1 مرفق
مقالات في الصحف المحلية 70
المقالات في الصحف المحلية 70
16/6/2013
جاء في صحيفة الحياة الجديدة
|
شفاء العمر
حافظ البرغوثي - الحياة
زقطان وعساف: مساحة أمل
بقلم: يحيى يخلف - الحياة
انتخابات إيران الرئاسية: حديث الصناديق
بقلم: عدلي صادق - الحياة
محمد عساف
بقلم: محمود ابو الهيجاء - الحياة
"تمرد" تهز اركان الجماعة
بقلم: عادل عبد الرحمن - الحياة
ذاكرة الانقلاب .. المفجعة الرهيبة !!
بقلم: موفق مطر - الحياة
العام السابع للانقسام المأساوي !!
حديث القدس – القدس
ديمقراطية طوائف لا مؤسسات
بقلم: عصام نعمان – القدس
صحافة انتصرت على القيد
بقلم: الدكتور حسن عبدالله – القدس
الأمل سَرِيّ
بقلم: المحامي جواد بولس - القدس
المحظوظة
بقلم: ماهر العلمي - القدس
(س) ضد (ش) ؟
بقلم: حسن البطل – الايام
حكومة الحمد الله : "المايسترو".. والعصا !!
بقلم: هاني حبيب – الايام
تحديات حكومة الحمد الله
بقلم: حمادة فراعنة - الايام
الانقلاب .... جردة حساب ..!
بقلم : أكرم عطا الله - الايام
حقوق المرأة في خطاب سلام فياض: السهل الممتنع
بقلم: ريما كتانة نزال - الايام
في منزل طه حسين
بقلم: عادل الأسطة - الايام
في ذكرى انعقاد المؤتمر العربي الأول 1913: من يذكر النساء؟!
بقلم: د. فيحاء قاسم عبد الهادي
شفاء العمر
حافظ البرغوثي - الحياة
الرجل الثمانيني المخضرم سياسيا ينقل ناظريه بين تلة وأخرى وشجرة وأخرى ويستحضر من الذاكرة مشهدا مشابها في سوريا أو لبنان أو ما اختزنته ذاكرته منذ الصغر في شفا عمرو مسقط رأسه قبل الهجرة إلى دمشق.. ما زالت ذاكرة الأخ الكبير أنيس الخطيب متقدة لم تهمل تفاصيل الموطن الذي عاش فيه فتى عاملا ولا الغربة التي عاشها في دمشق طالبا فمدرسا ثم خريجا في الحقوق مع رفيق صباه الرئيس أبو مازن.
فالاستاذ أنيس وان زار مسقط رأسه الا أنه ما زال يجهل الضفة وأراد أن يتعرف عليها عن كثب فلا حديث عن الأرض دون فلاحة الأرض والعناية بها وهو يرقب مزارع الفارعة وسهول عقابا وتلفيت وطمون وطوباس وسهل ميثلون وصانور..
ويقف مشدودا وهو يرصد اثار سبسطية التي حل بها الدمار بسبب الاهمال.. وسرقة الاثار.. حيث تعرضت للنهب منذ ايام الاتراك عندما جاء الالمان لبناء سكة الحديد عام 1900 وصاروا ينهبون الاثار بل يقتلون أي دليل قروي يدلهم على كنز حتى لا يبلغ احدا غيرهم بما وجد.. ولهذا فان أغلب اثارنا موجودة في برلين ولندن وأميركا لاحقا.. فالاستعمار ينهب ما يجده وسط جهلنا أو تقاعسنا، ففي سبسطية لم نجد أي زائر فلسطيني بل بين الأطلال كان هناك سياح يهود وأميركيون واسرائيليون تحرسهم سيارات عسكرية كانوا يطلعون على المسرح القديم الذي سرقت حجارته ونقلها الاسرائيليون لترميم مسرح قيسارية، فالنهب للآثار مستمر بالأمس واليوم وغدا.
كانت الرحلة مريحة وأخونا الكبير أنيس مبهوراً كطفل بما يشاهد من طبيعة خلابة ومزارعين يكدون في السهول والمزارع تحت الشمس.. ثم اقترح رفيقنا في الرحلة ماهر الجنيدي أن نلقي نظرة على موقع مستوطنة حومش التي تم اخلاؤها والواقعة فوق بلدة برقا وصعدنا قمة الجبل وتجولنا بالسيارة قليلا اصطحبناه في رحلة نحو نابلس والفارعة وطوباس مرورا بصانور وميثلون وجنين.
حيث لمس تضاريس الوطن ورفع ناظريه من جنين نحو الناصرة التي تخبئ مسقط رأسه شفا عمرو أو شفاء عمره، الذي تحول إلى شقاء عمره بسبب تهجيره منها في عام 1948 وهو فتى..
كان مأخوذا بهذا التنوع الجغرافي في بقعة جغرافية صغيرة ومندهشا لانجازات المزارعين الفلسطينيين في جنين والفارعة. فالأرض تنمو بإنسانها وفجأة شاهدنا جمعا من المستوطنين الشبان يحاصروننا حاملين حجارة كبيرة وهم يهجمون بعصبية ظاهرة نحونا بشعورهم المدلاة من امام آذانهم وشالاتهم الدينية فأمسكنا اعصابنا وسألناهم عن سر عصبيتهم فاذ بهم يريدون طردنا لأنهم لا يبارحون المكان ويريدون تجديد استيطانه وسرقته، وجاء أحدهم من بين الاشجار شاهرا سلاحه الرشاش وشعرت أن هناك مسلحين آخرين بين الاشجار فالمستوطنة أخليت منذ سنوات وجرت قبل شهرين اعادة الارض الى اصحابها، لكن هؤلاء المستوطنين القادمين من مستوطنة العاد جنوب نابلس يريدون البقاء فيها فلا اصحاب الأرض أساءوا استغلالها بعد استعادتها ولا احد اهتم بها.. وفي النهاية غادرنا المكان مكللين بأكاليل الهزيمة وانسحب المستوطنون إلى الأشجار يجرون أذيال النصر. فالوضع محير ومقلوب.
زقطان وعساف: مساحة أمل
بقلم: يحيى يخلف - الحياة
في غمرة فرحنا بالنجاح الذي يحققه الشاب الرائع والموهبة الفريدة محمد عساف في برنامج (أرب آيدل)، جاءنا خبر يدعو الى الفرح والفخر والاعتزاز يفيد بأن الشاعر الكبير والمبدع غسان زقطان قد فاز بجائزة عالمية للشعر هي جائزة (غرفن) للتميز الشعري، هناك بعيدا في تورنتو بكندا عن مجموعته الشعرية (كطير من القش) التي ترجمها الى الانجليزية المترجم والمبدع فادي جودة والتي صدرت العام الماضي ضمن منشورات جامعة يال في الولايات المتحدة.
خبران يجعلان المرء يسكن في مساحة الأمل، وإشارتان تنبئان عن قوة الحياة في روح الشعب الفلسطيني، وعملان ابداعيان سياسيان بوسائل ثقافية فنية, ويبعثان رسائل الى الاخلاقيات العالمية عن غنى وتنوع الهوية الفلسطينية, وعن جمرة الثقافة التي هي قبس لشعلة الحرية التي تسكن قلب ذلك الفجر العنيد.
كانت العرب في الماضي تبتهج اذا نبغ فيهم شاعر، لان الشاعر آنذاك كان سيفاً ورمحاً وترساً وعرافاً وحامل قناديل، وكان للشعر وظيفة جمالية ومعرفية واجتماعية، حتى ان الشعر صار ديوان العرب.
وعلى مدى القرون، كان الشعر مرجعاً للذائقة واللغة والتاريخ وفي بلادنا صارت قصائد ابراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود، وعبدالكريم الكرمي، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد ومعين بسيسو وعشرات آخرين جزءا من ادبيات الثورات الفلسطينية المتعاقبة وجزءا من مكونات الهوية الوطنية.
واذا كان محمود درويش قد ملأ المشهد الثقافي والوطني على امتداد العقود الاربعة الماضية، فان رحيله لم يترك فراغاً، لان جهود شعراء فلسطين تتواصل، لتكمل رسالة الشعر، وحيويته، وديمومته.
حصول غسان زقطان على جائزة (غرفن) للتميز الشعري العالمي مكسب للثقافة الفلسطينية، وللشعب الفلسطيني، يؤكد اهمية الثقافة في السياسة، وأهمية الكلمة المعشقة بذهب تراب فلسطين ووجدانها في ان تصل الى قلب العالم اكثر مما تفعل التصريحات والبيانات والنشرات الدعائية. وحصول شاعر فلسطيني على جائزة عالمية يؤكد نضج الابداع الشعري بل وتفوقه ووصوله الى مساحات جديدة، بعد ان ملأ محمود درويش مساحات في آخر المدى.
وما كان لغسان ان يصل الى هذا المستوى لولا نضوج تجربته تحت شمس الثورة الفلسطينية، فقد كان من ذلك الرعيل الذي انخرط في صفوف الثورة منذ ان كان فتى في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، وتفتح وعيه الثقافي والانساني في الزمن الذهبي للكفاح المسلح، وكانت بيروت المحطة التي كونت وطورت حياته واسلوبه ونمط تفكيره، وهويته وتأثره وتأثيره في زمن السقف العالي، والعطاء الثقافي والفكري الذي وسم بيروت بالغنى والتنوع.
وعلى امتداد مشوار عمره، كان شاعر قضية، وشاعر حرية وشاعر تأمل وقصة نجاح.
ولعل الفترة الغنية من حياته ايضاً كانت مرافقته لشاعرنا الكبير محمود درويش ولا شك ان الحوار اليومي الذي كان يدور بينهما في مجال الادب والفن كان زاداً لابداع غسان، وتحفيزا له لمزيد من التأمل والمران والتجويد.
محمود نفسه، اثنى على شعر غسان، مثلما اثنى على شعراء آخرين، مدحهم على الرغم من مواقفهم المعادية لشعره وشهرته. غسان ايضاً شاعر لم يحمل الحقد، وترفع عن الرد على بعض ممن يمكن ان نصف الواحد منهم بـ(أطلس عسال) والذين كانوا يوجهون له سهامهم ويوجهونها ايضاً لمن يمتدح كتبه ودواوينه الشعرية، و(أطلس عسال) هو ذئب الفرزدق في قصيدته المشهورة، الذي يشاطره العشاء في ليلة صحراوية، لكنه ذئب لا يحفظ الود، ولا يكترث بمقاسمته الزاد، فالغدر من شيمه، ولأن غسان مثقف والمثقف يقيم بسلوكه، فانه لا يرد لأطلس عسال الاساءة بأسوأ منها. وانما يترك (أطلس عسال) يذهب في متاهته وصحراء غدره.
غسان فلسطيني جميل، يتحلى بخلق كريم، ودماثة ونزاهة، وحب لشعبه، واخلاص لأدبه وابداعه، ومن الوفاء وتقديرا لثقافتنا وهويتنا، يتعين ان نسجل هذا الحدث في أجندة انجازات شعبنا الوطنية.
انتخابات إيران الرئاسية: حديث الصناديق
بقلم: عدلي صادق - الحياة
فاز حسن روحاني، في انتخابات الرئاسة الإيرانية، وهو الموصوف كإصلاحي ومعتدل. إن في ذلك دلالة، ترمز الى ضيق الأجيال الشابة والمجتمع المدني الإيراني، بسلوك "المحافظين" وبخطهم المتشدد وبعنفوانهم اللفظي. لكن هناك مشكلة، تختلف عن تلك التي أعقبت انتخابات 2009 الرئاسية التي تدخلت وعبثت فيها أجهزة الأمن و"الحرس الثوري" لكي يصعد محمود أحمدي نجاد. المشكلة تكمن في بنية النظام الذي يرى في رئاسة الجمهورية، مجرد وظيفة يشغلها "تابع" للمرشد الأعلى. فهكذا كان علي خامنئي نفسه، عندما شغل هذا المنصب، بعد انتخابه في العام 1981 ليكون الرئيس الثاني للجمهورية. فقد عمل تابعاً للمرشد الأعلى آية الله الخميني، بموجب محددات الدستور الإيراني، الذي لا يُتيح للرئيس، الاضطلاع بجوهر المسؤولية عن السياسة الخارجية، ولا عن القوات المسلحة، ولا عن السياسة النووية، لأن هذه صلاحيات، تخضع لقرارات المرشد الأعلى!
ففي حدود ما يتاح لروحاني، في ولايته الرئاسية؛ سيصبح الرجل مسؤولاً عن الإدارة التنفيذية للجهاز الحكومي، وعن التوقيع على المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الأخرى، وعن إدارة عملية التخطيط الوطني التنموي، وعن الموازنة وشؤون العاملين المدنيين في الدولة، وعن تزكية الوزراء ومن ثم تعيينهم بموافقة مجلس الشورى!
غير أن روحاني، ربما استفاد وسيستفيد في ولايته، من ردود الأفعال المريرة، في المجتمع، على ما وقع من صخب وتزوير في انتخابات 2009 وتعرض بسببه خامنئي الى انتقادات حادة. فالمرشد الأعلى، هذه المرة، سمح لنفسه، على مضض، أن يوفر للناس انتخابات حرة ونزيهة، وشجعه على ذلك أن روحاني الإصلاحي، خرج من أعمق نقطة في عصب النظام والمنظومة الدينية. فهو ليس كالرئيس الأول "أبو الحسن بني صدر" أو سواه. وكان روحاني، في شبابه، وفي بدايات التحاقه بالخميني، هو أول من أطلق على الخميني لقب "الإمام" في لحظة من التجلي الخطابي. وفي الواقع، يكره خامنئي الديمقراطية ويكره الانتخابات مثلما يكره العليل الدواء. فهو القائل إن الديمقراطية "تأخذنا بعيداً جداً، عن روح النظام السياسي الذي نريد، وعن طبائع نشأته، من حيث يُفترض أنها تقسّم الصلاحيات بين الملالي ورؤساء المؤسسات المنتخبين بشفافية". لذا ـ والكلام له ـ ينبغي "أن تكون الجمهورية، جزءاً من الدولة وليست كل الدولة، وبالتالي أن يؤدي رئيسها، الدور الإسلامي الذي تلعبه هذه الدولة". فهكذا كان خامنئي نفسه، في ظل الخميني!
لكن الوضع في إيران اليوم، ليس كالوضع في العام 1980. الآن، هناك مجتمع مدني إيراني قوي، لا يفتقر الى التأثير في منظومة المعَمّمين، بل إنه يلاقي تأييداً مطرداً من أوساطهم، وبات مؤيدوه يُعرفون اليوم بـ "الإصلاحيين". هؤلاء لم يكونوا موجودين قبل ثُلث القرن. وخامنئي ما زال يُخطئ في قراءة هذه الحقيقة. فهناك "انتفاخ شبابي" حسب تسمية رموز المجتمع المدني لجموع الشباب المحبط من الجنسيْن. وأغلال النظام، تخنق حياة هذه الجموع، وتقيّد حرياتها الشخصية وتسد الباب أمام طموحاتها. وزادت الطين بِلَّة، سياسات التصعيد الإقليمي الرعناء التي اعتمدها الرئيس نجاد، "تابع" المحافظين و"الحرس الثوري". فكلما تفشت حكايات المحسوبية والفساد، مع ازدياد النقص في القطع الأجنبي؛ كانت إدارة الحكم التنفيذية، ترفع جرعات التنطع بقضايا وفرعيات الحشمة، ومسالك الوعي الشبابي، وجزئيات الخُلق المرتجى، مُفترضة ـ ضمناً ـ أن كل صغيرة وكل هفوة أو انحسار للخمار؛ يعكس عداءً لمنظومة وقيم "الجمهورية الإسلامية". واتسعت النخبة التي تعلم أن كل هذه التخّرصات، نوعٌ من التزيّد، لصرف الانتباه عن المشكلات الحقيقية، مثلما يفعل بعض الأصوليون في بلادنا العربية، حتى قبل ان يحكموا.
عناصر السلوك السلطوي هذه، وسواها؛ جعلت الكتلة الشبابية الكبرى، تمتليء حنقاً وتحفزاً للفعل السياسي، بقوة أصواتها الانتخابية، لكي يكون بمقدورها تغيير الحكومات بشكل دوري، توخياً لحريات أوسع، ولكرامة مصانة، ولحياة اقتصادية نزيهة!
ومن المفارقات، أن حكم مؤسسة الملالي الإيرانيين، اعتمد في السابق على عنصر الانتخابات العامة، لكي يعزز قوتها، ولكي يُظهر للعالم، كيف أن هذا الحكم يوازن بين السماوي المقدس، والضرورات الدنيوية المُلحة، في إطار دولة واحدة. لكن هذه الانتخابات العامة، أوقعت المرشدية العامة، في مأزق التعارض الظاهر، بين مؤسسة الرئاسة المنتخبة، من جهة، وجمهرة الملالي وأتباعهم من جهة أخرى. بالتالي أصبحت الانتخابات تمثل للأخيرين، كابوساً يجعل وضعهم أقل أماناً. وهذا ما جعل خامنئي يقول بصراحة "إن الانتخابات تمثل تحدياً دائماً لبلادنا".
غير أن ثمة حرج تاريخي، يمنع المرشد الأعلى إطلاق فتوى بوقف الانتخابات. فمن بين تقاليد إيران السياسية والدستورية، أن الانتخابات العامة، حق للمجتمع، مارسه منذ العام 1906 فإن أوقفها النظام، ستفقد "الثورة الإيرانية" مشروعيتها، وبالتالي لا بد من العض على النواجذ، والتثبث بمحددات الدستور، الذي يُقيد رئيس الجمهورية ويقلص صلاحياته.
على الرغم من ذلك، فإن هذا السياق نفسه، محفوف بمخاطر شتى. فعندما ساند الملالي، ومعهم أجهزة العَسَس، محمود أحمدي نجاد وتدخلوا في العملية الانتخابية في العام 2009 وغشّوا؛ بدا جلياً أن إيران أصبحت على حافة جُرف، وكان الناخبون مقتنعون، أن نجاد سرق منصبه، وأن "لا ثورة، يحرسها منافقون" حسب تعبير شبابي في إيران!
كتلة الشباب الإيراني، فرضت هذه المرة إرادتها. وهذه خطوة على طريق تغيير تدريجي لطبائع النظام. فقد أعلنها الشباب صريحة "لا مجال للتلاعب في الانتخابات ولا لإطلاق الألعاب النارية وإلا سينقلب السحر على الساحر. فالربيع العربي ليس بعيداً"!
هذه المرة، ينعم خامنئي برئيس لأربع سنوات، هو ـ رغم اعتداله النسبي ـ من ضلع النظام ومن عباءته. إن استقام سعيه، اقتصادياً واجتماعياً، وإن أحسن قراءة الخارطة الإقليمية والدولية، بمنظور المصالح العليا للشعب الإيراني، فإنه سينجح في مد عمر النظام بمحدداته الدستورية. وإن لم يفعل، سيكون للناس مع الحكم، شأن آخر!
محمد عساف
بقلم: محمود ابو الهيجاء - الحياة
اكتب اليوم السبت، ومقالتي هذه ليوم الاحد، لاقول سيعبر هذا المساء "محمد عساف" الى المرحلة المقبلة من منافسات برنامج " ارب ايدول " الذي ترجمته العربية: محبوب العرب. لست عرافا بطبيعة الحال ولا مجازفا بأي رهان، وانما لأن هذا الفلسطيني الجميل المبدع، محمدعساف، بات ظاهرة طربية لايمكن لأحد ان يتجاوزها، انه لا يغني فحسب، بل يتجلى بحس الروح وسلامتها العاطفية، كلوحة فنية متكاملة، في الصوت والصورة، في الشكل والمضمون، وهو ينقل اللحن والكلمات، وان كانت لأغنيات معروفة الى مستوى اخر من الاحساس بالمعنى، معنى الطرب من جهة، ومعنى اللحن والكلمة معا، من جهة اخرى.
يذكرني محمد عساف بالمثل العربي البليغ : اذا طابت النفوس غنت، وطابت ليس بمعنى ارتاحت، وانما بمعنى سموها الانساني، وما من نفس طيبة بهذا المعنى، كنفس الفلسطيني الذي ما زال منذ اكثر من ستين عاما، ساعيا وراء الحق والعدل والجمال، ومناضلا من اجل الحرية والسلام والاستقرار.
محمد عساف خلاصة صوت الروح الفلسطينية في تطلعاتها الجمالية والانسانية العادلة،وهو خلاصة صوت الروح العربية ايضا، ولهذا السبب كما اعتقد قالت " نانسي عجرم " لمحمد عساف " انك تشبه جميع المطربين ولكن لا أحد يشبهك " ولا احد سيشبه عساف فهو الخلاصة التي تحمل المعنى جميعه وانه هذا العام وكل عام محبوب العرب.
"تمرد" تهز اركان الجماعة
بقلم: عادل عبد الرحمن - الحياة
منذ تولى الدكتور محمد مرسي في ال 30 من حزيران العام الماضي مهام الرئاسة, وجمهورية مصر العربية تعيش نكسات سياسية واقتصادية وقضائية وثقافية واعلامية. وفي نفس الوقت، هناك تغول إخواني في استباحة مؤسسات الدولة، والعمل متواصل على اكثر من مستوى وصعيد للسيطرة على ركائز الدولة العميقة: القضاء والمؤسسات الأمنية بما فيها الجيش.
الآثار المباشرة لتلك السياسات تتمثل في ازدياد نسبة الفقر، وانخفاض في مستوى المعيشة، وتدهور في قيمة الجنية المصري مقابل العملات الاجنبية، وتفاقم ازمة الكهرباء والبنزين والغاز، وغياب الامن والامان في اوساط المواطنين، وتعميق سياسة الارهاب الفكري والسياسي، وانتفاء أي شراكة سياسية. المحصلة اضمحلال اهداف الثورة في ظل هيمنة جماعة الاخوان المسلمين على مقاليد الامور في مصر المحروسة.
الحصاد المر لفوز الرئيس الاخواني مرسي دفع قوى الشعب من مختلف القطاعات والفئات والطبقات الاجتماعية والسياسية المعارضة لتشكيل حركة "تمرد" لسحب الشرعية عنه بعد ان ضاقت السبل امام الشعب، ووصوله لطريق مسدود.
حركة "تمرد" تعتبر نموذجا متقدما من اشكال الكفاح السلمي لمواجهة التحديات الاخوانية، حيث بادرت القوى المعارضة لحكم المرشد في ال 22 من نيسان الماضي بجمع التواقيع من ابناء الشعب المصري في المحافظات والمؤسسات المختلفة. وتمكنت الحركة حتى الآن من جمع تواقيع ما يقرب من خمسة عشر مليون مواطن مصري، مما يدلل على ان الاغلبية العظمى من الشعب لم يعد لها ثقة بالرئيس محمد مرسي. وحددت "تمرد" موعد ال 30 من يونيو الحالي لعزل الرئيس الاخواني. وباشرت منذ يوم الجمعة الماضي بحراكها الجماهيري الآخذ في التطور والتوسع الافقي والعامودي حتى يوم الذروة آنف الذكر. وهذا يشير بشكل واضح الى ان الحركة تمكنت حتى الآن من هز الارض تحت اقدام الاخوان، ودفعهم للتحرك لمواجهة تحديات حركة "تمرد".
من المؤكد ان حركة الاخوان المسلمين لن تسمح لحركة "تمرد" تحقيق أهدافها بسهولة، ولهذا بدأت بوضع سيناريوهات وخطط للتصدي لانشطة المعارضة على الصعد المختلفة، فعلى صعيد المقار وحمايتها، قامت الجماعة والرئاسة باتخاذ سلسلة من التدابير لحماية مقر الاخوان في المقطم، كما اتخذت الرئاسة تدابير أمنية اضافية لقصر الاتحادية وغيره من القصور والمواقع والمراكز الامنية والاعلامية كمبنى هيئة الاذاعة والتلفزيون المصري؛ كما اتخذت تدابير ستنفذها ضد اقطاب المعارضة عموما، والزج ببلطجيتها في اوساط الجماهير المنادية باقالة الدكتور مرسي، ومن المتوقع ان تزج بقوى الشرطة في مواجهة الشعب، إضافة الى الزج بعناصر من حركة حماس لارتكاب اعمال قتل وتخريب داخل الاراضي المصرية، وقد تقوم مجموعات ارهابية على صلة مع حركة حماس وجماعة الاخوان باعمال ضد الجيش واجهزة الامن المصرية في محافظة شمالي سيناء ... الخ من الخطوات المتوقعة وغير المتوقعة بهدف إحباط مخطط المعارضة المنادي بعزل الرئيس مرسي وتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والغاء الاعلان الدستوري ومشروع الدستور الذي مرر سابقا والمتناقض في الكثير من مواده مع مصالح الشعب المصري وحرياته العامة والخاصة.
الخطوة، التي تنفذها حركة "تمرد" تحتاج الى التكاتف والتعاضد بين تلاوين المعارضة المختلفة، وتجاوز التباينات والتناقضات التفصيلية بين فرقها واقطابها، وإسقاط الحسابات الصغيرة كي تنتصر في مواجهة الاخوان. كما عليها وضع خطط وسيناريوهات مختلفة لمواجهة كل الاحتمالات المفترضة والطارئة، التي قد تطرأ في سياق المواجهة، لاسيما وان جماعة الاخوان ستدفع الأمور نحو خيار الترهيب من خلال استخدام السلاح وعمليات الاغتيال والتفجير وغيرها من الوسائل. لانها (الجماعة) لن تسلم بسهولة، كما انها مازالت تملك مجموعات مدربة ومختصة ومعدة لهكذا ساعات (المجموعات الخاصة او المجموعة 95) وذلك لاجهاض التحرك، ولفرض حكم المرشد والرئيس.
التطورات التي ستشهدها الساحة المصرية من المحتمل في حال تفاقمت ان تدفع المؤسسة العسكرية لاتخاذ خطوة دراماتيكية لحماية الدولة المصرية من التبديد والضياع، كما قد تفرض المصالح الاميركية والاسرائيلية في ضوء تداعي حكم الاخوان المسلمين، وفشلهم في إدارة شؤون البلاد الى إعطاء الضوء الاخضر للقوى المرتبطة بها لحسم الامور لحماية المصالح الاميركية وأمن إسرائيل، وحتى لا تسقط الساحة المصرية في ايدي الجماعات الجهادية الاسلاموية دون ان يلغي ذلك مواصلة اميركا لمخططها التخريبي الهادف الى تمزيق الدولة المصرية كاستمرار للهدف الاكبر في اعادة تقسيم دول الشرق الاوسط العربية الى دويلات طائفية ومذهبية واثنية.
اللحظة القادمة في مصر صعبة وشائكة، وبمقدار ما تكون القوى الوطنية والقومية الديمقراطية جاهزة ومستعدة، بمقدار ما يمكن ان تتفادى مخطط الاخوان المسلمين ومخطط اميركا واسرائيل.. وقادم الايام بالضرورة سيحمل اجابات على بعض اسئلة التحدي، التي تنتصب في مواجهة الحركة الوطنية المصرية.
ذاكرة الانقلاب .. المفجعة الرهيبة !!
بقلم: موفق مطر - الحياة
في مثل هذا اليوم قبل ست سنوات طلبت من رئيس التحرير حافظ البرغوثي وضع علامة استفهام كبيرة في الزاوية المخصصة لمقالتي "سؤال عالماشي"، وحصل ذلك فعلا, لأني بهذه العلامة دمجت بضعة أسئلة فرضها علينا عنف ورصاص وقذائف انقلاب حماس في هذه الشارة ؟ التي نستخدمها بعد كل سؤال.
لم اشأ تصوير هذه الصفحة الدموية السوداء من تاريخ الشعب والقضية, وكأني كنت اتحايل على ذاكرتي, بركن عدستي جانبا، وتقييد قدراتي المهنية الصحفية المنطلقة دائما بجناحي احاسيسي الانسانية والتزامي الوطني, فأنا لا أعرف الخوف, وربما رآني الكثير من اهل القطاع امشي على قدمي من غرب غزة الى شرقها ومن شمالها الى جنوبها لأسجل بعدستي وبصيرتي شهادات تاريخية على جرائم الاحتلال, ولأقف بوجه دباباته المتوغلة حتى بيوت الفقراء في المخيمات والأحياء المكتظة، بالبسطاء, لكني قررت في أيام الانقلاب ألا اخاطر بنفسي من أجل صورة لفلسطيني يقتل أخاه الفلسطيني, حتى لو كان ذلك في حكم المهنية قرارا خاطئا! إلا أن ما يشفع لي أمر مهم, هو أني لم أعمل لصالح وكالة أجنبية ولا تقاضيت يوما ثمنا عن صورة دماء أو آلام انسانية فلسطينية, فكنت اوثق للذاكرة الوطنية وكلي يقين أن صورة الانتصار والحرية والاستقلال ستتوج كتابا عظيما من التضحيات اقول بكل تواضع اني سجلت بعدستي وقلمي صفحة منه, صفحة خالية من لحظة قتل الأخ لأخيه, فهذه لم اشأ ولم افكر برؤيتها او البحث عنها في حياتي, كما لا اتمنى رؤيتها مطلقا, فأنا لا أحتمل رؤية لحظة اغتيال الحقيقة الفلسطينية, القضية العادلة, الحرية, الكرامة, العزة وثقافتنا العربية التحررية, لم ولن احتمل رؤية مصرع فلسطيني برصاص فلسطيني, فيما الغزاة المحتلون, المستوطنون يصفقون لمشهد حقيقي واقعي أخذ فيه الظلاميون الانقلابيون المنفلتون من ميثاق الاخوة والوطنية دور البطولة المطلقة, وكأنهم في عرض مسرحي بحضرة زعماء ومشايخ وملوك وأمراء ورؤساء, يمتعونهم بمشاهد دموية انتقامية, واباحية سياسية, خرقت قيم وثقافة الاخاء من اجل سلطة لطالما وصفوها بالزائفة والعميلة والهزيلة والضعيفة.. الخ فيما المتمتعون برؤية انشطار الجسد الفلسطيني رأسيا، والذين تمنوا مشهدا كهذا يشفي غلهم من حركة التحرر الوطنية الفلسطينية التي ألهبت وهزت قواعد وأركان انظمتهم مذ رأت فيها الأمة العربية أملا وسبيلا لنيل العزة والكرامة وتحقيق الانتصار على الذات أولا, كانت قيادات حماس المتهورة تحقق لهم ما يريدون, فتحولت اضغاث احلامهم الى سلطة انقلاب ـ تأكل يوما من بعد يوم انجازات الفلسطينيين السياسية والوطنية والثقافية, حتى المشروع الوطني ينقرض, كمجلدات تاريخية سطت عليها جيوش قوارض, فاشترى هؤلاء بأموالهم مراكز نفوذ اقليمية في القطاع الأكثر ازدحاما في العالم, وصعدوا المنابر في بيوت يعلى فيها اسم الله ليفتوا بشرعية ذبح قابيل الفلسطيني لأخيه هابيل الفلسطيني ايضا.
ما افظع تناثر دماغ اخيك أمام ناظريك بانفجار رصاصة خارقة متفجرة اطلقها ابن بلدك ومن يدري فقد يكون ابن عمك, ما افظع همجيتهم هؤلاء الذين امروا باستباحة الخطوط الحمراء, فسفكوا تحت الراية الخضراء المطروزة بعبارات مقدسة دماء " محمد " الفلسطيني, حتى ابو جهل وابو لهب ليعجزان عن تصور حدوث ذلك بعد 14 قرنا من سواد رسالة السلام والمحبة ( الاسلام ) في البلاد .. انها الردة والانقلاب والحق والبيت والوطن والحرية والقانون والنظام ومكارم الأخلاق التي بعث الرسول محمد ( ص) ليتممها.
حوّل الانقلابيون غزة الى وكالة يؤجرون اتعابهم وسلاحهم ورجالهم لمصدري وصناع الصراعات الاقليمية, فباتت غزة المظلومة بأرضها وناسها مركز تجارة بحاجات الناس المعيشية عبر الأنفاق, ومركز تجارة بدماء الفلسطينيين يبيعونها ويستخدمونها عند الذي يدفع اكثر, فبعد ان لملمت بيدي دماغ الشاب الفلسطيني احمد المقتول برصاص قناص مقنع اطلق صيحة الله اكبر في اللحظة التي تفجر فيها راس ابن البلد الصغير هذا .. اقتحمتني الصورة المفجعة, الرهيبة, حتى بت أخشى على أمل الحرية من التبدد او الجفاف قبل العودة عن الانقلاب, وانهاء الانقسام, والعهد على مصالحة لا تراق من بعدها دماء الاخوة في الوطن ابدا.. المصيبة أن الانقلابي الذي فجر دماغ الفلسطيني (احمد ) ما زال يهنئ جماعته بهذا الحسم.. وبجريمته ضد الوطن والإنسانية والوطنية.
العام السابع للانقسام المأساوي !!
حديث القدس – القدس
البيان الذي أصدرته حركة "حماس" امس، وقالت فيه ان الوحدة والمصالحة بالنسبة لها استراتيجية تعمل على تحقيقها حتى يتسنى لها التفرغ لقضايا الشعب الرئيسية ومواجهة التحديات وفي مقدمتها الاستيطان والتهويد، يثير العديد من التساؤلات مع دخول الانقسام المأساوي عامه السابع دون أن تظهر في الأفق بوادر جدية لانهائه وكل ما استمع اليه شعبنا طوال تلك الفترة مجرد شعارات وتصريحات وبيانات من طرفي الانقسام أقل ما يقال فيها انها دون أي رصيد ومجرد ذر للرماد في العيون وهو ما يشكل تنكرا لإرادة شعبنا وتضحياته الجسام في الطريق الى الحرية.
بيان "حماس" المذكور يحمل اعترافا واضحا بأن هذا الانقسام المأساوي جعل الانقساميين ينشغلون بالانقسام وأبعدهم عن قضايا الشعب الرئيسية وعن التحديات الجسام الماثلة أمامه. واذا كانت المصالحة وانهاء الانقسام استراتيجية يتم السعي لتحقيقها حتى يتسنى الالتفات الى هموم شعبنا الرئسية كما يقول نفس البيان، فما الذي يمنع حتى الآن انهاء هذا الانقسام ؟ وكيف يمكن لنا ان نفسر او نفهم ان قضايا الانقسام وهي قضايا فئوية مصلحية لا صلة لها بمصلحة الوطن والمواطن تغلبت وطفت على الهموم الرئيسية لشعبنا على مدى سنوات الانقسام الطويلة دون ان يتنازل الانقساميون عن مصالحهم وتطلعاتهم الفئوية ؟ وهل يمكن لشعبنا ان يثق بأن الانقساميين الذين ألحقوا هذا الضرر الهائل بقضيته ونضاله العادل وشوهوا صورة شعبنا على مدى سنوات سيتسنى لهم مواجهة التحديات الجسام والالتفات الى هموم شعبنا الرئيسية بعد ان وضعوها جانبا لصالح أجندات ومصالح لا صلة لها بفلسطين وقضيتها ؟!
بالأمس واصل المستوطنون اعتداءاتهم الوحشية في الضفة الغربية والاحتلال لم يتوقف عن بناء المستوطنات وتهويد القدس وممارسة مختلف اشكال التنكيل والاهانة ضد الشعب الفلسطيني كما واصل حصار غزة، فما الذي فعله طرفا الانقسام في مواجهة كل ذلك سوى اصدار البيانات واطلاق الشعارات الفارغة التي سئمها شعبنا ؟!
العام السابع للانقسام يبدأ واوضاعنا تزداد تدهورا فيما ينشغل الانقساميون بالاتهامات المتبادلة والحديث عن الشرعية وكأن الشرعية تبيح لهم مصادرة حق شعبنا في قول كلمته او تنصيب انفسهم قادة على هذا الشعب الى ما شاء الله، او كزن الشرعية تبيح لهم اهمال قضايا شعبنا الرئيسية والاكتفاء بمواجهة التحديات الجسام بالبيانات والخطب والتصريحات !
ان من حق شعبنا في الوطن والشتات ان يقول بصوت عال لقادة طرفي الانقسام: لقد سئمنا كل هذه الالاعيب وهذا التضليل وهذا التستر وراء مصلحة القضية لاطالة امد الانقسام .. سئمنا امعانكم في الاساءة لشهداء واسرى فلسطين والاساءة لنضالات شعبنا وتضحياته، ولم تعد البانات والشعارات والتصريحات قادرة على تغطية هذا العجز المخزي ولا على تغطية استمراركم بهذا الانقسام تحت اي مبرر.
ان ما يجب ان يقال هنا ان من يحرص على انهاء الانقسام ومن يضع المصالحة نصب عينيه عليه ان يرد الامانة الى الشعب صاحب السيادة وان يسمح للشعب بقول كلمته في انتخابات حرة ونزيهة الآن وليس غدا وان يبدي استعدادا لاحترام نتائج هذه الانتخابات لا ان يمعن في ابتداع الحجج والذرائع لتعطيل الديمقراطية والغاء الشرعية. هذا هو الاختيار الحقيقي لمصداقية المواقف والنوايا اما ان يتواصل التعامل مع شعبنا على هذا النحو من الاهانة ومصادرة حقه وتغييب دوره في انتخاب ممثليه فهو نهج لا ينطلي على شعبنا الذي قطع شوطا طويلا في النضال من اجل حريته ورفض كل اشكال الوصاية والتبعية، وقد حان الوقت لاحترم هذا الشعب والنزول عند ارادته، وهي دعوة موجهة لطرفي الانقسام ولكل القوى والفصائل.
ديمقراطية طوائف لا مؤسسات
بقلم: عصام نعمان – القدس
يمتدح اللبنانيون أنفسهم بالقول إنهم أول ديمقراطية في المشرق العربي . لكنهم أساؤوا إلى أنفسهم مطلعَ هذا الأسبوع بتعطيلهم واحدة من أهم مؤسسات الديمقراطية . فقد امتنع ثلاثة من أعضاء المجلس الدستوري، الذي ينظر في دستورية القوانين، عن الحضور وبالتالي عن توفير النصاب القانوني لجلسة مقررة للنظر في مراجعةٍ تقدّم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وعشرة من النواب ينتمون إلى “كتلة الإصلاح والتغيير” طعناً بقانون كان أقرّه مجلس النواب، يقضي بتمديد ولايته سنة وخمسة أشهر .
قد يقول قائل إنه من الظلم تحميل اللبنانيين مسؤولية تعطيل المجلس الدستوري . حسناً، اللبنانيون ليسوا مسؤولين مباشرةً عن تعطيل نصاب المجلس، لكنهم مسؤولون مداورةً عن ذلك، لكون القضاة الذين امتنعوا عن الحضور تأثروا بضغوط مارسها عليهم رئيسا كتلتين نيابيتين ارتأيا عدم تمكين المجلس الدستوري من الانعقاد تفادياً لاتخاذه قراراً بقبول الطعن المقدّم، وبالتالي إبطال قانون التمديد لمجلس النواب .
كما تردد أيضاً أن القضاة السبعة الذين قرروا حضور الجلسة تأثروا بضغوط كان مارسها عليهم رؤساء احزاب وكتل نيابية أخرى ارتأوا أن مصلحتهم (كما مصلحة البلاد!) تقضي بإبطال قانون التمديد لمجلس النواب بغية إجراء الانتخابات وفق أحكام “قانون الستين” الساري المفعول .
رؤساء الكتل النيابية الذين ضغطوا على قضاة المجلس الدستوري لقبول الطعن المقدّم أو ردّه هم نواب يمثلون، إفتراضياً، اللبنانيين الذين انتخبوهم ما يعني، في الواقع، أن الناخبين مسؤولون عن انتخاب نوابٍ لا يتورعون عن مخالفة أحكام الدستور والقوانين النافذة بغية حماية مصالحهم السياسية تحت يافطة حماية مصالح البلاد العليا! كما يعني أن الناخبين يقدّمون مصالح (زعماء) طوائفهم على انتظام مؤسساتهم .
هذا الوضع المؤسف والمؤلم والمزري الذي انتهى إليه النظام السياسي في لبنان إنما يدل على حقيقة ساطعة مفادها أن الديمقراطية، قبل ان تكون انتخابات دورية ومؤسسات دستورية، هي ثقافة بالدرجة الأولى . ثقافة جوهرها قبول الآخر وبالتالي التزام “قواعد اللعبة” في المنافسة الحرة بين اللاعبين الذين ينشدون الوصول إلى السلطة .
الى ذلك، يُستفاد من تجارب الدول المتقدمة حضارياً أن نجاح الديمقراطية مرهون بتوافر شروط ثلاثة:
* أولها، توافر حدٍّ معقول من التعليم، وبالتالي من الوعي يتيح للمواطنين عامةً وللناخبين خاصةً القدرة على المفاضلة بين البرامج السياسية والاجتماعية للمرشحين، وعلى تقدير ما هو في مصلحة البلاد عموماً ومصلحتهم خصوصاً .
* ثانيها، توافر حدٍّ معقول من البحبوحة أو، في الأقل، من المعيشة اللائقة وبالتالي توافر قاعدة عريضة من أفراد الطبقة الوسطى . ذلك أنه من الصعب جداً أن تنجح الديمقراطية في بلد معظم ناخبيه من الأميين والفقراء . هؤلاء يعتبرون السياسة، وبالتالي الانتخابات، ترفاً بإزاء انشغالهم بتوفير قوتهم اليومي . والملاحظ أن الضائقة المعيشية تدفع بعضهم أحياناً إلى “بيع” صوته إلى من يرغب لسد حاجته إلى المال والمأكل والملبس .
* ثالثها، توافر الحرية والسيادة للبلد المعني بالانتخابات . ذلك أن لا سبيل إلى ممارسة حق الاختيار والانتخاب على وجه صحيح في بلد محتل أو مسلوب الإرادة السياسية .
من هذه الشروط الثلاثة يتمتع لبنان بالأول منها بمستوى عالٍ نسبياً . فالمتعلمون هم أغلبية اللبنانيين ما يرفع، نسبياً، مستوى الوعي في صفوفهم . لكن هذه الميزة يعطّلها أو يحدّ من فعاليتها الإيجابية ارتفاع حدة العصبيات المذهبية والطائفية .
كما يحدّ من فعاليتها أيضاً اتساع قاعدة الفقراء والمحتاجين نتيجةَ الحروب والاضطرابات الأمنية التي عاناها اللبنانيون منذ مطالع سبعينات القرن الماضي . كذلك كان لوجود قوى خارجية مسلحة على الأراضي اللبنانية طوال السنين الأربعين الماضية أثر في تعطيل إرادة اللبنانيين أو في ارتهانها .
كيف السبيل إلى الخروج من المأزق الحالي والأزمة المزمنة؟
لا جدال في أن لا دولة في لبنان بل نظام طوائفي مركانتيلي تحكمه شبكة سياسية مؤلفة من متزعمين في طوائف، ورجال أعمال وأموال يتعاطون السياسة، وقادة متنفذين في الأجهزة الأمنية . هذه الشبكة تعيد إنتاج النظام من خلال قوانين انتخابات موضوعة على قياس مصالحها . ولأنها ضعيفة، فإن أركانها لا يتوانون عن الاستعانة بقوى خارجية لدعم مصالحهم الذاتية مقابل خدمات وعمولات متبادلة هكذا يتضح أن السبيل السلمي لتغيير النظام الطوائفي انما يكون، أساساً، بتغيير قواعد الانتخاب جذرياً باتجاه اجتراح قانون انتخابات على أساس التمثيل النسبي في دائرة كبرى هي الجمهورية برمتها . ذلك يضع اللبنانيين جميعاً أمام التحديات والمشاكل نفسها، كما أمام الأفراد والقوى التي ترشح نفسها لمواجهتها ويحول، تالياً، أو يضيّق في الأقل، إمكان استخدام سلاح المال لشراء الذمم والأصوات .
لكن هل من سبيل إلى اجتراح قانون ديمقراطي للانتخابات بوجود هذه الشبكة السياسية المسيطرة؟
إنه أمر صعب بما لا يقبل الشك . لكن الأمل معقود على ثلاثة احتمالات بازغة:
الأول، أن يتردى وضع النظام السياسي، فما يعود في مقدور أهله إعادة إنتاجه بواسطة قوانين الانتخابات كما يتضح من مأزقهم الحالي .
الثاني، أن تتصدى القوى الوطنية الحية، وفي مقدمها القوى الشبابية، كما القيادات المستنيرة والملتزمة في الشرائح الاجتماعية المتضررة من النظام وأهله إلى التمرد عليه حتى حدود العصيان المدني .
* الثالث، أن يعجز أركان الشبكة السياسية الحاكمة عن الاستعانة بقوى خارجية، كما فعلوا في الماضي، فيضطرون إلى التراجع قليلاً أو كثيراً أمام ضغوط القوى الوطنية والاجتماعية الحية والفاعلة ما يؤدي إلى ابتداع قانون للانتخابات ديمقراطي على اساس التمثيل النسبي والدائرة الوطنية الكبرى، ويصار الى إقراره في استفتاء عام .
هل دقت ساعة العصيان على النظام؟
صحافة انتصرت على القيد
بقلم: الدكتور حسن عبدالله – القدس
أصدرت في العام 1996 كتابا بحثيا حول تجربة المعتقلين الفلسطينيين في المجال الصحفي، وقد كتبت الجزء الاكبر منه خلال فترة اعتقالي، وبعد ذلك صدرت دراسات اخرى وعقدت ندوات وورشات عمل تناولت الموضوع ذاته، ليتسع نطاق الاهتمام بهذه التجربة، ويبادر مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس، ويخصص مؤتمره السنوي لتجربة المعتقلين في الصحافة والترجمة، والذي سيعقد في السادس والعشرين من الشهر الجاري، حيث نأمل ان يخرج المؤتمر بتوصيات يتم توثيقها وتجميعها في كتاب بحثي، من شأنه ان يصبح مرجعا مهما للباحثين والدارسين واساتذة وطلبة الاعلام في الجامعات.
وهذه التجربة غاية في الاهمية لانها شكلت حاضنة تطور وابداع من الاقلام والمواهب والقدرات، وتخرج من مدرستها صحفيون وباحثون ومترجمون يشار اليهم اليوم بالبنان بعد ان تسنى لهم العمل في ظروف افضل خارج الاعتقال، مبرهنين ان المعتقل الذي افتتحه الاحتلال للعزل والتفريغ الثقافي قد حولته الارادة الصلبة الى ساحة تثقيف وتأهيل وانتاج فكري وابداعي، بل الى اكاديمية من نوع خاص، كل من احتجز فيها تنقل بين دور الطالب والمعلم، في عملية تعليمية تشاركية تكاملية، المعلم فيها الجماعة، والمتلقي هي الجماعة، والحوار البناء اساس الفلسفة التعليمية في التجربة، حيث لا مجال للاستذة والتلقين وايداع المعلومات في البنك على رأي باولوفريري في وصفه للتعليم التقليدي الذي يعتمد حشو المعلومات.
والصحيفة او المجلة في الاعتقال، عبارة عن دفاتر مكتوبة بخط اليد، مواضيعها منوعة. وكان يخرجها فنانون يزينونها بلوحات تنسجم مع مضامين المقالات والمعالجات المنشورة.
وقد جمعت هذه الصحافة بين السياسة والتنظيم والامن والتربية والعلاقات الوطنية وادارة فن الصراع والادب والجوانب الاجتماعية والنفسية والاخلاقية وعلاقة الفرد بالجماعة، وكانت تشرف عليها هيئات تحرير تشكلها الفصائل من ذوي القدرات والامكانات الكتابية والثقافية والسياسية والفكرية. واسهمت التجربة عبر سنوات طوال في تدريب وتنمية قدرات مئات المعتقلين.
وكانت الترجمة ملاصقة تماما للتجربة الصحفية، بل شكلت توأمها، لا سيما الترجمة عن الصحف العبرية، التي انتزع المعتقلون الموافقة على الاشتراك فيها ، من خلال الاضرابات المفتوحة عن الطعام وبخاصة اضراب نفحة في العام 1980 ، الامر الذي مكَن المعتقلين من الاطلاع على ما تنشره الصحف العبرية في شتى الميادين، ما كسر طوق الحصار المفروض عليهم.
لكن الترجمة كما خلصت في كتابي "الصحافة العبرية في تجربة المعتقلين الفلسطينيين" الصادر عن نقابة الصحافيين، لم تكن تجربة عشوائية وانما ابداعية بامتياز. وتألفت من اجل انجاز مهمة الترجمة لجان اتصفت بعمق الانتماء الوطني، والحصانة السياسية والفكرية، لكي لا يقع اعضاؤها في فخ المصطلحات والتوجهات الاسرائيلية.
وبقي القول ان عشرات الصحفيين والمترجمين هم مدينون للتجربة، التي جعلتهم يشقوا طريقهم والاستمرار في العمل والابداع في عالم الصحافة. ومن خريجي مدرسة الصحافة التي تحدت القيد خلف القضبان، نذكر على سبيل المثال لا الحصر ناصر اللحام، عيسى قراقع، سعيد عياش، أمجد العمري، مروان بزبز، هاني العيساوي، عطا القيمري، محمد ابو لبدة، علي السمودي، نجيب فراج، علي ومحمود جده، علي القطاوي، خلود نجم، حسين الجمل، جورج كرزم، احمد ابو غوش، (وكاتب هذه السطور، اذ اعتبر نفسي قد تأسست صحافيا وثقافيا في الاسر)، اضافة الى عدد كبير من الصحفيين والمترجمين الذين نضجت اقلامهم في الاعتقال.
الأمل سَرِيّ
بقلم: المحامي جواد بولس - القدس
علينا أن نكون قبل السادسة مساءً في مستشفى "رمبام" في حيفا. لبسنا ما يليق بالبحر الذي كان في ذلك المساء صافيًا، زرقته تثير وتستحضر فيروز وحبيبها الذي كان دائمًا بعيدًا في السماء.
قادت السيارة بتوتّر وبسرعة، كي تعوّض بضع دقائق تأخرّناها عند مغادرة بيتنا في القرية. بالعادة تقود زوجتي السيّارة لأنّها تخشى تهوّري واليوم أصرّت أكثر كي تضمن وصولنا في الوقت المحدّد. كانت تلك أمسية لحلم كبير تحقق، لذا وجب الفرح وشرطُهُ كفرح البسطاء؛ أن يكون ناصعًا مطلقًا.
لم أخفِ سعادتي، لكنّني كنت أقلّ انفعالًا. لا أعرف كيف أصبح قلبي كاتمًا للخفقان ولا متى؟ كيف صارت الفصول في رزنامتي أقلَّ بكثير من أربعة؟
اتّكأت على زجاج الشباك الجانبي، أغمضت عينيّ للراحة. لم أفكّر بشيء معين، كنت سارحًا، كمن في داخله آخرُ لا يجيد إلّا تنبيش مزارع القلق. نحن، أبناء من ولدوا على سفوح الهم، أفراحنا هشة كأفراح الحمام حين يأمن نافذةً يبني عليها عشّه. لماذا لا أفرح حتى السّكر؟
فجأةً تذكرت ملامح وجهه. غاضبًا، صادقًا، مؤمنًا بما يقوله كجند إسبارطة. قبل شهرحدّثني عن ممرّضة هاجرت من روسيا إلى حيفا. يهوديّة شربت ماء العنصرية والقرف. مرّت بجانب "سري" وزميلته في القسم. طبيبان يتحدثان بينهما بلغتهما العربية. استفزّها الموقف، توجّهت لهما آمرةً بالتوقف عن استعمال العربية! هكذا، بوقاحة سيّد عنصري، تتصرّف ممرّضة مع طبيبين زميلين في العمل. "لو لم تتوقّف عن كيل سفالتها لخبطتها بقبضتي وأسكتُّها .. صرخت بها بأن تنصرف وإلّا .." سمعته يهمس. بدأت أصحو وأخاف. حاولت أن أبتعد عن هذه الذكرى. أطاعني "سري". حضر ببسمته الخارقة ورقّتهالتي تذيب قلب شاعر.أملتُ رأسي ونمت على كتفه.
كآبائي وأجدادك، ها أنا آت أفيض سعادةً وفخرًا، ثمانية أعوام انتظرنا هذا اليوم؛ منذ أودعناك شابًا لم يخبر من الحياة إلا ما أسعفت به قرية تعيش على جرح بسلام لأن العاقلين فيها استقبلوا جند موسى والسماء براياتهم البيض فسلّموا وسلموا. لماذا لا يكتمل فرحٌ في هذه الأرض؟ تأتي أفراحنا منقوصة، مقضومة، منهوشة وكأننا ندفع فدية لقطّاع طرق يحمون الولائم أو ينهبونها.
بين نومٍ وصحو انتصرت البسمة؛ رافقتني صورته طفلًا في حضانة "اللقاء" في القدس، وتلميذًا في ابتدائية "الفرير" ثم حين فاجأنا غضًّا ليختار العودة إلى مسقط رأسه، وكأنّه استشعر قبل عقدين ما سيحل في مدينة الهياكل، هجرها يافعًا لينهي ثانويته في مدرسة "يني". بمحاذاة الشاطئ كرّ شريط العمر كالريح. ما أجملهم! ما أظلمهم أولادنا.
تصعقني "جنى" بسؤال مباشر واضح "هل وقفت يا أبي عندما عزفوا وغنّوا نشيد هتكفا؟" لم تنتظر إجابتي. أردفت "أنا لم أقف كما لم أفعل عندما استلمتُ شهادتي من جامعة حيفا".
كان الاحتفال الرسمي قد انتهى قبل دقائق، على المنصّة امرأة واحدة في التسعين من عمرها وعشرون من العلماء والعمداء. "روت ربابورط" ضيفة الشرف. أرملة من تبرّع بالملايين لبناء كلية الطب وصيانتها. راودتني خلال الحفل تساؤلات عن شعور هذه السيدة ومن حولها لسماع أسماء ثلثي الخرّيجين وكانوا من العرب. فكرّت أن أرسل رسائل شكر للمعهد والقيّمين عليه. لقد رعوا أحلامنا وها هم يرجعونها لنا أنوارًا ومستقبلًا. ربما كان بعضهم يتمنّى حفلًا بطعم آخر.
احتضنا "سريًا" كما يحتضن فلاح الصباح. في لحظات كانت سعادتنا أكبرَ من بحر وأهمَّ من نشيد وطني. حاول الأولاد (سري، جنى ودانة) أن يجرّوني إلى وجعهم الذي من نشيد، إلى مخاضات هوية كسيحة، تغاضيت مشفقًا على قلبي، يكفيه وجعًا.
في ذلك المساء أعلن "التخنيون" عن ضمّ تسعين طبيبًا جديدًا إلى سلك تلك المهنة المقدّسة، منهم أكثر من خمسين عربية وعربيًا، لم يصبحوا أطبّاء إلّا بعدما أن أقسموا قسم "الطبيب العبري". هنا في هذه الدولة يعيش قومٌ سليل الأنبياء بدم غير كل الدماء، أطباؤهم لا يصبحون أطباءَ إذا أقسموا ما تقسم به الأمم. ذلك الإغريقي "ابقراط" ليس منهم وقسمه ليس "كشيرًا" لا يعتمد.لم ينتبه الأولاد، جئنا بمصيبة فها نحن باثنتين: نشيد وقسم.
لا شيء سيفسد علينا هدأة الليل ونداه. أكلنا وشربنا وأصغى الأولاد لحكاية أبو فارس. في ذات مساء جاء ليزور جاره أبو الجميل، جدَّا الأولاد. وجده وحيدًا على شرفة بيته. على وجهه عبوس، حيرة وضيق. يسحب نفس سيكارته كغريق. "مالك يا أبو الجميل؟ يْروح الهم، إنت ماشاالله معلم محترم وإم الجميل معلمة والأولاد يخزي العين، كلهم ناجحين. عندك بيت وسيارة و«كلشي» تمام، شو اللي مضايقك يا جار" استفِزَّ أبو فارس عندما سمع أبو الجميل يشكو له هموم الدنيا ومشاكلها!
"شو رايك بمحسوبك" شرع أبو فارس يقص بطيبة ملاك. "بَفيق خمسة الصبح، أختك أم فارس محضره بكرج القهوة، بفطر لقمه، بسري عَلْ أرضيات، برجع مغربية. يا دوب أغسّل، هالصّدر بستنا محسوبك، عليه هالزيتات والزعتر، البيض والزيتون، بشرب معهن فنجانين شاي بميرامية، بلفلّكهالسيكارة، بولعها وبعج عليها عجتين محترمتين وبنفخ بهَالسما وبقول عيييش يا أبوفارس عيش..".
لقد أحبّوا جدّهم وخبروا سعادته التي مع قلق. أحسست بالبرق يفرّ من عيونهم، السعادة فرصة لحظة إن أضعتها ضاعت ضياعَ غيمة، هي حكمة البسطاء، الخابرين أن لا سعادة خارجَك، هي في داخلك عند حنايا أضلعك وهناك تمامًا يا"سريّ" يعيش الأمل ويكون الوطن.
المحظوظة
بقلم: ماهر العلمي - القدس
... اسرائيل، ليست اكثر الدول المهددة بالصواريخ، كما يشكو رئيس وزرائها نتانياهو او «عطا الله» الترجمة العربية لأسمه العبري.. كان يتوجب على عطا الله ان يقول ان اسرائيل، هي اكثر الدول حظا في العالم، لأنها تنعم برعاية وحماية وحضانة اقوى دولة في العالم، وتراقب بسعادة بالغة، تدمير وتمزيق العراق وسوريا، وتترقب المزيد من تفتيت الدول وتحويلها الى دويلات مسخ!
نعم هي دولة محظوظة فلا احد يجرؤ على مواجهتها وتتباهى بقوتها، وتتفنن في اطلاق تهديداتها، وتصول وتجول في اراضي الفلسطينيين تصادر منها ما تريد، وتقيم المستوطنات متى يحلو لها، بلا حسيب ولا رقيب. وتهود القدس كما تشاء! وتهز امن استنكار انتهاكاتها لحقوق البشر والحجر والمقدسات، تعتبر اليوم، يومها وتتوهم ان الوضع الحالي سيكون ابويا، لا تفكر بالتقلبات وان بين الكاف والنون يفعل المولى عزوجل ما يشاء! وما يرسمه لعباده، الرحمن من سيناريوهات للمخلوقات ولا تدرك هذه الدولة ان مكر الله يسحق مكر الماكرين!
اسرائيل محظوظة، فدول الربيع العربي، تجد نفسها في خريف تتساقط فيه اوراق الامل وتتحول الاحلام الى كوابيس واضطرابات ومظاهرات ومسيرات واحتجاجات تجعل من لديهم مقاليد الحكم منشغلين ومتورطين وغرقى في مشاكل لا تعد ولا تحصى تلهيهم عن بدء مسيرة البناء والاصلاحات وتنسيهم قضية فلسطين، وبيت المقدس، ومحرره صلاح الدين!
إسرائيل محظوظة فها هم مسلحو الطوائف المتناحرة في سوريا يواصلون ارتكاب المذابح ونحرر رقاب العلويين والسنين والشيعة وتدمير والشيعة وتدمير بلاد يحتاج اعمارها الى ملايين الملايين والى عشرات السنين.
اسرائيل محظوظة.. مرتاحة، ليست مهددة من احد، رغم محاولاتها إيهام العالم انها من اكبر المهددين يفتح الوالين مع انها من اخطر المهددين بكسر الموالين وها هي تضع حجر الزاوية المتمثل بالاستيطان لمشروع «ترانسفير» الفلسطينيين، واستبدالهم بمستوطنين حضروا من كل مكان.. واعلان ضم ما تريد من الضفة، لالحاق مستوطناتها بكيانها بعد ان ضمنتها فعليا بشبكة طرق تجعلها جزءا من اسرائيل القائمة على ارض شعب هائم على وجهه مشرد في كل البقاع.
اسرائيل محظوظة.. تعربد كما تشاء.. تتمرد على من تشاء.. تتحكم بالفلسطينيين، تسيطر على الماء وتبيعه لمن هم تحت احتلالها الذي لا يعرف معاني الرحمة وقلبه من صخر لا يلين.. تلقي بقاذورات ومياه مجاري المستوطنات داخل اراضي الفلسطينيين.. تخرب بيئتهم بعد ان خربت حياتهم!
اسرائيل محظوظة.. فكيري، لا يجرؤ على لومها او مطالبتها بوقف الاستيطان ويريد من الطرف الاخر الاذعان لكل ما تبديه من عناد واصرار على التفاوض، مع استمرار الاستيطان، ثم الاتفاق على حدود الرابع من حزيران اذا ما بقي سنتمتر واحد من ارض ما تبقى من فلسطين.
اسرائيل محظوظة.. فها هي مصر غارقة في هموم ومشاكل وخلافات واضطرابات وتشنجات البردوية عربية وها هي تواجه مشكلة تحويل مياه النيل الازرق في اثيوبيا، وها هي تغرق في بحر القلق والارتياب والحيرة تجاه مصيرها المرتبط بمصير النيل العظيم، بالسد الذي يقيمه االاحباش!
اسرائيل محظوظة.. فها هو الانقسام المستفحل بين «فتح» و «حماس» يتواصل رغم خطورة اوضاع الفلسطينيين..! وها هي جولات الحوار تجري بين حين وحين السياحي في القاهرة، وها هي التصريحات المتناقضة بقرب مصالحة عنقائية قد تتحقق بعد سبع سنين، او بعد سبعين، وها هي اسرائيل تقول مع من نتصالح مع الفتحاويين، ام مع «الحمساويين»، وهل نعقد معاهدة صلح وسلام مع الضفاويين ام مع الغزيين، وها هي تقول سنواصل تمديد تأجيل بحث مصير القدس والمقدسيين، حتى نخلي عاصمتنا الابدية من الفلسطينيين اجمعين، ونقيم هيكل سليمان على اساس متين..!
اسرائيل محظوظة.. فها هي احدث وسائل التجسس والمراقبة والاقمار الصناعية ترصد لها تحركات وتنقلات شحنات الاسلحة والصواريخ وربما النشاطات على فراش قادة الامة وكبار المتزعمين والمتنقذين.!
اسرائيل محظوظة.. فالاستثمارات تتزايد فيها من مختلف الجهات.. وتدعي ان كل ما في جوف البحر الابيض المتوسط من نفط وغاز وثروات لها وحدها، متجاهلة كل الجيران ومانعة غزة من استخراج غازها، فهي بلطجي المنطقة المتوسط وتهدد بتوجيه الكلمات، اذا ما وقف في طريقها اي عقبات او اعتراضات.. فهي الآخرة، الناهية المسيطرة، ترفض بعناد تحديد حدودها البرية والبحرية مكتفية باستعراض العضلات.
اسرائيل محظوظة فها هي تتزود بأحدث الصواريخ والطائرات من العم سام ومع ذلك لا تشعر بسكينة وهدوء واطمئنان، وكل همها ان تزرع الخوف والردع في صفوف المحيطين بها وتحرمهم الامن والامان وبين حين تقرع طبول الحرب، وتوتر الاوضاع، وتجري المناورات وتوزع الكمامات، ضد هجمات الغازات والكيماويات.
اسرائيل محظوظة.. جيشها اصبح يشعر بالملل من حالة لا حرب ولا قتال، لذلك بدأت تلهيه بمناورات وتدريبات وتشركه بدعم الجبهة الداخلية، وتهيئتها للسجال ولمواجهة صواريخ قد تتساقط كالامطار.
اسرائيل المحظوظة تسير فوق شوك الرعب، فهي في قرارة نفسها تعلم انها غير باقية على الدوام، وان الملايين يتأهبون ليتبروا ما علا من بنيان، خلال العلو والمرحلة الثانية من الافساد، ولينفذ وعد الرحمن!
اسرائيل المحظوظة لم تدرك حجم الاخطار التي تنتظرها والاهوال.. تتوهم ان السلاح الجبار سيوفر لها الامن والامان.
اسرائيل المحظوظة تحس بالخيبة والاكتئاب في بعض الاحيان، بعد ان احبط عنادها جهود السلام، التي بذلها اصدقاؤها وحلفاؤها الاميركان، وعليها ان تدرك ان ترسانتها العسكرية لن تحقق لها الامان، وانها حتى لو زودت كل اسرائيل بقنبلة نووية بورتابل لن تشعر لا بأمن ولا امان ولا استقرار وان من يوفر لها السلام والامان، هو الاعتراف بحقوق الجيران وبحدود الرابع من حزيران 1967 لدولتهم التي يترقبون ولادتها كل عام، ليعيشوا كغيرهم من شعوب المعمورة بأمن وامان وسلام.
(س) ضد (ش) ؟
بقلم: حسن البطل – الايام
مساء الجمعة، في "مقهى رام الله" انتقلت شاشات التلفزيونات من فضائية "المنار" إلى فضائية "ام.بي.سي". يعني من خطبة نصر الله الجديدة إلى الحلقة قبل الأخيرة من "محبوب العرب".
توقف نصف اللعب لمّا خطب نصر الله، ومعظم اللعب لمّا غنّى محمد عسّاف. سألت زبوناً لعب "دق طاولة" فاستمهلني حتى ينهي نصر الله خطابه. الزبون فلسطيني ـ مسيحي!
المعنى؟ لن يأبه روّاد المقهى. إن تحدث أي زعيم عربي في خطبة أو مقابلة (مثلاً: مقابلة الرئيس بشار الأسد مع "المنار"). لا مجال لسؤال نافل: لماذا زعيم "حزب الله" رجل الساعة في الاستماع قبل أي رئيس أو زعيم عربي.
من زعيم عليه شبه إجماع لبناني وعربي في حروبه ضد إسرائيل، إلى زعيم عليه خلاف لبناني وعربي ودولي في حربه إلى جانب النظام السوري.
كان الإمام علي (كرم الله وجهه) إمام البلاغة، والسيد نصر الله يبدو إمام الخطابة العربية. هذا لا علاقة له بـ"الأذن تعشق قبل العين أحياناً" كما في "أراب آيدول"، بل لأنه رجل القول والفعل.. وإن أصاب أو أخطأ!
إسرائيل تقول إن "حزب الله" هو "جرير إيران" وأن النظام السوري هو "جرير حزب الله" ألا يذكّرنا هذا بالهندسة الإقليدية ـ الإغريقية المسطّحة، حيث رؤوس المثلث تحمل حروف أ. ب. ج، تاركة لفيثاغورس مهمة حساب زوايا مثلثات (أ. ب. ج) كما تفعل موسكو و"حزب الله".!
لم تعد الحرب الضروس الجارية في سورية تدور بين "محور الشر" الثلاثي: إيران، نظام سورية، "حزب الله"، ومحور الاعتدال "ضاعت الطاسة" في هذا الحمّام الدموي، كما يقول الشوام والحنفية مفتوحة، أو "الجرح راعف" في سورية.
قبل الجرح السوري المفتوح، كانوا يتحدثون عن "الربيع العربي" وكيف صار خريفاً وشتاءً إسلامياً.. وبعد سورية صاروا يتحدثون (س) ضد (ش) أي سنّة ضد شيعة.. وهذا إجمال تعسفي؟!
ليس كل الشيعة في إيران مع نظام الملالي، ولا كل الشيعة في لبنان مع "حزب الله" ولا كل السنة ضد النظام السوري، ولا حتى ضد "تدخل" الحزب في الصراع السوري.. ومن قبل لم يكن كل الموارنة مع "حزب الكتائب"، ولا كل المسيحيين اللبنانيين مع "الجبهة اللبنانية"... والآن، معظم المسيحيين اللبنانيين والسوريين مع النظام السوري، وبعضهم حلفاء لـ"حزب الله"، أيضاً.
يتحدثون، عالمياً، عن عودة متجددة لـ "الثنائية القطبية" بعد سياسة روسية يتبعها بوتين، وهو الزعيم العالمي الوحيد الذي يتحدث عن الصراع السوري بلغة سياسية، ومثله يتحدث نصر الله عن هذا الصراع: سياسة، استراتيجية، عقائد!
هناك الآن "ثنائية قطبية" في كل بلد عربي تقريباً، وفي كل مكان فيه تقريباً. لقد غادروا قطبية (ع) علمانية ضد (أ) أصولية. في فلسطين هناك قطبية (ف) "فتح" ضد (ح) "حماس" وهي قطبية سياسية وليست دينية، كما في قطبية تونس (ن) "نهضة" ضد معارضيها، وفي مصر (إ) "إخوان" ضد معارضيهم!
ومن ثم، توارى الصراع العسكري ـ الثقافي ـ الحضاري ـ الوجودي بين (ع) عرب ضد (إ) إسرائيل، أو (م) مسلمين ضد (ي) يهود، أي من صراع "أولاد العمومة" ولو اللغوية، إلى صراع الأشقاء المسلمين بين (س) سنّة و(ش) شيعة!
على ماذا يتقاتل (س) و(ش)؟ على الجنّة والنار (قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار)، ولكن (إذا اقتتل مسلمان فالاثنان في النّار).. والثاني هو الأصحّ!
رؤوس المثلث (أ.ب.ج) كما تقسيم إسرائيل للضفة، فهل معنى ذلك أن صراع الأشقاء أمرّ من صراع أولاد العمّ.. أو نجد في الأبجديتين العربية والعبرية تفسيراً سخيفاً مع أنهما لغتان ساميتان و"بنات عم"؟ في العبرية "أبجد هوّز ـ حطّي كلمن ـ سعفص قرشت"، وفي العربية "أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش".
أي أن السين والشين متباعدان في الأبجدية العبرية ومتقاربان في العربية؟!
طبعاً، أخلط عمداً بين الأبجدية واللغة، كما يخلطون بين اللغة واللغو، كما بين السياسة والأيديولوجيا، كما بين صراع المذاهب، كما تصارعوا في أوروبا المسيحية بين (ك) كاثوليك و(أ) أرثوذوكس.. ثم تعايشوا!
في الحقيقة هذا صراع سياسي يتغطى بالصراع الديني، ولا علاقة له بصراع الديمقراطية ضد الاستبداد، ولا الأصولية ضد العلمانية، ولا "محور الشر" ضد "محور الاعتدال".
حكومة الحمد الله : "المايسترو".. والعصا !!
بقلم: هاني حبيب – الايام
أخشى أن يعتب علينا الدكتور سلام فياض، ونحن نهنئه على استراحته من رئاسة الحكومة، لا لشيء إلاّ لأننا لم نبارك له عند تسلمه لها، فقد حرمنا من مثل هذه المباركة عَبر الصحف ووسائل الإعلام لأنه امتنع عن قبولها، وحرم نفسه من مزاحمة صوره في الصحف، كبيرة وصغيرة وملونة وبالأسود والأبيض، وعلى الصفحات من الأولى للأخيرة وربما الملاحق، ربما لأنه كان يراهن على أن الجمهور يتعرف عليه مباشرة، من خلال أول شكل من أشكال الاتصال في التاريخ، وهو الاتصال المباشر، تحركاته ونشاطاته خلال توليه رئاسة الحكومة، برهنت على أن رهانه كان صحيحاً، إذ لم يدّخر فرصة، كي يتصل بالجمهور من خلال افتتاحه لمشاريع التنمية المختلفة في كل مدن وقرى ونجوع الضفة الغربية، وأمثالي فقدوا الرهان، على أن الصورة في وسائل الإعلام، هي الأبقى، وفياض إذ يغادر الحكومة تبقى صورته مطبوعة في ذاكرة الجمهور من خلال القلاع التنموية والاقتصادية التي شيدها بجهد مخلص وبنّاء.
إلاّ أن ذلك لا يمنع بطبيعة الحال، من أن نبارك لحكومتنا الجديدة، مباركة تمتزج بالقلق، ذلك أن هذه الحكومة ورثت العديد من المشاكل والصعاب، ليس أقلها استمرار الانقسام وانسداد الأفق أمام العملية التفاوضية، واستمرار إجراءات الاحتلال العدوانية الاستيطانية، لكن أكثر ما يمكن أن يقلق هذه الحكومة الجديدة، أن مسيرتها وبالضرورة ستقارن بالحكومة السابقة، ولعلّ ذلك ما يجب أن يدفع بها إلى مضاعفة جهودها على كافة الأصعدة، الأمر الذي يتطلب ما هو أكثر من هذا التشكيل الحكومي الراهن.
ولعلّ الحكومة تشاركني في هذا النوع من القلق، على الأقل هذا ما يؤكده ما استهلت به يومها الأول، عندما أعلنت عَبر الناطق الرسمي عن حجم وشدة الأزمة المالية، والإشارة إلى أن حجم الدَّيْن العام للسلطة "المقصود دولة فلسطين" بلغ 4,2 بليون دولار إلاّ أن هذا الرقم إذا ما تخلّى عن جموده الرقمي، يشي بما لا يقصده الناطق الرسمي للحكومة، فعدا أن حكومة فياض عام 2007، تسلّمت، أيضاً، خزينة خاوية ودَيْناً عاماً بلغ 4,110 بليون دولار، وهذا ما يساوي 79 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وإذ يبلغ الدَّيْن العام الحالي 4,2 بليون دولار، فإن هذا يساوي 39 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهو ما يساوي نصف الدَّيْن العام مقارنة مع حجم الإنتاج البالغ عشرة بلايين دولار، مع فارق إضافي هام جداً، وهو توقف قطاع غزة عن المساهمة في الإيرادات الحكومية، في ذات الوقت الذي يشكل إنفاق الحكومة عليه 46 في المئة على شكل رواتب وخدمات صحية وتعليمية واجتماعية.
الإشارة المقتضبة حول رقم 4,2 بليون دولار، محاولة أولية من قبل الحكومة، لتبرير أي فشل اقتصادي تنموي قادم، وكأنها تتحسّب منذ اليوم الأول لها، لمثل هذا الفشل، ولم تكلف نفسها توضيح مغزى هذا الرقم بعملية مقارنة بسيطة كما أوضحنا، حتى يكتسي الرقم بدلالاته الموضوعية، وليس مجرد رقم جامد، أراد منه الناطق الرسمي أن يرسل رسالة مزوّرة إلى الجمهور الفلسطيني.
وقبل أن يغادر فياض مبنى رئاسة الحكومة، كان قد وقع على توفير فاتورة الرواتب مع أنه كان بالإمكان تأجيلها لكي يشكل ذلك أول مسألة تعاني منها الحكومة الجديدة، ورغم أن هذا الأمر، قد يشكل إجراءً شعبياً لصالح فياض، إلاّ أن حكومته سبق وأن اتخذت قرارات تتحلّى بالمسؤولية غير أنها غير شعبية على الإطلاق، تلك القرارات لا يتخذها سوى قلة من رجال الدولة الذين يتحلّون بالقدر الكافي من المسؤولية الوطنية والمهنية العالية، تؤهلهم للمجازفة باتخاذ مواقف تعتبر في لحظتها غير شعبية وتسهم في تبرير مواقف النقاد للحكومة، ولأن هذه المواقف لا تتخذ لحسابات شخصية، فإن فياض، وفي أيام حكومته الأخيرة، اتخذ أكثر من موقف للتأكيد على حساباته الوطنية ومسؤوليته الأخلاقية والمهنية، وإذا كان من الممكن تأجيل قرار البدء باحتساب القيمة المضافة بزيادة واحد بالمئة، الأمر الذي أدّى إلى زيادة الأسعار، وكذلك القرار القاضي بتسعير استهلاك الكهرباء بأسعار توريدها من المورد، الأمر الذي لا يعتبر قراراً شعبياً على الإطلاق، وكان بالإمكان توريط الحكومة الجديدة باتخاذ مثل هذه القرارات غير الشعبية بدلاً من أن تسجل على اسم وزارة راحلة، مرة أخرى، مثل هذه القرارات الصعبة والضرورية، لا تتخذ إلاّ من قبل رجل دولة بحجم فياض.
والشيء بالشيء يذكر، هكذا يقولون، فقد بدأت حكومة الحمد الله بمغازلة الموظفين في القطاع العام، بشأن سلم الرواتب والترقيات، وهو لا شك من حقوق الموظفين، غير أن ذلك سيلقي بأعباء إضافية على الموازنة في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، من السهل اتخاذ قرارات "شعبوية" غير أنه من الصعب الإيفاء بالالتزامات التنموية والاقتصادية، خاصة في ضوء تشكيلة حكومية، تآكلتها المعايير الجهوية، وتراجع نسبة التمثيل النسوي فيها، رغم أنها في مكوّناتها الأساسية من بقايا الحكومة السابقة، مع تغيير في "المايسترو" ونوع العصا التي يحملها لقيادة سيمفونية الحكم!!
تحديات حكومة الحمد الله
بقلم: حمادة فراعنة - الايام
تحديات عديدة تواجه حكومة رامي الحمد الله يقف في طليعتها ما يلي :
أولاً: قرار الإفقار المتعمد، التي تسعى له حكومة نتنياهو العنصرية الاستعمارية المتطرفة بجعل فلسطين طاردة لشعبها وأهلها، نظراً لعدائها لأي حل يمنح الشعب الفلسطيني إمكانية استعادة حقوقه وممتلكاته على أرض وطنه، فحل الدولتين ( على إبهامه فيما يتعلق بالجغرافيا والسيادة ) الذي أعلن نتنياهو قبوله، ينفيه نائب وزير الدفاع داني دنون، ويؤكد أن حكومته ترفض حل الدولتين مهما كانت صيغته وضيعة ومتواضعة، والإجراءات التي تمارسها الأطراف الإسرائيلية من جيش الاحتلال إلى المستوطنين إلى السياسات الحكومية تدلل على رفضها حل الدولتين، وتهدف بوضوح إلى إعاقة صمود الفلسطينيين في الضفة والقدس، وتجويعهم وتعطيل حياتهم ومصادرة أملاكهم، ولذلك يبقى الاحتلال ومظاهره وسياساته هو التحدي الأول الذي يواجه حكومة الحمد الله، وإن كان هذا التحدي ليس جديداً ومتواصلاً، فهو العقبة الأولى التي تفتقد لقرار سياسي فلسطيني يقوم على الإجابة على سؤال مفاده هل نواجه الاحتلال ونتصدى له ونتصادم مع مظاهره وإجراءاته ؟؟ أم نتكيف معه، وصولاً إلى عوامل أو ظروف أخرى تسمح لشعبنا في مواجهته ؟؟ ذلك هو السؤال الذي ما زال معلقاً بدون جواب.
أما التحدي الثاني: فيتمثل بوجود أوضاع اقتصادية صعبة تجعل حياة الفلسطينيين في الضفة والقدس دون مستوى الكرامة، ولا تلبي تطلعات الاستقرار، وبدلاً من توجيه الاحتجاجات ضد الاحتلال، تحولت مظاهره ضد السلطة الوطنية وحكومتها الفلسطينية، وهو أحد العوامل الهامة التي دفعت سلام فياض نحو الرحيل، بسبب اعتصامات الموظفين وإضرابهم، وقد تكون مشروعة، وقد لا تكون، ولكنها عنوان لثمن عدم الوضوح السياسي في تحديد الأولويات، وهي تعبير عن حالة الإفقار وتدني الرواتب والغلاء، وغياب الأمن الوظيفي والمعيشي وعدم الانضباط في الحصول على الرواتب المنتظمة وفقدان الاقتصاد والإنتاج المستقل.
ولذلك ستشكل احتجاجات الموظفين والمتقاعدين لمجتمع غير منتج العقبة الثانية للتحديات التي ستواجه حكومة الحمد الله خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة.
أما التحدي الثالث : فيتمثل بعدم الالتزام من قبل دولة الاحتلال والدول المانحة في تغطية الاحتياجات المالية للخزينة وعدم ضبط التزاماتها بشكل منتظم مما يربك الحكومة ويفقدها القدرة على وضع الخطط الملائمة للاستقرار وصولاً نحو التطوير، فالاتكاء على البنوك المحلية والتصرف بموجداتها وتأميناتها لدى سلطة النقد، وعلى حقوق المتقاعدين، والرهان على وعود المانحين لم يدفع مشروع السلطة الوطنية نحو الاستقلال، بل نحو الانحناء والمديونية والارتهان لقرار الأجنبي سواء كان الاحتلال أو الدول المانحة لجعل قرار السلطة الفلسطينية المالي والسياسي أسيراً لخيارات الاحتلال والأميركيين والأوروبيين، وبما يتعارض مع المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني .
أما التحدي الرابع : فيتمثل بالانقسام الجغرافي والسياسي الحاد بين المناطق الثلاثة الضفة والقدس والقطاع، فحكومة رام الله تفتقد للسيادة أو الإدارة المستقلة أو تنفيذ قراراتها بشكل متفاوت في الضفة عنها في القدس بسبب قرار الضم الإسرائيلي وفي غزة بسبب انقلاب حركة حماس وتفردها بإدارة القطاع، ولذلك لا تستطيع السلطة الوطنية وحكومتها، فرض ولايتها على المناطق الفلسطينية بشكل متساوي وعملي .
التحديات الأربعة، لا تحتاج فقط إلى إدارة سليمة وخلاقة لمعالجة غياب الولاية ووجود الاحتلال في القدس والضفة وسلطة حماس في قطاع غزة، لخلق حالة الاستقرار وصولاً إلى التطوير والتنمية على طريق الاستقلال التدريجي المتعدد المراحل، بقدر ما تحتاج حكومة الحمد الله لعملية توسيع لقاعدة الشراكة السياسية في عضويتها وبنيتها، من قبل الفصائل والأحزاب والشخصيات التمثيلية، حتى تستطيع الصمود ومواصلة العمل وتجنب الهزات المتوقعة، لخلق حالة من التجانس الفلسطيني والمصلحة الوطنية المشتركة لمواجهة الاحتلال الواحد الذي يحول دون الحرية والاستقلال .
الانقلاب .... جردة حساب ..!
بقلم : أكرم عطا الله - الايام
إنها ذكرى انتصارنا علينا حين انهزمنا أمام جوعنا على السلطة لنعلن رفع راية استسلامنا السوداء هذه المرة، استسلامنا لأبشع ما فينا من غرائز حين كان الرصاص أداة الحوار بين الأخوة الأعداء وحين تحولت أسطح العمارات إلى ساحات قتل وسحل وقنص في أسوأ عملية إطاحة لكرامة وطنية كانت تنغرس فينا في الطريق نحو الوطن المفروش بالآلام لتهزأ مما كانت تصدح به الفنانة الثورية أميمة خليل " أهلوك لا سور من الكذب .. أهلوك لا قناصة الرتب " فنكتشف أننا قلاع من الكذب وقناصة للرتب حد الموت في سبيلها.
ست سنوات مرت على ذلك الجرح المفتوح في الذاكرة والذي أصابها بانحناءة مزمنة في عمودها الفقري لكن يبدو أن الفلسطينيين لم يدركوا حجم المأساة بعد، فلا زالوا منشغلين بتسميتها أهي انقسام؟ أم انقلاب؟ أم حسم؟ إنهم يمتلكون من ترف اللغة والوقت وفائض الدم ما يكفي لهذا النقاش إنها مصيبة يا سادة يبشركم الكاتب الإسرائيلي أليكس فيشمان أول أمس على صحيفة يديعوت أحرونوت بأنه لا يوجد حل للانقسام بين حركة المقاومة الإسلامية حماس والسلطة الفلسطينية.
إنها الكارثة التي حملت كل المعاني، وكل المعاني تدل عليها فقد كانت هناك أزمة عجزت أطراف الانقسام عن حلها بالحوار فتم حسمها بانقلاب لتنتج انقساما، هكذا هي الأمور، بكل بساطة كل من المصطلحات تدل على الأخرى وأنني أفضل دوما استعمال كلمة انقلاب حتى تلسع مع كل مقال من فكر يوما أو يفكر باستعمال السلاح كوسيلة لحسم الخلافات الفلسطينية وهي كثيرة .
قبل ثلاث سنوات سألت الصحيفة الإسرائيلية عميرة هاس والتي تكتب في صحيفة هآرتس عما لديها من معلومات عن اليد الإسرائيلية الخفية في هذا الانقلاب وفي تلك التراجيديا الفلسطينية، كنت أبحث عن الحبل السري الذي يربط بين مأساتنا وإسرائيل متصورا أن كل الأزمة لدينا كانت تدار من "الكرياة" وهي مقر وزارة الدفاع في تل أبيب ولم يغادرني هذا الاعتقاد حتى اللحظة باحثا عن تأكيده بالمعلومات لأنه مهما بلغ الفلسطينيون من عجز في إدارة حواراتهم لا يمكن أن يصل الأمر إلى هذا المستوى، أجابتني وهي التي تبدي في مقالاتها تعاطفا مع الفلسطينيين قائلة "لا معلومات لدي عما تبحث عنه ولكن ما أعرفه أن ما حدث عندكم كان هدية السماء بالنسبة لإسرائيل " وكررتها هدية السماء.
لم نتوقف أمام حساب الضمير ولم نسأل أنفسنا ما الذي فعلناه بأنفسنا حين حملنا البنادق لنمثل بجثة مشروعنا الوطني في الوقت الذي كنا نمده بوحدات الدم ليقف على قدميه، كيف يمكن لشعب بكل هذه التضحيات أن يطلق النار على قدميه ليصاب بالكساح الدائم؟ إنها شهوة السلطة التي كانت ولا زالت قصة الماضي والحاضر في الثقافة العربية، فنحن من قتل الخلفاء من أجل السلطة؟ ونحن من شق العالم الإسلامي ما بين شيعة وسنة في لعبة الصراع عليها ولا زالت النار متقدة، ونحن سادة الانقلابات في العالم وعندنا انقلب الابن على أبيه من أجلها وقتل الأخ أخاه.
إنها السلطة التي ألقيت أسفل جبل أُحد فنزلنا مهرولين لنقتتل على بقاياها فلا فزنا بالسلطة ولا كسبنا الحرب التي صعدنا من أجلها وتهنا في الطريق نحو العودة إلى رأس الجبل، لأن وزن ما حملناه من عبء التزامات الحكومتين أكبر من العودة، فتملكتنا حالة من الضياع بين الطرق والوسائل، وكان هناك أحد ما يجلس مخرجا لسانه لنا ليقول "رسبتم بجدارة في امتحان الإدارة" إدارة النظام السياسي وإدارة الحوار والخلاف والاختلاف.
حتى اللحظة لم يستوقفنا ما حدث، فما تشي به حوارات المصالحة من ابتسامات تعكس حجم الانفصال عن الواقع المتجهم حد البكاء على أطلال الوحدة والانشغال اليومي بمقارعة المحتل، فقد أصبح هذا جزءاً من الماضي في ظل هدنة هناك وتهدئة "وهي الاسم الحركي للهدنة" هنا في غزة، وفي ظل التسابق على تبريد أهم جبهتين كانتا قبل الانقسام -الانقلاب مفتوحتين على إسرائيل كما جهنم، حقا إنها هدية السماء.
علينا إجراء جردة حساب للسنوات الست الماضية على مستوى التعليم والخدمات والصحة والاقتصاد والأهم حجم الكراهية بين أبناء الشعب الواحد والتي تحتاج إلى سنوات من العلاج، فعلاج الروح وانكسارها أصعب من علاج الجسد، كم من السجناء اعتقلنا بسبب الانقسام الذي وفر فرصة لتجاوز كل الأعراف والقوانين لحقوق الإنسان ونحن في الطريق نحو تكريس الانشطار في الوطن اكتشفنا أننا نعيد استنساخ أسوأ النظم وأكثر أجهزة الأمن بؤسا في العالم العربي، فقد تحولت العلاقة بين الأخوة الألداء إلى علاقة تربصية كل ٌيخشى من الآخر أن يخطف سلطته مخولا أجهزة أمنه ارتكاب ما يلزم للحفاظ عليها، فتجربة التاريخ قالت أن المقاومة عندما تصل للسلطة يتحول سلاحها إلى حارس للسلطة، هذا ما حصل مع فتح قبل عقدين والآن يتكرر مع حماس.
كيف يمكن أن نهز الفصائل حد إفاقة الضمير؟ أن نلسعها بصعقة كهربائية ليعود الدم يجري في عروقها، أن تبني لنا نظاما سياسيا يشكل نموذجا لكل مواطن، أن تتوحد أو نكتب في لحظة غضب وتمرد على الواقع أن تتبدد، الأمل أن تتوحد أن تنتصر إرادتها على إرادة إسرائيل، فنحن الشعب مستعدون للتنازل عن السلطة، ولأن الشعب هو سيد السلطات وهو أبوها وأمها فليس أمامنا إلا أن نقول كما قالت تلك المرأة أم المولود حين ادعت أخرى أمومته أمام القاضي الذي حكم بقطعه إلى نصفين لتأخذ كل منهما نصف فتنازلت عنه، أرجوكم يا سادة نحن الشعب نتنازل عن سلطتنا لكم، خذوها كلها ولكن لا تقطعوها ولا تقسموها فستموت ويموت معها مشروعنا، خذوها لأننا أيضا أكثر عجزا منكم على استردادها لأن الساحات لم تغرق بالشعب حتى الآن.
حقوق المرأة في خطاب سلام فياض: السهل الممتنع
بقلم: ريما كتانة نزال - الايام
هل كانت المرأة تحتاج إلى تحريك مظاهرة للحصول على وزارة ما، أو أن تنظم اعتصاماً تعلن خلاله موقفاً احتجاجياً على الإجحاف الذي لحق بمشاركتها في التشكيل الوزاري للحكومة الخامسة عشرة حيث غدت نسبتها 12% من حجمها.. وذلك اقتداءً بما فعله القوم في مدينة الخليل الذي ظهر خلاله أن الحراك في الشارع؛ هو السبيل الأقصر نحو تحقيق المآرب والغايات..
لا شك بأن حكومتي "د. سلام فياض" الثالثة عشرة والرابعة عشرة قد تميزتا بعدد النساء المشاركات بهما، بما أوصل المشاركة النسائية إلى أكثر من ربع عدد المجلس الوزاري. وهو الأمر الذي كان أحد مصادر اعتزاز وتباهي الفلسطينيات في العالم بالمؤشرات التي تمتلكها. فقد كانت وفودنا النسائية تعتبر المشاركة في الهيئة القيادية الأولى على صعيد السلطة التنفيذية مؤشراً على تقدمها وتمايزها عن باقي الدول العربية وغيرها السبّاقة في النضال الحقوقي والديمقراطي. على اعتبار أن التقدم المنجز على صعيد المشاركة النسوية الفلسطينية يعود إلى أن بُنى السلطة الفلسطينية الذي جاء كتطور طبيعي للسياق الفلسطيني الذي شكلته القوى السياسية الفلسطينية البانية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفكرها الاجتماعي العلماني، ملاحظة الإضافة النوعية للموقف الفكري المتقدم للدكتور "سلام فياض".
وفي البلدان التي لا تمتلك رؤية واضحة حول المرأة، أو التي لا تمتلك رؤية مُتفقاً عليها حول الهوية الفكرية للنظام السياسي، تكتسب إرادة الأفراد أهمية استثنائية في التقدم بسياسات تؤدي إلى خلق وقائع تمهد الطريق نحو تكريسها مستقبلاً.
ومن هنا، لم تكن المشاركة النسائية المهمة نتيجة للصدفة المحضة، أو بسبب تقديم بعض الأحزاب والفصائل المرأة لتمثيلها، بل ينمّ عن رؤية امتلكها "فياض" وجسدها ساعياً نحو تثبيتها كثقافة معتمدة، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال تعيينات نسوية مهنية على رأس مراكز مهمة وحساسة، من بينها مهمة الناطق الإعلامي باسم الحكومة وفي ترؤس هيئة سوق الأوراق المالية، وكذلك من خلال منصب رئاسة الجهاز المركزي للإحصاء.
كما يمكن قراءة رؤية رئيس الحكومة السابقة من خلال سياساته وخطابه الاجتماعي الواضح اتجاه موقع المرأة ودورها الذي تعرفنا عليه في المناسبات النسوية في يوم المرأة أو يوم العنف الذي يرفض تبرير حقوق المرأة ومكتسباتها، مستفيداً من حقيقة أن البيئة القانونية في فلسطين مواتية، وتؤسس للبناء عليها لجهة تبني القوانين الديمقراطية من جهة، وتهيئ المناخ لتقبل عمليات التغيير، ومتصدياً بقوة للخطاب السلفي الإقصائي والتمييزي ضد المرأة.
لذلك، نتوقع من الحكومة الجديدة برئاسة د. رامي الحمد الله أن تبني وتطور الخطاب والرؤية الحكومية ومنظور إدماج المرأة في البنية المؤسساتية وفي الخطاب، واستمرار الخطاب الذي يكرس قبول المشاركة والمساواة دون شروط تحددها المرجعيات الاجتماعية والثقافية الإقصائية الموروثة، أو ربطه بمنظومة القيم التقليدية السائدة، ما يبطئ ويضعف عمليات التحول نحو المساواة وفقاً لمرجعياتنا الدستورية، ويبطئ تبني مفهوم الحقوق المتكاملة.
نتوقع من الحكومة الحالية التي حجمت المرأة أن تعوض عن تدني نسبتها في الوزارة، في التعامل واتخاذ الإجراءات التي تكفل تطوير المشاركة في سائر المحطات والبنى التي سيجري تشكيلها. وكذلك لا بد لها أن تعمل ما فات الحكومة السابقة عمله على صعيد المنظومة التربوية في المؤسسة التعليمية، بإعادة النظر جذرياً بها والتي لا تزال تعيد إنتاج تقاسم الأدوار التقليدية المكرسة للصور والأدوار التقليدية لكل من الرجل والمرأة. وأن تعمل على استكمال المسح القانوني الذي تمت مباشرته للتشريعات لجهة رصد التمييز في ثناياها وإصلاحها، كما وأن تعمل على دفع القوانين ذات الصلة بالمرأة ومنها قانون الأسرة وقانون العقوبات، اللذان طال انتظارهما، نحو الصدور. كما مطلوب من الحكومة مراقبة الجهات المعنية تنفيذ قرار الرئيس بوقف العمل بالبنود المخففة لعقوبة مرتكبي الجرائم ضد المرأة. وكذلك تمرير قانون حماية الأسرة من العنف ولوائحه التنفيذية الجاهز والموضوع على طاولة الحكومة.
وبكلمات مختصرة ومفيدة، ان الخطاب المطلوب تبنيه وتطبيقه في الممارسة هو الخطاب السهل الممتنع، الخطاب الحقوقي الشامل دون عناء البحث وسوق التبريرات لتمكين المرأة في الحصول على أدوارها وواجباتها، وهو الخطاب الذي يرفض تبرير حقوق المرأة الكاملة بنضالها رغم أن البوابة النضالية والوطنية فتحت زوايا المشاركة السياسية أمامها، لأن جميع الفلسطينيات يحتجن التمتع بحقوقهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، دون التذرع بالعدد ومقولة نصف المجتمع، بل لأنها حق من حقوقنا الطبيعية ومبدأ من مبادئ حقوق الإنسان التي لا تتجزأ.
في منزل طه حسين
بقلم: عادل الأسطة - الايام
لم أزر مصر من قبل، ولا أدري لماذا لا أحاول. أهو كلام خيري منصور لي قبل سنوات في مطعم القدس: كل شيء خرب هناك. وكان عائداً لتوّه من إقامة لمدة أشهر في القاهرة. لا أدري إن كان يتذكّرني ويتذكّر لقاءنا وتناولي الغداء، عصراً على حسابه، فهي المرة الثانية التي ألتقيه بها. وكانت المرة الأولى في رابطة الكتّاب الأردنيين في أثناء حرب بيروت 1982 حيث تكلم عن استشهاد أخيه، وكان خيري يومها قادماً من بغداد. لماذا لم أزر القاهرة ولا أفكر في زيارتها، لست أدري وكنت أتمنى لو زرتها في زمن جمال عبد الناصر، فمصر التي أحبّ هي الحقبة الناصرية، لا الحقبة الساداتية أو المباركية أو المرسية.
فجر 9/5 صحوت في الثالثة، بعد أن رأيتني في منزل طه حسين أزوره وأتحدث معه. كم من ساعة أنفقت في قراءة كتبه؟ وكم تغير رأيي فيه؟ مائة وثمانون درجة بالتمام والكمال. لم يحببني فيه أحد أساتذة قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية، فقد ظل يشتمه قائلاً: أعمى البصيرة أعمى البصر. وكان الأستاذ "تحريرياً"، وهو الآن ـ عفا الله عنه ـ مصاب بـ "الزهايمر". ثم إن الماركسيين لم يحببوني به، أيضاً، فهو في نظرهم ليبرالي غربي.
الليلة كنت في بيت طه حسين (9/5/2013). كان معي أستاذان من قسم اللغة العربية في جامعة النجاح، أحدهما درس في مصر والثاني درس في الشام. وكنت أجلس وطه حسين، وكانت زوجته الفرنسية تجلس قبالتي وتنظر إليّ، وكانت تصغي إلى ما نقول. كان طه حسين مرتدياً منامة زرقاء/ سماوية ومعطفاً أسود. ولما أرادت زوجته صنع الشاي والقهوة طلبت أن نصلح لها إبريز الكهرباء، فقال أحدُ زميلي: أنا أفعل هذا.
وأنا أُحاوِر طه حسين، في المنام، سألته: ألا تشعر بالندم الشديد لأنك درست في فرنسا، وعانيت ما عانيت، ثم اتهمت بأنك ....... أنا أشعر بالندم الشديد لأنني درست في ألمانيا، ولو كنت أعرف مدى المعاناة التي سأُعانيها بعد عودتي لما سافرت. لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت.
وسيضع طه حسين في يدي قطعة شوكولا بُنيَّة يحيط بها إطار يشبه الألومنيوم، وسيقول لي: هذه لك، أخصّك بها أنت، وأشار إلى ما هو مشترك بيني وبينه في نشاطنا الأدبي: توظيف غير منهج أدبي، والبساطة والوضوح في عرض المسألة، وسلاسة الأسلوب.
لم أزر مصر من قبل، ولا أدري لماذا لا أُحاوِل. الليلة زرتها في المنام ووجدتني مع طه حسين في بيته.
في ذكرى انعقاد المؤتمر العربي الأول 1913: من يذكر النساء؟!
بقلم: د. فيحاء قاسم عبد الهادي
عبَّر د. "كلوفيس مقصود"؛ عن انتعاشه لانعقاد "ندوة: مئة عام من القومية العربية: تقييم نقدي وتصورات مستقبلية"، في باريس، يومي 4-5 حزيران 2013؛ قائلاً: "الشجاعة في نقد الحركة القومية العربية":
"كدت أستقيل من الأمل .. يجيء المؤتمر ليثري عودة الأمل، ويرسِّخ مسؤولية الكلمة. في خضم هذا الوضع العربي العام؛ تجيئون من أجل استقامة البوصلة. العروبة هي مواطنة، تتجاوز الأعراق والطائفيات والدين. يستقيم عندها البوصلة".
*****
كان إحساساً رائعاً ومهيباً؛ أن أشارك وشقيقتي "فادية" (ورقتها: القومية العربية لدى عوني عبد الهادي)؛ في الندوة، التي هدفت إلى إحياء الذكرى المئوية لانعقاد المؤتمر العربي الأول، في باريس: حزيران عام 1913، والذي مثلت ذكرى حركة المعارضة السياسية العربية النشطة، التي هدفت إلى إثارة الروح القومية، في مواجهة التعصب، والعنصرية، والتمييز، الذي مارسته الدولة العثمانية؛ ضد العرب ولغتهم ووجودهم القومي، والمطالبة باللامركزية والمشاركة السياسية.
قبل أن ابدأ مداخلتي: (المرأة في الفكر القومي العربي بين الدمج والإقصاء: المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية في الخمسينيات نموذجاً)؛ كان لا بد من التنويه بالمشاركة السياسية للنساء العربيات، منذ بداية القرن الماضي، ولا أدلّ على ذلك؛ من أن بعض النساء العربيات قد أبدين رأيهن في انعقاد المؤتمر العربي الأول، عام 1913؛ بواسطة إرسالهن برقية تأييد، ضمن البرقيات العديدة التي تلقتها لجنة المؤتمر، من مختلف البلاد العربية والأجنبية، وهن: "عنبرة سليم سلام"/ التي عرفت باسم: "عنبرة سلام الخالدي" (باحثة، ومترجمة، ومناضلة نسوية)، و"وداد محمصاني"/ التي عرفت باسم "وداد المحمصاني الدباغ" (كاتبة وأديبة وتربوية، ومناضلة نسوية)، و"شفيقة غريِّب".
*****
في الذكرى المئوية لانعقاد المؤتمر العربي الأول؛ ظللتنا روح عمي الغالي: "عوني عبد الهادي" (من مؤسسي جمعية العربية الفتاة، ومن منظمي المؤتمر، ورئيس حزب الاستقلال)، وأرواح: رئيس المؤتمر "عبد الحميد الزهراوي"، و"سليم سلام"، والشهيد "عبد الغني العريسي"، ورفاقهم، وأرواح الثوار الذين استشهدوا في سبيل الحرية، في القرن الواحد والعشرين: "شكري بلعيد"، و"خالد سعيد"، ورفاقهم.
كما ظللتنا أرواح الرائدات العربيات: "سيزا نبراوي"، و"هدى شعراوي"، و"طرب عبد الهادي"، والمناضلات العربيات: "سالي زهران"، و"أميرة شحادة"، و"صفية فرحات"، و"أمل محمود" ورفيقاتهن؛ ممن يواصلن كفاحهن ضد الاحتلال، والعنصرية، والاستبداد، ويطالبن بحقوقهن السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، ويهدفن إلى معانقة الحرية والأمان الإنساني.
*****
سجّل التاريخ المدوَّن، مشاركة المرأة الفلسطينية، ضمن التنظيمات القومية العربية، فترة الخمسينيات والستينيات، باقتضاب شديد؛ لكن التاريخ الشفوي، أضاف إلى التاريخ المدوَّن، وأغناه؛ ما أضاف مادة ثرية للبحث والتحليل، حول المرحلة السياسية.
انتظمت المرأة الفلسطينية، لأول مرة في تاريخ العمل السياسي الفلسطيني، ضمن تنظيمات سياسية عربية قومية، منذ أواخر الأربعينيات.
ومن الملاحظ أن النساء الفلسطينيات، اللواتي عملن ضمن الأحزاب العربية القومية، في تلك الفترة، هن نساء: "حزب البعث العربي الاشتراكي"، و"الحزب السوري القومي الاجتماعي"، ولاحقاً في منتصف الخمسينيات "حركة القوميين العرب".
وقد استدعى انخراط المرأة الفلسطينية، ضمن التنظيمات الحزبية العربية؛ دراسة هذا الدور، من خلال التاريخ الشفوي، الذي يجمع الروايات الشفوية المختلفة، ويقارنها بعضها ببعض، لإنصاف المرحلة.
*****
أشارت نتائج البحث إلى أن النساء قد ربطن بين انتسابهن إلى الأحزاب، وإيمانهن بالفكر القومي العربي، وفي القلب منه تحرير فلسطين.
ويظهر أثر الثورة المصرية عام 1952، في مصر، والوحدة العربية بين مصر وسورية، عام 1958؛ في تزايد اهتمام النساء في الفكر القومي.
كما ظهر أثر الثقافة القومية؛ في اعتناق العديد من النساء للفكر القومي؛ بعد ظهور مفكرين قوميين، أثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم، كما جذبت الشعارات العربية، التي تنبع من الواقع العربي الكثير من النساء، اللواتي أردن الارتباط بأحزاب، ليس لها امتداد أجنبي.
وكما أن شعارات الوحدة والعروبة، كانت الدافع الرئيس لالتحاق مجموعة كبيرة من النساء الفلسطينيات، بصفوف الأحزاب القومية؛ غادرت العديد من النساء هذه الأحزاب، بعد أن حادت عن المبادئ التي آمنَّ بها. وقد شكل فشل الوحدة بين مصر وسورية، عام 1961، عامل إحباط ويأس لهن.
*****
وتأتي شهادات النساء، اللواتي انتظمن في صفوف "حركة القوميين العرب"، منذ منتصف الخمسينيات، لتفسِّر سبب الالتفاف حول الفكر القومي، الذي مثلته "حركة القوميين العرب"، في مواجهة الفكر الشيوعي، الذي مثله "الحزب الشيوعي"، حيث يتبيَّن عامل آخر، ساهم في انحسار الفكر القومي، وهو التعصب الشديد، الذي رافق صعود هذا الفكر، والذي تلخص في نفي الآخر، وعدم القبول بالتنوع السياسي والحزبي، بالإضافة إلى أن شهادات النساء قد كشفت؛ أن أكثرهن لم يصل إلى مرتبة قيادية عليا، وأن الحركة، غالباً، لم تعتمد مبدأ الاختلاط في عملها التنظيمي، مع النساء؛ ومع ذلك فقد أبقت القيادة للرجال. أما موضوع إهمال البعد الاجتماعي، في الفكر القومي، وعدم طرح قضايا النساء، بشكل مستقل عن القضية السياسية، واستبعاد النساء من مواقع صنع القرار؛ فقد شكَل ثغرة كبيرة، في نمو هذا الفكر وفي ازدهاره، وفي التحاق النساء، ضمن هذه الأحزاب. كما أن الشهادات قد بيَّنت أن وجود النساء في أطر سياسية مشتركة مع الرجل، ووجودها في مراكز صنع القرار يمكن أن يساهما مساهمة فاعلة في تزايد التحاق النساء بالأحزاب القومية، وفي انتعاش الفكر القومي.
ويتَّضح من شهادات النساء، اللواتي انتظمن في صفوف الحركة، أن أكثرهن لم يصل إلى مرتبة قيادية عليا، وأن الحركة، غالباً، لم تعتمد مبدأ الاختلاط في عملها التنظيمي، مع النساء، ومع ذلك؛ أبقت القيادة للرجال.
*****
في وقفة تقييمية نقدية؛ ترصد الأبعاد الاجتماعية للحركة القومية؛ تبيَّن تأثير الفكر القومي العربي، على ازدياد المشاركة السياسية للنساء الفلسطينيات، ودمجهن داخل أحزاب سياسية قومية، كما تبيَّن أثر إقصاء النساء عن مواقع صنع القرار، في انحسار مشاركة النساء، ضمن هذه الأحزاب، وفي تراجع تأثير الفكر القومي العربي.
وأظهرت نتائج البحث أهمية المساهمة السياسية للمرأة، من موقع الشراكة، لا موقع التبعية؛ من أجل تجاوز المأزق المؤلم الذي تعيشه المجتمعات العربية، والحركات السياسية.