1 مرفق
مقالات في الصحف المحلية 43
المقالات في الصحف المحلية 43
14/5/2013
حديث القدس: ارحموا شعبكم ... واتفقوا !!
بقلم: أسرة التحرير عن جريدة القدس
يرضى العرب ولا ترضى إسرائيل!
بقلم: الياس سحاب عن جريدة القدس
بين برغماتية الإخوان ... وادارة الظهر للقيم والمبادئ !
بقلم: عيسى أبو زهيرة
النكبة.. ومسؤولية بريطانيا!
بقلم: فيصل ابوخضرا
القدس... إلى أين؟
بقلم: محمد عبيد
انا المقتولة ظلماً!
بقلم: عيسى قراقع
أطراف النهار: شيلي في "المقاطعة".. "ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ"!
بقلم: حسن البطل عن جريدة الأيام
طبخة كيري
بقلم: هاني المصري
"إنجاز" كيري!
بقلم: جواد البشيتي
إشكالية مواقف الشيخ القرضاوي
بقلم: مهند عبد الحميد
ياسينو
بقلم: زياد خدّاش
لن يقفز..!!
بقلم: حسن خضر
حياتنا - لصوصية الاحتلال
بقلم: حافظ البرغوثي
تغريدة الصباح - وردة وفاء الى فتى الثورة
بقلم: احمد دحبور
في بيتنا مستوطنة!
بقلم: صبري صيدم
شعب الذاكرة التي لا تنطفئ
بقلم: يحيى رباح
حيفا عشيقة ابي .. وآل السياسة
بقلم: موفق مطر
حجة باهتة وذريعة ساقطة
بقلم: محمود ابو الهيجاء
المغالاة في زيارة القرضاوي الغالي
بقلم: بكر أبو بكر
حديث القدس: ارحموا شعبكم ... واتفقوا !!
بقلم: أسرة التحرير عن جريدة القدس
مرة أخرى تتكرر لقاءات المصالحة ويلتقي في القاهرة اليوم عزام الاحمد مسؤول ملف المصالحة في حركة "فتح" وموسى ابو مرزوق عضو المكتب السياسي في حركة حماس، وسيكون الحوار، كما قيل، عن تبادل الرأي حول اسماء حكومة التوافق واجراء الانتخابات، برعاية مصرية كما هي العادة في اغلب الحالات.
ودون الدخول في تفاصيل الخلافات ومواقف كل طرف ومن هو المحق ومن هو المخطىء، يرى الناس ان المرحلة اكبر من اية خلافات وان الاتفاق مصلحة وطنية اكبر من اي وجهات نظر خاصة او فئوية، ولابد من الاتفاق وتجاوز كل العوائق.
لقد عقدت لقاءات كثيرة، ووقعت اتفاقات متعددة ولا يتوقف الطرفان عن الاعلان عن الرغبة في تحقيق المصالحة، ورغم كل لك لم تتحقق هذه الامنية الوطنية، وبقينا ندور في حلقات الحوار المفرغة والتي لم تؤد الى اية نتيجة حقيقية ملموسة حتى الآن.
ان وضع شعبنا ووضع ارضنا واضح ومؤلم ومخيف ايضا. ووضع ارضنا ووطننا وعاصمتنا القدس الشريف مهدد بالتهويد والاستيطان والتهجير، وهذه حقائق نعرفها جميعا كما تعرفها جيدا القيادات في فتح وحماس، كذلك، والقادم اسوأ ولا تبدو في الافق بادرة أمل صحيحة تبشر بقرب انفراج الاوضاع او التوصل الى السلام المنشود.
على ضوء كل ذلك فان الناس يتساءلون لماذا لا يتم الاتفاق فورا وتوحيد الكلمة والموقف لمواجهة ههذ التحديات المصيرية التي تهددنا ارضا وشعبا ؟ لقد تعب شعبنا من التصريحات والبيانات، وانهكته حالة الانقسام وزادت من معاناته، فارحموا هذا الشعب الصامد الصابر واتفقوا وتجاوزوا المصالح الضيقة الفئوية وصولا الى المصلحة الوطنية الواسعة.
محمد الدرة حي فعلا
زعم موشيه يعلون وهو وزير الدفاع الاسرائيلي وليس مجرد شخص عادي، ان الطفل الشهيد محمد الدرة لم يقتل في العام ٢٠٠٠ وانه ما يزال حيا في مكان ما، وادعى ان هذا ما توصلت اليه لجنة تحقيق اسرائيلية خاصة.
يعلون منزعج من تأثير حادثة قتل الطفل محمد كما تم تصويرها وهو بين احضان والده الذي كان يهتف "مات الولد... قتلوا الولد"، لان هذه المشاهد اثرت على صورة اسرائيل وسمعتها دوليا، ولم يجد ردا افضل من الادعاء ان محمدا لم يمت ولا يزال حيا.
يريد يعلون ان يغطي الشمس بالغربال، فالصورة الاسرائيلية لم تتدهور بسبب محمد الدرة فقط، ولكن بسبب مجمل الممارسات العامة والمتواصلة كمصادرة الارض والاستيطان وتهجير الناس ومعاناة الاسرى والتعذيب الذي ادى الى الوفاة في اكثر من حالة واعتقال الاطفال بالمئات، وزعرنات المستوطنين بقلع الاشجار وتلويث المياه وكب النفايات والمجاري ضد المواطنين واملاكهم، وانتهاكات حقوق الانسان التي بدأت تثير استياء واضحا وصريحا من شخصيات دولية كبيرة ومن جهات شعبية واسعة في مختلف انحاء العالم.
لن يستطيع التزوير والكذب ان يحسن صورة اسرائيل ابدا وانما يزيدها سوءا، واذا كانت معظم الحكومات المؤثرة تتجاهل ما يجري غالبا فأن الرأي العام الشعبي الدولي بدأ يتسع ادراكه واطلاعه على حقيقة الممارسات الاسرائيلية.
ومحمد الدرة سيظل حيا فعلا، ليس كما يدعي يعلون، ولكنه سيظل حيا وحاضرا وشاهدا في تاريخنا ووجدان شعبنا وضميره، وسيظل مشهد اغتياله حيا في عيون وقلوب العالم دائما، وقد اصبح رمزا للدولة على اسوأ مظاهر الممارسات الاسرائيلية.
يرضى العرب ولا ترضى إسرائيل!
بقلم: الياس سحاب عن جريدة القدس
هذا الوضع ليس بالتأكيد التعبير الدقيق الذي ولد في هذه اللحظة التاريخية فقط، وإنما هو تتويج لمسيرة تمتد سنوات طويلة إلى الوراء، توجتها في الأيام الأخيرة رحلة وفد الجامعة العربية إلى العاصمة الأمريكية، حيث قدم لإسرائيل، عبر وزارة الخارجية الأمريكية، هدية سياسية لا تقدر بثمن، هي التنازل عن فلسطين التاريخية، بالقسم الذي وقع عليه الاحتلال في العام 1948 وأجزاء رئيسية من القسم الذي احتل في العام 1967 هي الأجزاء الذي نجحت إسرائيل في الاستحواذ عليها بالاستيطان فيها، في القدس، وفي شتى أرجاء الضفة الغربية، إضافة إلى أراضي القرى العربية التي استولى عليها جدار الفصل الذي يقضم، وما زال، منذ سنوات طويلة، أخصب الأراضي الزراعية في الضفة الغربية، كل ذلك في مقابل ثمن بخس هو مجرد منح الفلسطينيين أراضي بديلة عن تلك التي سيتم التنازل عنها من الأراضي التي احتلت في العام 1967 من دون أي تشدد في مساحة أو نوعية تلك الأراضي البديلة .
من المؤكد أن وفد الجامعة العربية الذي حمل هذا العرض السخي إلى العاصمة الأمريكية، دون ربطه بأي ثمن عربي أو فلسطيني ذي قيمة تاريخية، مثل قبول إسرائيل بأن تكون هذه التنازلات مقابل إقرار حق عودة جميع الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها منذ العام 1948 حتى اليوم، فوجئ وفد الجامعة العربية بأن عرض التنازل هذا ليس له أي مثيل طوال مدة الصراع العربي الإسرائيلي، قد ووجه بالرفض من جانب إسرائيل...
لكننا إذا تركنا العواطف جانباً، وتحولنا للعمق السياسي لهذه اللحظة التاريخية المريرة، فإن باستطاعتنا أن نعثر لإسرائيل، على كل الأسباب الموجبة لرفضها هذا، لأنها بكل بساطة ترى وتلمس أن بوسعها، إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه منذ أواخر عقد السبعينات، أن تصل إلى تصفية تاريخية لقضية فلسطين، أكثر صراحة وحسماً من العرض العربي، على كل ما فيه من سخاء في التنازل .
ففي أواخر السبعينات، أعلن البلد العربي الأكبر، وهو مصر، برغم ما اعتبر نصراً عسكرياً عربياً في العام 1973 أنه مستعد لدفع كامل ثمن هزيمة 1967 بالانسحاب الكامل من قضية فلسطين، مقابل استرداد أرض سيناء، حتى لو منزوعة السيادة العسكرية، أي السيادة الوطنية عليها .
لكن ذلك كله لم يكن كافياً لإرضاء النهم الاسرائيلي الكبير بالاستحواذ على كامل لفلسطين التاريخية، عبر تسويات شكلية تؤمن لها ذلك، مع منح ما تبقى من شعب فلسطين على أرض وطنه، أوضاعاً تجعله كامل التبعية الأمنية والاقتصادية لها..
والحقيقة أن المرحلة ما بين تسعينيات القرن المنصرم، واللحظة التاريخية الراهنة، قد جاءت تؤكد لإسرائيل أن أطماعها قابلة للتحقق بكاملها، بمجرد انتظار وصول تدهور الأوضاع العربية، إلى حدود التسليم الكامل بالمطامع الاسرائيلية .
والفارق بين هذه المطامع وبين عرض التنازل العربي الأخير جلي واضح . فإسرائيل تنظر إلى الاستحواذ على كامل الضفة الغربية حتى حدود دولة الأردن، من خلال المضي قدماً بحركة الاستيطان سنوات طويلة أخرى، والسيطرة الكاملة في النهاية على حدود الضفة الغربية مع الأردن، بخضوع منطقة الأغوار تماماً للسيطرة الاسرائيلية.
يضاف إلى هذا استكمال تهويد القدس، بقسميها الغربي والشرقي، وتحويل القدس إلى عاصمة موحدة لإسرائيل، مع وصولها إلى أن تفرض على العرب جميعاً، الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، أي بشطب كامل لأي احتمال لإثارة مسألة حق العودة .
إن نجاح إسرائيل في تحقيق أطماعها، وعدم ظهور أي رد فعل جاد، عربياً بل ظهور مزيد من علامات تقرب الدول العربية من خطب ود إسرائيل، كما هي، بكل أطماعها وخططها، يغريها بألا تقع في فخ قبول أي تنازل عربي تاريخي إذا لم يكن محققاً لكامل أطماعها في فلسطين وجوارها العربي .
بين برغماتية الإخوان ... وادارة الظهر للقيم والمبادئ !
بقلم: عيسى أبو زهيرة
قال ميكافيلي العرب عبد الملك بن مروان مخاطبا القرآن الكريم فور توليه الحكم: "هذا فراق بيني وبينك" في إشارة واضحة الى أن سياسة الرعية لا تصح ولا تقوم إلا بالحزم والضبط والربط والدهاء والمكر وشرعنة كل وسيلة من أجل الغاية والمصلحة، وكرر على ألسنة أمراء بني أمية: "من نازعنا الملك نازعناه روحه".
وقال أمير الحرب والبطش والقوة الحجاج: " إذا كان للقرآن طيف فإن للسلطان سيف " في قاعدة لا تقبل الشك بأهمية القوة القهرية والجبرية في استمرار عمل الدولة.ويقول منهج علم السياسية الحديث إن السلطة هي ممارسة القوة الشرعية.
هنا لا نريد أن نخوض في جدل نظري في مدى علاقة المثال بالواقع أو أهمية القيم و المصالح وأمور الدين والدنيا والعلاقة بين هذه الجدليات الفلسفية المهمة ، ولكن من المؤكد أن مصالح الدولة كانت وما زالت أولوية كبرى لكل رجل دولة ، بغض النظر عن ما يدعى ويسوق لنفسه ولمنهجه. كما نقول في العامية الدينية (سبحان مغير الأحوال )، من كان في الأمس يملأ الأرض والسماء وما بينهما بشعارات سياسية معارضة تروى اليوم، ويدافع عن العقل والحكمة والكياسة والدبلوماسية، إنه السلطان والحكم والسياسة والرئاسة وقواعدها، وهذا حقها ما دام الأمر بعيدا عن حقوق العباد والبلاد وعن قضايا الأمة الكبرى وخاصة فلسطين .
فرضت السياسة نفسها على تصرفات كل الأنظمة العربية( الثورية والرجعية ) وفق التصنيف القديم في ستينات القرن الماضي لمنظومة العمل السياسي العربي، والاعتدال والممانعة أواخر القرن الماضي، وشن الإخوان دعاية قوية ضد كل الأنظمة من أجل تبني فكرها السياسي ، الأمر الذي وضعهم في مرتبة أولى وأمامية ووحيدة ومتجذرة للمعارضة العربية، وكان لذلك ثمن عظيم من القمع والاضطهاد والظلم والجور.
وبرغماتية الإخوان ليست عيبا ولا حرامًا- كما نقول في العامية- و لا تعني ولا تشير ولا توصف ولا تدلل هنا بأي معنى من معاني المدح والذم والتشهير والتعزير والتوبيخ و التخوين، بل كيفية إدارة الإخوان لأمور حياة جماعتهم السياسية العملية ومصالحها ورؤيتها وأهدافها وأدواتها، وعلى عكس فهم وإدارك البعض فإن للمنهج البرغماتي – أو المصالح والمنافع - تاريخًا عميقًا في الفكر السياسي الإسلامي عرف بفقه المصلحة – المنافع ودرء المفاسد والمغانم ودرء المغانم وفروع أخرى جمة ليست محور نقاشنا . ومثالية الرفاق لا تعني بأي حال من الأحوال خروجهم عن الجاذبية الأرضية وفقدانهم الخبرة السياسية وتفهم متطلبات العمل السياسي وأدواته .
غريب أمر نفسية وسلوك وتصرفات رجال وحركات أحزاب أمة العرب والمسلمي ،؛ فمن كان يغني بالتحرير وتجريم التعاطي مع الكيان الصهيوني والمقاطعة ومحاربة الأداة السلمية والدبلوماسية تراهم يمارسون السياسة بشغف الحكم والسلطان والرئاسة، ويحرصون كل الحرص على استمرارهم في الحكم وإنجاح تجربتهم بغض النظر عن الوسيلة ( حلال أم حرام) ؛ استنادا إلى القاعدة الذهبية العريضة – (الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم ) هذا في الأمور الشخصية الفردية البسيطة، وأعتقد ولا أريد أن أظلمهم في القول أن ممارستهم للسياسية تنطلق من القاعدة التي تقول : " كل شيء مباح " .
ما نراه اليوم ونشهده ونلاحظه يضع علامات بحثية وإشكالات منطقية بحاجة لجدل ونقاش ومناقشة:
أولا : تركيز الإخوان على التغلغل في الحكم على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية، وأفضلية عظمى على قضايا الأمة الكبرى خاصة فلسطين.
ثانيا: الانسجام والتوحد مع سياسة ومواقف و السلوك السياسي الأمريكي في المنطقة، والحرص على عدم الخروج عن قواعد اللعبة لتثبيت وضعهم في المجتمع الدولي بغض النظر عن مخالفة المبادئ والقيم .
ثالثا : الإخوان ومصالحهم أولا وأخيرا، وليس مصالح البلاد والعباد، ترى حركة الإخوان أن فلسفة التمكين مازالت في مراحلها الأولى وأنه لا يجوز المغامرة بالتجربة تحت أي مبرر ومصوغ قيمي ولا حتى شرعي ( مثال – إفتاء الشيخ القرضاوي لأنه لا مانع من تفضيل الحرية والديمقراطية على تطبيق الشريعة !!! منذ متى ومن أجل ماذا وهل هناك برجماتية أكثر من هذا ؟ .
رابعا : عمل الإخوان المتسارع و المتصارع للتمركز( أخونة الدولة العميقة ) في مفاصل مؤسسات وهيئات الدولة العميقة من أمن وجيش وخارجية وقضاء وإعلام وغيرها بطريقة تخيف المواطن غير الملتزم معهم فكريا ولا أقول دينيا .
خامسا : عدم الاقتراب من كامب ديفيد ومبادرات السلام الأمريكية – القطرية – الإسرائيلية، هذا محور لا يمس حتى بالحديث اللفظي والإعلامي – ( عندما سئل رئيس حكومة المغرب الإسلامي عن موقفهم من كامب ديفيد – قال: نحن في مرحلة غير معنيين بالحديث عنها واصفا موقفهم التاريخي منها بالتوجس )، حتى ، العدوان الإسرائيلي الأخير على سوريا لم نر استنفارًا من الإخوان بل جاء الرد خجول وباهت، و جاء الغليان من التيار العلماني العام .
سادسا : نرى اليوم انقلابًا في الصورة والموقف؛ فنرى سكوتا وسكونا( في قضايا طالما عرفت بشرف الأمة ) من قبل التيار الإسلامي المشغول حتى النخاع في الكرسي ولذته، بينما نرى الرفاق والإخوة الوطنيين يمارسون دور المعارضة والممانعة ( فسبحان مغير الأحوال ).
سابعا : الإخوان يمارسون اليوم السياسة من أجل الحركة ومصالحها ومستقبلها وسلطانها ومكانتها وتوغلها وتغلغلها وانتشارها، وليس من أجل المثل العليا للأمة ومبادئها وقيمها وقضاياها كما سوق له فكريا وإيديولوجيا وإعلاميا ومنبريا .
" أن تقول أمرًا شيء وأن تعمله شيء مختلف تماما والفرق شاسع كالفرق بين السماء والأرض ".
النكبة.. ومسؤولية بريطانيا!
بقلم: فيصل ابوخضرا
بمناسبة اعلان دولة اسرائيل في ١٥ ايار سنة ١٩٤٨اردت ان اذكر بجريمة العالم الغربي والصهيونية ضد الشعب الفلسطيني التي ما زالت تداعياتها ماثلة ليومنا هذا، وابدأ من اعلان بلفور المشؤوم.
فقد اعلنت وزارة الخارجية البريطانية على لسان أرثر بلفور الاعلان التالي:
في الثاني من تشرين الثاني سنة 1917
"عزيزي اللورد روتشيلد"
يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".
وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.
المخلص
آرثر جيمس بلفور
وقد درج العالم العربي على قول الوعد والصحيح هو اعلان وليس وعد والفرق شاسع بين الوعد وإلاعلان:
١ ـ صيغة الاعلان واضحة تماماً هنا إذ تُوجَد هيئة حكومية (حكومة جلالـة الملك) تؤكد أنها تنظر بعين العطف إلى إنشـاء وطن قومي سيضم "الشعب اليهودي"، أي أنه تم الاعتراف باليهود لا كلاجئين أو مضطهدين مساكين، كما أن الهدف من الاعلان ليس هدفاً خيرياً ولكنه هدف سياسي (استعماري). كما أن هذه الحكومة التي أصدرت الاعلان لن تكتفي بالأمنيات وإنما سوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. هذا هو الجوهر الواضح للإعلان.
٢ ـ ثم تبدأ بعد ذلك الديباجات التي تهدف إلى التغطية، فقال الاعلان لن يضر بمصالح الجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بمصالح الجماعات اليهودية التي لا تود المساهمة في المشروع الصهيوني، بل تود الاستمرار في التمتع بما حققته من اندماج وحراك اجتماعي. وسنلاحظ أن الديباجات تتسم بكثير من الغموض إذ أن الاعلان لم يتحدث عن كيفية ضمان حقوق الشعب غير اليهودي في فلسطين.
اما النواقص في الوعود فهي كثيرة.
لايعقل ان يحدث شيء مثل "اعلان بلفور" في زمننا المعاصر، لا شك في ان ميزان القوى بين الغرب الصناعي ومناطق العالم الثالث لا يزال مختلا الى جانب الغرب. غير ان الكثير من الامور تغيرت تغيراً جذرياً. لقد صعدت حركات التحرر الوطني في كل مكان، من أقاصي اسيا الى أقاصي افريقيا وامريكا اللاتينية، وطردت الاستعمار من كل مكان، انما لايزال هناك استثناء واحد في العالم وهو الشعب الفلسطيني ، والذي لم يأخذ استقلاله الحقيقي بعد ان انتزع اعتراف العالم كلة بحدود ١٩٦٧م ، ولكن مع الاسف مازال حبراً على ورق .
لكن لا يعقل ان يحدث في زمننا مثل " اعلان بلفور" هذا الشيء الذي اختصره ارتور كوستلر في تعريفة الشهير له،(هو من الغرابة، ومن الخطورة، ومن الاحتقار لأبسط حقوق الشعوب، حتى حق بقائها فوق ارضها واحتفاظها بوطنها،بحيث لا يمكن تخيله في منظورها الراهن يمكننا رؤية ما تسعى اليه اسرائيل اليوم وهو نتيجة ذلك لطرد سكان الضفة الغربية المحتلة من ارضهم ) وما تسعى اليه لاحتلال جنوب لبنان تمهيدا لإبعاد شعبه أيضاً ونحمد الله انه لم يتمكن من ذلك لصلابة اهل جنوب لبنان في التمسك بأرضة.
اما ان نتخيل دولة كبرى مثل بريطانيا تعد علنا حركة لا تمثل شيئا يذكر في زمنها مثل الحركة الصهيونية، وحركة غريبة الاهداف حتى على من ادعت تمثيلهم، تعدها بأرض فلسطين العربية حيث لم يشكل اليهود (ومعظمهم من العرب) الا ٨ بالمئة من السكان ولا يملكوا الا ٢ بالمئة من الارض، فهو امر يتعذر على العقل المعاصر فهمة و فوق ذلك، عندما وعدت الصهيونيين بأرض فلسطين عام ١٩١٧م، لم تكن الارض تحت حكمها البتة بل كانت تحت حكم السلطة العثمانية، وقد استطاعت بريطانيا في ما بعد حمل الدول الكبرى على الموافقة على " اعلان بلفور" واستطاعت تكريسه دوليا عندما ادخلته الى النص الذي يوليها الانتداب على فلسطين والصادر عن"عصبة الامم"! لماذا كل هذه الحماسة البريطانية الضاربة عرض الحائط بالتحالف العربي- البريطاني في الحرب العالمية الاولى وما رافقة من تعهدات، والذاهبة عكس كل وعود "الحلفاء" ومبادئ عصبة الامم التي أقرت كلها حق الشعوب في التحرر و في تقرير مصيرها بنفسها وفي اختيار أشكال الحكم التي تريدها والتي تجسد هويتها الوطنية، ولماذا السير عكس التاريخ؟
ولماذا الوصول الى العداء ضد الشعوب العربية والى ذلك القدر من الامتهان لهويتها وكرامتها،
وليس هذا فقط ما يدهش في امر " اعلان بلفور" أيضاً هو كيف راهنت الحكومة البريطانية بصورة جدية على فكرة كانت من الغرابة لدى الجمهور البريطاني والرأي العام الغربي بحيث كانت مجهولة كلياً لديه، ولم يسمع بها من قبل .
فالظروف التاريخية التي أدت الى اعلان بلفور و من هم الاشخاص الذي رسموه وصنعوه وما هي الوسائل التي اوصلتهم الى غايتهم؟ اما بالنسبة الى الظروف التاريخية، هناك اولا، تداعي الامبراطورية العثمانية التي تحولت في القرن التاسع عشر الى " رجل اوروبا المريض" وفي هذا الظرف شاءت الأقدار ان تنشأ" الثورة الصناعية" وتبرز اولاً في بريطانيا ، والتي يمكن تحديدها اصطلاحاً بين ١٧٨٠ و ١٨٨٠م، وقد اعطت الغرب تفوقا علميا وتكنولوجيا وماديا وعسكريا سعي عبره الى أحكام سيطرته على العالم. وبينما كانت تبرز في اوروبا الفكرة القومية في الداخل، والفكرة الاستعمارية على مستوى العلاقة مع الخارج، كان الاعتقاد يقوى " بتفوق العرق الأوروبي و هو رسول الحضارة والرقي" الى سائر الشعوب. اما الاشخاص فهم زعماء مؤتمر بازل الذي عقد سنة ١٨٩٧ وعلى راسهم هرتزل الذي اخذ مكانة وايزمن وروتشيلد والوزراء في حكومة جلالة الملك المتعاطفون مع الصهيونية العالمية.
وكانت هذه الفكرة التحضيرية تخفي وراءها كل الأطماع الاستراتيجية والاقتصادية التي تراود احلام الغرب وتبررها في نظر أصحابها.
اما الكلام عن حق الشعوب " المحررة" في الاستقلال وحقها في تقرير مصيرها الذي راج لدى الحلفاء في الحرب العالمية الاولى والذي توجهت به بريطانيا الى الحركة العربية، فكان كلاما خادعا غير ذي معنى. كما ان أفكار الرئيس ولسن الامريكي " المثالية" لم تغير الكثير في جوهر النظرة الغربية الى الشعوب غير الأوروبية. لقد أقدمت الدول الاوروبية الكبرى على إحلال مفهوم الانتداب محل مفهوم الاستعمار حيث دعت الحاجة لذلك.
اما المضمون الاستعماري فبقي كما هو عليه. وكانت بريطانيا وفرنسا هما الاكثر تركيزا على الشرق الاوسط بين الدول الاستعمارية، تليهما روسيا وألمانيا وإيطاليا.
فما هو دور فلسطين في كل ذلك؟
بينما تحول الشرق هو أيضاً الى ميدان للعمليات الحربية في المواجهة الدائرة رحاها في العالم، كانت فلسطين مدرجة في مخططات سياسية اربعة:
اولا- المخطط الوطني العربي الذي يرى في انحسار الحكم العثماني عن الاراضي العربية الطريق الى الاستقلال ضمن دولة عربية تشمل المشرق العربي ( وفلسطين ضمنها طبعا).
ثانيا- المخطط الصهيوني الذي يهدف الى انشاء" دولة يهودية عن طريق الهجرة اليهودية اليها من كل مكان في العالم، خصوصاً من العالم الاوروبي، وإحلال الشعب اليهودي محل شعبها.
ثالثا- المخطط البريطاني الذي يريد السيطرة على فلسطين وادراجها في الاراضي العربية التي تطمح بريطانيا الى استعمارها بعد انهيار السلطنة العثمانية، خصوصاً بسبب وقوع فلسطين قرب قناة السويس التي كانت هاجس بريطانيا الاول، وبسبب موقعها المميز الجغرافي بين البحر المتوسط والداخل العربي.
رابعا- المخطط الفرنسي لان لفرنسا " الأولوية" في استعمار فلسطين بعد رحيل السلطنة العثمانية، من ضمن الاهتمام الفرنسي ب"المنطقة السورية" كلها، و من ضمن الاهتمام القديم بالأراضي المقدسة فضلا عن الموقع الجغرافي والاستراتيجي لفلسطين.
بين هذه التوجهات الاربعة حول فلسطين، وفي جو التحولات العاصفة بالمنطقة وبالعالم سرعان ما التقى وتحالف توجهان: التوجه البريطاني والتوجه الصهيوني.
يبدو مستغرباً ان تراهن بريطانيا عام ١٩١٧م على منظمة سياسية - دينية ناشئة وغامضة مثل المنظمة الصهيونية، وهي مرفوضة من قبل الأكثرية الكبرى من يهود اوروبا الغربية وامريكا. ويبدو مستغربا ان تعادي من اجلها الحركة الوطنية العربية والشعوب العربية وتنكث بوعودها وتصيبها في عمق امانيها. لكن ما يبدو مستغربا يتضح امره في ضوء الواقع: بصرف النظر عن سائر الاعتبارات كان هناك تناقض جوهري بين رغبة الحركة الوطنية العربية الى التحرر، والطموح البريطاني الى السيطرة الاستعمارية على هذه البلاد. كانت قوات الامير فيصل بن الحسين تقاتل جنباً الى جنب مع قوات الجنرال اللنبي ضد الاتراك وفي ذهنها ان التحرر التاريخي من الحكم التركي سيقود العرب بصورة حتمية الى الاستقلال ولم يكن الشريف حسين ليسلك هذا الطريق لولا التعهدات البريطانية الخطية الحاسمة في هذا المجال.
لكن بريطانيا كانت تضمر منذ البداية عدم الوفاء بتعهداتها. ولم يكن يهمها من ذلك الا مساهمته العسكرية والسياسية والدينية في الحرب ضد الاتراك والألمان. كانت الوعود البريطانية مجرد تكتيك لكسب الحرب العالمية ليس اكثر.
ومن بعد ذلك تلبية مطالب الصهيونية وهي اقامة دولة يهودية في فلسطين.
اما الفلسطينيون فقد كانوا غائبين عما كان يجري في الخفاء، لانه ليس من المعقول و المنطقي ان يكون ٩٢ بالمائة من الارض الفلسطينية ملكا لعرب فلسطين ، ويعتبروهم جماعات غير يهودية لا توجد صفة اخرى لهم ولا كيان ولا هوية. وعندما طالب المندوب الفرنسي خلال مباحثات الدول الحليفة الكبرى حول تقاسم المنطقة العربية ومصير فلسطين والانتداب البريطاني عليها، وإدخال " اعلان بلفور" الى وثيقة الانتداب نفسها ، طالب بإضافة الحقوق السياسية على الحقوق المدنية والدينية، رفض الطرف البريطاني بشدة هذه الإضافة .
ان الحكومة البريطانية لم تتعهد فقط بان تقيم لليهود في فلسطين وطننا كان يعني في مضمونه الحقيقي " دولة يهودية" بل تعهدت أيضاً كما هو وارد في اعلان بلفور بانها ستبذل كل جهودها لتحقيق هذه الغاية.
فبذلت كل جهودها حقاً: أدخلت الاعلان الى وثيقة الانتداب التي كرستها في " مؤتمر سان رامون" في نيسان عام ١٩٢٠م، ثم في عصبة الامم في تموز ١٩٢٢ م، وأقامت على تلك الوثيقة كل سياساتها خلال ربع قرن من الحكم البريطاني المفروض على فلسطين.
فما هي وثيقة الانتداب تلك؟ انها الوثيقة المخجلة التي فيها من الظلم والعار والخزي في تناقضها مع ابسط الحقوق البشرية،خصوصاً من دولة تعتبر نفسها حامية للديمقراطية في العالم ومن ثم تسلخ شعبا عاش على أرضه منذ آلاف السنين وتضرب عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية والإنسانية حقه والاحتفاظ بأرضه وبوطنه، والتي يستحيل العثور على ما يماثلها بين وثائق هذا القرن. وهكذا قد نكست بريطانيا بكل العهود المكتوبة والموقعة من اكبر مستعمر في تاريخ البشرية.
وحتى يومنا هذا مازالت بريطانيا تتنصل من كل دعم في المحافل الدولية وعلى رأسها الامم المتحدة، وتدعم السلطة الفلسطينية على استحياء واخرها إرسال السيد بلير ليكمل مهزلة بريطانيا بدعم السلطة الفلسطينية بالكلام فقط، فأين هي المثل العليا التي يتكلم عنها الغرب وعلى راسها بريطانيا والتي هي وليس غيرها سبب نكبتنا الى يومنا هذا؟!
القدس... إلى أين؟
بقلم: محمد عبيد
السلطات الإسرائيلية ماضية في مخططها لتهويد القدس ، وإلغائها من التاريخ، وتحثّ الخطى لتنفيذ مشاريعها فنسمع ونقرأ يومياً عن مشروع يلي المشروع، وعن عقبة تضاف إلى عقبة في طريق استعادة المدينة .
آخر الأخبار إعلان الجانب الاسرائيلي عزمه على تشييد أكاديمية عسكرية في جبل المكبر المقدسي، وتأكيده أنها ستكون جاهزة خلال عام على الأكثر، ومن قبل ذلك، الكشف عن شبكة طرق متشابكة أسسها تمنع وتلغي أي إمكانٍ لاستعادة المدينة، وما إلى ذلك من مخططات التمدد الاستيطاني،والتهجير والتضييق على الصامدين من المقدسيين .
بالأمس القريب احتفل المسيحيون في القدس بعيد الفصح، ورأينا وقرأنا عن انتهاكات ومضايقات اسرائيلية متعددة وكيف أنه طال رجال الدين والحجيج إلى المدينة المقدسة، ومنعوا المسيحيين من أداء شعائرهم والاحتفال بعيدهم .
وبالأمس الأقرب، شدد الجانب الاسرائيلي قيوده على المسجد الأقصى المبارك، فمنع حتى المقدسيين من الوصول إليه لأداء صلاة الجمعة، ومن قبل ذلك اقتاد مفتي الديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين للتحقيق معه بتهمة “التحريض”، غداة الكشف عن عزم السلطات الاسرائيلية على إقرار “قانون” يسمح للمتطرفين بالصلاة في المسجد الأقصى..
تعدت القدس مرحلة الخطر المحدق، إلى مرحلة خطر المحو والاندثار، والمخططات والخطوات التي يتخذها الجانب الاسرائيلي يومياً تثبت الأمر أكثر من أي وقت مضى، وردود الفعل الخجولة التي لا تغادر خانة التنديد واستجداء المنظمات الدولية المرتهنة للمشيئة الاسرائيلية تتواصل من دون أدنى إحساس بفداحة الوضع، والمرحلة الحرجة التي وصل إليها .
الأنكى من هذه الانتهاكات الاسرائيلية المتعددة استمرارُ تمزق الجسد الفلسطيني وانقسامه على ذاته، وتواصل حرب الكلام والاتهامات بين طرفي الانقسام فتح وحماس، والأنكى أيضاً أن كلاً من الطرفين المتصارعين يشغل الشارع ونفسه على طريقته، في غزة تفتح الأبواب على مصاريعها لاستقبال يوسف القرضاوي، ومن ثم منحه “جنسية فخرية” على طريقة الدول المستقلة ذات السيادة، وتقام المهرجانات الجماهيرية كما لو كان الأمر احتفالاً بالصلاة في الأقصى .
ويتم التلهي بأحاديث المصالحة وإنهاء الانقسام، ويتلهى الشارع بالأمر ذاته إلى جانب الأوضاع الاقتصادية المتردية، وأزمات أخرى، على رأسها تواصل سلب الأراضي لمصلحة الاستيطان، والهجمة من المستوطنين على الشعب الفلسطيني ومقدراته وحقوقه.
وعلى المستوى الإقليمي يغدو الوضع أكثر حرجاً، فدبلوماسية الشجب والاستنكار والتنديد استراتيجية مزمنة، وثبات المواقف من قضايا كثيرة يجد نقيضه على مستوى مسيرة التسوية، ولا يكتفي الجانب الاسرائيلي الذي طالب العرب بعد التنازل الأخير بالاعتراف بما يسمى “يهودية الدولة” كشرط مسبق لأي تسوية، فأي تسوية ننتظر؟ وأين ستكون القدس منها؟
انا المقتولة ظلماً!
بقلم: عيسى قراقع
انا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف ،لأني امرأة أمارس إنسانيتي وحريتي ، لي صوتي وجسدي وأحلامي، ارفض أن أكون أسيرة لرجل يدعي أنه يملكني، يضربني متى يشاء ويستبيح جسدي متى يشاء، يسجنني بين السرير وذكوريته المطلقة، يغرز سكينة في رقبتي عندما أتمرد أو احتج أو اشتكي، ويدعي بعد ذلك أمام قبيلته أنه غسل العار بالدم.
أنا خائفة ومرتعبة، أحبس أنفاسي كل ليلة وأصبر على جنون هذا الرجل الذي يهشمني ويدمرني، ويستغل تحملي لأجل الأطفال والأسرة والحياة، وعلي أن أظل المرأة المطيعة، ظل زوجها،ذيله، المشكوك فيها دائما ، الناقصة الأضلاع والعقل، الجاهزة دوما لإرادته وجبروته، محروم علي الضعف والبكاء والتذمر ، لا أحد يسمع ويرى، وباسم السترة والسمعة وثقافة الغالب على المغلوب أذبح في ذلك الصمت.
انا المقتولة أعلاه ميناس قاسم، الفتاة التي خطفت وقتلت على يد قراصنة سفاحين ، وقد وجدتموني جثة هامدة في أحد الوديان، لم يسألني أحد ماذا جرى معي، ما لون الفزع ورائحة الموت، ليبدأ التأويل والتحليل والإشاعات دون تهمة أو محاكمة ، لأموت مرتين وتموت عائلتي ألف مرة، ويبدو أن موت الأنثى يرتبط في ثقافتنا وخيالنا الذكوري بالشرف ليعطي غطاء وتبريرا لتحليل الجريمة ، ما دامت المقتولة أنثى، والفتاة جميلة.
انا المقتولة أعلاه الطالبة آية برادعية، وجدتموني متحللة في بئر ماء بعد 13 شهرا من اختطافي، قتلني رجال متوحشون ينطقون باسم الله في الأرض ،لم يستجيبوا لتوسلاتي ، حكموني بالإعدام دون شهود أو دفاع وخنقوني، أشكالهم صحراوية، وعيونهم تطفح بالقسوة كأنها وحوش كاسرة، انتصروا علي، ربطوني وزجوني في قاع البئر العميق.
لم أجد أحدا، ناديت على أبي وعلى إخوتي ليخرجوني من هذا الجب، لست يوسف ولا الفاعلون إخوتي، ولا أحد عشر كوكبا فوق رأسي ، وكأني رأيت القتلة يتوضأون ويقيمون بعد ذلك الصلاة،، معتقدين أنهم سلكوا الطريق إلى الجنة، وأنا سلكت الطريق الذي اختاروه إلى جهنم.
انا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف، قلت للقاضي في قاعة المحكمة: هم الذين اغتصبوني وهددوني، وعندما اكتشفوا أني حامل أرادوا أن يذبحوني لإخفاء الفضيحة، لم أجد دورا للحماية تحميني من رواية الرجال وملاحقتهم، ولم يصدق أحد أني بريئة وضحية ما دام الرجل يقف في الساحة، والعذر المبرر مصير القاتل والمعتدي، وعلي أن أقبل موتي ومصيري، لأن قانون العقوبات الفلسطيني ينطق باسم الرجال، والمرأة لازالت في أساطير الكراهية هي مصدر الخطيئة.
انا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف، حبسني زوجي وأقاربي لأكثر من عشر سنوات في تلك السقيفة ، تحولت إلى دابة، نسيت أنوثتي وأن خلف الباب حياة وكلام وبشر وسماء ، كان هناك سجان يلقي علي الطعام من تحت الباب المغلق، وعندما عثرت الشرطة علي أصابهم الرعب، رأوا كائنا حيا يشبه الوحش، ولم يصدقوا أن هذا الوحش هو امرأة أوصى بها الله والأنبياء، وقالوا عنها أنها نصف المجتمع وينبوع الحياة.
انا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف، واحدة من 14 امرأة قتلن خلال عام 2013، مجزرة نسائية باسم المجتمع والدين وثقافة وأد البنات، باسم الأب الذي يحق له اغتصاب ابنته ويبقى بريئا، وباسم الزوج الذي يحطم رأس زوجته ويبقى بريئا، وباسم المنحرفين والمعاكسين والمتنفذين والمتحرشين الذين يروضون القوانين والأقاويل، فيشبعون بالنساء بغرائزهم المقيتة، ويشبعون منهن بخناجرهم التي تقطر دماء.
انا نانسي زبون التي ذبحت من الوريد إلى الوريد في عز النهار وأمام المارة في الشارع، لأني هربت من زوج لا يحمل سوى العصا، تمردت على حدود رغباته العنيفة، رفضت إرهابه وقمعه المتواصل لي أمام أطفالي ، ولأني امرأة ليست دونية كما يعتقد ولست إطارا لرجل يمنع مشاعري من السيولة ، سحلني أمام الناس كخروف يملكه باسم القانون والعادات والتقاليد وشرف العائلة.
قلت في شهادتي أمام طاقم شؤون المرأة والتجمع النسوي في فلسطين: أن الرجال يعتقدون أن المرأة ليست أكثر من جسد وغشاء بكارة، وأن شرف المرأة يصبح ملكا للرجل، وهي ليست أكثر من وسيط صامت بين جسدها وشهواته، فهو المسؤول عن سلوكها وأنفاسها، المعزولة وفق عقليته مكانيا وزمانيا وروحيا، وهذا اكبر من مجرد تمييز ضد نوع اجتماعي آخر أو انتهاك لحقوق الإنسان فقط، بل تكريس جريمة القتل كجنحة عادية وأمر طبيعي، وفي ظل سياسة العذر المحلل، والوعي المشوه الذي يسمح بانتهاك الحق المقدس بالحياة.
قلت لهم: الرجال لا يعرفون الحب، يعزفون على موسيقى الغزل والولع والشغف والوله بالبنات كذبا وزورا ، وما الحب بالنسبة لهم سوى مصيدة كي تأتي المرأة منصاعة إلى بيت العبودية ، ينصبون أنفسهم على عرش حياتها ومشاعرها و أحلامها ، المرأة تعتقد أن حياتها اكتملت بالرجل، بينما الرجل يعتقد أن حياته اكتملت بالسيطرة على روح المرأة وحشرها في خزانته ومسدسه.
انا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف، وهذا الشرف مرتبط فقط بالمرأة وليس بالرجل، لأن الرجل محصن تماما، يغتصب طفلة عمرها 12 عاما ويقتلها ويبقى شريفا ، وآخر يقتل ابنته الناجحة في امتحان التوجيهي لأنها بدأت تحلم بالمستقبل ويبقى شريفا، وجميع هؤلاء الشرفاء من الرجال وغيرهم يحظون بعقوبة مخففة أو عفو من السجن ، وبعودة مظفرة ومبهرة إلى البحث عن ثمار ناضجة لساديتهم المخيفة.
يا سيدي القاضي ، انا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف
سنصير شعبا حين نفرق بين الحب والرذيلة
سنصير شعبا حين ننسى ما تقوله لنا القبيلة
سنصير شعبا حين تسمعني جيدا وتقرأ معي التفاصيل الصغيرة
سنصير شعبا حين تصير المفاهيم خضراء ويبتسم الوطن لكل امرأة جميلة..
سنصير شعبنا حين نحطم الأصنام وتسألنا عما فعلت كل موؤدة قتيلة
أطراف النهار: شيلي في "المقاطعة".. "ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ"!
بقلم: حسن البطل عن جريدة الأيام
بأي صفة التقت شيلي يحيموفتش رئيس السلطة محمود عباس؟ هل كزعيمة المعارضة في الكنيست 19 أم كرئيسة الحزب الثالث؟
قصدت شيلي الاجتماع بلا مرافق، لا من حزبها ولا من أحزاب المعارضة، وجرى الاجتماع بلا صورة، ونشر الخبر في صفحة شيلي على "الفيسبوك".. وإذاً؟
على الأغلب، ذهبت إلى أبو مازن في زيارة "ندم واعتذار" غايتها تحسين فرص فوزها في انتخابات الحزب المقبلة.. لماذا؟
انتخبت شيلي يحيموفتش في أيلول الفائت، منتصرة على عمير بيرتس، و"مهزومة" في انتخابات الكنيست 19 في كانون الثاني، فقد كانت تتوقع المكانة الثانية لحزبها في الصناديق، فاحتل يائير لبيد هذه المكانة.
فوز لبيد (يوجد مستقبل) كان هزّة إسرائيلية سياسية، لكن سبقتها هزّة أصغر هي استقالة بيرتس من الحزب، وانضمامه الى حزب "الحركة ـ تنوعا" بزعامة تسيفي ليفني، الزعيمة السابقة لحزب "كاديما" الذي "بَنْشَر" من أكبر حزب إلى حافة التلاشي!
لماذا خطف لبيد المكان الثاني، ولماذا ترك بيرتس حزباً كان يترأسه؟ ركب لبيد تيار "الاحتجاج الاجتماعي" داعيا.. إلى "الإسرائيلية الجديدة" للطبقة الوسطى.. ومن ثم، "خطف" من حزب "العمل" مقعدين.
بيرتس ترك الحزب احتجاجاً على برنامج يحيموفتش الانتخابي، الذي يقدم الجانب الاجتماعي ويؤخر الجانب السياسي، أي موضوع المفاوضات مع الفلسطينيين.
تقول يحيموفتش إن حزب "ميرتس" خطف منها مقعدين، إضافة إلى مقعدين خطفهما حزب لبيد.. وربما مقعد خامس خسرته بعد انضمام النقابي أبو الشوارب "بيرتس" لحزب تسيفي ليفني.
بشكل عام، كان رؤساء حزب "العمل" منذ استقالة ايهود باراك، أكثر جنوحاً لحل سياسي تفاوضي مع الفلسطينيين، مثل الجنرال عميرام متسناع، قائد الضفة الغربية زمن الانتفاضة الأولى، ورئيس بلدية حيفا (بأصوات الفلسطينيين) وعمير بيرتس زعيم "الهستدروت" السابق.
باستثناء ثلاثة أحزاب إسرائيلية ـ صهيونية هي: "الليكود" و"العمل" و"ميرتس" فإن باقي الأحزاب هي، تقريباً، حزب زعيم الحزب، ومنها حزب لبيد، وحزب نفتالي بنيت (البيت اليهودي) وبالطبع، حزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة الفانفستر أفيغدور ليبرمان.. وأيضاً الأحزاب الدينية.
حافظت الصحافية يحيموفتش على كلمتها بأنها لن تكون شريكة حكم مع حزب الليكود ـ بيتنا، ولكنا ستقدّم دعماً للحكومة برئاسة نتنياهو إذا عقد العزم على السير في طريق "الحل بدولتين".
أما زعيمة المعارضة السابقة تسيفي ليفني فكانت أوّل من ينضم لائتلاف برئاسة الليكود ـ بيتنا، بذريعة العمل للسلام من داخل الحكومة، ومن ثم صارت تحمل ملف المفاوضات مع الفلسطينيين، إضافة إلى حقيبة وزارة العدل.
زعيم "البيت اليهودي" وهو حزب المستوطنين نفتالي بنيت (11 مقعداً) يهدّد بالانسحاب من الحكومة إن أفضى المسار السياسي مع الفلسطينيين إلى اتفاق ما، وفي هذه الحالة تعهدت يحيموفتش أن تحلّ مكانه في الحكومة مع 15 مقعداً.
حليف حزب "البيت اليهودي"، أي حزب ("يوجد مستقبل" ـ "يش عتيد") يائير لبيد مشغول بالنجاح كوزير مالية، كخطوة نحو خلافة نتنياهو في المستقبل. إنه لا يعارض التفاوض، لكن قد يعارض نتيجة التفاوض إذ أسفرت عن دولة فلسطينية مستقلة فعلاً.
يترأس نتنياهو في ولايته الثالثة، كما ولايته الثانية أكثر الحكومات الإسرائيلية استقراراً، وبخاصة بعد أن عدّل الكنيست نظام "تصويت حجب الثقة" مشترطاً مشاركة 61 صوتاً، وكذلك رفع نسبة الحسم من 2% إلى 4% في انتخابات الكنيست المقبلة 20 الأمر الذي يطرح تحدي الاندماج على الأحزاب العربية.
وعلى ذلك "يا جبل ما يهزّك ريح" لا من شركاء الحكومة في الائتلاف، ولا من أحزاب المعارضة.. حتى لو استقالت ليفني من الحكومة، فإن نتنياهو قد يستبدلها بأصوات أحزاب دينية وليس بأصوات نواب حزب "العمل".
نتنياهو باقٍ "ملك إسرائيل" أربع سنوات أخرى.. سواء بحل تفاوضي مع الفلسطينيين أو بدونه على الأرجح... "إن شراً فشر.. وإن خيراً فخير".
طبخة كيري
بقلم: هاني المصري
جون كيري، وزير الخارجيّة الأميركي، لديه حلم بأن بمقدوره تحقيق ما عجز عن تحقيقه أسلافه الذين سبقوه خلال عشرات السنين، وهو التوصل إلى حل للصراع العربي الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
على ذمة الراوي، قال كيري لعدد من أصدقائه وزعماء المنطقة في مستهل ولاية أوباما الأولى بأن أميركا ستتوصل إلى حل لأزمة الشرق الأوسط في الفترة الرئاسيّة الثانية، فكأنه كان واثقًا من فوز أوباما مجددًا، ويخطط منذ ذلك الوقت للحصول على منصب "وزير الخارجيّة".
منذ استلامه منصبه، أعطى كيري اهتمامًا كبيرًا للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فقام بجولات عديدة في المنطقة خلال أشهر قليلة، بالرغم من أن هذا الملف ليس من أولويات الإدارة الأميركيّة، فبعد الأولويات الداخليّة، التي أبرزها الأزمة الاقتصاديّة، هناك الأولويات الخارجيّة، مثل العلاقات مع دول آسيا الكبرى، وخصوصًا الصين وكوريا الشماليّة وأفغانستان، والملف النووي الإيراني، وروسيا، وأوروبا، والمتغيرات العربيّة، خصوصًا ما يجري في مصر وسورية، وبصورة خاصة السلاح الكيماوي واحتمال استخدامه، أو وقوعه في أيدي جماعات متطرفة، أو إلى حكم غير مناسب في سورية أو إلى حزب الله.
طلب كيري من الرئيس عباس تجميد توجهه الأممي، وأن يمنحه فرصة شهرين ليتمكن من التوصل إلى صيغة تسمح باستئناف المفاوضات، وكان له ما أراد، والفترة تكاد أن تنتهي من دون أن يحقق هدفه، وأفادت مصادر رسميّة فلسطينيّة وغيرها، أن كيري – الذي لم يطرح خطته حتى الآن – طلب تمديد المهلة لمدة أسبوعين أو أكثر.
تتميز حركة كيري بما يأتي:
- يحيط بجهود كيري جدار سميك من السريّة، بحيث لا يتسرب منها سوى القليل.
- اختار كيري إقناع إسرائيل وليس الضغط عليها، وذلك يتطلب تبنيًا جوهريًا للرؤية الإسرائيليّة للحل، آخذًا العبرة من فشل رئيسه أوباما في بداية فترة رئاسته الأولى عندما حاول الضغط عليها لوقف الاستيطان ولم يحصد سوى الريح.
- قام كيري بالضغط على الفلسطينيين والعرب، مطالبًا بتغيير وتعديل مبادرة السلام العربيّة لكي تقبلها إسرائيل، وذلك من خلال: إضافة مبدأ تبادل الأراضي (وليس تعديل الحدود) كما حاولت أوساط فلسطينيّة وعربيّة أن توحي، خلافًا للحقيقة بعد المعارضة الواسعة للتنازل الذي قدمه الوفد السباعي الممثل للجامعة العربيّة؛ وتعاون إقليمي، بمعنى البدء بتطبيق مبادرة السلام العربيّة فيما يتعلق بتطبيع العلاقات العربيّة معها قبل التوصل إلى اتفاقيّة سلام، بحجة أن إسرائيل بحاجة إلى طمأنة بعد عدم الاستقرار التي تشهده المنطقة بفعل الثورات العربيّة؛ وتغيير ما هو وارد بها بخصوص القدس، بما يسمح بتقسيم القدس الشرقيّة وفقًا لمبادرة كلينتون؛ وبخصوص اللاجئين من خلال التخلص من العبارات التي تشير إلى "حل عادل" و"حق العودة" وقرار 194؛ والاعتراف العربي بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
- يسعى كيري إلى توفير غطاء ومشاركة عربية لأنه يدرك أن الفلسطينيين لا يستطيعون تقديم التنازلات الجسيمة المطلوبة منهم من دون ذلك، لهذا السبب نراه يركز على تغيير "مبادرة السلام العربيّة" منذ البداية.
وفي هذا السياق جاء توقيع الاتفاقيّة الأردنيّة – الفلسطينيّة المفاجئة حول المقدسات في القدس، التي أخرجتها رسميًا من ولاية الفلسطينيين، وأدخلت الأردن كطرف مفاوض؛ لتمكين كيري من تفكيك قضيّة القدس "عقدة العقد" إلى أجزاء يمكن التعامل معها بسهولة.
- طلب كيري من عباس تجميد الجهود لإنجاز المصالحة الفلسطينية، لأن تحقيقها قبل أن تعترف "حماس" بشروط الرباعيّة يعطل جهود استئناف المفاوضات ويقوّي "حماس"، وهذا غير مطلوب.
- تتضمن رؤية كيري العمل على ثلاثة مسارات بصورة متزامنة ومتوازية، السياسية والأمنيّة والاقتصاديّة، وعندما فشل في الحصول على شيء جوهري من الحكومة الإسرائيليّة على المسار السياسي أخذ يركز على المسار الاقتصادي، ووعد برزمة مشاريع اقتصاديّة، وتسربت أنباء مخادعة عن المليارات التي ستُصَب، وأعلن عن موافقة عباس ونتنياهو على ذلك، وهذا يدل على تغير في الموقف الفلسطيني السابق الذي كان يرفض التركيز على الاقتصاد خشية من الانجرار إلى "السلام الاقتصادي" الذي دعا إليه نتنياهو منذ البداية.
- ركّز كيري على البدء بالتفاوض حول الحدود والأمن في محاولة لتذليل الخلاف حول تجميد الاستيطان الذي حال دون استئناف المفاوضات طوال السنوات الماضية.
رهان كيري الأساسي هو على أن العرب الآن في أسوأ أحوالهم في ظل ما انتهى إليه "الربيع العربي" حتى الآن، من مفاقمة تبعية العرب وتجزئتهم وتفتيت بلدانهم وانشغال كل بلد بشؤونها وصراعاتها الداخليّة، وفي ظل حاجة بلدان الخليج لوقف امتداد "الربيع العربي" إليهم، ووقف التهديد الإيراني الذي يتم تصويره كخطر دائم وأولويّة تسبق أولوية الصراع مع إسرائيل والمشروع الاستعماري الذي تمثله في المنطقة.
كيري سيقدم لإسرائيل صفقة مغرية جدًا يعتقد أنها لا يمكن أن ترفضها بسهولة وهي إقامة تحالف عربي أميركي إسرائيلي ضد إيران، وفتنة سنية شيعية، وفتنة أردنية فلسطينية، وفلسطينية فلسطينية، وأردنية أردنية، وتغيير "مبادرة السلام العربيّة" لكي تصبح مبادرة "إسرائيليّة"، تبدأ باستعداد العرب لتطبيع العلاقات معها والموافقة على مبدأ تبادل الأراضي، وما يعنيه ذلك من شرعنة للاستيطان ولتقسيم القدس والضفة الغربية، وتنتهي بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وإسقاط قضية الجولان المحتل كليًّا من المفاوضات، وترتيبات أمنية كاملة لإسرائيل، وبتوقيع معاهدة سلام عربية - إسرائيلية.
إن العقبة الكأداء في وجه نجاح جهود كيري أن إسرائيل بالرغم من الاغراءات الهائلة المقدمة لها يمكن ألا تقبل بهذه الصفقة، لأنها تعتقد أن بإمكانها الحصول في المستقبل بعد استمرار تداعيات "الربيع العربي" على صفقة أفضل منها. كما أن جزءًا كبيرًا مما هو مطروح عليها في هذه الصفقة تحت قبضتها فعلًا.
إن ما سبق يفسر ردة فعل نتنياهو على قبول الوفد السباعي لتبادل الأراضي الذي يشكل تنازلًا عربيًا كبيرًا يضاف إلى التنازلات السابقة بما فيها الموافقة الفلسطينية على هذا المبدأ، بقوله "إن أصل الصراع ليس على الأرض بل على إسرائيل وضرورة الاعتراف بها كدولة يهوديّة"، فالأرض كلها بيد إسرائيل ولا تحتاج إلى مبادلة أراضٍ فيها بل تحتاج إلى الاعتراف بأنها أرض "إسرائيل الموعودة"، وبعد ذلك يمكن وأشدد على كلمة "يمكن" أن توافق على التخلي عن السيطرة على السكان، ولكن ضمن ترتيبات وضمانات تسمح بأن لا تقوم لـ "الدولة الفلسطينيّة العتيدة" قائمة لا الآن ولا في المستقبل.
إسرائيل تتذرع بالدفاع عن موقفها المتعنت بأن أي اتفاق مع العرب غير مضمون في المستقبل في ظل ما أكدته الثورات العربيّة بأن لا شيء ثابت في المنطقة، لا الشعوب ولا الحكام ولا البلدان، وأن إسرائيل لا يمكن أن تراهن على توقيع اتفاقيات مع حكام معرضين للسقوط، خصوصًا وهي تدرك الآن أن أهميتها في الإستراتيجيّة الأميركيّة والغربية للمنطقة ازدادت كثيرًا، فهي الحليف الدائم والموثوق في المنطقة.
إضافة إلى ما تقدم، فإن الإدارة الأميركيّة التي فشلت سابقًا في إقناع إسرائيل بتجميد الاستيطان ستفشل بإقناعها في التفاوض والاتفاق على الحدود، إلا إذا هبط السقف الفلسطيني والعربي إلى الحضيض أكثر، وهذا ما حصل حتى الآن، حيث رفض نتنياهو المقاربة الأميركية ويطالب بالاتفاق على إعلان مبادئ أولًا، يتضمن الإطار العام للاتفاق حول القضايا الأساسية، وخصوصًا فيما يتعلق بضرورة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وإنهاء الصراع والكف عن المطالب، وترتيبات أمنية تضمن إسرائيل في المستقبل.
فليس لدى نتنياهو ما يخشاه إذا استمر في تعنته، لأنه يعني استمرار الأمر الواقع المناسب لإسرائيل في ظل عدم وجود خيارات وبدائل عربية أخرى، بعد أن حصل الفلسطينيون على الدولة المراقبة وتصرفوا هم والعرب بعد ذلك وكأن شيئًا لم يحصل.
إن الخطورة تكمن في استمرار اللهاث الفلسطيني والعربي وراء التوصل إلى حل من دون أن يملك العرب أوراق القوة التي تفرضه، مما يجعلهم مستمرين في مسلسل لا ينتهي من التنازلات، وبدلًا من حل نهائي خلال عام أو عامين كما يبشر كيري، سنجد أنفسنا أمام استمرار الأمر الواقع تحت غطاء الاستثمارات الاقتصادية المليارية والكونفدرالية مع الأردن وخطوات بناء الثقة، أي استمرار الحلول الانتقالية التي تصفي القضية الفلسطينية على دفعات إلى أن تنضج الظروف لتصفيتها مرة واحدة.
إن الخشية الحقيقيّة ليست من فشل كيري وإنما من نجاحه، لأن ذلك يعني التوصل إلى تصفية للقضيّة الفلسطينيّة تحمل اسم "تسوية"، وما هي كذلك على الإطلاق، والرهان الفلسطيني والعربي لإفشالها ليس على أنفسهم، بل على إسرائيل.
"إنجاز" كيري!
بقلم: جواد البشيتي
وإنَّه لـ "إنجاز"، يَرْجع الفضل فيه لوزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري، الذي يَعْمَل بـ "تأنٍّ"، و"بلا تَسَرُّع"، و"بعيداً عن الأضواء"، لإعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى "مفاوضات السلام" المتوقِّفة منذ سنة 2010. ويُتَوقَّع أنْ ينجح كيري في حَمْل الطَّرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) على استئناف المفاوضات عمَّا قريب.
وهذا "الإنجاز" إنَّما هو "إقناع" كيري لأعضاء لجنة مبادرة السلام العربية بقبول حلٍّ نهائي لمشكلة الحدود بين الدولتين (إسرائيل وفلسطين) يقوم على إدخال تعديلات على خطِّ الرابع من حزيران 1967، بما يسمح بـ "تبادُلٍ طفيفٍ، متساوٍ، متَّفَق عليه، للأراضي بينهما"؛ ولقد "اقتنعوا"، فزاروا واشنطن ليُبْلِغوا إلى كيري (وغيره من مسؤولي إدارة الرئيس أوباما) قبولهم هذا "الاقتراح"، أو "الطَّلب"، لعلَّه ينجح في "إقناع" نتنياهو بأنْ يُبادِل هذه "الحسنة (العربية)" بمثلها، وبما يسمح باستئناف "مفاوضات السلام" بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ وثمَّة زيارة أخرى لواشنطن يقوم بها وفد عربي، في التاسع والعشرين من أيار الجاري، للقاء الرئيس باراك أوباما ووزير الخارجية كيري.
و"المُنْتَظَر" الآن عربياً هو أنْ يُوفِّق هذا "الإنجاز" كيري إلى إنْطاق لسان نتنياهو بـ "الكلمة السِّحرية"، وهي إعلانه قبول "حل الدولتين على أساس حدود 1967"؛ فإذا قَبِلَ ذلك أصبح ممكناً التفاوض على "تعديل هذه الحدود"، وعلى "تبادُل الأراضي (الطفيف، المتساوي، المُتَّفَق عليه)"؛ فرئيس الوزراء الإسرائيلي، وفي طريقته الخاصة، قَبِلَ، من قَبْل، مبدأ "حل الدولتين"؛ لكنَّه لم يُعْلِن بَعْد (وربَّما لن يُعْلِن أبداً) قبول هذا الحل "على أساس حدود 1967".
الفلسطينيون، وفي أثناء مفاوضاتهم مع إسرائيل، والتي انهارت سنة 2010، قَبِلوا، من حيث المبدأ، حلَّ "مشكلة الحدود"، وحلَّ "مشكلة المستوطنات"، من ثمَّ، من طريق "التبادل الطفيف والمتساوي والمٌتَّفَق عليه للأراضي"؛ لكنَّهم أوضحوا أنَّ على إسرائيل في المقابل أنْ تَقْبَل مبدأ "حل الدولتين على أساس حدود 1967"، وأنْ تتمتَّع دولتهم بـ "السيادة"؛ فأين هو، من ثمَّ، معنى "الإنجاز (الجديد)" الذي أحرزه كيري؟.
كيري يَعْلَم أنَّ من الصعوبة بمكان أنْ ينطق نتنياهو بتلك "الكلمة السِّحْرية"، وأنْ يُبْلِغ إلى الفلسطينيين أنفسهم قبوله "حلَّ الدولتين على أساس حدود 1967"؛ فيَمَّم وجهه شطر الدول العربية الأعضاء في لجنة مبادرة السلام العربية، مُفْتَرِضاً، أو متوقِّعاً، أنْ يُسَهِّل قبول "اللجنة" مبدأ "تبادل الأراضي" على نتنياهو قبول "مبادرة السلام العربية"، وقبوله، من ثمَّ، وضِمْناً، "حل الدولتين على أساس حدود 1967".
لكنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يرى في هذا "القبول العربي" "إنجازاً (لكيري يُعْتَدُّ به)" إذا لم تُعَدَّل "مبادرة السلام العربية" نفسها بما يجعلها متّضَمِّنة، في صلبها، عبارة "قبول الدول العربية مبدأ تبادل الأراضي".
نتنياهو، وفي عبارة مُلْتَبَسة المعنى، وقابلة لتفسيرين متناقضين، قال، أو نُسِبَ إليه القول، بعد إعلان "اللجنة العربية" قبولها (باسم االدول العربية جميعاً) مبدأ "تبادل الأراضي"، إنَّ "أصل النزاع" مع الفلسطينيين ليس "الأرض"، وإنَّما "رفضهم الاعتراف بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية"، مُعْتَبِراً هذا الرَّفْض رَفْضاً لمبدأ وجود إسرائيل نفسه.
وهذا القول لنتنياهو قابِلٌ لإعادة صوغه على النحو الآتي: لن تكون بيننا وبين الفلسطينيين مشكلة أراضي، أو مشكلة حدود، إذا ما أعلنوا اعترافهم بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية.
لكنَّ نتنياهو يَعْلَم أنَّ الفلسطينيين لا يستطيعون شراء "مرونته الإقليمية"، أيْ مرونته في حل مشكلة الأراضي والحدود، بهذا "الثَّمن الباهظ"، أيْ بثَمَن اعترافهم بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية.
رئيس الوزراء الإسرائيلي، وفي "مرونته التفاوضية القصوى"، يمكن أنْ يقول الآن إنَّ مطلبه أنْ يعترف الفلسطينيون بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية ليس اشتراطاً يشترطه لاستئناف "مفاوضات السلام"؛ لكنَّ هذا المطلب سيَغْدو اشتراطاً تشترطه إسرائيل لتوقيعها اتفاقية للحل النهائي مع الفلسطينيين.
الفلسطينيون، ومُذْ توقَّفت آخر مفاوضات لهم مع إسرائيل، يُصرُّون على أنَّهم لن يعودوا إلى طاولة المفاوضات إذا لم يتوقَّف (في أثناء التفاوض) كل نشاط استيطاني إسرائيلي في الضفة الغربية، وفي القدس الشرقية على وجه الخصوص. والآن، يمكنهم أنْ يُقلِّلوا من إصرارهم على ذلك إذا ما قَبِل نتنياهو، قبل استئناف المفاوضات، وتوصُّلاً إلى استئنافها، قيام دولة فلسطينية على حدود 1967؛ فإذا قَبِلَ، قَبِلوا هُمْ، عندئذٍ، تعديلاً لهذه الحدود من طريق "تبادل طفيف متساوٍ ومتَّفَق عليه للأراضي".
لكنَّ نتنياهو ليس من السذاجة، ولا من الضَّعْف، حتى يَقْبَل ذلك؛ فقبوله إنَّما يعني اعتراف إسرائيل (وقبل معرفتها كيف يكون الشكل النهائي للحدود) بأنَّ للفسطينيين حقَّاً (قومياً) في أنْ يشمل إقليم دولتهم كلَّ "الأراضي الفلسطينية" التي احتلتها في حرب حزيران 1967.
ويكفي أنْ تعترف لهم إسرائيل بهذا الحق حتى تصبح لهم "اليد التفاوضية الطولى" في شأن "التبادل الطفيف المتساوي والمُتَّفَق عليه للأراضي".
وتحسُّباً لذلك، سيُصرُّ نتنياهو على مفاوضات مع الفلسطينيين يُتَّفَقَ فيها أوَّلاً على "تبادل الأراضي"؛ فهو يَفْهَم "التبادل الطفيف (إذا ما قَبِلَ أنْ يكون "طفيفاً")" على أنَّه التبادل الذي يسمح لإسرائيل بأنْ تنتزع من الفلسطينيين موافقتهم على أنْ تَضُمَّ إليها، أيضاً، كل، أو معظم، القدس الشرقية؛ ويَفْهَم "التبادل المتساوي" على أنَّه المتساوي بـ "الأمتار"؛ فإسرائيل تأخذ كل ما تريد هي أخذه من أراضي الفلسطينيين، وتعطيهم، في المقابل، من أراضيها ما ليس بذي أهمية لها، أو للفلسطينيين. حتى "الممر" بين الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن أنْ تُدْرِجه في عملية التبادل هذه.
"إنجاز كيري" هذا قد يسمح باستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين؛ لكنَّ توصُّل الطرفين إلى اتفاقية للحلِّ النهائي قد يتعقَّد؛ فهل تُبْلِغ "اللجنة العربية" إلى الولايات المتحدة، عندئذٍ، "شروطها" لقبول أنْ يعترف الفلسطينيون (وربَّما العرب أيضاً) بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية؟!
لقد أعلنت "اللجنة" قبولها مبدأ "التبادل الطفيف المتساوي والمُتَّفَق عليه للأراضي"؛ وقد تُعدَّل "مبادرة السلام العربية" بما يوافِق هذا الإعلان؛ لكن هل يأتي "بعض التوضيح" من أصحاب هذا الإعلان؟.
هل يقولون، في توضيحهم الأوَّل، أنَّ "القدس الشرقية"، كلها، أو معظمها في الأقل، غير مشمولة بهذا التبادل؟
وهل يقولون، في توضيحهم الثاني، والمُكمِّل للأوَّل، أنَّ هذا التبادل مشروط بإعلان إسرائيل قبولها "حل الدولتين على أساس حدود 1967"؟
وأحسب أنَّهم يكفي أنْ يوضِّحوا هذا الأمر، وذاك، حتى يتَّضِح أنَّ "إنجاز كيري" قد تحوَّل من "الصلابة" إلى "الغازية" من دون المرور بمرحلة "السيولة"!
إشكالية مواقف الشيخ القرضاوي
بقلم: مهند عبد الحميد
الخلاف مع القرضاوي سياسي بامتياز، ولأنه كذلك فإن شعبيته ترتفع وتنخفض وفقاً للإفتاء الصادر عنه والذي يوظف في خدمة هذا الموقف السياسي أو ذاك. القرضاوي لا ينتمي لعلماء دين تنويريين ممن نادوا بإصلاح ديني محاولين الارتقاء بمجتمعاتهم أمثال: محمد عبده وطه حسين ورفاعة الطهطاوي ومحمد فضل الله وجمال البنا وغيرهم. لكنه ليس في عداد المفكرين المتزمتين الذين يكفرون ويقصون المختلف. انه يميل إلى نوع من عقلانية دينية معاصرة ملائمة للنظام السياسي الذي يدور في فلكه. غير أن عقلانيته لم تترك بصماتها على الفكر الديني لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي الذي ينتمي له.
مشكلة القرضاوي والاتحاد العالمي الذي يترأسه تبدأ في توظيفه أو تسييسه للدين لمصلحة أجندات سياسية لبعض الأنظمة. لذا كان من السهل دخوله في تناقضات سرعان ما قوضت رصيده وهيبته المستمدين من خطابه الديني. فمنذ البداية كانت مهمة القرضاوي صعبة وشائكة عندما عادى الناصرية المناهضة لكبار الملاك والكمبرادور والملكية داخل مصر فضلاً عن مناهضتها للغرب ولإسرائيل، لمصلحة أنظمة تابعة للغرب وللسياسة الأميركية المتبعة في المنطقة وفلول المتضررين من التأميمات والإصلاح الزراعي.
ولأن الإسلام السياسي اضطر لإحداث قطيعة تكتيكية مع اتفاقات كامب ديفيد التي أبرمها نظام السادات، وذلك بإصدار فتوى دينية تحرم الاتفاقات من منظور ديني ووطني وأخلاقي، كان ذلك محاكاة لمواقف الإمام الخميني ودولته الإسلامية التي فتحت معركة دعاوية ضد السياسة الأميركية وضد دولة الاحتلال الاسرائيلي أكسبتها نفوذاً في العالمين العربي والإسلامي.
ولوحظ أن الاقتراب من إيران الخمينية ترافق مع بداية افتراق قطر عن المركز الخليجي (السعودية) وانتهاجها لسياسة الانفتاح ودعم المعارضة الإسلامية بما لا يتناقض مع السياسة الأميركية في الجوهر بل وفي خدمتها. وتعمق انفتاح الإخوان المسلمين على إيران الإسلامية عبر التحالف مع حزب الله وزعيمه حسن نصر الله وتجربته الناجحة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. الانفتاح وأشكال التحالف كان لها مردود من نوع آخر، كتعاظم التشيع في مصر، حيث تشيّع 3 ملايين مصري بعضهم من الإخوان المسلمين كما تقول مصادر إسرائيلية.
مع صعود الإسلاميين ذهب الإفتاء ضد كامب ديفيد أدراج الرياح، وجاءت الصفقة التي أبرمهما الأميركان مع الإخوان المسلمين لتجدد الالتزام بكامب ديفيد وعلاقات التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية، تلك العلاقات التي وضعتها الثورة على بساط البحث بهدف تجاوزها وتغيير قواعد النظام في مرحلة ما بعد الثورة. لم ينبس القرضاوي وهو المرجعية الدينية الأعلى ببنت شفة حول الصفقة التي وضعت الإخوان المسلمين في موقع ثورة مضادة بالمعنى الصريح، والسكوت هو علامة رضى. لم يقدم رئيس "الاتحاد" فتوى تَجُبُ الفتوى الأولى وتشرح مبررات تجديد الالتزام بكامب ديفيد وتجديد علاقات التبعية، ودونما شك فقد زعزع هذا الموقف مصداقية القرضاوي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
موقف استجاب للدور القطري في تهيئة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي وفي دعمهم مالياً للعب دور تاريخي خطير هو: قطع الطريق على الثورات العربية والديمقراطية المنشودة عبر عملية الانتقال إلى سدة الحكم والسيطرة على المجتمعات العربية وإعادة إنتاج نظام رجعي مستبد وتبعي من طراز ثيوقراطي. ولم تكن دعوة القرضاوي لتدخل عسكري أميركي في سورية إلا في هذا السياق. دعا لتدخل عسكري وهو يعرف ما هي نتائجه من خلال العراق وأفغانستان وليبيا. القرضاوي يستدعي التدخل والحسم العسكري بدلاً من دعوة الجمعية العامة لممارسة الضغوط من أجل وقف مسلسل الموت الذي يتعرض له الشعب السوري على يد نظامه الديكتاتوري والقوى الرجعية التي تحاول سرقة الثورة، والبحث في مهمة تأمين الحماية للشعب السوري وتمكينه من تقرير مصيره بنفسه من غير تدخل عسكري خارجي.
إضافة للدور السياسي الخطير الذي اضطلع وما يزال يضطلع به القرضاوي، فقد فاجأنا بدخول الملعب الفلسطيني من موقع الانحياز لحركة حماس، وذلك أثناء قيامها بانقلاب عسكري وتقويضها لقواعد الديمقراطية الفلسطينية -على محدوديتها -. الانحياز في الشأن الفلسطيني موقف صريح لم يجرؤ عليه إلا القرضاوي، وهو في مثل هذه الحالة ومن موقع الاستخدام الديني يعد وصفة سحرية لتشجيع الانقسام وتجذيره. أما الآن فقد بادر مع وفد "العلماء" لزيارة قطاع غزة المتمرد على الشرعية الفلسطينية إمعاناً في الانحياز لطرف دون آخر في لحظة تتزايد فيها المساعي لرأب الصدع الفلسطيني. زيارة القرضاوي إلى قطاع غزة في مثل هذا الوقت تحتمل أكثر من تفسير. كإضفاء شرعية من أرفع مؤسسة للإخوان المسلمين هي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي على الإمارة التي تشيدها "حماس" في قطاع غزة.
قد يتفهم البعض انحياز الشيخ لحركة حماس ودعمه لإقامة إمارة إسلامية. غير أن دعم فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية موقف في غاية الغرابة والخطورة والاستهجان سواء كان الموقف بالتلاقي أو بالتقاطع مع الموقف الاسرائيلي لا فرق فالنتيجة واحدة، ولأن الفصل هو أحد ركائز سياسة دولة الاحتلال المتمثلة في تدمير مقومات الدولة الفلسطينية ومنع الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره السياسي والوطني. كيف يقبل اتحاد العلماء ورئيسه التقاطع أو التلاقي مع الموقف الإقصائي الإسرائيلي في لحظة احتدام التضييق على الشعب الفلسطيني؟
بقي القول، لم يدخل الشيخ والعلماء الخمسون قطاع غزة فاتحين ومحررين كما قال الأخ إسماعيل هنية. فالقطاع لم يتخلص من الاحتلال والحصار بعد، انه يتعرض لاحتلال وممارساته عن بعد، ولا يزال مقيداً باتفاقات كامب ديفيد من جهة مصر وباتفاقات أوسلو من داخل القطاع، وزواره يأتون إليه بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع سلطات الاحتلال. القرضاوي ووفده جاؤوا بموافقة سلطات الاحتلال. وإذا كان هذا الادعاء غير صحيح فلماذا رفضت سلطات الاحتلال دخول الأمين العام للجهاد الإسلامي د. رمضان شلح؟
بعيداً عن الأسباب السياسية والخلاف السياسي، لم أستوعب صورة تقبيل هنية ليد القرضاوي. ولم أستوعب هذا الطقس القبلي في مراسم يفترض أن يكون الناس فيها أنداداً، ولا يغير من ذلك تدفق مشاعر الحب والمودة.
ياسينو
بقلم: زياد خدّاش
أحببت شخصية ياسينو "ياسين بقوش" لدرجة أنني حسبته شخصاً حقيقياً، يعمل نادلاً في فندق حقيقي اسمه "صح النوم" بدمشق، في طفولتي وصباي، سكنني "ياسينو" أيّما سكينة وسكن، كنت أشبهه جداً، أتذكر صفعات وركلات التلاميذ الأضخم مني في ساحة المدرسة، أتذكر ضحكهم عليّ وأنا أجلس وحيداً في المدرج أتفرج على تلاميذ صفي وهم يلعبون الرياضة، كنت لا أجرؤ على ارتداء ملابس الرياضة، كانت لديّ "بطات" أرجل ضخمة، لا تناسب عمري، أتذكر صراخ مدرس الرياضة في وجهي: "دافع عن نفسك يا زلمة"، كان وجهي آنذاك غارقاً في بحيرة "حب الشباب"، وكنت أظن ظناً حتمياً أنني مقزز ومكروه، خصوصاً من البنات، كان هذا يزيد حماسة الطلاب الأكبر مني "لينكشوا راس" معي.
سمّوني المسطول والضخم والغريب والوحيد والأرنب، وكنت حزيناً جداً جداً. كان "ياسينو" صديقي الوحيد في منامي ويقظتي، كنت أتكلم معه في أحلامي، وكان يبوح لي بأحزانه: "ياسينو" اسمعني، اليوم اشترى لي أبي صابوناً طبياً يقال إنه يزيل حب الشباب بالتدريج، "ياسينو" بكرة حصة الرياضة، وأنا مرعوب، (زياد يا شقيقي: أبو عنتر أهانني اليوم أمام فطوم وغوار وما اعرفت أرد، دائماً لا أعرف أن أرد)، (زياد فطوم ما راضية تتزوجني أنا بحبها كثير).
وهكذا نظل نبوح لبعضنا حتى ينفجر الصبح فينا، فيذهب هو إلى فندقه الذي يعمل فيه نادلاً، وأذهب أنا إلى المدرسة التي أعمل فيها عبداً. اختفى حب الشباب من وجهي، كبرت، وغادرت عالم المدارس، الطلاب الذين كبروا معي، والذين كانوا يهينونني وأنا صغير، اعتذروا لي كثيراً في الشارع وهم يقرأون اسمي يتكرر في الجرائد، بعضهم استشهد، فسامحته، بعضهم اعتقل، فأحببته، بعضهم مرض فحزنت عليه، بعضهم أمسى طبيباً ومدرساً وسياسياً ومهندساً وكاتباً وفناناً، فصاروا أصدقائي.
غاب اسم "ياسينو" عن عالمي، كنت أظنه مريضاً أو معتزلاً التمثيل منذ زمن، إذ لم أعد أسمع باسمه، حزنت على تغييبه وتجاهله، ما زلت أتذكر حزيناً ومحباً فترة القحط الجسدي والروحي التي عشتها معه في ذاكرة بعيدة. في بلادنا فقط يجب على الفنان أن يقتل أو يموت حتى ينتبه إليه الناس، وحتى يتذكروه، ويحزنوا عليه ويكرّموه، عشرات المقالات نعت "ياسينو"، الذي قتلته قذيفة عبثية لم يعرف مصدرها، "ياسينو" المنسي منذ عقود لم يتذكره أحد، لم يكتب عنه أحد، ما أقسانا، ما أقسانا.
الآن يتم تذكره، الآن يكتب عنه بغزارة، كم من مبدعين منسيين الآن في عالمنا العربي لا يتذكرهم أحد، ينتظر النقاد والناس والصحافيون موتهم ليكتبوا عنهم ويتفاجأوا بوجودهم، لا يحدث هذا إلاّ في عالمنا العربي، أريد أن أذّكر بالفنانة العظيمة نجاح حفيظ "فطوم حيص بيص"، هذه الفنانة لم تمت بعد، والعمر الطويل لها، لم أسمع عنها شيئاً منذ زمن، لم أقرأ حواراً معها في جريدة أو لقاء في فضائية ما، لم أسمع عن تكريم لها في مهرجان، منسية ومغيبة هي مثل ياسين عبد القادر بقوش، أطال الله في عمرها، ورحم الله "ياسينو" شقيق وجعي وحبيب مراهقتي.
لن يقفز..!!
بقلم: حسن خضر
رد نظام آل الأسد في دمشق، على غارة إسرائيلية مُحرجة، استهدفت منشآته العسكرية، بطريقتين: الأولى متوقعة، والثانية، وإن تكن مفاجئة، إلا أنها لا تفارق سياسة مألوفة وتقليدية. المُتوقعة هي الكلام المُعاد والمُكرر عن الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين. وقد أثار هذا الكلام، كما في مرّات سابقة، موجة من التعليقات الساخرة في سورية وخارجها. وليس ثمة ما يستدعي إضافة المزيد. أما الثانية، الجديدة، فتستحق التوقف.
أشار النظام، وأعلن، وألمح، وأوحى، وسرّب (لاحظ كفاءة البلاغة العربية) على لسان ناطقين رسميين باسمه، إضافة إلى حلفاء معتمدين في معسكر "المقاومة والممانعة"، أن سورية "تعيد" النظر في هدنة استمرت أربعين عاماً، و"تدرس" السماح بشن هجمات مسلحة لتحرير الجولان، على طريقة حزب الله في جنوب لبنان، أي الحرب غير النظامية.
قيل هذا الكلام، على مدار الأسابيع القليلة الماضية، بمفردات مختلفة، ودرجات متفاوتة في الحماسة واليقين. وفيه، كما في توقيته، ما يحرّض على التفكير والتدبير. فلنفكر، مثلاً، في هذا الكلام، بطريقة عملية ومباشرة: هل يستطيع نظام آل الأسد تحرير الجولان على طريقة حزب الله في جنوب لبنان؟
الجواب: لا، هذا النفي القاطع لا يعني أن النظام لا يستطيع نصب كمائن، أو استهداف دوريات إسرائيلية في الجولان. فهذا ممكن اليوم كما كان ممكناً على مدار العقود الأربعة الماضية. بل يعني أنه لا يستطيع، ولا يحتمل، دفع الثمن الذي يمكن أن تفرضه إسرائيل، بعد هجمات كهذه. والثمن في هذه الحالة تدمير بنيته التحتية، ومراكز القيادة والسيطرة، وترسانته العسكرية. وهذا يعني، في التحليل الأخير، تدمير النظام نفسه.
وهذا، في الواقع، ما كان يخشاه الأسد الأب، الذي انقلب في العام 1970 على مَنْ أسماهم "المغامرين" في الحزب، والجيش، والدولة، الذين أفرطوا في الكلام عن الكفاح المسلح، وحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد. وبدلاً من ذلك كله، طُرح شعار مراوغ ولكنه برّاق اسمه التوازن الإستراتيجي. وباسم هذا كله كان الهدوء على جبهة الجولان جزءاً من شبكة الأمان، التي صنعها النظام لنفسه.
ولماذا، إذاً، يجازف الابن بالانتحار؟
الواقع أنه لا يجازف بل يطلق إشارات تنبيه للتذكير بمخاطر انهيار الشبكة، التي ضمنت وجود نظام العائلة، ومنحت إسرائيل أربعة عقود من الهدوء في الجولان. وهذه ليست الإشارة الأولى. فبعيد اندلاع مظاهرات المعارضة، عقد رامي مخلوف، في مقابلة ذائعة الصيت، مع صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، مقارنة مشروطة بين أمن سورية وإسرائيل: "إذا فقد الاستقرار هنا لن يكون استقرار في إسرائيل".
وجاءت إشارة ثانية، تجلت في محاولة متظاهرين، من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سورية، اختراق خط الهدنة، والوصول إلى قرية مجدل شمس في الجولان. الحمقى، فقط، يمكنهم التفكير في ما حدث، في ذلك اليوم، كظاهرة عفوية بعيدة عن أصابع وعيون وشبكات أجهزة الأمن السورية.
تلك الإشارات، بما فيها الأخيرة والجديدة، تنطوي على رسائل للإسرائيليين والأميركيين: إذا سقطنا، أو تراخت قبضتنا، تبدد الهدوء في الجولان، وفي مناطق أخرى بالتأكيد. وما يضفي على الإشارة الأخيرة دلالة موحية أن جيش النظام فقد الكثير من قدراته القتالية بعد ما يزيد على العامين من القتال في مدن وبلدات وقرى سورية، للقضاء على معارضة أصبحت مسلحة، تستهدف إسقاطه، وتسيطر على مساحات واسعة من سورية.
وفي سياق هذا كله، لم يعد جيش الشعب، بل أصبح، في أفضل الأحوال، عدواً لقطاعات واسعة من المواطنين. وأبلغ دليل على ضعفه، أن حاجته إلى مقاتلي حزب الله، أصبحت مكشوفة على الأرض، ناهيك عن "الخبراء" الإيرانيين، و"المتطوّعين" العرب.
ما تقدم لا يكفي لتحليل الحرب الأهلية في سورية، وما يسمها من تحيّزات وتمركزات طائفية محلية، وتدخلات إقليمية ودولية، بل يكفي للتدليل على حقيقة أن النظام لا يستطيع تبديد الهدوء في الجولان، ولا يستطيع تحمّل النتائج.
بهذا المعنى: التصعيد البلاغي في موضوع الحرب غير النظامية في الجولان يندرج في سياق مألوف بقدر ما يُضاف إلى إشارات سبقته، وما ينسجم مع سياسة المقايضة التقليدية. فالنظام يسمح لنفسه بتجاوز كل الخطوط الحمراء في علاقته بالسوريين، لكنه شديد الحذر في حساباته الإقليمية والدولية، ومن بين القوى الفاعلة التي يحرص على تفادي الاصطدام بها ومعها في هذه المرحلة، بالذات، تحتل إسرائيل رأس القائمة. لذا، رد على الغارة الجوية الإسرائيلية، بسيارات مفخخة في قرية تركية حدودية.
وإذا شئنا الكلام عن هذا الموضوع بطريقة بلاغية فلنقل إن النظام يتصرف على طريقة من يقف على حافة جرف شاهق قائلا: لا تدفعوني إلى الجنون، وإلا قفزت في الهواء. ولن يقفز..!!
حياتنا - لصوصية الاحتلال
بقلم: حافظ البرغوثي
في الوقت الذي يتحدث فيه الاميركيون عن خطة لاستثمار ملياري دولار في الاراضي الفلسطينية لانعاش الاقتصاد جنباً الى جنب مع خطة استئناف المفاوضات السياسية، يعين الاسرائيليون مديراً للجمارك على الجسر مهمته تعطيل مرور البضائع وعرقلة الاعمال التجارية، فالسياسة الاحتلالية ما زالت كما هي منذ بداية الاحتلال عام 1967 أي منع أية انشطة اقتصادية حقيقية من شأنها دعم الاقتصاد الوطني الفلسطيني وعرقلة الصناعات الانتاجية والصادرات بل والواردات ذات العلاقة بالانتاج، لأن الاراضي الفلسطينية هي السوق الذي يبيض ذهباً لاسرائيل كسوق استهلاكية.
فأية تنمية اقتصادية اذا أراد الاميركيون رؤيتها على الارض تتطلب احترام اسرائيل للاتفاقات الاقتصادية واعادة الامور الى ما كانت عليه على المعابر من حيث التجارة وسهولة التنقل ومنح التأشيرات للزوار والسياح والاقامة للمستثمرين وعدم المس بالمستحقات الضريبية او احتجازها او الاقتطاع منها مرجعه مزاج اسرائيلي اختلاسي. فالاقتصاد الفلسطيني الهش انما هو كذلك بسبب العراقيل الاسرائيلية والسرقات العلنية من قبل الاحتلال ليس للثروات الطبيعية كالمياه والنفط والضرائب فقط بل لحرية التنقل والحركة والاماكن السياحية الدينية وغير الدينية فالمستقبل الاقتصادي عندنا يتركز في السياحة الدينية سواء في القدس المحتلة وبيت لحم أم في المدن الاخرى، وهذه السياحة تحتاج الى سهولة حركة وازالة المنغصات الاسرائيلية واعادة العمل على المعابر الى ما كان عليه في مطلع عام 2000 وعدم تدخل الاحتلال في الدورة الاقتصادية الفلسطينية الداخلية لتشجيع الاستثمار في كل القطاعات وفي كل الاماكن بما فيها المناطق «سي» التي يحاول الاحتلال سرقتها لاستيطانها.
بوسعنا الاعتماد على أنفسنا اذا ما كف الاحتلال عن ممارسة البلطجة الاقتصادية والسرقة وعرقلة المشاريع وتقييد حركة التنقل. وبات الوضع الفلسطيني بحاجة الى رزمة اقتصادية للانعاش الاقتصادي الحقيقي بعيداً عن قيود الاحتلال ولصوصيته.
تغريدة الصباح - وردة وفاء الى فتى الثورة
بقلم: احمد دحبور
اراحني النبأ السعيد الذي نشرته الحياة الجديدة يوم الاحد الفائت، حول تكريم ذكرى الشاعر الوطني سعيد المزين، وتقديم وسام التحقيق والتميز باسمه الى نجله هشام.
وقد يذكر الفلسطينيون المخضرمون والشيوخ في سورية، ان ابا هشام كان من اكثر القادة الفلسطينيين ترددا على المخيمات، وانه كان الى جانب نصوص أغاني الثورة التي كتبها، قد وضع مسرحية تحتفل بالمقاومة الفلسطينية في بداية انتشارها، وعنوان تلك المسرحية، لمن يذكر هو «شعب لن يموت» وقد نجحت محاولات لبعض الشباب في تقديم هذه المسرحية على الخشبة، وكانت نهايات العرض تتحول باستمرار الى ما يشبه المهرجان بسبب الهتافات الحارة التي كانت تطلقها حناجر الشباب المتحمسين.
وكان معروفا عن ابي هشام، تميز شعره ونثره بنكهة اسلامية لا تخفى، في معرض التشديد على تجنيد الشعب والامة على طريق التحرير، الا ان الخطاب الاسلامي عند سعيد المزين لم يكن ليتعارض - وانى له ان يتعارض - مع شخصيته المنفتحة وقبوله للآراء المختلفة بما فيها اليسارية الواضحة، فهو من الدعاة الاوائل في فتح الى وحدة وطنية تشمل المنادين بتحرير فلسطين على اختلاف مشاربهم.
ومن المفارقات ان ابياته التي تحولت الى اغنية فلسطينية شهيرة، هي «ولقد كسرت القيد» كانت مبكرة في الانتشار حتى قبل ظهور فصائل جديدة فلسطينية غير فتح، وكان عند ما يقول: انا ابن فتح ما هتفت لغيرها، انما يقصد ما يذكره الجميع، ان الهدف الاول هو بناء التنظيم الفلسطيني الوطني بعد انتقال الفلسطينيين من الاحزاب العربية السائدة، الى هذا التنظيم الجديد، فتح وكان بعض اليسراويين المضجرين يسخرون من هذا التوجه، ويطلقون على الرواد الاوائل في فتح اسما كاريكاتوريا، هو «جماعة يصطفلوا».. بمعنى ان ذلك التوجه الفتحاوي الذي كان يشدد على فلسطينية المشروع الوطني، كانوا من وجهة نظر اولئك الادعياء اقليميين مغلقين، وكأن لسان حالهم ان اتركوا العرب «يصطفلوا» يومها رفع ابو هشام ذلك الشعار الذي تلقفه الاخ ابو عمار، وظل يردده طيلة حياته: ثورتنا فلسطينية الوجه، عربية القلب، انسانية الاهداف والنتائج..
واصدر ابو هشام عام 1969، اول مجلة ميدانية فلسطينية باسم «الثورة الفلسطينية» وقد حملت تلك المجلة اهداف المشروع الفتحاوي، وتحولت الى ترسانة اعلامية للدفاع عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، واذكر انني تعرفت في احد المعسكرات الفدائية، على شاب يوغسلافي متطوع، كان يطلق على نفسه اسم «ناصر فتح»، وقد اجريت معه حوارا مثيرا كشف عن نزوعه اليساري، فقيل لي ان فتى الثورة ابا هشام المتدين سيغضبه هذا ولن ينشر الحوار، وكانت النتيجة ان احتفل ابو هشام بالحوار ونشره في مكان لائق من المجلة، بل انه طلب مني ان آتي بناصر فتح هذا حتى يتعرف عليه، وهذا ما كان..
وحين اصبح لدينا اعلام موحد، برئاسة الشهيد الشاعر كمال ناصر، قام الاخ نزيه ابو نضال بجمع قصائد من الشعراء الشباب المنتمين الى فتح، وكنت احدهم، فسألته ما اذا كانت بينها قصائد لسعيد المزين ابي هشام، فأجابني: هل انا مجنون لاتجاهل شاعر «طالع لك يا عدوي طالع، وباسم الله باسم الفتح، وانا يا اخي، والشعب الفلسطيني ثورة»؟ وهكذا ظهرت اشعار ابي هشام الى جانب الشعراء الشباب المصنفين في خانة يسار فتح، واذا بهذا الذي لم يكن يخفي نقده وملاحظاته علينا، يرحب ويسهم في توزيع الكتاب الذي ظهر على الملأ بعنوان «قصائد منقوشة على مسلة الاشرفية» ولعل هذا الكتاب هو الذي قدم اسماءنا على نطاق شعبي، وقد فوجئ محمود درويش بهذا الكتاب - وكان لا يزال مقيما في القاهرة بعد خروجه من فلسطين - فكتب في جريدة الاهرام - تموز 1971 - مقالة ضافية حول ذلك، وكانت تلك المقالة مفتاح صداقتي مع شاعر فلسطين الكبير الذي اعطى شهادة بي يومها، لا زال اعتز بها حتى الآن..
كان سعيد المزين، ابو هشام، يطلق على نفسه اسم فتى الثورة علما انه مولود عام 1935، اي انه كان في حينها قد تجاوز السادسة والثلاثين، الا انه كان يؤكد انتماءه الى الفتوة والشباب تعبيرا عن ان هذا الزمن هو شباب فلسطين.. وكان لاذعا في نقده فقد كتب قصيدة بعنوان «ثورة على السفينة بونتي» يقول فيها اننا جميعا مسؤولون فلا كبير فينا ولا صغير.. وكان الاخ ابو عمار يتفهم ذلك ويشجع عليه مع انه المقصود بالمسؤول عن السفينة بونتي..
ولا يسعني في هذا المقام الا ان احيي القيادة الفلسطينية التي لم تنس ابا هشام، فأمر الاخ ابو مازن بمنحه وسام القدس.. لقد كان رحمه الله، وساما في المشروع الثقافي الفلسطيني.. وعلامة في ثقافة الاختلاف.
في بيتنا مستوطنة!
بقلم: صبري صيدم
عندما قالت مرشحة الرئاسة الأميركية المندفعة سارة بيلين بأنها ترى روسيا من شرفة منزلها باعتبارها كانت حاكمة ولاية آلاسكا سابقاً كانت تريد أن تدلل على قرب الاتحاد الروسي من بيتها رغم بعد الأراضي الروسية مئات الأميال عن آلاسكا.
اليوم ومع إعلان حكومة الاستيطان في إسرائيل الأسبوع الماضي عن رغبتها توسيع مستوطنة بيت إيل والتي تقع في أراضي محافظة رام والله والبيرة استحضرت شخصياً ما قالته بيلين ولسان حالي يقول إذا ما كانت بيلين تدلل على قرب المسافة بالقول بأنها ترى روسيا من شرفتها فإنني أستطيع أن أقول قياساً بأن "بيت إيل" باتت في منزلي في رام الله تماماً كما شعرت ذات يوم بأن مستوطنة نتساريم الممحوقة كانت في منزلي في غزة وتماماً كما يشعر أهالي سلفيت ومحافظات أخرى بأن مستعمرة أرئيل في قلب بيوتهم وكما يشعر أهالي القدس اليوم بأن جيفعات زئيف ومعالي أدوميم وغيرها الكثير في عقر دارهم وتماماً كما سيكون عليه الشعور مع مستعمرة "الأي ون" وجيفعات هاماتوس والقائمة تطول.
نعم كل المستوطنات باتت نزيلة بيوتنا ويُلقى علينا منها النفايات السائلة والصلبة ورعاع الجبناء ممن يختبئون وراء صخور الضفة ليروعوا أطفالنا بإلقاء حجارة أرضنا علينا وكأن هذا الفعل سيثبت الباطل على أرض الحق.
هكذا دولة الاحتلال، اِعطِها من الاقتراحات شيئاً تلاقيك بقنطار من الظلم الفاضح... والحقائق شواهد. فعندما اجتمع العرب على تقديم مبادرة السلام عام 2002 جاء رد الاحتلال بتدنيس دباباته لرام الله والضفة الغربية وقصف طائراته للآمنين بصواريخ طائرات الأف 16 والأباتشي.
واليوم وعندما أقدم البعض على اقتراح مبدأ القبول بتبادل الأراضي في الضفة الغربية مقابل السلام. جاءنا رعاع المستوطنين يجتاحون الأقصى بعدما ضرب احتلالهم رجال الدين المسيحيين في سبت النور ليُتبع هذه التصرفات بالإعلان عن توسيع مستعمرة بيت إيل!
إذا ماذا لو قال أحدهم لإسرائيل بأن الفلسطينيين قد أعلنوا (وهذا لن يكون) استسلامهم فهل ستضربنا إسرائيل بقنبلة نووية؟
لا يمكن للجنون أن يكون سيد الموقف بهذا الجشع والاستقواء بالجرافات وقوة السلاح على حساب إرادة شعب لا يريد لهذا الاحتلال أن يبقى.
ومع ذكرى النكبة الحزينة نستحضر أرقامنا المؤلمة فحوالي سبعون بالمئة منا لاجئون و44% منّا لاجئون داخل الوطن المحتل حسب وحدة دعم المفاوضات كما أن الاستيطان زاد بواقع 191% خلال الأعوام الماضية. وبعد هذا وذاك يأتينا من يطالبنا بالواقعية والتنازلات!
الواقعية المقبولة تقتضي وقف الطمع الذي تعلن عنه دولة الاحتلال في كل يوم وإزالة هذا الاحتلال وكنسه من الأرض العربية وإلا باتت كل المستوطنات داخل بيوتنا وعندها لن يبقَى سوى أن نشارك المستوطنين أطفالنا وحاجياتنا!!
أتمنى لو أن سارة بيلين تزورنا قريباً لنستمع بتجرد لما ستقوله عن تقييمها الجغرافي للمستوطنات.
عالم أصبح العوج محللاً للبعض والحق أعوج يراه البعض الآخر.. فهل من حكمة تصحح هذا الإعوجاج؟ أم أن الإعوجاج هو سيد الأحكام والحكم؟
شعب الذاكرة التي لا تنطفئ
بقلم: يحيى رباح
بعكس كل الحسابات والتوقعات والخطط السوداء والمؤامرات العاتية, التي نفذها اقوى اقوياء الارض ضد هذا الشعب الصغير, الشعب الفلسطيني, فإن هذا الشعب استطاع بنوع من القوة تصل الى ذروة المعجزة, وإرادة خيرة العقول, ومحاولات فاقت حدود الاساطير ان يظل حاضرا وفاعلا وملهما ومشتبكا بكل ادوات الاشتباك, دون ان تسقط من بين يديه اقاليمه الثلاثة المقدسة (الوطن والكيان والهوية )وها هو الشعب الفلسطيني بعد خمس وستين سنة من مأساته الكبرى, ونكبته التي ليس لها مثيل, وشتاته الذي هو اوسع مدى من الارض, يقف على قدميه ويصمد ويحضر ويصنع المعادلات, ويثبت انه ند للمستحيل, ونموذج لبطولة اقوى من دهشة الاساطير القديمة.
يا ايها الشتات الفلسطيني :
الذي صنعه اعدى الاعداء، ليكون مرادفا للموت الكامل والانطفاء النهائي والنسيان الذي ليس بعده عودة !!! ها انت تصبح كبيرا بحجم القيامة، وذكيا على هيئة الحضور الخارق, فمن ذا الذي يستطيع اليوم ان يشيح بوجهه عن الحقيقة الفلسطينية, المزروعة في مفاصل الكون, وفي صلب الصراع والتناقض, وفي نطفة المستقبل القادم حتما؟؟ومن ذا الذي كان يتوقع عندما وقع زلزال النكبة قبل خمس وستين سنة, فانهار الكيان وتمزق الشعب وتبعثرت الهوية في هبوب الريح العاصفة, ان الاجيال الفلسطينية المتعاقبة اجيال المنافي والخيام المنصوبة على سوافي الرمال سوف ترث الحقيقة كاملة من اولها الى آخرها, وان هذه الاجيال الفلسطينية ستصبح نموذجا محفزا ومدهشا ومثيرا للجدل, من خلال قوة الايمان بذاتها وعدالة قضيتها وقداسة حلمها؟؟
اعداء الشعب الفلسطيني, مهما كان شكلهم أو لونهم, ومهما كانت الاوعية التي يتشكلون على مقاييسها, والعناوين التي يقبعون تحتها يستحقون الرثاء على خيبتهم, لأن حصادهم رغم آلامه المفجعة كان طائشا, ولأن حساباتهم كانت موغلة في الخطأ والخطيئة, ففلسطين لم تصبح مجرد حكاية بل هي البشارة بكل انبثاقاتها وتجلياتها !!!وان فلسطين لم تقبل ان تكون مجرد حالة تأنيب ضمير, بل هي الثورة والفعل والهاجس والاختبار, وانه مكتوب على لوح الازل ان فلسطين التي اهالوا عليها التراب وظنوا انهم نجوا بإثمهم وافلتوا من العقاب, تفاجئهم وتلاحقهم في تفاصيل التفاصيل, وفي تلافيف الذاكرة, وفي وهج النار, وفي لعبة اليقين والمستحيل !!!
لا تفرطوا في شتاتكم الواسع, بل اجعلوه عنوان زمانكم, وهنا يكمن سر الدولة التي تريدونها, دولة تكون العقل المدبر, والقرار الناجز, والذراع القوي, والسيف المشرع لعدالة قضيتكم التي كلما انجزتم حقا من حقوقها ظهر من بين يديه حق جديد, تماما مثلما قيل في شجرة الاساطير القديمة التي كلما سقط منها فرع انبثق من جرحه الف فرع جديد.
في ذكرى النكبة :
لا نشكو لا نبكي, لا نتحسر, بل نستذكر نبع الألم الاول, ونجدد رهبة القسم الاول, بان النسيان تحت أي ذريعة هو ابشع انواع الكفر, وان الفلسطيني مأمور من قدسية وجعه الاول ان يظل دائما اقوى من اللحظة الراهنة, مهما كانت اللحظة مخنوقة ومهما كانت الحسابات محبطة, فان رؤية الفلسطيني تمتد هناك الى الابعد, لأنه قادم من رحم الغيب وانه يتكون من سر المحاولة, وانه صاعد من نديته للمستحيل.
حيفا عشيقة ابي .. وآل السياسة
بقلم: موفق مطر
ما سمعت والدي رحمه الله يتحدث عن ربيع عمره إلا وكانت حيفا، عروس البحر, ورائدة المعالم الثقافية, والرياضية, والصناعية المسرح الحقيقي لرواياته الشفهية الأجمل عن فلسطين, حتى ان آخر شريط فيديو وصلني منه بعد اكثر من ربع قرن من غربتي القسرية عن عائلتي الحموية السورية، وقبل حوالي اربع سنوات من ارتقاء روحه الى الفردوس الأعلى وجه كلامه لي مباشرة فقال : «والله يا ابني لو يسمحون لي لرجعت غدا الى فلسطين».
عاش والدي حوالي ثلاثين عاما في كنف اخواله «الحمويين» السوريين التجار المقيمين في حيفا, الذين لقبهم اهلها «بآل الحموي» نسبة لأصولهم, فهم من مدينة «حماة» التاريخية, لكن هذه السنوات هي في الحقيقة لا تشكل إلا نسبة 30%من سنوات عمره التي عاشها, فقد ترك لنا ارثا من حكايات وصور من فلسطين لا ادري ان اكلتها نيران قصف قوات الأسد لبيوتنا في حماة في هذه الأيام..فهل لأن صفحة الصبا والشباب في حياة المرء هي الأغنى والأجمل, يجسمها المرء كعنوان لكتاب حياته ؟! أم أن حقائق بعينها تبقى طافية على سطح ماء بحر الذاكرة العميقة ؟! فلمحمد تركي الحموي – هكذا كانوا يعرفونه في حيفا عندما كان بطلا لفلسطين في الملاكمة – قصة عشق مع فلسطين, فأنا لم اسمعه يتحدث عن موضوع أو قضية أو مثل أو تجربة الا وكانت فلسطين وحيفا بالذات حاضرة عن ( سابق تصميم وترصد ), كأفضل قيادي عضو في حركة أو حزب يعبئ ويثقف افراد خلية, خاصة عندما كان يشعر باهتمامي وأنا القريب منه والمحبب اليه من بين أحد عشر صبيا وبنت واحدة, لكن بإحساس ومشاعر رقيقة – وهو الصلب القوي وصاحب الارادة والرؤية الثاقبة – حتى اني احببت فلسطين من روايات ابي قبل ان اعيشها مع روايات اهلها في المدارس الابتدائية والإعدادية لوكالة غوث اللاجئين في مخيمي اليرموك بدمشق والعائدين بحماة.
ما كنا بحاجة لنشرات حزبية, ولا لوسائل اعلام, ولا خطابات عنترية, ولا احلاف مقاومة وممانعة, ولا تيارات وقوى وجماعات متعددة الأشكال والألوان والأجناس والمشارب, لنحب حيفا, ونرث عشقها, فروايات ابي كانت اصدق وأخلص وأوفى, هذا ان احسنا الظن «بآل السياسة» ومشتقاتها.
ها أنا اليوم احمل امل والدي بالعيش في فلسطين التي عشقها وظلت قصة حبه وعشقه وزواجه, وشبابه وكفاحه حتى آخر يوم في عمره.
لم استطع زيارة حيفا حتى اللحظة, وانا الباحث عن سر هذا العشق الخالد بين ابي وهذه العروس المتمددة على شاطئ البحر المتوسط .
لن يصدأ مفتاح ذاكرتنا, لن يأكله اكسيد الحوامض المرة السامة القاتلة, لن يضيع، لن ينكسر، فمفاتيح الأوطان عندنا حب وعشق خالد, ليست معدنية كما يتخيل المطروقة ذاكرتهم في المصانع .
ورثة فلسطين هم عشاقها الجدد, الذين سيبدلون قانون التقويم, فهم يهجروا الوطن والوطن لم يهجرهم, حتى وان غادروه تحت ارهاب السلاح لسنين, ففلسطين باقية في عقولهم وقلوبهم وذاكرتهم ما دامت السماء زرقاء، وما دامت الشمس نورا والقمر ضياء.
لكثرة ما حدثنا والدي عن جبل الكرمل ظننت انه الجبل المقدس في فلسطين .. لكني عندما كبرت وتعلمت, وعدت لهذا الجزء من الوطن أدركت بعضا من سر تقديس ابي لهذا الوطن فلسطين .
لو اجتمعت كل امبراطوريات العالم فانها لن تقدر على قلع فلسطين من قلب أبناء الوفاء, فالشعب الذي لا يموت فيه وطن، ولا تجف فيه شجرة عائلة الانسان, سيرتفع علم حريته ليظلل ارضه بالسلام .
اكتشفت وأنا اقارب العقد السادس من عمري بعضا من سر ابي .. أن الحرية وانوارها المشعة ثقافة انسانية, ورخاء ونعمة وبركة على السبب الأعظم لعشق الوطن، فهذا ثابت لا يتغير, أما الأموال والأملاك والبيوت فإنها متبدلة, وان مفتاح العودة هو عقل الانسان ذو الارادة .. فأبي «السوري الحموي, الفلسطيني الحيفاوي» تعلم القراءة والكتابة في حيفا دون معلم ولا كتيب !.
حجة باهتة وذريعة ساقطة
بقلم: محمود ابو الهيجاء
طبقا للقيادي الحمساوي محمود الزهار فان المقاومة تحتاج ان تكون سلطة حاكمة، لكي تنفذ عملياتها العسكرية ضد الاحتلال !!
لا داع للاستغراب، ولسنا هنا نضع على لسان الرجل كلاما لم يقله، بل هذا ما اوضحه في رده على سؤال لمذيعة من فضائية (اون، تي، في ) المصرية وكان السؤال اين هي مقاومة حماس لانتهاكات الاحتلال الاسرائيلي للمقدسات في القدس المحتلة لاسيما ان حماس تتحدث ليل نهار عن المقاومة وانها صاحبة خطها ومشروعها وانها قادرة ان تجعلها في كل مكان...!!!
سؤال المذيعة المصرية كان امينا لحرقة في الروح العربية الاصيلة وهي تبحث عن مصداقية في خطاب الاخوان المسلمين بشأن القدس خاصة مصداقية خطاب حماس الصاخب بهذا الشأن ولأن جمعة نصرة القدس التي دعا اليها الاخوان المسلمون في القاهرة الجمعة الماضية لم تكن على مستوى الحدث وحيث كان الاحتلال الاسرائيلي يوغل في انتهاكاته للمقدسات الاسلامية في المدينة المحتلة وبعد ان اعتقل مفتيها.
اين هي المقاومة سألت المذيعة وهي تذكر الزهار بهذا الخطاب، فاجاب ان لا سلطة لحماس في الضفة الغربية يسمح لها بهذه المقاومة مكررا كذبة خطابه الشعبوي عن تنسيق امني بين السلطة الوطنية وسلطات الاحتلال يمنع هذه المقاومة ان تكون..!!
يظن الزهار ان الناس لا تعرف ان المقاومة لا تحتاج الى اذن من احد، اذا ما توفرت الارادة واتخذ القرار، كي تتواصل بصورة منتظمة، وفي عمليات توجع الاحتلال وتكبده الخسائر، وفي علم المقاومة ان صح التعبير، فان سمتها الرئيسة هي اقتحام الصعب وتحدي المستحيل وتجاوز كل السياسات والاجراءات ايا كانت طبيعتها، الثوار كما يقال حالمون ومغامرون وشجعان لا يخشون تنسيقا او ما شابه ذلك ولا ينتظرون سلطة تمنحهم اذن العبور الى ساحات القتال.
ثم يظن الزهار كذلك ان لا ذاكرة لنا واننا نسينا عمليات تفجير الباصات الصاخبة لحركة حماس، في تل ابيب وغيرها في تسعينيات القرن الماضي والتي ما كانت تستهدف سوى وضع المزيد من الصعوبات والمعضلات والعراقيل على طاولة المفاوضات امام ياسر عرفات كي لا يتقدم نحو انتزاع المزيد من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
كيف حققت حماس تلك العمليات اذا في ذلك الوقت..؟؟ ولماذا لم يمنعها التنسيق الامني المزعوم وما كانت حينها صاحبة سلطة حتى في غزة التي صارت اليها بعد انقلاب دموي مشؤوم.
لا مقاومة ولا حتى تظاهرة استنكار وتنديد لحركة حماس ضد ما يفعله الاحتلال بالقدس، لا بل ان بيانا يهدد ويتوعد لم يصدر عنها مع انها صاحبة سلطة في غزة، فمن اين لأحد ان يصدق ما يقوله الزهار عن التنسيق الامني المانع الرادع..!! لا اظن ان الزهار نفسه يمكن ان يصدق كلامه الذي ردت عليه المذيعة النبيهة، بابتسامة ساخرة وحزينة.
المغالاة في زيارة القرضاوي الغالي
بقلم: بكر أبو بكر
دخلت زيارة يوسف القرضاوي في جدل كبير بين المؤيدين للزيارة ولست منهم، وبين الرافضين لها، وتعددت الأسباب فالرفض يجيء من منطلق الحرص على وحدة الشعب الفلسطيني وعدم تجزيء تمثيله بين غزة والضفة، وما زيارته عبر غزة إلا من خلال البوابة الخطأ وهي بوابة الانقلاب الدموي الذي كان للقرضاوي دور فيه، كما يأتي الرفض من سلسلة فتاويه السياسية المرتبطة بانحيازه لطرف وهو (الاخوان المسلمين) ما لا يصح مع عالم دين، عدا عن ارتباط مواقفه بالحضن الواسع والدعم المقدم والمساحة المتاحة له وهي كبيرة للتوسع والرواج الى الدرجة التي يفتي فيها بتحليل الاعتداء الامريكي على سوريا ولا يدين العدوان الاسرائيلي عليها في انتقائية لا تليق بعالم دين كان من الاولى أن يلتزم بمناقب العلماء من الشمولية والكلية والدعوة لوحدة المسلمين وأحزابهم وتياراتهم دون ميل أو هوى لاسيما أنه من دعاة الوسطية الاسلامية والتقارب بين المذاهب والأديان، فكيف يكون التقارب وكيف تكون الوسطية بين المسلمين ان انحاز أحد كبار علمائها لطرف في المسلمين ضد الآخر، وتمادى بالانحياز (للكفار) ضد أحد بلدان الأمة، مهما كان خلافنا واضحا مع نظامها؟.
ما سقناه قد يمثل مبررات وحجج الرافضين لزيارته أما القابلون بها فلقد وسموها (بالعظمة) و(الفتح) المبين، ما أخرج الحدث عن حقيقته وكأنه يزور غزة "المحررة" وهي التي لا يدخلها داخل إلا بإذن الاحتلال (رفضت الحكومة الاسرائيلية دخول الشيخ رمضان شلح الى غزة ووافقت لغيره).
وأرغب هنا ان اسجل شططا في الوصف مما قاله المؤيدون للزيارة لربما يتم تجاوزه مستقبلا في أتون الصراع السياسي الحاصل في حماس على السلطة في غزة، وضد حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث قال محمود الزهار لصحيفة الشروق الجزائرية شاتما حركة فتح لمعارضتها زيارة القرضاوي من بوابة الانقلاب (منذ متى تقول فتح الحقيقة ؟ كل تصريحاتها كذب في كذب) وأتبع الشتم باليوم التالي على فضائية حماس بغزة اذ اتهم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بأنهم (لصوص) وزها بانتصاره وتحريره لغزة، ونعف أن نصفه بأي وصف لأن المؤمن ليس بشتام ولا طعان ولا لعان كما يقول من هو خير منه ومني ومن العالم أجمعين.
اما هنية فاعتبر الزيارة (نصرا) وهي (فتح) وكأننا امام محمد الفاتح أو قتيبة بن مسلم الباهلي أو سعد بن ابي وقاص ما هو بعيد عن الحقيقة، وقال الشيخ رائد صلاح من الاخوان المسلمين في الداخل عن الزيارة : (من أقوى المبشرات على اقتراب قيام دولة فلسطين الحرة هي زيارة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله لغزة الحرة) مضيفا أنه خطب في غزة الحرة وغدا سيخطب في المسجد الاقصى الحر.
وقال خالد طافش كمثال آخر من قيادة حماس أن زيارة القرضاوي (تاريخية) و(أعادت الامور لنصابها) وهي (بداية العودة) مضيفا أنها تمت (رغم الكلام الذي يقال ورغم الكارهين والحاقدين الذين يكرهون الدكتور القرضاوي ولا يحبون الاسلام كمنهج حياة لهذه الأمة ) وكأن القرضاوي نبي الاسلام حتى يصبح هو الممثل الشرعي والوحيد للإسلام، في غلو من الصعب تجاوزه سيقود حتما لفتاوى تكفير وقتل كما حصل في انقلاب 2007 في غزة.
ولنعود لخطبة هنية لمناسبة قدوم القرضاوي ما ردده الناطق باسم حماس لاحقا (أن الشيخ القرضاوي لم يزر غزة اليوم، ولم يدخلها هذا المساء، هو موجود بها وبكل فلسطين وروابيها بكل يوم وليلة، هو موجود بالأقصى والقدس كل لحظة...) وما ظننت ذلك صحيحا إلا ان كان المقصود الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسرى به الى القدس، وان تجاوزنا عن كلام هنية هذا لضرورات المدح وان كان متجاوزا القدر المطلوب، إلا انه لا يتردد بالقول أنه دخل (دخول الفاتحين المنتصرين) مؤكدا انهم أي القرضاوي وقطر (شركاء بصناعة الانتصارات) في غزة.
ويتقدم هنية خطوات اوسع لترافق منحه له جواز السفر الفلسطيني والأوسمة ليمجده مطلقا عليه لقب (شيخ الجهاد بأرض فلسطين، شيخ الاقصى والقدس) لاسيما وانه (نجح في تأصيل فكر الجهاد وتثبيت الثوابت)على حد قوله.
وما رأينا التواضع في التعامل مع زيارة القرضاوي من حماس إلا من قبل عزت الرشق عضو المكتب السياسي لحماس الذي أسف لردود الفعل غير المقبولة لزيارته من قبل الرافضين لها، والقول ان جوازه مزور مشيرا بأن في ذلك إساءة للشعب وخروجاً عن الأعراف الفلسطينية الأصيلة.
إن التواضع سمة العلماء، وتقدير الأمور بقدرها سمة المنصفين، والنظر في الأمور من زاوية المصلحة الكلية سمة السياسيين، وكل غرور وتكبر وتحزب ومغالاة بالضرورة يؤدي الى الشطط ويخرج الأمة في العصر الحديث عن مساقها ومسارها المنشود، فلا الأغاني ولا الأناشيد ولا الأشعار أو الألقاب الفخيمة هي مدخل التحرير، وإنما وحدة القلب والرؤية والخطاب والخطة وتشابك الايدي دون تعصب أو شتم أو عنف أو تكفير أو تخوين.