته الروسية خاصكي خاتون " روكسيلانه " التي انشأت فيها تكية " خاصكي سلطان " ، وانتظام سلاطينهم على ارسال الصرة التي كانت ترسل سنوياً الى العاملين في خدمة المسجد الاقصى ، ودوام تعمير الاماكن المقدسة فيها خير دليل على ذلك ، بالرغم من انها مرت في اواخر عهدها بمرحلة من الضعف .
ومع احتلال القوات البريطانية لفلسطين عام 1917 ، وتكليف عصبة الامم الحكومة البريطانية بالانتداب على فلسطين " من عام 1922 حتى عام 1948 م " ، سعت حكومة الانتداب بالاتفاق مع الصهيونية على تفريغ المدينة المقدسة من اصحابها وطردهم بكل السبل لإسكان اليهود بديلاً عنهم ، وعلى طمس معالمها وحضارتها وتهويد معالمها الاسلامية ، وإقامة وتعزيز المؤسسات والكنس اليهودية ومدارسهم الدينية ، الامر الذي ادى إلى نشوب الصراع بين الفلسطينيين واليهود خاصة . وهو ما دفع المجلس الاسلامي الاعلى في القدس لإحساسه بالخطر المحيط بالمسجد الاقصى ، بتبني البدء في تعميره " من الفترة 1938 وحتى 1943 " لمعالجة الاضرار التي تعرض لها المسجد نتيجة الزلازل في ذلك الوقت ولكون المجلس الجهة الرسمية المسئولة عن اعمار وصيانة واصلاح المسجد ، ولمعرفة المجلس بأهمية المسجد الاقصى للقدس كما ان المسجد الأقصى بالنسبة لفلسطين كموقع الرأس من الجسد ، والقلب من الانسان ، تماماً كما هي القدس قلب فلسطين لا تحيا بدونها.
وفي أعقاب إنسحاب القوات البريطانية وانتهاء الحرب العربية الاسرائيلية تم في عام 1950 ضم إمارة شرقي الاردن والضفة الغربية في دولة واحدة يرأسها الملك عبد الله بن الحسين . ولما كان موقف الاردن والهاشميين المبدئي رفض قرارات تقسيم وتدويل القدس الصادرة عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة عامي 1947 م ، 1948 ، فقد وقف الاردن مواقف صامدة وصلبة في الدفاع عن عروبة المدينة المقدسة ومقدساتها ، وقاوم فكرة تدويلها وتقسيمها ، وذلك لإدراكه بمكانة ورمزية المدينة وقدسيتها ، فاستمر في رعايتها والمحافظة عليها . وكانت الرعاية الهاشمية للمسجد الاقصى قد بدأت منذ عام 1924 عندما قدم الشريف الحسين بن علي 24 الف دينار ذهباً للمسجد الأقصى . واستمر تواصل الاهتمام الهاشمي بدون انقطاع للأماكن المقدسة في القدس بشكل عام وبالحرم الشريف بشكل خاص ، حيث قام الملك الحسين بن طلال سنة 1954 بتشكيل لجنة اعمار المسجد الاقصى والصخرة المشرفة، واستمر هذا الاهتمام لتوفير التمويل اللازم لدعمها ، وأصدر الملك عبد الله بن الحسين قراراً بإنشاء قانون الصندوق الهاشمي لضمان توفير الدعم المالي لاستمرار إعمار وصيانة وتجهيز وتوفير متطلبات المسجد الأقصى ، وكذلك إنشاء لجنة اعمار المسجد الاقصى برئاسة وزير الاوقاف الاردني لمتابعة وضمان توفير الدعم المالي . وجاء الاتفاق الاردني الفلسطيني العربي الذي ابرم عام 2013 تتويجاً وتأكيداً على الدور الكبير للهاشميين في استمرار رعاية ودوام العناية وصيانة وترميم المسجد وقبة الصخرة والأماكن المقدسة في المدينة ، والمحافظة على عروبة وإسلامية مدينة القدس ، ولا شك بأن اتفاق السلام بين المملكة الهاشمية واسرائيل ، يعطي للأردن دوراً فعالاً ومميزاً في الاعتراض والرفض لأي محاولة إسرائيلية أحادية بشأن أي تغيير منفرد او استغلال او تشويه اية معالم في المسجد او التدخل في شئونه او ادارته.
كما أن دورها العالمي والدولي الفعال سيؤثر ويعزز من تدخل لجنة التراث العالمي في منظمة اليونسكو لحماية مدينة القدس القديمة وأسوارها من ممارسات الاحتلال الاسرائيلي وعلى الاخص وقف الحفريات الجارية اسفل المسجد الاقصى وما حوله، وغير ذلك من تشويهات في المواقع والأماكن المقدسة.
ولعل ابرز ما تناوله الاعمار الهاشمي خلال نصف القرن الماضي تجديد عمارة قبة الصخرة المشرفة ، وتجديد عمارة المسجد القبلي، وإزالة اثار حريق المسجد القبلي سنة 1969 وإعادة بناء منبر صلاح الدين الايوبي الذي احترق ، وغير ذلك من أعمال الترميمات والصيانة . التي تؤكد على الرعاية الهاشمية للمسجد الاقصى وأداء دورها الديني والوطني بكل الوفاء والإجلال منذ ما يزيد عن نصف قرن وحتى يومنا هذا .
وقد قامت بعض الهيئات الاسلامية الفلسطينية سنة 1995 بجهود ذاتية بالبدء بالعمل على فتح المصلى المرواني والذي تبلغ مساحة 4000 متر مربع الذي بناه الامويون والواقع اسفل الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد الاقصى ، حيث تم إفتتاحه كمصلى وسمى المرواني نسبة الى مروان بن عبد الملك.
كما قامت بعض الدول العربية والإسلامية بتقديم بعض اعمال الصيانة وفرش السجاد ، وتزيين بعض الجدران بالزخرفة والنقوش والتي تتطلب مهارة فنية خاصة ، ودقة متناهية في العمل ، ومتانة وحرفية بالصنعة.
قلت لأبو الوفا : دوّن .. ؟ قال : اجمع !
بقلم: حسن البطل – الايام
في الفرنسية: "اسم الحرب" كناية عن الاسم الحركي للمقاتل. وفي العربية اسم الحرب والاسم الحركي ممنوعان من الصرف اللغوي .. في الحياة والممات.
مات زميلي ورفيقي وحبيبي "أبو الوفا" لأن الموت يصرف من الحياة أصحاب أسماء العلم الصريحة، وجملة أسماء الحرب والحركة. خسر حربه مع السرطان.
في نزاعه مع الموت قال أبو الوفا لكريمته "وفا" : كل يوم عشته بعد معركة بيروت 1982 كان عمراً جديداً، وعاش أبو الوفا، مثلي، ثلاثين عاماً بعد الموقعة، وترك لي بقية من العمر يقولونها: أعطاك عمره. لي الاسم الصريح، وله اسم الحرب الحركي. اسمه الصريح عرفته في البلاد "محمد عواد" و"محمد" الاسم الأكثر شيوعاً في العالم، لكن اسم الحرب والحركة له وحده.
ليس "ابو هاجر" ولا "أبو الجماجم". ليس "أبو الليل" أو "ابو الويل" لكنه خطب وكالة "وفا" طفلة وتزوجها شابة، وأعطى ابنته البكر اسمها، وتركها كما تترك ورقة الخريف شجرتها. ولد. جاهد. تقاعد. مات.
عليك أن تنظر في عينيه لتعرف هل تكشيرته ابتسامة ماكرة، أو ابتسامته تكشيرة عتاب، عليك أن تسمع من لسانه موسوعة للتاريخ الشفهي للحركة والثورة، وما لم تنشره "وفا" عن قصص "الأبوات" الكبار وكواليس مواقف قيادة الثورة والمنظمة.. تماماً مثل التاريخ الشفهي لصديقي المغدور خليل الزبن.
حبيبي خليل
بعد اغتيال خليل كنت أقول لأبو الوفا : دوّن ما عشت ورأيت، ما عملت وسمعت، لا شيء أصدق من شهادة الكادر القاعدي المؤسس في "الإعلام الموحد". كان يقول : وأنت اجمع ما دونت وكتبت من يوميات حرب بيروت الـ 84، وما قبلها وما بعدها في "الأيام": "في العدد". "فلسطين في الصراع"، "أطراف النهار".
كانت "وفا" الأسبق من "فلسطين الثورة" شهوراً في الصدور من بيروت، وكانت الأسبق في عودة الصدور من تونس. ماتت "المجلة المركزية" في قبرص، وبقيت الوكالة لتصدر من البلاد بحرفية أعلى ومهنية أوفى.
كانت "النكتة" في بيروت : الوكالة والمجلة شارعان متوازيان لا يلتقيان، لأن صفاً من البنايات يفصل "شارع وفا" و"شارع فلسطين الثورة" قرب الجامعة العربية ـ بيروت.. لكن علاقة كادر الوكالة بكادر المجلة أشبه بعلاقة الأكسجين بالآزوت في الهواء.
ها أنا أمسك بالقلم بثلاثة اصابع من يمناي قاعدتها اصبع الابهام، ها هو الذي كان يمسك بالقلم باصبعين بين سبابته واصبعه الوسطى من يمناه؟ لماذا. طلقة في معركة مع العدو في جنوب لبنان طوّحت بابهام يده اليمنى. باصبعين من يمناه كان يحرر أخبار الوكالة من تونس، كما كان يحررها بأصابع ثلاث قبل الطلقة في جنوب لبنان.
.. ومن ثم، كانت علامة الود في مصافحته أن يضغط كف يدك بسلامية ابهامه كأنها ضغطة من كماشة.. ثم يضحك. عليك أن تنظر في عينيه لتعرف هل تكشيرته ضحكة ترحيب، أم ضحكته تكشيرة عتاب!
كم رئيس تحرير مرّ على وكالة "وفا"؟ ثلاثة أو أربعة قبل الصدور الثالث من البلاد، لكن "ابو الوفا" عميد محرري الوكالة من يوم خبرها الأول في بيروت وتونس إلى يوم خبرها الأول في غزة ثم رام الله.. هو القاعدي في تحرير الخبر، وبقيت أنا القاعدي الأخير في كتابة الرأي، من بغداد ـ الإذاعة إلى بيروت ـ المجلة والجريدة، إلى قبرص المجلة .. فإلى هذه الجريدة.
سبقني إلى "عسكرية" الإعلام الموحد، وسبقتني الوكالة في الصدور الأول وفي الصدور الثاني من فندق سلوى ـ تونس، ثم سبقني أبو الوفا إلى الحرب، وسبقني إلى الموت. بماذا سبقني، أيضاً؟ هو عاد إلى مسقط رأسه في طولكرم، كأنه سمكة السولمون لا بد لها من الموت في مسقط رأسها.. المقاتل. الكادر. الإعلامي. القاعدي "عميد وفا" عاد إلى أرض ـ الارض. ارض البلاد، وأرض حقوله.
قال الشاعر: "ذهب الذين نحبهم" والذي نحبهم هم الرعيل الأول من حملة السلاح وحملة القلم، ومن رفاق المنفى والثورة. بيروت جمعتنا، بيروت فرقتنا، البلاد جمعتنا والبلاد فرقتنا. كانت الثورة نهراً، وكان الإعلام الموحد نقطة "الدلتا" ومن فروع الدلتا بقيت "وفا" و"الإذاعة" وقسم التصوير، وأما المجلة المركزية فقد ماتت ـ أميتت بالسكتة القلبية. أوسلو ألبست المنظمة لباس السلطة، وأوسلو كانت نزاع الموت ووداع المجلة.
دقائق فقط، بعد موت أبو الوفا مبتسماً كما تقول "وفا" أرسلت لي هذا النص ـ رسالة قصيرة : "مات حبيبك يا عمي". حبيبي حمل اسم الوكالة، وكريمته حملت اسمه.. وإلى آخر عمري سيبقى محمد عواد هو "أبو الوفا". سقطت ورقة من شجرة الثورة والمنظمة. وكان يسألني عن يومياتي ـ اليومية خلال حرب 1982. قال: اجمع، قلت : دوّنت على الحاسوب، ولغيري أن ينشر.
وداعاً أخي ورفيقي وحبيبي وزميلي.
العدوان على سورية.. إرضاءً لصناعة السلاح الأميركية !
بقلم: هاني حبيب - الايام
على غرار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى حشد الكونغرس خلفه لشن عدوان على سورية، كما هو معروف، فإن مجلس العموم البريطاني خذل كاميرون ورفض التصويت لصالح انضمام بريطانيا إلى تحالف بقيادة أميركا لتوجيه ضربة عسكرية إلى سورية، كان الرئيس الأميركي قد أشار إلى أن هذه الضربة: محدودة، خاطفة، مؤلمة غير مميتة لنظام الأسد، لكنه للحصول على موافقة صقور الكونغرس على هذه الضربة، ولكي لا يحدث ما حدث مع كاميرون، اضطر إلى التراجع عن هذا التوصيف للعدوان، وباتت هذه الضربة المحتملة: موسعة؟!
وجاء هذا التوصيف الجديد للحملة العدوانية الأميركية على سورية، بعد لقاء أوباما مع صقري الجمهوريين في الكونغرس، جون ماكين ولينزي غراهام، فقد صرح الأول أن تردد واشنطن في توجيه هذه الضربة الموسعة، سيضع مصداقيتها في الحضيض، والأمر لا يتعلق بمصداقية الرئيس الحالي للولايات المتحدة، بل بالرئيس القادم ايضا، ويشار بهذا الصدد، الى أن ماكين، يعتبر حتى الآن المرشح الجمهوري الأكثر حظاً للمنافسة على رئاسة الولايات المتحدة القادمة(!)
مساع رئاسية أميركية محمومة لإقناع أكبر عدد من شيوخ الكونغرس لمنح أوباما التفويض اللازم لتوجيه الضربة الموسعة إلى سورية، ويمكن عند الحصول على عدد كاف أن يتم توجيهها حتى قبل انعقاد اجتماع الكونغرس في التاسع من الشهر الجاري، ذلك أنه وفقاً للدستور الأميركي، فإنه يحق لقائد الجيش، وهو الرئيس، أن يوجه مثل هذه الضربات من دون العودة إلى الكونغرس، وفي هذه الحال، يمكن أن يكتفي أوباما، بتغطية عدد كبير من أعضاء الكونغرس من دون الحاجة للتصويت في "البرلمان الأميركي" وبهدف إقناع العدد المطلوب فإن أوباما، كما أشرنا، غير من سيناريو العدوان، لإرضاء أكبر عدد من المتشددين الذين يرون أن ضربة محدودة، لا تفي بالغرض وغير كافية لإعادة الهيبة للولايات المتحدة، ولا تعيد واشنطن إلى دورها الدولي باعتبارها الشرطي القادر على التدخل أينما كان لكي تظل سطوتها مجالاً للخوف والحذر من قبل كل الخصوم والأعداء والأصدقاء، أيضاً.
إن ضربة محدودة لا تكفي، فالمجمّعات الصناعية لإنتاج الأسلحة، وهي "كارتيلات" عملاقة، تقوم أساساً على مبادئ الحرب التي تستهلك كميات كبيرة من شتى أنواع الأسلحة ولا شك أن لهذه الكارتيلات مصلحة في إدامة أداة الحرب الأميركية، وصناعة الخصوم والأعداء، واعتبار خيار الحرب، هو الخيار الأمثل لحل النزاعات، الأمر الذي يوفر لهذه الصناعة عناصر البقاء والاستمرار والربح، كبار رجال الكونغرس، إما شركاء في مثل هذه الشركات، أو مدعومون انتخابياً من قبلها، والانتقال من ضربة محددة إلى ضربة موسعة، يعتبر نجاحا نموذجيا لتأثير هذه الكارتيلات على الرئاسة، كما كان الأمر عليه في الحروب التي شنتها الولايات المتحدة في عهد الحزب الجمهوري، أفغانستان والعراق، والنفقات الأميركية الهائلة على هذه الحروب التي أدت إلى أن تصبح الدولة المركزية مدينة مالياً لهذه الكارتيلات العسكرية الصناعية، التي زادت قوتها أثناء الحرب الباردة وسباق التسلح، وبعد سقوط المنافس الدولي الاتحاد السوفياتي، تفجرت بدائل لاستهلاك أدوات الحرب، فكانت الحروب المشار إليها. كما تم اختلاق البرنامج النووي الإيراني، لتبرير استيراد دول الخليج العربي للمزيد من الأسلحة التي لا تستخدم والتي يتم استبدالها كل عام نظير مئات المليارات من الدولارات.
يذكر بهذا الصدد، أن الميزانية الأميركية الأخيرة، أجرت تقليصات في ميزانية الجيش الأميركي بشكل حاد جداً، الأمر الذي أثار كارتيلات صناعة السلاح الأميركية، وأدى إلى إجراء تقشف كبير في تزويد الجيش الأميركي بالأسلحة، ما يعني أن أرباح هذه الكارتيلات ستصبح أقل مما كان منتظراً، حتى أن السيناتور الجمهوري جيمس ايلهوف، أشار في حديث لـ CNN لتبرير موقفه الرافض للتدخل في سورية قائلاً: الولايات المتحدة حالياً في وضع لا يتيح لها القيام بعمل عسكري في سورية، إذ اننا في الولايات المتحدة لا نملك الموارد الكافية للتدخل في عملية من هذا النوع (موقع CNN ـ 3/9/2013).
لكن هناك أسبابا إضافية تبرر للرافضين لهذه الضربة، في الكونغرس عدم الانجرار وراء أوباما والصقور الجمهوريين والديمقراطيين في هذه الحرب، ذلك أن هؤلاء لديهم أسباب تشير إلى أن مثل هذه الضربة، الموجهة إلى النظام السوري، هي في مضمونها دعم لقوى المعارضة المتطرفة، وان الجيش الأميركي يبدو وكأنه يصطف إلى جانب القاعدة في هذه الحرب ضد النظام، ذلك أن هذه الضربة، لن تستفيد منها سوى القوى الأكثر تطرفاً في المعارضة، إلاّ أن بعض الأوساط التي التقاها أوباما لإقناعها بالتصويت لصالح الضربة الموسعة في الكونغرس، أشارت إلى أن السيناريو العدواني، ربما يشمل ضربات "بالخطأ" لمراكز "القاعدة" و"النصرة"، إلاّ أن ذلك يظل مجرد افتراض، لم يقنع الرافضين من حيث المبدأ لتوجيه هذه الضربة الموسعة العدوانية، وتبقى الأسباب الأميركية الداخلية، هي التي تحدد مسار العدوان، وليس الرد على الحرب الكيماوية!
الحل العسكري في سورية: العراق وليبيا نموذجان مصغران
بقلم: أشرف العجرمي – الايام
بعيدأ عن المشكلة التي يعانيها الرئيس الاميركي باراك أوباما والتي تظهر تردده في توجيه ضربة ضد سورية، بحجة أن النظام السوري استخدم السلاح الكيماوي ضد مواطنيه، ما تسبب في مقتل المئات من المواطنين الابرياء، واحالة الملف لمصادقة الكونغرس، تمثل الدعوات لتوجيه ضربة عسكرية لسورية رغبة في تدمير هذا البلد وتحويله الى عراق ثان او ليبيا في احسن الاحوال.والموضوع لا يتعلق بتبديل النظام بنظام آخر اكثر ديمقراطية، بل الذهاب بسورية نحو التقسيم والتدمير واستمرار الحرب الأهلية.
ليس واضحاً اذا ما كان الرئيس أوباما سيحظى بدعم الكونغرس أم لا في ظل المعارضة الشعبية الواسعة، فلقد سئم الأميركيون الحروب حتى أن اوباما نفسه الذي كان من اشد منتقدي تعامل بلاده مع الحروب السابقة في اطار ما يدعى "محاربة الارهاب" قال انه تعب من الحرب، مع أنه مصر على القيام بضربة عسكرية ولو محدودة لمعاقبة النظام السوري. والمعارضة القائمة في الكونغرس من شقين: شق متأثر بالرأي العام الذي يرفض الفكرة باغلبية كبيرة ، وقسم آخر يرى أن الضربة على الطريقة التي يريدها أوباما لن تكون مجدية ويطالب بخطوات أكثر عمقاً وجدية تصل إلى مستوى الحرب الشاملة للاطاحة بالنظام على غرار ما يريده زعيم المعارضة في الكونغرس جون ماكين الذي يؤيد منح الكونغرس تفويضاً للرئيس اوباما بالحرب ولكنه لا يريدها محدودة. والمعارضة التي تبرز بين الديمقراطيين والجمهوريين على السواء ايضاً بسبب مشروع القرار الذي قدمته ادارة اوباما للكونغرس للمصادقة عليه والذي يفتح الباب امام حرب واسعة قد تطال دولاً اخرى غير سورية.
أوباما يشعر أكثر ضعفاً بسبب فقدانه دعم حليفه الرئيس ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني الذي رفض مجلس العموم طلبه لمشاركة بريطانيا في الحرب، وبسبب عدم قدرته على الحصول على قرار من مجلس الأمن. وحتى الرئيس الفرنسي، الذي يعتبر حليفاً اضعف ويؤيد موقف أوباما، يواجه صعوبات جدية في الرأي العام الفرنسي، حيث يرفض الشعب الفرنسي بأغلبية تصل الى 64% ـ حسب صحيفة "لوبريزيان" ـ المشاركة الفرنسية في الحرب.
معارضة الحرب في سورية، عدا الاسباب المبدئية التي ترى أن هذه الحلول غير مجدية وتأتي انتقائية وحسب مصالح الولايات المتحدة والغرب عموماً، مرتبطة بالموقف من المعارضة السورية أكثر من الموقف تجاه النظام السوري. وهناك اسئلة كثيرة تدور في اذهان قيادات كثيرة في العالم من قبيل: ماذا سيحدث في سورية لو تم القضاء على نظام بشار الأسد؟ هل هناك مجال لاقامة نظام ديمقراطي في ظل وجود معارضة أصولية متطرفة منقسمة على نفسها وولاءاتها متوزعة على اطراف اقليمية ودولية عديدة غالبيتها لا تمت للشعب السوري ومطالبه المحقة بصلة.
إذاً الموضوع يتعلق بضربة قد تضعف النظام او تمهد لسقوطه او تطيل أمد الحرب الدائرة الآن في سورية ، وأي سيناريو لضربة قاصمة في سورية سيؤدي إلى سيادة حالة من الفوضى وحروب داخلية واسعة بين أطراف المعارضة نفسها، وهذه ستأخذ مصير سورية للمجهول ، والوضع الآن في سورية هو اسوأ من الوضع الذي كان سائداً في العراق قبل العدوان الدولي عليه بذرائع وحجج مفبركة. وماذا كانت النتيجة ؟ جرى تدمير العراق وتمزيقه وادخاله في حرب طائفية يعلم الله وحده ماذا ستكون نتيجتها وإلى أين تقود العراق. كما أن الحرب ضد نظام القذافي أدت إلى تدمير الدولة الليبية وتسليم البلاد للميليشيات والعصابات المسلحة التي تتقاسم السلطة فيما بينها ومع الحكومة والمجلس الوطني الليبي القائم دون أن تكون للدولة سيادة على مواردها وشعبها وارضها.
هذا هو السبب الذي يقلق عدداً لا بأس به من الدول العربية وفي طليعتها مصر من الحرب الدائرة في سورية ومن فكرة الحرب الاميركية المدعومة من دول غربية وعربية. وهذا القلق يعود لاسباب قومية وانسانية، فمصر تعتبر وجود سورية قوية ومستقرة القدم الثانية للامن القومي المصري، ولا ترى مصر في اي عمل عسكري ضد سورية سوى مساهمة في زيادة تفاقم الوضع ومساهمة في تدمير ما تبقى من مقدرات سورية ويرى أن الحل الوحيد الذي يحافظ على الكيان السوري هو الحل السياسي عبر مؤتمر جنيف 2، وفق ما أدلى به وزير الخارجية نبيل فهمي. ونفس الموقف يتبناه الذي يتبناه الأزهر الذي يرفض قرار أوباما ويعتبر أنه"تخطي لكل الحدود والاعراف الدولية ، ويشكل اعتداءً وتهديداً للامتين العربية والاسلامية".
والخشية الحقيقة من تحول الضربة المحدودة ألى ضربة مدمرة تنهي فكرة الحل السياسي وتؤدي إلى سيادة الصراع المسلح الذي قد لا يقود إلى أي حسم ، واذا ما تم اسقاط النظام بهذه الطريقة تكون سورية الدولة قد انتهت وتحولت البلاد إلى ساحة حرب اقليمية لاسرائيل حصة فيها ولتركيا التي تتلهف لتدمير سورية حصة فيها ولإيران حصة وللغرب حصة ، ةلكن الشعب السوري يكون خارج الحسابات مجرد لاجئين مهجرين يطلبون الاغاثة، وتتكرر ماساة الشعب الفلسطيني في سورية.
ولا أحد يهتم على وقع طبول الحرب بالارقام الصادرة عن الامم المتحدة والتي تقول ان سبعة ملايين من الشعب السوري ، أي حوالي ثلثه اصبح مهجراً وفي وضع مأساوي. وإذا كان العالم يقلق من استخدام السلاح الكيماوي فالأحرى التأكد من الجهة التي استخدمته خاصة في ظل وجود روايتين لذلك ووجود مصالح لبعض فئات المعارضة ومؤيديها الاقليميين والدوليين في حشر النظام السوري وحشد العالم ضده. ومعاقبة الجهة المسؤولة عن استخدام الكيماوي يجب أن تنتظر التحقيق الدولي من جهة، وألا تكون مدخلاً للقضاء على الدولة السورية من جهة أخرى.
المأزق الأميركي بفضل التاريخ وليس رغمًا عنه
بقلم: علي جرادات – الايام
بعيداً عن الذرائع وظاهر الأسباب، كانت الحرب العالمية الأولى لتقاسم النفوذ بين دول الاستعمار الغربي، بينما كانت الحرب العالمية الثانية وسيلة النظام الرأسمالي للخروج من أشد أزماته الاقتصادية، أزمة الكساد التي انفجرت في العام 1929. أما الحروب المحتملة للولايات المتحدة، رأس ثالوث "المركز الرأسمالي": أميركا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان، فتستهدف الخروج من الأزمة الاقتصادية التي انفجرت في العام 2008، والحفاظ على نظام القطب الواحد في السياسة الدولية. في ظني أن هذا ربما فات أوانه، بينما الولايات المتحدة تصارع، لكن النتائج غير مضمونة. أما لماذا؟ دعك من تبسيطات ارجاع أمر تردد الولايات المتحدة في شن حرب واسعة من البوابة السورية إلى السمات الشخصية للرئيس الأميركي، أوباما، ذلك أن المأزق الأمريكي أعمق وأكثر تعقيداً. كيف؟
بنتائج الحرب العالمية الأولى تربعت الدول المنتصرة فيها بقيادة "بريطانيا العظمى" على عرش العالم. لكن، ولما كانت السيطرة على العالم بالقوة تنطوي على تأجيج الصراع والاستقطاب الدوليين ومدهما بعوامل إضافية وقوى جديدة، تستنزف جهود المنتصر وقدراته، وتغرقه في أزمات اقتصادية، وتضع حلمه بالسيطرة الأبدية والمطلقة في مواجهة مكر التاريخ ومفاجآته، فقد خسرت "بريطانيا العظمى" قيادة العالم بعد عقد واحد فقط، حيث انفجرت في العام 1929 أشد أزمات الرأسمالية الاقتصادية وطأة. أزمة بمفاعيلها صعدت الفاشية إلى السلطة في كل من المانيا وإيطاليا واسبانيا، واندلعت الحرب العالمية الثانية التي أطلق هتلر شرارتها الأولى. هنا استغلت الولايات المتحدة غير المتأثرة بتلك الأزمة نشوب الحرب، عبر الدخول المتأخر فيها لقطف ثمارها وإزاحة "بريطانيا العظمى" عن قيادة "المعسكر الغربي"، و"الحلول محلها في كل مستعمرة تخليها"، وفق نظرية "ملء الفراغ" التي طرحها أيزنهاور، الرئيس الأميركي آنذاك، بينما طرح وزير خارجيته، جورج مارشال في العام 1948، مشروعاً حمل اسمه لـ"إعادة بناء أوروبا الغربية"، المرادف لإلحاقها بالسياسة الأميركية، ذلك رغم تشكيل "السوق الأوروبية المشتركة"، وفق معاهدة روما في العام 1956، ورغم تطويرها إلى تشكيل "دول الاتحاد الأوروبي" في تسعينيات القرن الماضي.
ففي النهاية أصبحت أوروبا الغربية مجرد ملحق بالسياسة الأميركية، وفقدت استقلاليتها في السياسة الدولية، إذ باستثناء سياسة ديغول الاستقلالية، (1965-1970)، ظلت مظاهر استقلالية الدول الأوروبية خادعة بعد أن صارت مجرد جزء من ثالوث "المركز الرأسمالي" الذي تقوده الولايات المتحدة.
هنا لم تتعلم الولايات المتحدة الدرس، وتناست السبب الأساس لخسارة "بريطانيا العظمى" قيادة العالم، عندما واصلت- خلال حقبة "الحرب الباردة"- سياسة بريطانيا الاستعمارية ذاتها، حيث دعمت سياسة الانقلابات العسكرية لإسقاط قائمة طويلة من الأنظمة والسلطات الشرعية المنتخبة على امتداد العالم، ومارست التدخل العسكري المباشر في أكثر من دولة مثل فيتنام وكمبوديا ولاوس وكوريا ولبنان. وبالنتيجة صار انتهاك ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والتدخل في شؤون الدول والمس باستقلالها وسيادتها إستراتيجية أميركية دائمة، تتغير أشكالها وذرائعها، بينما هدفها ثابت، جوهره: السيطرة بالقوة على العالم، وإخضاع ما أمكن من دوله، مستفيدة في ذلك مما أنشأته من أدوات السيطرة الاقتصادية: منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين، ومما ترعاه من أنظمة الاستبداد والفساد التابعة للسياسة الأميركية، ومما لها من حلفاء ثابتين في غير إقليم من العالم، في مقدمتهم إسرائيل، حليف الولايات المتحدة الإستراتيجي الثابت الوحيد في منطقة الشرق الأوسط.
وعندما كسبت الولايات المتحدة في بداية تسعينيات القرن الماضي الحرب الباردة وصارت قطباً أوحد في السياسة الدولية، تناست دروس هزائم تدخلاتها العسكرية المباشرة، وعنوانها الأبرز فيتنام، إلى درجة أن تعيد النظام الدولي إلى طبعته الاستعمارية القديمة، حيث احتلت أفغانستان والعراق وبنما، وأشعلت نيران أكثر من 40 حرب محلية، ما ساهم وعجَّل في إغراقها ودول "المركز الرأسمالي" والعالم في أزمة اقتصادية هي الأسوأ بعد أزمة العام 1929. وبالنتيجة، فقط بعد عقدين من التفرد بالسياسة الدولية لم تعد الولايات المتحدة الآمر الناهي في العالم، بينما لم تعد أقطاب دولية صاعدة مكبلة اليدين، ما أدى إلى نشوء معادلة، فحواها أن الولايات المتحدة صارت القطب الأكبر أو الأقوى بين أقطاب.
لكن ولما كان من الطبيعي ألا تسلم الولايات المتحدة بسهولة، فإن المعادلة الجديدة تنطوي على لجوء صناع القرار الأميركي إلى خيار شن حرب تخرجها من أزمتها وتعيد لها مكانة القطب الأوحد. وهو ما تُشجع إدارة أوباما عليه عبر البوابة السورية أطراف داخلية وخارجية عدة، بدءاً بقادة إسرائيل، مفرخة الحروب، مروراً بقادة تركيا عضو حلف الناتو الوحيد في الشرق الأوسط، عرجاً على قادة ملاحق السياسة الأميركية في الوطن العربي، وصولاً إلى قادة الأطراف الأشد دعماً لإسرائيل، والأكثر تعبيراً عن مصالح مجمع الصناعة العسكرية والبترولية، داخل السياسة الأميركية، في مقدمتهم "المحافظين الجدد".
وكل هؤلاء لا يرون في تحولات السياسة الأميركية سوى فرق بين رؤى ومطامح الأفراد وما يتميزون به من سمات. فهم يرون في أوباما وأركان إدارته نموذجاً للتردد والجبن، فيما يرون في بوش الإبن وأركان إدارته من "المحافظين الجدد" نموذجاً للحسم والإقدام، متناسين أن تردد إدارة أوباما نابع مما خلفته للولايات المتحدة حروب إدارة بوش من نتائج كارثية، وأن صعود أوباما إلى البيت الأبيض مرتين إنما جاء تعبيراً عن الحاجة إلى ترميم الاقتصاد الأميركي وتعويض الخسارات التي نجمت عن مغامرات "المحافظين الجدد" بقيادة بوش الابن.
لذلك كله تدرك إدارة أوباما حقيقة أن الاندفاع إلى حرب واسعة من البوابة السورية هو سيف ذو حدين، فإما أن تنتصر الولايات المتحدة وتستعيد مكانة القطب الأوحد في السياسة الدولية، أو أن تمنى بهزيمة تُفقدها مكانة القطب الأكبر أو الأقوى، وتجعلها مجرد قطب بين أقطاب. إذ لئن شكل العدوان الثلاثيني على العراق في العام 1991 محطة لترسيم الولايات المتحدة شرطياً للعالم، فإن شن العدوان الأميركي المحتمل على سورية، ينطوي- بدرجة عالية- على التحول إلى منصة لإزاحة النياشين التي عُلِّقت على أكتاف هذا الشرطي. وهذا ما يفسر مناورات إدارة أوباما وترددها في الاستجابة لهذا التحدي التاريخي.
فالظرف التاريخي ما بعد 11 أيلول 2001 ليس هو الظرف التاريخي الآن. فاقتصاد الولايات المتحدة أنهكته مغامرات "المحافظين الجدد"، واتسع خرق ثوبه على أي راتق له بالحرب. فلا شخص أوباما ولا أركان ادارته بقادرين على الدخول في مغامرات عسكرية كبرى، بل وحتى لو جلس بوش الابن على مقعد أوباما اليوم، فإنه لن يتخذ قرارا يشبه ما اتخذ من قرارات سابقة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار: أولاً، المتغيرات الحاصلة على مكانة الولايات المتحدة الغارقة في أزمتها الاقتصادية.
ثانياً، التحولات الكبيرة المعبرة عن العداء للسياسة الأميركية وعربداتها العسكرية ووحشية نظامها الليبرالي المعولم، سواء لناحية بدايات تشكُّل أقطاب دولية في مواجهة التفرد الأميركي في السياسة الدولية، أو لناحية صعود "القطب الشعبي"، وتجلياته في التحولات الديمقراطية الشعبية في بلدان أميركا اللاتينية، وفي اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية التي تطور (بفضل الموجة الثانية للثورة المصرية)، خطابها إلى درجة أن يصبح مطلب الاستقلال الوطني، المساوي لفك التبعية للسياسية الأميركية، في مقدمة مطالبها، وفي تصاعد الاحتجاجات الشعبية المطلبية في دول "المركز الرأسمالي"، وفي الرفض الشعبي الغربي الواسع للعدوان المحتمل على سورية. قاد كل ذلك إلى فشل إدارة أوباما في تشكيل تحالف غربي لشن العدوان على سورية إلى درجة حدوث سابقة أن يلجم البرلمان البريطاني اندفاعات حكومة كاميرون الحربية.
قصارى القول: إن المأزق الأميركي المعبر عنه اليوم في التعامل مع الملف السوري، هو ليس تعبيراً عن فروقات فردية بين الأشخاص وأركان الإدارات، إنما هو حصاد ما زرعه صناع السياسة الأميركية، و"المحافظون الجدد" منهم بالذات، ما يعني أن هذا المأزق لم يكن رغماً عن التاريخ، بل بفضله، وبفضل مفاجآت مكره لكل من توهم، أو انقاد وراء أوهام، أن انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة كان "نهاية التاريخ".
من الرجولة أن نحلق شواربنا
بقلم: توفيق وصفي – الايام
أخجل أن أشتكي وأتذمر من الحياة في غزة، المثقلة بأزمات حمقاء تدفع بأمثالي إلى حافة الجنون أحياناً، تحت وطأة القطع الطويل والمتقلب للتيار الكهربائي، واقتصار الوقود على القادرين على شرائه، والمكوث قسراً في غزة إلى أجل غير مسمى كخيار أقل كارثية من محاولة السفر. وإلى أين؟ لا يا عمي، لأمت هنا، أو أعيش بانتظار الموت!
أخجل لأن حماي وحماتي يتنقلان من دار إلى دار في دمشق وريفها، ومن خسارة إلى خسارة، لكن في عمريهما بقية، وأكتفي ببث الصبر هاتفياً في روحيهما المتعبتين، وتهدئة ابنتهما التي اجتاحها الضغط والسكري قلقاً وإشفاقاً عليهما.. رحَّلا الأولاد والكناين والأحفاد، واحتميا بدارهم التي يطل عليها جبل الشيخ، لإصرار حماي السَّبْع على حمايتها لأنها "حيلة الأولاد والفتيلة"، وخلال أشهر قليلة ألفى نفسه بلا بيت، لا في المخيم ولا في "الطابو"، وصار مهاجراً يرتحل ورفيقته المتعبة من حي إلى آخر، تبعاً لما يشاع عن أمان نسبي مقارنة بأحياء مرعبة، وبأضعاف أضعاف إيجارات الشقق المعتادة.
أخجل لعجزي عن إلغاء بردى وقاسيون من مخيلتي، عند اقتراب موعد الغزو الأجنبي لسورية، كعجزي عن إعلان حبي لدمشق وسائر بقاع الشام خشية اتهامي بإحدى مصيبتين، تأييد الأسد أو مناصرة معارضيه. أخجل من إعلان حزني التافه على ما يحل وسيحل بأهل قصاع والقصور والمهاجرين وباب الجابي والشاغور والميدان والمزة وأبو رمانة وباب توما وتل منين ونبع بردى والزبداني وبلودان ومخيم اليرموك وحلب وحمص وحماة واللاذقية ودوما ودرعا والجولان، الذين تداخلت وجوههم ولكناتهم في ذاكرتي الإنسانية والكفاحية.
سورية ليست مصيفاً رائعاً وحسب، وليست ملاذاً لنا كلاجئين وحسب، وليست قاعدة التفكير والتدبير لثورتنا المعاصرة وحسب، وليست شقيقة التاريخ والجغرافيا وحسب، هي كل هذا وأكثر، فهي أناس طيبون جميلون لا يُغلقون الباب في وجهك، وإن قالوا "تتعشى ولا تنام خفيف"، ولا يطردونك وإن أتحفوك بنصيحة "تنام عنّا ولا في الأوتيل أريح"!
وداعاً أيتها البلاد، وداعاً يا ناسها، لأن ما يكتنف الضربة الأميركية للشام لا يبشر بأنها محض عقاب رادع والسلام، لعلها النقلة الحاسمة في تغيير مسار الحرب الدائرة فيها، على أنقاض كل ما هو جميل في ربوع سورية العزيزة، بينما يموت جيلنا قهراً على تهاوي أحلامه ومواقفه وقيمه، نتعثر تباعاً في بقية أيامنا بحقائق هذا الزمان، دون الإقرار بأننا أمام مأزق تاريخي يكاد يُلغي تاريخنا وجغرافيتنا، بين ما كنا نراه وما صارت إليه الدنيا، عاجزين عن توجيه نصيحة واحدة مقبولة أو وصية منطقية لأبنائنا وبناتنا، الذين لا يرون إلا القشرة، حيث تتأجج الرغبات والشبق المراهق توقاً إلى الحرية، في القول واللباس والسير على شاطئ البحر مع أنثى، خطيبة كانت أم صديقة، لا يرون أن جوهر حريتهم هو التحرر من الاحتلال، الذي أوصلنا وأوصلهم إلى الحضيض.
نحن جيل يكاد ينقرض دون أن يفسر حقيقة مأزقه، أهو مأزق المثقف أم مأزق الوطن، كمأزق كثيرين منا في التعامل مع التكنولوجيا، مكتفين بما قلّ ودل منها، بينما يسخر أبناؤنا من ضيق أفقنا وخوفنا من الجديد، لظهورنا أمامهم عاجزين تماماً عن فعل شيء سوى سرد "الخراريف" عن أنفسنا، مصابين بعمى ألوان مثير للشفقة، ومنهم من يتهامسون بأننا على أعتاب الإصابة بالجلطة أو الفالج، بعد إصابة معظمنا بالضغط والسكري.
أخجل أن تظهر علينا علامات التسليم بالأمر الواقع ورفضه في آن، تسليم العاجز ورفض اليائس، على بوابة عصر جديد من العبودية، تحت راية الديمقراطية "الأميركية"، وعماماتِ وعصباتِ من لا يرحمون، فلا آفاق تبدو في الأفق إلا للانتحار بتطرف فالت العقال، أو إيثار الذل والخنوع على مخاطر التمرد على سطوة الطغاة، أو أن يحتج من لديهم بقية من رجولة بحلق شواربهم اعترافاً بعجزهم، وإقراراً بأنهم غير جديرين لا بالشنب ولا بالشوارب على جنب!
أخجل فوق ذلك من الفيسبوكيين الذين يغضبون لمجرد اختلاف البعض معهم حول شق من مواقفهم، فيغضب زيد لأن عمراً يؤيد عقاب النظام السوري إذا ثبت تورطه في قصف المدنيين بالكيماوي، مشترطاً ألا يشمل العقاب سورية وأهلها، ما يعتبره زيد تجاهلاً لدور النظام في الفترة التي سبقت الكيماوي. ويختلفان أو تختلفان على مبدأ حق المعارضة في بلد ما في التظاهر، دون ممارسة التخريب.. والنتيجة أن الأصدقاء تحولوا إلى خصوم، يتسابق كل منهم في إلغاء الآخر عن صفحته الفيسبوكية "كي لا يُعكرها"، عدا عن كيل الاتهامات العظمى بالخيانة والعنصرية والجهل والديكتاتورية و.... قائمة لا تنتهي، لتنشأ العداوة بين أصدقاء وأشقاء وجيران الأمس، في حمأة نزوع كل منهما أو أحدهما على الأقل إلى الثأر والانتقام، ليس من المعارضة أو النظام، بل من كل ما عداه، كما تجلى في تعليق ساخر للشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم تداوَلَه بعض الأصدقاء على الفيسبوك، يقول "اللي مبسوط على ضرب سورية علشان بيكره الأسد، زي اللي بيسيب أمه تُغتصب لأنه بيكره أبوه"، وعجبي!
حياتنا - الفلسطيني المعذب
بقلم حافظ البرغوثي- الحياة الجديدة
ستون الف لاجئ فلسطيني فروا من مخيمات سوريا الى لبنان.. وتعرضوا للضياع وعادوا الى الخيام التي عاش فيها آباؤهم واجدادهم عند النكبة.. وشرد اطفالهم وزادت نسبة الانتحار في صفوف الصغار والنساء بسبب الانتقاص من كرامتهم وشظف العيش والاذلال الذين وجدوا انفسهم فيه. وهؤلاء لا يتم الاعتراف بهم كلاجئيين من سوريا مثلما يجري مع اللاجئين السوريين وتعجز السلطة الوطنية عن تلبية احتياجاتهم اليومية لاسباب لوجستية ولاسباب تعود الى السلطة التي تعاني من خواء في خزينتها, ولذلك اجتهدت لاعادتهم الى سوريا وخاصة الى مخيم اليرموك وتجنيب المخيم الصراع الدامي. بل ان القيادة الفلسطينية طرحت مشروعا سياسيا لحل الازمة السورية ككل حظي حتى الآن بموافقة جميع الاطراف وقد يكون موضع بحث في حالة انعقاد مؤتمر جنيف، اذا لم تشكل الضربة الاميركية المحتملة عائقا امام انعقاد المؤتمر.
وقد استمعنا في المجلس الثوري للاخت آمنة جبريل القادمة من بيروت وهي تسرد مأساة اللجوء الفلسطيني الجديدة وفي موازاة ذلك استمعنا الى الاخ زكريا الآغا والاخت آمال حمد وهما يسردان مأساة اهالي قرابة 900 شهيد في غزة من شهداء العدوان الاسرائيلي بعد اسر شاليط حيث ملأت حماس الدنيا زعيقا عن انتصاراتها وفرقانها وتلقت اموالا ومساعدات للشهداء والجرحى واعادة بناء المنازل لكنها في النهاية تركت من ليس حمساويا او مقربا من حماس في العراء ومن استشهد لم يحتسب كذلك ولم يحصل اهله منها على اي دعم باعتبار ان الشهادة حكر على حماس، رغم ان المدعو شاليط كلف الشعب الفلسطيني ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شهيد غير الجرحى وغير الخسائر المادية الاخرى. والنتيجة هي التهدئة الحالية التي تسهر حماس عليها على الحدود والتي ابرمت بوساطة الرئيس المصري المعزول الذي لم يقرأ بنودها جيدا حيث تعتبر النضال الفلسطيني عدوانا وتقلص مساحة الصيد الى ثلاثة اميال وتوسع المنطقة العازلة على حدود غزة.
اخوتنا الهاربون من اتون الفتنة السورية والمكتوون بالرصاص المصبوب في غزة يجدون انفسهم الآن مخذولين، حيث لا سند لهم ولا مساعدات اليهم كالأيتام على موائد اللئام. ومن واجب ابناء شعبنا هنا وفي كل مكان مد يد العون للاجئين الفلسطينيين من سوريا.. وعلى كاهل حركة حماس ان تؤدي ما عليها تجاه اهالي الشهداء لانها من تدعي حكم غزة وهي من جلبت العدوان.. فقبل اكثر من سنة عندما اقتربنا من المصالحة دخل الناجي الوحيد من عائلة السموني التي فقدت 28 من افرادها ويعمل في مكتب وزير حمساوي هاشا باشا مكتب الوزير حاملا القهوة وهو يقول ان االمصالحة اقتربت فضرب الوزير صينية القهوة في وجهه، لأن الوزير المستجد على السلطة والنعمة لا يحب المصالحة ولا يريدها فهو قانع بإمارته على جثث الشهداء. ومن نجا من الموت جاء لخدمته.
حديث قد لا يعجب البعض
بقلم يحيى رباح – الحياة الجديدة
من المعروف أنه أكبر بلاء يمكن أن يصيب شعباً مازال جاثماً تحت الاحتلال، وتحت سقف الحصار، ويناضل جاهداً للحصول على استقلاله الوطني وبناء دولته الوطنية المستقلة، أكبر بلاء هو الانقسام، لأن هذا الانقسام يكون حينئذ فعلاً شاذاً وشائناً وهدية كبرى بالمجان لصالح الاحتلال، وعدوانا ظالما أشد الظلم على الشعب، وتشويها لصورة هذا الشعب وتضحياته وبطولاته، وتزويرا للأجندة الوطنية لهذا الشعب.
وهذا هو حال الانقسام الذي نفذته حماس بإنقلاب عسكري مسلح, وبتحريض من أطراف إقليمية ودولية معروفة بعدائها للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية العادلة.
هذا الانقسام انتقل طوال أكثر من سبع سنوات عجاف من عناوينه السياسية إلى عناوين عقائدية واجتماعية وثقافية، وأصبح مدخلاً للإساءة إلى مصالح شعبنا من أطراف متعددة، بل وأصبح ذريعة للبعض للتخلي عن مسؤولياتهم أو التستر وراءه لأخفاء تقصيرهم أو تدخلهم السلبي.
ولكن الوجه الآخر لهذه الحقيقة الساطعة أن من ارتكبوا جريمة الانقسام دون وجه حق، ودون أي غطاء وطني أو سياسي أو أخلاقي، لا يجب أن يكافأوا على جريمتهم، ولا يجب أن يحصلوا على أي ثمن لقاء ذلك، من أجل استقرار اليقين بأن الجريمة ضد الشعب وضد الوطن وضد قداسة القضية الفلسطينية لا تفيد أبداً.
هذا لا يعني أن نسلم بالانقسام، أو أن تتوقف الجهود بهدف المصالحة وإعادة اللحمة والوحدة، ولكن ليس بأي ثمن، وليس كما اتفق، وكن عبر معايير تحمي شعبنا من إعادة تكرار البلاء والمحنة!!!
ولا يجوز هنا أن نفتح الباب على مصراعيه لشرعية الوسطاء من الداخل أو الخارج، فنبدو وكأننا نطارد غزالاً ميتاً!!!
أي نقوم بجهد عبثي من أجل إرضاء بعض العاطلين عن العمل داخلياً وخارجياً، فنستجيب لأطروحاتهم التي بلا لون ولا طعم ولا رائحة!!!
ومع الأسف فقد كررنا ذلك عدَة مرات إلى حد الإساءة لمصطلح المصالحة من كثرة ما كررناه دون شروطه الموضوعية، فكان أن ارتبطت كلمة المصالحة بالإحباط طيلة ما يزيد على سبع سنوات.
نذكر أن الذين ارتكبوا خطيئة الانقسام في الداخل والخارج، لم يكونوا يعتقدون أن هذا الانقسام سيصل إلى نهايته المأساوية – كما هو الآن- بضاعة كاسدة لا يريد أن يشتريها أحد!!!
مذكراً أن القوى الإقليمية والدولية التي ثارت شهيتها مع وقوع الانقسام لاستخدامه ببشاعة ضد شعبنا، والتبرؤ من أية حقوق والتزامات، لم تعد قادرة اليوم أن تلعب نفس الدور، والدليل على ذلك، فإننا على المستوى الدولي حصلنا على أهم قرار منذ أوسلو وإقامة السلطة الوطنية وهو قرار الجمعية العامة في نهاية العام الماضي!!!
و كذلك الحراك الأميركي الجديد من أجل استئناف المفاوضات على أسس جديدة!!!
و قرار الاتحاد الأوروبي بمقاطعة منتجات المستوطنات – بصفتها غير شرعية – الذي بدأ تنفيذه الفعلي في مطلع السنة الجديدة 2014، كل هذه التطورات الإيجابية حدثت في ظل الانقسام، ولم يعد أحد قادر على المتاجرة بالانقسام، والشخص الوحيد الذي سمعناه يحاول ذلك هو المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة التي كرر فيها مداخلة بائسة لم يلتفت أحد إليها عند التصويت الإيجابي غير المسبوق!!!
ثم جرت محاولة أخرى تعهد بها محمد مرسي حين كان ممثلاً للاخوان المسلمين في الرئاسة، وحتى هذه المحاولة تم كشفها وفضحها ووأدها في مهدها على يد الشعب المصري العظيم وجيشه البطل، وتلك المحاولة – دفن القضية الفلسطينية في سيناء – وتوسيع جسم الانقسام في سيناء، أصبحت واحدة من التهم الكبرى التي تواجه محمد مرسي أمام القضاء المصري العظيم.
ليس هذا مبرراً لوقف الجهود والمحاولات، ولكن ليس الهرولة البلهاء، وليس المحاولات لذات المحاولات، وليس لمجرد تصدير أخبار على وسائل الإعلام سرعان ما تتلاشى كالفقاقيع الهشة!!!
بل جهود حقيقته تأخذ بعين الاعتبار كل ما ذكرته، وتركز إلى الحالة الوطنية المتصاعدة، متذكرين أنه يوجد في غزة حركة شبابية شجاعة اسمها حركة تمرد، وتوجد حالة وطنية تبشر بالخير حتى وإن لم يرها العاجزون، الذين يقيسون على الماضي وليس على الزمن الجديد الذي نعيش فيه!!!
زمن يبنى فيه التنظيم على قواعد الشجاعة والاحتكاك والثقة بالحلم الوطني، تنظيم الحد الأقصى وليس هياكل الحد الأدنى المختبئة وراء نفسها.
إغلاق جامعة بيرزيت .. الوجهة القانونية والتمثيلية والأخلاقية
بقلم أستاذ مهدي عرار:
إنما أردت الكتابة في هذا الموضوع لا بوصفي عضو إدارة في مجلس جامعة بيرزيت، ولا بوصفي عميدا لكلية الآداب، وإنما بوصفي أستاذا جامعيا مطلعا أيما اطلاع على وضع الجامعة المالي والإداري والأكاديمي، وعلى حقيقة ما يجري حقا.
والحق أنني تفاجأت أيما مفاجأة من تصرف بعض الطلبة المتسرع المتمثل في إغلاق بوابات الجامعة، ومنع أسرة مجتمع الجامعة من الدخول إليها: طلبة وأساتذة وموظفين، وفي هذا السياق المؤسف والمقلق أرغب في الوقوف عند ظاهرة إغلاق الجامعة من ثلاث وجهات: أولاها القانونية، وثانيتها التمثيلية، وثالثتها الأخلاقية والمهنية.
أما من حيث الوجهة القانونية فالإغلاق غير قانوني أبدا، وهو -من وجهة نظري- خطوة تعسفية، وظاهرة يجب العمل على تحريمها والقضاء عليها؛ إذ كيف تمنع أسرة كاملة؛ أسرة جامعة بيرزيت من الدخول إلى الجامعة، ومن الشروع في العام الدراسي الجديد، ومن حرمان عشرة آلاف طالب تقريبا من الجلوس على مقاعد العلم والدراسة؟؟
أما من حيث الوجهة التمثيلية فالإغلاق لم يُبنَ على تصويت كل الطلبة، ولم يحظ بالمقبولية، بل لا يمثل رأي الطلبة كلهم أبدا، ذلك أن جل الطلبة أنهوا معاملاتهم المالية، ودفعوا ما ترتب عليهم من رسوم وأقساط، وبعضهم أعفي من القسط، وبعضهم دفع الحد الأدنى، وبعضهم قسط المبلغ المترتب عليه وفقا لآليات التسهيل والتيسير على الطلبة المقتدرين وغير المقتدرين في الجامعة.
أما من حيث الوجهة الأخلاقية والمهنية فالإغلاق ليس كذلك، نعم إن الإضراب حق مشروع، وتوجه نقابي حميد في صورته العامة، ولا يملك أحد أن يمنعه أو أن يحول دونه، وقواعد الاشتباك تبيحه وترتضيه إذا ما ظل محصورا ضمن ما هو متعارف عليه نقابيا وسلميا. أما الإغلاق فهو بخلاف ذلك كله، فليس له أي مسوغ مهني.
أما النظر إلى هذه الأزمة من زاوية «رفع الأقساط» فقط فذلك مدفوع من زوايا أخريات، ومنها أنها في حقيقتها ليست مسألة رفع للأقساط، بل هي مسألة تثبيت سعر صرف الدينار على الشيكل أخذا وعطاء للجامعة وعليها، أخذا من الطلبة، وعطاء لكل موظف في الجامعة سواء بسواء.
أما تبني الجامعة شعار «التعليم حق للجميع» فإنما هو مبني على القول المقرون بالعمل، فهناك إحصاءات تبرهن ذلك وتقويه، فقد التزمت الجامعة بما وعدت به، بل أكثر مما وعدت لما رفعت الأقساط في بداية العام 2012-2013، ولذا قررت زيادة المنح والإعفاءات بمبلغ قدره 200 ألف دينار، والذي قامت بدفعه هو 277.631 (ثلاث مئة ألف دينار تقريبا). وكان عدد الطلبة المستفيدين 820 طالبا.
أما القول بأن هذا سيفضي إلى حرمان الطلبة من الدراسة، فهذا مدفوع من زوايا متباينة، إذ إن الجامعة تتبنى الشعار القائل «التعليم حق للجميع»، وأسأل نفسي وغيري من أبنائنا الطلبة: هل سمعنا بأن طالبا قد فصل أو حرم من الدراسة لأنه لا يملك القسط الجامعي، أو لأنه غير مقتدر ماليا؟ لا لم يكن ذلك أبدا من قبل، ولن يكون ذلك من بعد أبدا أبدا إن شاء الله، ومما يعزز قولي هذا أن الجامعة - ولأول مرة- ستقوم بدراسة حالات الطلبة المستجدين قبل دخولهم الجامعة، وستقدم مساعدة لمن كان محتاجا إليها، أما في السابق فقد كان هذا النظام ينطبق على الطلبة بعد إنهاء الفصل، والباعث على هذا التغيير الإجرائي هو إزالة العوائق كلها أمام أي طالب وفاء بالشعار العريض الذي تتبناه الجامعة: «التعليم حق للجميع».
لذلك كله أو بعضه مما تقدم، ومن باب المصلحة الوطنية العريض، ومن باب الحفاظ على جامعتنا الأم الجامعة، وكل جامعاتنا الوطنية الزاهرة المحفوظة، أدعو أحبائي وإخواني الطلبة الذين قاموا على هذا الإغلاق أن يرجعوا إلى أنفسهم قليلا متفكرين، وأن يعيدوا على صاغي سمعهم ما ألقيه عليه من دعوة صادقة، وأن ينظروا إلى أن إغلاقهم للجامعة إنما هو قرار عجل قلق لا يصح في الفهم، ولا يصمد أمام النقد، ولا يقبل من وجهة قانونية وتمثيلية ومهنية أخلاقية، فطوبى لمن أخطأ وتراجع، وطوبى لمن ألقى السمع بأذن واعية يلقيها عليه أخ حميم، أو أب رحيم... طوبى لكم إن أنتم فعلتم ذلك.
موقف شجاع
بقلم محمود أبو الهيجا- الحياة الجديدة
لعل الموقف الفلسطيني الرافض للتدخل العسكري الاميركي في الازمة السورية، والذي عبر عنه الرئيس ابو مازن بكل وضوح وقوة في كلمته امام المجلس الثوري لحركة فتح، في افتتاح دورة اجتماعاته الاخير، اقول لعل هذا الموقف هو اكثر المواقف العربية شجاعة ومصداقية، بل انه كذلك بالنظرالى طبيعة موازين القوى الراهنة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، والتي ما زالت مع الانحياز الاميركي الى جانب اسرائيل، لاتميل الى جانب الوضع الفلسطيني ومواقفه وتطلعاته العادلة والمشروعة ، واقول ذلك لأن اشتباكنا التفاوضي الجديد مع اسرائيل، والذي اصرت عليه الولايات المتحدة، ودفعت من اجل تحققه، ربما يجعل البعض يظن ان القيادة الفلسطينية لاتريد في اللحظة الراهنة، مناهضة اي موقف سياسي كان للادارة الاميركية، حتى لو كان ضد هذه القضية العربية او تلك، وايا كان مستوى اهمية وخطورة هذه القضية ...!! هذا البعض موجود، وهو اكثر من ذلك وفي اطار تشكيككه الدائم بمواقف وسياسات القيادة الفلسطينية، يعتقد ان هذه القيادة لا تريد غير « المشي جنب الحائط وطلب الستر من الله تعالى « وهؤلاء الذين لايريدون ان يفهموا الموقف الفلسطيني على حقيقته واصالته، واظنهم من الخلايا النائمة للسلفيات الاخوانية، حتى بتسميات بعضهم الليبرالية، سيحاولون تحويل هذا الموقف، الى التباس قابل للدس والتشكيك على نحو توصيفه كاصطفاف الى جانب نظام بشارالاسد وبطشه تاليا ضد الشعب السوري .....!!!
لن يكون امرهذا الموقف الفلسطيني الشجاع، على هذا النحو ابدا ، لأن الامن القومي العربي بات يضع النقاط على حروفها الصحيحة، ولأنه لاينبغي لتجربة العراق الكارثية ان تتكرر مرة اخرى، ولأن القضايا العربية ينبغي بل ويجب حلها في اطارها العربي دون اي تدخل عسكري اجنبي، هذا الذي لم يجلب لنا غير الفوضى والعنف الدموي والفتنة الطائفية .
ضد التدخل العسكري الاميركي، ومع الشعب السوري في نضاله من اجل تحرره من الطغيان والاستبداد واعادة بناء دولته على اسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ليكن الصراع واضحا، ولتحسم الارادة الوطنية هذا الصراع، ولاشك انها قادرة على مثل هذا الحسم لصالح الشعب وتطلعاته، ولعل ما بات محسوما الان ان نظام بشار الاسد قد اصبح من الماضي، ولاشيء من هذا الماضي بوسعه ان يعود مثلما يريد، وان عاد لبعض الوقت فأنه لن يكون غير زفرة النظام الاخيرة، زفرة الحسرة والندم، عند صخرة ستشبه صخرة عبد الله الصغير على مشارف غرناطة، ومع اختلاف التجربة والمواقع فان الهزيمة واحدة .