-
أقلام وآراء ( 509 )
أقلام وآراء
(509)
ما وراء صفقة السجناء
بقلم: حسام الدجني عن القدس العربي
صفقة الحرية
بقلم: عبد الحليم قنديل عن القدس العربي
فلسطين والعرب... علاقة لا فكاك منها
بقلم: بلال الحسن عن الشرق الأوسط
صفقة شاليط.. أو مأزق السلطة الوطنية
بقلم: خيرالله خيرالله عن المستقبل اللبنانية
مرة أخرى .. عن الأردن وحماس
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الاردنية
وما ذنب الزيتون؟
بقلم: يوسف أبو لوز عن الخليج الاماراتية
صفقة شاليط وشلة الربيع العربي
بقلم: إبراهيم بن يوسف المالك عن الرياض السعودية
ما وراء صفقة السجناء
بقلم: حسام الدجني عن القدس العربي
نجحت حركة المقاومة الإسلامية حماس في فرض معظم شروطها على المفاوض الإسرائيلي على العكس تماماً لما تعوّد عليه المواطن العربي والفلسطيني من فرض إسرائيل إرادتها على المفاوض الفلسطيني والذي لم يستطع طوال عقدين من الزمن أن يخرج أسيراً واحداً ممن تسميهم إسرائيل بالأيادي الملطخة بالدماء، ونسميهم نحن بالأيادي المتوضئة والمباركة والتي رسمت الطريق إلى التحرير والعودة.. فكيف نجحت الصفقة؟ وما هي انعكاساتها على مشروع المقاومة؟ ولماذا وافقت حماس على استثناء بعض قيادات العمل الوطني والإسلامي؟
نجحت الصفقة بفضل الله أولاً وأخيراً ثم بنزاهة الوسيط المصري المتمثل بجهاز المخابرات، وكذلك صمود وصبر الشعب الفلسطيني بشكل عام وقطاع غزة بشكل خاص، وأخيراً بفضل قوة وعزيمة الفريق المفاوض والذي يترأسه شخصية قوية عبقرية يعرفها قطاع غزة من خلال الصور فقط، فهو ليس من عشاق الفضائيات ولا من عشاق الكلام ولكنه من عشاق العمل، هو القائد العسكري أحمد الجعبري، ومعه ثلاث قيادات من الصف الأول لحركة حماس، فعمل الجميع كخلية نحل، وتمسكوا بنفس طويل قادهم لتحقيق هذا النصر التاريخي، وفرض معظم شروطهم على المفاوض الإسرائيلي، والذي رضخ أخيراً لتك المطالب المشروعة، أضف إلى ذلك خشية إسرائيل من تنفيذ صفقة تبادل أسرى مع جمهورية مصر العربية تتسلم بموجبها إسرائيل الجاسوس الإسرائيلي الأمريكي إيلان جرابيل مقابل أسرى مصريين، وبذلك تضع القيادة الإسرائيلية نفسها في حرج محلي ودولي، كون الجاسوس الإسرائيلي لم يمكث في الأسر سوى بضع شهور بينما جلعاد شاليط تجاوز احتجازه الخمس سنوات، إضافة إلى ذلك موقف فرنسا من إسرائيل في حال نفذت الأخيرة صفقة الجاسوس جرابيل قبل شاليط الذي يحمل الجنسية الفرنسية.
أما انعكاسات الصفقة على مشروع المقاومة، فهي على النحو التالي:
1- عززت ثقة المواطن بمشروع المقاومة المسلحة والتي يحاول البعض طمسها من القاموس السياسي واستبدالها بالمقاومة السلمية.
2- أكدت على نجاح مشروع المزاوجة بين الحكم والمقاومة الذي تتبناه حركة حماس.
3- فتحت شهية فصائل العمل الوطني والإسلامي على مزيد من عمليات خطف الجنود وإبرام مزيد من صفقات التبادل مع إسرائيل.
4- أحرجت من يتبنون التسوية والمفاوضات كخيار واحد ووحيد لنيل الحقوق الوطنية المسلوبة.
5- حملت الصفقة رسائل سياسية عديدة للمجتمع الدولي بأن المقاومة ليست إرهاباً، وإنما هي وسيلة للتحرير، وكذلك أعادت الاعتبار لقضية الأسرى على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.
6- قد تعجل الصفقة المصالحة الوطنية على أساس مشروع المقاومة بكافة أشكالها.
أما فيما يتعلق ببعض التسريبات الإعلامية بأن حركة حماس وافقت على استثناء بعض قيادات العمل الوطني والإسلامي، فحتى لو صحّت تلك التسريبات- ونتمنى عكس ذلك- فإنها لا تنقص من شأن الصفقة لأن حماس عندما وضعت شروطها فهي طالبت بأعلى سقف ممكن، وبذلك قد تكون حماس حققت أعلى مما توقعته، ولكن هذا لا يسقط خيار خطف جندي إسرائيلي آخر، ونكون على موعد مع ألف أسير آخر وعلى رأس تلك القوائم قادة العمل الوطني والإسلامي، وجميع أسرى الحرية، فصفقة شاليط ليست نهاية المطاف، وإنما هي خطوة على طريق تحرير الأسرى.
خلاصة القول، فإن حركة حماس انتصرت على إسرائيل، وإن للصفقة ما وراءها، وبتلك التجربة الرائدة أكدت حماس على دورها الريادي والمحوري في المنطقة، وقد تشهد الأيام المقبلة مزيد من الاتصالات والعلاقات الدولية للحركة الإسلامية والتي قد تقود إلى رفع اسم تلك الحركة من قوائم الإرهاب، والبحث في آليات إنهاء الاحتلال.
صفقة الحرية
بقلم: عبد الحليم قنديل عن القدس العربي
صفقة الإفراج عن شاليط مقابل ألف أسير فلسطيني عنوان لتوازن قوى جديد في الصراع العربي الإسرائيلي المتصل بفصوله إلى أن تستقر النجوم في مداراتها الأصلية.
قصة أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط معروفة، وجرت وقائعها قبل أربع سنوات، وكانت عملا طليعيا ممتازا لكتائب عز الدين القسام الجناح لعسكري لحركة حماس، لم تكن العملية الأولى من نوعها بالطبع، فقد سبقتها عمليات احتجاز لجنود إسرائيليين طوال رحلة الكفاح الفلسطيني، لكن إسرائيل كانت تنجح في الوصول إلى أسراها، وإطلاق سراحهم، وهو ما لم يتيسر لها أبدا في حالة شاليط، والذي كانت عملية أسره عبقرية من الزاوية العسكرية، وكان الاحتفاظ به طوال هذه السنوات، وإفشال كل محاولة إسرائيلية في الوصول إليه، كان ذلك عملا عبقريا آخر، ويرقى لمقام الأسطورة، فقد جرى احتجاز شاليط في غزة، والتي لا تزيد مساحتها الكلية عن 365 كيلو متر مربع، وتبدو مكشوفة بالكامل أمام التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، وكانت مليئة بعملاء إسرائيل من ضعاف النفوس، والذين ساعدوها في توفير معلومات غاية في الدقة والحساسية، مكنت الجيش الإسرائيلي من تنفيذ عمليات اغتيال متكررة لقادة حماس الكبار، لم تستثن الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس ومرشدها الروحي، وكات تلك نقطة فاصلة في مجرى صراع مخابراتي وعسكري غاية في الشراسة، دفعت حماس إلى تطهير غزة من العملاء، وإلى إحكام تكتيكات التخفي، والاستفادة من تجربة حزب الله بالذات، وتقوية ذراع العمل المخابراتي، وأثمر العمل الدءوب في توفير حصانة لغزة، والتي تقع بمساحتها الصغيرة كلها في مرمى البصر الكاشف للأجهزة الإسرائيلية، وهنا بالضبط كانت المعجزة، وظل شاليط في يد حماس، وفي مكان لا تصل إليه يد إسرائيل، والتي دبرت عشرات الخطط للوصول إليه، وتعهدت تسيبي ليفني، ومن بعدها بنيامين نتنياهو بإطلاق سراحه، وشنت إسرائيل عدوانها الواسع النطاق على غزة في أواخر 2008 أوائل 2009، أغرقت غزة في رصاصها المصهور، وواصلت الحرب المجنونة على مدار ما يقارب الشهر الكامل، لكنها فشلت بالجملة، تراجعت عن اقتحام غزة، ولم تستطع قلب حكم حماس، ولا استطاعت الحصول على معلومة واحدة مفيدة عن مكان احتجاز شاليط، واضطرت بعدها إلى الرضوخ لشروط حماس في تفاوض غير مباشر، لعبت فيه المخابرات الألمانية دورا، وأسفر عن تحرير عشرات الأسرى الفلسطينيين، وفي مقابل شريط فيديو، يظهر فيه شاليط، ويؤكد للإسرائيليين أنه لا يزال على قيد الحياة، ويطالبهم بالتجاوب مع صفقة الإفراج على الطريقة التي تفضلها حماس.
كانت حكاية شاليط صداعا دائما في رأس الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وقد جربت إسرائيل كل السبل المتاحة، استعانت بجهود المخابرات الأمريكية دون نفع محقق، وضغطت على حماس بمزيد من عمليات اعتقال قادتها في الضفة الغربية بالذات، وطلبت عون 'جماعة إسرائيل' الكامنة في قيادة حركة فلسطينية كبرى، واستعانت بصديق إسرائيل الأكبر وكنزها الاستراتيجي الأعظم حسني مبارك، والذي زاد في إغلاق المعابر وتشديد الحصار على غزة، وضغط من خلال رئيس مخابراته اللواء عمر سليمان، وبهدف خفض شروط حماس، وتسهيل عملية إطلاق شاليط خدمة للإسرائيليين، وتحطمت الضغوط كلها على صخرة تصميم حماس، وجهد كوادرها البطولي الخارق في عمليات التمويه وإخفاء شاليط، وإلى أن اختفى مبارك من السلطة، وفقد صفته كرئيس مع النجاح الأول للثورة الشعبية المصرية، وهنا بدأ التخلخل في طوق الحصار الاستراتيجي المفروض على حماس، وسرت روح جديدة في القاهرة، وفي جهاز مخابراتها بالذات، انطوت صفحة عمر سليمان الذي كان يكره حماس بجنون، ولعب رئيس المخابرات المصرية الجديد اللواء مراد موافي دورا أفضل، وحقق اختراقا في دفع حماس وفتح إلى توقيع اتفاق الممصالحة، ثم حقق اختراقه الكبير الثاني في إتمام صفقة شاليط، وجمعت المخابرات المصرية كل الخيوط في يدها، وأدارت تفاوضا مع ثلاثة أطراف في وقت واحد، تفاوضت مع وسطاء المخابرات الألمانية ،وجلبت وفدين من حماس ومن إسرائيل إلى القاهرة، وبطريقة سرية، وأدارت التفاوض غير المباشر بينهما، وبروح التفهم لمطالب حماس، وممارسة ضغط أكبر على الإسرائيليين، وبما أسفر في النهاية عن صفقة تحرير ألف أسير فلسطيني مقابل جندي إسرائيلي واحد.
وبالطبع، فإن كاتب السطور يعتقد أن هذه ليست الصورة المثلي لمصر، ولا لدور جهاز مخابراتها العتيد، والذي بنى في الأساس كإطار لعمل وطني ضد إسرائيل، وليس للتفاوض معها، ولا للعمل كوسيط، وهذه قصة أكبر على أي حال، وفصولها متلاحقة حتى يتحقق أمل غالبية المصريين الساحقة، وتتحرر مصر من محنة كامب ديفيد وما تلاها، لكن المحصلة إلى الآن مراوغة، وإن كانت أقل بؤسا مما بدا عليه الحال في أيام المخلوع مبارك، فثمة تغيير في البيئة النفسية، وإن لم نصل بعد إلى حد التغير الجوهري في المواقف، وكل تغيير في مصر مهما تواضع يؤثر بشدة، ولصالح العمل الفلسطيني بالذات، وتبدو قيادة حماس واعية مدركة للفرص المستجدة، وحريصة على الاستفادة منها، وعلى توفير ظهير مصري أكثر أمانا لعملها السياسي بالذات، وهو ما يخلق معادلة جديدة، تتيح لحماس إدارة مفاوضاتها غير المباشرة من موقع أفضل، وتعزز من حصانة قاعدتها السياسية والعسكرية في غزة، وتجعل من حركة حماس مثالا مقاربا لحالة حزب الله، تطور في قوة الردع العسكري، وترفض التفاوض المذل على طريقة محمود عباس، وتقلد حزب الله في طرائق عمله السياسي المقتدرة، وربما لا تكون مصادفة، أو قل أنها مصادفة ذات مغزى بليغ، أن تتكرر المشاهد ذاتها، ففي سيرة حزب الله ملاحم لاختطاف وأسر جنود إسرائيليين، وبهدف استخدامهم كورقة تفاوض ضاغط لإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، وإجبار إسرائيل على تجرع السم، وهو ما فعلته حماس في حالة شاليط، وأعلنت كتائب عز الدين القسام عن اعتزامها تكرار عمليات خطف وأسر جنود إسرائيليين، فالتشابه في التكتيك موجود، ويرقي إلى حد العقيدة القتالية في ظروف ميدان متقاربة، وحتى التشابه في الوساطات موجود، فالوسيط الألماني قائم بدوره في حالة عمل حماس كما حزب اله، وإن كان دور المخابرات المصرية هو العنصر المميز في حالة عمل حماس، وهذه كلها تفاصيل، فالمهم أن صفقة الحرية تمت، وهي قابلة للتكرار، وإلى أن تتحرر فلسطين بشرا وحجرا.
فلسطين والعرب... علاقة لا فكاك منها
بقلم: بلال الحسن عن الشرق الأوسط
يشكل موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي موضوعا استراتيجيا دائم الحضور، أمام كل دولة عربية، وأمام كل سلطة مهما كان نوعها. وبسبب ذلك وُجدت الحركة النضالية الشعبية ضد إسرائيل، وكانت هذه الحركة النضالية الشعبية فلسطينية تارة، وعربية تارة أخرى، وشكلت هذه الحركة النضالية وسيلة الاستمرار في مواجهة التحدي الإسرائيلي.
وكانت وسيلة العمل عسكرية (فدائية) في معظم الأحيان، وسياسية في بعض الأحيان، سواء عبر اتفاق أوسلو، أو عبر منهج العمل السياسي الذي تتبناه السلطة الفلسطينية حاليا.
الآن.. ثمة ظروف ووقائع تتيح طرح السؤال: هل وصل العمل الوطني الفلسطيني، سواء من خلال منهجه العسكري، أو من خلال منهجه السياسي، إلى طريق مسدود؟
محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، هو صاحب نظرية التفاوض ثم التفاوض. ولا نريد هنا أن نناقش صحة هذا المنهج أو خطأه، لكننا نريد تتبع حركته فحسب. فهو من موقعه وضع منهجه موضع التطبيق، أولا مع إسرائيل حيث العمل السياسي المطلوب. ولكن ما ظهر منذ اللحظة الأولى أن القيادة السياسية الإسرائيلية ليست مستعدة وليست جاهزة لأي تفاوض سياسي. فهي منذ اللحظة الأولى وضعت شروطها الخاصة للبدء في هذا التفاوض السياسي، وكانت شروط إسرائيل تعني فرض النتائج التفاوضية سلفا لصالحها، وهو ما لا يمكن أن يستقيم معه أي تفاوض. طلبت إسرائيل أن يبدأ التفاوض حول بند الحدود، وذلك حتى لا تسلم سلفا بأن التفاوض لا بد أن ينطلق من مبدأ حدود عام 1967. ومضت أيام وأسابيع من دون أن يتغير هذا الموقف الإسرائيلي، وبالطبع من دون أن تبدأ عملية التفاوض.
ورغم هذه النتيجة، لم ييأس الرئيس عباس من متابعة منهج التفاوض، وكان أن حاول هذه المرة أن ينقل الموضوع إلى الإطار الدولي، فأصر على طرح موضوع عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، أمام مجلس الأمن. ودارت هنا حرب دبلوماسية دولية، وأعلنت إسرائيل رفضها للموضوع من حيث المبدأ، ودعمتها الولايات المتحدة الأميركية، وهي رفعت هنا شعار التفاوض كمدخل وحيد في أي قضية مطروحة. ومن خلال جو التحدي هذا، أصر محمود عباس على موقفه، وذهب إلى الأمم المتحدة، وألقى خطاب فلسطين هناك، طالبا من مجلس الأمن أن يقر عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة.
شكل الذهاب إلى الأمم المتحدة نجاحا للسلطة الفلسطينية. وشكل إلقاء محمود عباس لخطابه نجاحا إضافيا. ولكن بعد ذلك مباشرة بدأت المشكلة. فالطلب الرئيسي في الخطاب، أي قبول عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، أحيل إلى مجلس الأمن، وأحاله مجلس الأمن إلى لجنة العضوية، وهنا برز الاجتهاد المضاد الذي يقول بأن العضوية في مجلس الأمن هي للدول فقط، ومنظمة التحرير الفلسطينية ليست دولة. وبهذا وصل التحرك السياسي الجديد إلى حائط مسدود.
على الجانب الآخر، يقف منهج العمل الفدائي الفلسطيني كوسيلة عسكرية فلسطينية تتحدى دولة إسرائيل. وقد أثمر العمل الفدائي عن إبقاء القضية حية، وعن إبقاء الوضع الدولي متحفزا يراقب ما يجري، ويحاول أن يضغط باتجاه نتيجة ما. وبفضله وافقت إسرائيل أن تذهب إلى التفاوض، ووافقت منظمة التحرير على أن توقف العمل الفدائي ضد الاحتلال، ثم أثمرت هذه السياسة عن اتفاق أوسلو عام 1993. وهنا تم إيقاف العمل الفدائي بينما لم تثمر المفاوضات عن نتيجة ما في عهد الرئيس الفلسطيني عرفات، وفي عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 2000.
في هذه الأثناء حاول عرفات بين عامي 2000 و2002 أن يدمج بين العمل الفدائي والمقاومة، لكن فرض الحصار عليه من قبل إسرائيل في مقر إقامته في رام الله - ثم جاء مرضه ووفاته فأنهيا هذه المرحلة من دون نتائج.
وحين تولى الرئيس محمود عباس رئاسة السلطة، حاول من جانبه أن يجعل من موضوع التفاوض أساسا للعمل، تشجيعا لإسرائيل على القبول. ومع ذلك فإن محاولته هذه لم تثمر. وهنا عاد موضوع العمل الفدائي ضد الاحتلال ليفرض نفسه من جديد، وكانت حركة حماس المعارضة، والمتبنية لمنهج العمل الفدائي، هي المؤهلة لأداء هذا الدور، وقد بادرت إليه فعلا، ولكن ما هي إلا فسحة قصيرة حتى نشب خلاف بين حماس المتنفذة في قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية المتنفذة في الضفة الغربية، وتطور هذا الخلاف إلى اشتباكات أسفرت عن سيطرة حماس عسكريا على قطاع غزة، ووجدت بسبب ذلك سلطتان فلسطينيتان. وكان متوقعا أن تقود حركة حماس سياسة عمل فدائي ينطلق من القطاع ضد إسرائيل، ولكن هذا لم يحدث. إذ لم تعد حماس بعد السيطرة على غزة مجرد حركة معارضة، أصبحت حركة حاكمة لجزء من الوطن، وللحكم طبعا مقتضياته. ومنها تأمين ظروف المعيشة لنحو مليوني نسمة في القطاع، وهنا أدركت حماس أنها لا تستطيع مواجهة اعتداءات إسرائيل. صحيح أنها واجهت الحملة الإسرائيلية الأولى على غزة، لكنها واجهتها من موقف الدفاع الذي مكنها من الصمود لكنه لم يتح لها إنجاز شيء ما. وإذا تكرر الأمر فإنه قد يؤدي إلى إعادة احتلال غزة.
يتضح من خلال هذه الصورة أن الدبلوماسية الفلسطينية مع إسرائيل لم تثمر، وأنها لا تكفي وحدها كخطة للعمل. ويتضح أيضا أن الحرب (العمل الفدائي) من خلال واقع غزة فقط لا يثمر أيضا، إذ إن موازين القوى مختلة لصالح إسرائيل. فما هو المخرج إذن؟
هذا السؤال ليس مطروحا على محمود عباس فقط، وليس مطروحا على حركة حماس فقط، إنه مطروح على الطرفين. وهناك الآن حوار مصالحة يجري بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، فهل يمكن لحوار المصالحة أن يبحث هذه القضية وما يترتب عليها؟
وإذا لم تبحث هذه القضية (وتفرعاتها) في حوار المصالحة، وإذا لم يتم إيجاد جواب نضالي، وليس جوابا يقر الأمر الواقع فقط، فإن ذلك سيعني القبول بالطريق المسدود. فلا العمل السياسي يجدي، ولا العمل الفدائي ممكن من غزة فقط.
وثمة أفق آخر للقضية لا يمكن تجاهله، وهو التغيير الذي حدث في مصر بعد زوال حكم الرئيس السابق حسني مبارك. ففي مصر الآن سلطة تتعامل إيجابيا مع حركة حماس، ولا تستطيع حماس في غزة أن تتجاهل علاقاتها الطبيعية مع مصر، خاصة أن مصر لعبت مؤخرا أدوارا سياسية لصالح حركة حماس، ليس أقلها وساطتها في إنجاز صفقة تبادل الأسرى، وليس أقلها أيضا تدخلها من دون إعلان لوقف حملات عسكرية إسرائيلية كانت على وشك البدء ضد قطاع غزة.
لكل هذا تفرض الوقائع على الجميع البحث عن بديل متفق عليه. إن البحث عن البديل هو التحدي الكبير المطروح على الجميع الآن. وفي جوهر هذا التحدي الفكرة الأصلية الموجودة دائما حتى لو تجاهلها الكثيرون، وهي أن العمل الفدائي الفلسطيني هو بالضرورة عمل عربي أيضا، إذ لا يوجد عمل فلسطيني بحت، لا سياسيا ولا فدائيا، وحين يتم اعتماد العمل الفلسطيني البحت تنفرد إسرائيل بقطف النتائج لصالحها.
ولا بد أن نسأل هنا: من هي الجهة الفلسطينية التي ستقود هذا الحوار مع العرب؟ ومن هي الجهة العربية التي ستقود هذا الحوار مع الفلسطينيين؟
ولا يظنن أحد أنه يستطيع أن يواصل الدرب بمفرده.
صفقة شاليط.. أو مأزق السلطة الوطنية
بقلم: خيرالله خيرالله عن المستقبل اللبنانية
منذ ما يزيد على خمس سنوات، كانت غزة أسيرة الأسير الإسرائيلي جلعاد شليط. الآن وبعد التوصل الى صفقة بين "حماس" وحكومة بنيامين نتنياهو بوساطة الإخوان المسلمين في مصر ووسيط ألماني أو أكثر، هل تتحرر غزة من الأسر... أم تبقى أسيرة ما هو أخطر من أن يكون القطاع أسير جندي إسرائيلي محتجز منذ حزيران 2006؟
الأخطر من أن يكون القطاع أسير جندي إسرائيلي يتمثّل في بقائه أسير عقلية معيّنة تعتبر أن تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني أهمّ بكثير من التخلص من الاحتلال. لذلك، لا يمكن أن يُقاس أي انتصار ناتج عن صفقة إطلاق شليط إلا بمدى النجاح في التخلص من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية. في النهاية ماذا يعني أطلاق ألف وسبعة وعشرين أسيراً فلسطينياً في مقابل الإفراج عن جلعاد شليط؟ أليس في استطاعة إسرائيل، في أقلّ من أسبوع، أسر ما يزيد على ألف فلسطيني متى تستنفد الغرض من الصفقة؟
في حسابات الربح والخسارة، خسرت غزة الكثير في السنوات الخمس الأخيرة. يكفي أنها صارت تحت الحصار ولا تزال كذلك. ويكفي أن هناك عائلات لا تزال في العراء منذ الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع أواخر العام 2008 وبداية العام 2009.
في تلك الحرب التي استُخدم أسر جلعاد شليط غطاء لها، مارست إسرائيل إرهاب الدولة فيما العالم يتفرّج. قتلت ما يزيد على ألف وأربعمئة فلسطيني معظمهم من المدنيين، بما في ذلك نساء وأطفال ودمّرت ربع البنية التحتية للقطاع. قتلت إسرائيل من أرادت قتله من قادة "حماس" وحاصرت من أرادت محاصرته. انسحبت من غزة بعدما تأكدت أن "حماس" مستمرة في السيطرة على غزة وأن لا هدف لها سوى الاحتفاظ بـ"إمارة إسلامية" على الطريقة الطالبانية، نسبة الى طالبان.
في السنة 2011، حققت إسرائيل سلسلة من الأهداف عبر التوصل الى صفقة مع "حماس". قبل كل شيء، يستطيع بنيامين نتنياهو تصوير نفسه "بطلاً وطنياً" أصرّ على استعادة الأسير حيّاً وفي صحة جيدة. فضلاً عن ذلك، سيكون قادراً على القول إن الثمن الذي دفعه لا يمثل شيئاً ما دام في استطاعته إعادة الأسرى الى السجون الإسرائيلية متى شاء ذلك من جهة، وما دام الهدف النهائي إبقاء "حماس" حية ترزق في مواجهة مستمرة ويومية مع السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.
تبدو الصفقة بين "حماس" وإسرائيل وكأنها امتداد للمؤتمر الذي عقد أخيراً في طهران بهدف التأكيد أن هناك "مقاومة" عربية- إسلامية قادرة على تحرير فلسطين من البحر الى النهر أو من النهر الى البحر لا فارق. إنه شعار لا يخدم سوى إسرائيل التي تتذرع بمثل هذا النوع من المؤتمرات لإظهار نفسها في مظهر الضحية في حين أنها تمارس أبشع أنواع الإرهاب عن طريق الإصرار على تكريس احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية. ولذلك، ليس صدفة أن يعلن السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" عن صفقة شليط من دمشق بعد أيام من مشاركته في مؤتمر طهران. يبدو مطلوباً أكثر من أيّ وقت ظهور المحور الإيراني- السوري في مظهر من لا يزال قادراً على عقد صفقات مع إسرائيل... أو تسهيل صفقات تعقدها "حماس" معها.
يبقى أنّ أهمّ ما في صفقة شليط توقيتها. إنها تأتي فيما السلطة الوطنية الفلسطينية تسعى الى الحصول على اعتراف من الأمم المتحدة بدولة فلسطين في حدود العام 1967. هناك حرب إسرائيلية على هذا التوجه. ولذلك كان مفيداً إعادة تعويم "حماس" التي تقاوم بدورها الجهد الفلسطيني في الأمم المتحدة.
ليس سرّاً أن صفقة شليط أحرجت رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (أبو مازن) الذي لم يجد ما يقوله سوى الترحيب بإطلاق أسرى فلسطينيين. يعرف "أبو مازن" قبل غيره أنه لو كانت إسرائيل مهتمة بمفاوضات جدّية مع السلطة الوطنية من أجل التوصل الى هدف الدولتين، لكان أولّ ما فعلته إطلاق مجموعة من الأسرى.
الأكيد أن السلطة الوطنية تلقت ضربة قوية. سيترتب عليها التعاطي مع واقع جديد يتمثل في أن "حماس" غير راغبة في دعم المشروع الوطني الفلسطيني من جهة وأن إسرائيل على استعداد لدعم أي طرف فلسطيني يقف في وجه خيار الدولة المستقلة من جهة أخرى. وهذا يعني في طبيعة الحال أن كلّ كلام عن مصالحة فلسطينية لا معنى له ما دام الهدف من المصالحة غير واضح.
لا مفرّ من الاعتراف في نهاية المطاف أن لا وجود لشيء اسمه مصالحة من أجل المصالحة في غياب الهدف السياسي المحدد، تماماً مثلما أن لا وجود لشيء اسمه التفاوض من أجل التفاوض على الطريقة الإسرائيلية. تريد "حماس" مصالحة من أجل المصالحة وتريد إسرائيل التفاوض من أجل التفاوض. لعلّ صفقة جلعاد شليط التي نضجت على نار هادئة وكلفت الفلسطينيين مئات القتلى والجرحى والكثير من الدمار أفضل تعبير عن هذا الواقع الذي يمكن تسميته "مأزق السلطة الوطنية الفلسطينية.
مرة أخرى .. عن الأردن وحماس
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الاردنية
يبدو أن جدران الجليد التي غلّفت العلاقة بين الأردن وحماس، قد ذابت تماماً، أو هي في طريقها إلى ذلك...قنوات الاتصال المباشر وغير المباشر، نشطت مؤخراً، وعلى مستويات أمنية وسياسية غير مسبوقة منذ سنوات، حتى أن بعض التوقعات المتفائلة، ذهبت أبعد مما كنا نطالب به أو نتحدث عنه، طوال الفترات القليلة الفائتة.
من جانب حماس، وعلى الدوام، كان هدف استعادة اطيب العلاقات مع الأردن، في صدارة الأولويات، وكاتب هذه السطور مطلٌّ شخصياً على بعض فصول المحاولات الحمساوية المحمومة لشق "طرق التفافية" حول العقبات التي كانت تضعها بعض دوائر صنع القرار في طريق استعادة العلاقة بين الحركة والحكم...ولطالما استمعت شخصياً لأحاديث مسؤولين كبار من حماس، في جلسات خاصة وعامة، باحوا في خلالها بما يعتمل في الصدور والقلوب من نوايا ورغبات وتطلعات.
ولقد كانت الحركة على أتم الاستعداد لمراعاة ما يخطر في بال هذه الدوائر من تحفظات ومخاوف...كانت على استعداد للقبول بقنوات اتصال أمنية في البدء، والاكتفاء بإجراء اتصالات سياسية مكتومة...لم تطالب بعودة المكاتب والمبعدين...كل ما كان يخطر في البال قبل عامين أو ثلاثة أعوام، لم يتعد، شق الطرق وتفتيح قنوات التواصل، وتبادل المعطيات والتقديرات، والحرص على أن تسمع القيادة الأردنية "من حركة حماس وليس عنها"، وهذه العبارة لرئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، قالها لكاتب هذه السطور.
والحقيقة أنني وجدت صعوبة في فهم كنه "الصدّ" وأسباب الرفض اللذين كانت تقابل بهما، كل محاولة يبذلها هذا الوسيط أو ذاك لترطيب الأجواء و"رفع الفيتو"...لقد طاف خالد مشعل وصحبه، كل الدول العربية من دون استثناء...زاروا دول الاعتدال العربي جميعها، بما فيها أكثرها حذراً وتحفظاً، إلا عمّان ظلت عصيّة عليهم، اللهم باستثناء زيارات سرية لمحمد نزال ومحمد نصر عضوي مكتب الحركة السياسي، وزيارتين إنسانيتي الطابع لرئيس الحركة.
على أية حال، نحن استبشرنا خيراً بزيارة خالد مشعل الأخيرة للأردن، حتى وإن جاءت في سياق إنساني، ...وطالبنا بأن تندرج زيارات مشعل ورفاقه لعمان،
في سياق سياسي، لا إنساني مجرد...يومها اتصل "أبو الوليد" موضحاً وشارحاً، وأعاد على مسمعي عبارات التقدير والشكر لمن جعل حدوث تلك الزيارة، امراً ممكناً.
اليوم، تبدو الأمور قد دخلت في سكة جديدة، والعلاقة مع حماس، باتت مندرجة في سياق سياسي...حتى الأخ "أبو العبد" إسماعيل هنية، الذي لم يترك فرصة تمر، دون أن يشيد فيها بدور الأردن الإنساني الداعم لأهل غزة، صار بمقدوره أن يهاتف رئيس حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، ليضعه في صورة التطورات المحيطة بصفقة شاليط...وقبلها كان وزير الصحة الفلسطيني، في حكومة حماس بغزة، يزور عمان، في سياق غير سياسي، ولكن غير مسبوق أيضاً منذ أن تعطلت زيارة القيادي الحماسي محمود الزهار للأردن، والذي كان يشغل في حينها، منصب وزير خارجية فلسطين.
ولن يكون بمقدور المراقب أو المحلل السياسي، أن يفصل بين عودة الروح لعروق العلاقة بين حماس والأردن من جهة، وإتمام صفقة تبادل الأسرى من جهة ثانية... ثمة تزامن قد يتكشف عن صدفة، وقد يتكشف عن ضرورة، بمعنى هل كان الأردن يفضل أن يرى هذا الملف مغلقاً قبل أن يفتح مرحلة جديدة في علاقته مع حماس؟... من جهتي، لا أرى ضرورة لربط هذه بتلك.
المهم، أن الحياة قد دبّت مجدداً في عروق العلاقات الثنائية وشرايينها المتيبّسة...المهم أننا أمام خطوة أردنية في الاتجاه الصحيح...لا تعني بالضرورة تبدلاً عميقاً في خريطة المواقف والمواقع والتحالفات....ولا تعني استبدال العلاقة مع حماس، بالعلاقة مع السلطة والمنظمة...المهم أن تكون عودة العلاقة الأردنية الحماسية، في سياق انفتاح أوسع وأشمل، يمكن الأردن من الاضطلاع بدوره في عدد من الملفات الفلسطينية المعقدة، بما في ذلك ملف المصالحة الذي يبدو أنه سيشهد بدوره، مرحلة من الانفراج، بعد سنوات من انفجار العلاقات الفلسطينية الداخلية.
لن يكون بمقدور أي طرف عربي أو إقليمي أو دولي، أن يدعي قدرته على التأثير في مجرى الأحداث والتطورات الفلسطينية، وهو على "قطيعة" مع مكون فلسطيني رئيس، كفتح أو حماس...لن يكون بمقدور أحد أن يطالب حماس بأن تبتعد عن هذا المحور أو ذاك، وهو يغلق كل الأبواب في وجهها...لقد كتبنا في هذه الزاوية قبل خمس سنوات، منذ فوز حماس في انتخابات عام 2006، بأن أي باب يغلق في وجه الحركة في القاهرة وعمان والرياض، ستفتح مقابله عشرات الأبواب في دمشق وطهران... وأن من "الخطل" مطالبة الحركة بفك عرى تحالفها مع هذا المحور، فيما المحور الثاني يدير لها أذناً من طين وأخرى من عجين، بل ويراهن على سقوطها.
وما ذنب الزيتون؟
بقلم: يوسف أبو لوز عن الخليج الاماراتية
جنون “الإسرائيلي” وساديته المكشوفة تجاه شجرة الزيتون في فلسطين يحتاجان حقاً إلى قراءة سيكولوجية يقوم بها فريق عمل من علماء الاجتماع والنفس، والسياسة أيضاً، فمن يحارب الشجر بالعصاب العسكري نفسه الذي يحارب فيه البشر، بل، وأشرس من ذلك يحتاج بالفعل إلى مختبر بحثي يذهب في قراءاته إلى جذور هذا الجنون وهذه السادية المفرطة في القهوة .
لكن القوة، هنا، قوة ضعيفة طالما أنها مجرد قوة اقتلاع شجرة من قلب التراب، لا بل إن هذه القوة السادية المجنونة هي أيضاً ضعيفة وهي تقتلع منزلاً وتهدم بيتاً أو تبني جداراً عازلاً، أو تنسف حياً سكنياً بأكمله .
استخدم “الإسرائيلي” القوة في كل مسارات أخطبوطه العدواني الشرس في فلسطين منذ أكثر من ستين عاماً، كان نصفها على الأقل كافياً لتدجين الوحش واقترابه من الأشجار أو صداقة الأشجار .
بالنسبة إلى “الإسرائيلي” هذا كلام شعري يقابله بالضحك والسخرية، ذلك أن عمق الثقافة “الإسرائيلية” هو عمق مادي في الأساس لا يعترف بصداقة شجر أو صداقة بشر .
ما ذنب شجرة زيتون في قرية فلسطينية هي ليست فقط شجرة العائلة، بل هي الستر والستار من الجوع والفاقة والحاجة .
يأكل الفلسطيني من شجرة الزيتون، وينام تحت ظلالها، ويراها في قراءته وفي قرآنه، ويلوذ بها في منفاه وفي هجراته، ويتخذ من غصنها الدائم الخضرة رمزاً، ويزرعها في فناء منزله في حله وفي ترحاله، ويعلم أبناءه أن يتوارثوا الشجر قبل الحجر، ويقول لأهل بيته إن الأرض والعرض بساط بشري إنساني إن مسه شر، مس الشر الحياة .
الزيتونة في الثقافة الفلسطينية ذاكرة . .
الزيتونة واحدة من العائلة في تاريخ الفلسطيني الذي مازال حتى الآن يبحث عن منفى أخير، هو بلاده .
شجرة دائمة الخضرة . يأكل من ثمرها الغني والفقير . دخلت إلى الشعر من نافذة محمود درويش، ونامت في رواية غسان كنفاني، وأخذت شكلاً تجريدياً موسيقياً في لوحة كمال بلاطة .
شجرة ليست نرجسية، لا ترفع رأسها عالياً مغرورة مثل السرو، ولا تتباهى بجدائل من الزيزفون، ولا تعبد الشمس، ولا توقع فتنة بين آدم وحواء مثل التفاح .. شجرة وحيدة في بلاد يربض على قلبها الجاثوم “الإسرائيلي”، ولذلك يجب قتلها .
صفقة شاليط وشلة الربيع العربي
بقلم: إبراهيم بن يوسف المالك عن الرياض السعودية
جلعاد شاليط" هو ذلك الجندي الإسرائيلي ذو التسعة عشر "ربيعاً" -عندما تم اعتقالة- وأشغل العالم بقضيته وكأن الأسير لدى حماس (في نظرهم) برتبة مشير! الدرس المستفاد من هذه القضية هو أكبر من قضية الاعتقال نفسها، فمن المؤكد أن شاليط لا يشكل هماً لدينا نحن كعرب (بشخصه) بأي حال من الأحوال، هو بالفعل لا يساوي شيئا "كشخص" بقدر ما هو جندي إسرائيلي مجرم تابع لدولة محتلة تقوم بأعمال خارجة عن القانون، كان يقوم بمهام معينة لقتل إخوتنا في فلسطين وهذا كفيل بأن نشعر بالسعادة لاعتقاله...
"شاليط" من أشغلنا وأشغل العالم بقضيته، كان أحد الأسباب الرئيسية لتكثيف ممارسات القتل والعنف والاضطهاد من قبل الدولة المجرمة المحتلة على مدى الخمس سنوات الماضية، فبسبب هذا الجندي "الصغير" تم حصار غزة وتم على إثر ذلك تجويع ملايين الفلسطينيين، وحرموا من الدواء، وقتل بسببه آلاف الأطفال، وطارت بسببه عشرات الرؤوس من قياديي حماس، والكثير من المؤامرات السياسية داخلياً وخارجياً حصلت بسبب "شاليط" هذا! ولم تكن هذه الدولة المحتلة مرتاحة البال ولم ينم رئيس وزرائها "نتنياهو" قرير العين حتى تم الاتفاق لكي يعود هذا الجندي الصغير لأحضان عائلته كما يقول... في الواقع، هم يعلمون بان حماس لن تقتله لأن هنالك مكاسب أكبر من قتله تبحث عنها حماس ومنها الخروج بهذا الاتفاق، ومع هذا كان الجانب الإسرائيلي يتابع وبحرص شديد أن يعامل معاملة حسنة -على أقل تقدير- تليق بمقام صغيرهم "شاليط"...! تخيلوا، أن في أكتوبر من العام 2009م تم الإفراج عن "20 معتقلة" فلسطينية مقابل الحصول "فقط" على شريط فيديو يظهر بأن "شاليط" على قيد الحياة وبصحة جيدة...!
لست هنا لأمجد تصرف الحكومة الإسرائيلية بقدر ما أتعجب لموقفهم وأبكي على حالنا نحن "كمسلمين وعرب"!! فبينما تتفاوض إسرائيل وتحديداً هذا " النتن ياهو" على فدية رأس "شاليط" بأي ثمن ويجن جنونها لأجل مواطن إسرائيلي كي لا يصاب بأي أذى، يقوم بشار الأسد في المقابل بقتل آلاف الأبرياء من أبناء شعبه! قتل بشار الأسد حتى الآن أكثر من 3000 سوري بينهم أطفال أبرياء! في المقابل يقتل رئيس "اليمن السعيد" يومياً مئات المواطنين المعارضين له حتى وصلوا بالآلاف بدون وجه حق لمجرد انهم طالبوا بالتغيير بعد أن صبروا عليه 30 سنة تخللتها 7 حروب بيمن تعيس واقتصاد منحط...!
وملك ملوك أفريقيا "الهارب" معمر القذافي دك بالطائرات الحربية أبناء شعبه وناداهم "بالجرذان" إلى أن تدخلت الأمم المتحدة ومعها حلف النيتو لخلاص الشعب المسكين من هذا السفاح الغريب!
أيضاً حسني مبارك وبغض النظر عن بعض إنجازاته على الصعيد السياسي في مراحل سابقة وتحديداً في حرب اكتوبر فقد "عمل العمايل" في مصر على مدى أكثر من 3 عقود وقتل العديد من الأبرياء ولا أحد يستطيع إنكار ذلك وقام باعتقالات كثيرة وأدخلهم السجون السياسية تحت مظلة قانون الطوارئ وجعل "مصر" اقتصادياً في أدنى مرتبة هي وشعبها إلى أن أصبح عدد الفقراء في عهده "الميمون" يصل إلى 40% من إجمالي تعداد الشعب! كل هذا حصل في بلاد "المسلمين" أصحاب الفضائل والمبادئ وفي المقابل "شاليطهم الصغير" يفتدى بألف رأس وأكثر، منهم بعد التنازل التاريخي 350 أسير محكوم عليهم بالمؤبد...!
هذا هو قيمة شاليط لدى "ربعه" وهذه هي قيمة "المساكين العرب" لدى مستبديهم...!
مبروك لفلسطين وشعبها هذا المكسب الكبير، وعقبال "شواليط" آخرين إن شاء الله نحرر بهم فلسطيننا بالكامل، كما أتمنى أن يكون وقتها "شعبنا العربي" لا يزال على قيد الحياة...!<hr>